صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 155 - 162

270

270

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن الإِنفاق في وجوه البر والخير، وأعلاها الجهاد في سبيل الله والإِنفاق لإعلاء كلمته، وترغّب في إِخفاء الصدقات لأنها أبعد عن الرياء، فوجه المناسبة ظاهر.

اللغَة: ﴿فَنِعِمَّا﴾ أصلها «نعم ما» أدغمت الميان فصارت نعمّا قال الزجاج: أي نعم الشيء هو ﴿أُحصِرُواْ﴾ الحصر: الحبس أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقد تقدم معنى الحصر ﴿التعفف﴾ من العفة يقال: عفّ عن الشيء أمسك عنه وتنزّه عن طلبه والمراد التعفف عن السؤال ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ السِّيما: العلامة التي يعرف بها الشيء ويقال: سيمياء كالكيمياء وأصلها من السّمة بمعنى العلامة قال تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ [الفتح: 29] ﴿إِلْحَافًا﴾ الإِلحاف: الإِلحاح في السؤال يقال: ألحف: إِذا ألحَّ ولجًّ في السؤال والطلب.

155

سَبَبُ النّزول: عن سعيد بن جبير أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ َ «لا تتصدقوا إِلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ مبيحةً للصدقة على من ليس من دين الإِسلام.

التفِسير: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال أو نذرتم من شيء في سبيل الله فإِن الله يعلمه ويجازيكم عليه ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي إِن تظهروا صدقاتكم فنعم هذا الشيء الذي تفعلونه ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي وإِن تخفوها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأن ذلك أبعد عن الرياء ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم، والآية ترغيب في الإِسرار ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس فإِنك لست بمؤاخذ بجزيرة من لم يهتد، إِنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والله يهدي من شاء من عباده إِلى الإِسلام ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ أي أيّ شيء تنفقونه من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله﴾ خيرٌ بمعنى النهي أي لا تجعلوا إِنفاقكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ دنيوي ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي فإِن أجره وثوابه أضعافًا مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئاص من حسناتكم ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ اي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرض﴾ أي لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ أي يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافًا﴾ أي تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد، وهم مع ذلك لا يسألونك الناس شيئًا أصلًا فلا يقع منهم إِلحاح وقيل معناه: إِن سألوا سألوا بلطفٍ ولم يلحّوا ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإِن الله يجازيكم عليه أحسن الجزاء ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ أي الذين ينفقون في سبيل الله ابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لهم ثواب ما أنفقوا ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ﴾ بين أنفقتم ونفقة جناس الاشتقاق وكذلك بين نذرتم ونذر.

2 - ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات﴾ في الإِبداء والإِخفاء طباقٌ لفظي، وكذلك بين لفظ «الليل والنهار» و«السر والعلانية» وهو من المحسنات البديعية.

156

3 - ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ إطناب لورودها بعد قوله ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ الذي معناه يصلكم وافيًا غير منقوص.

فَائِدَة: قال بعض الحكماء: إِذا اصطنعت المعروف فاستره، وإِذا اصطُنع إِليك فانشره وأنشدوا:

يُخفي صنائعه والله يُظهرها ... إِن الجميل إِذا أخفيتَه ظهرا

157

275

المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بالإِنفاق من طيبات ما كسبوا، وحضّ على الصدقة، ورغب في الإِنفاق في سبيل الله، ذكر هنا ما يقابل ذلك وهو الربا الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح الطالح، الذي هو شحٌٍّ وقذارة ودنس، بينما الصدقة عطاء وسماحة وطهارة، وقد جاء عرضه مباشرة بعد عرض ذلك الوجه الطيب من الإِنفاق في سبيل الله ليظهر الفارق بجلاء بين الكسب الطيب والكسب الخبيث وكما قيل «وبضدها تتميّز الأشياء» .

اللغَة: ﴿الربا﴾ لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إِذا زاد ومنه الربوة والرابية: وشرعًا: زيادة على أصل المال يأخذها الدائن من المدين مقابل الأجل ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ التخبط: الضرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بأخفافه ويقال للذي يتصرف ولا يهتدي: خبط في عشواء وتورَّط في عمياء، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبلٍ أو جنون ﴿المس﴾ الجنون وأصله من المسّ باليد كأن الشيطان يمسُّ الإِنسان فيحصل له الجنون ﴿سَلَفَ﴾ مضى وانقضى ومنه سالف الدهر أي ماضيه ﴿يَمْحَقُ﴾ المحق: نقصان الشيء حالًا بعد حال ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه الله فانمحق وامتحق ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإِثم المتمادي في الذنوب والآثام.

سَبَبُ النّزول: كان لبني عمرو بن ثقيف ديونُ ربا على بني المغيرة فلما حلّ الأجل أرادوا أن يتقاضوا الربا منهم فنزلت الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾

157

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ الآية فقالت ثقيف: لا يد لنا «أي لا طاقة لنا» بحرب الله ورسوله وتابوا وأخذوا رءوس أموالهم فقط.

التفسير: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ أي الذين يتعاملون بالربا ويمتصون دماء الناس لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إِلا كما يقوم المصروع من جنونه، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي سويًا، يقومون مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكًا لهم وفضيحة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ أي ذلك التخبط والتعثر بسبب استحلالهم ما حرّمه الله، وقولهم: الربا كالبيع فلماذا يكون حرامًا؟ قال تعالى ردًّا عليهم ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع، لأن فيه زيادة مقتطعة من جهد المدين ولحمه ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي من بلغه نهيُ الله عن الربا فانتهى عن التعامل به فله ما مضى قبل التحريم ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ أي أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه ﴿وَمَنْ عَادَ فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ومن عاد إِلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له فهو من المخلدين في نار جهنم ﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات﴾ أي يُذهب ريعه ويمحو خيره وإِن كان زيادة في الظاهر، ويُكثر الصدقات وينميّها وإِن كانت نقصانًا في الشاهد ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل، وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإِيذان بأنه من فعل الكفار، ثم قال تعالى مادحًا المؤمنين المطيعين أمره في إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة﴾ أي صدّقوا بالله وعملوا الصالحات التي من جملتها إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لهم ثوابهم الكامل في الجنة، ولا يخافون يوم الفزع الأكبر ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون، واتركوا ما لكم من الربا عند الناس إِن كنتم مؤمنين بالله حقًا ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ أي وإِن لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم قال ابن عباس: يقال الآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي إِن رجعتم عن الربا وتركتموه فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إِذا كان المستدين معسرًا فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن تجاوزتم عمّا لكم عنده فهو أكرم وأفضل، إِن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم ثم حذّر تعالى عباده من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع فيه إِلا العمل الصالح فقال ﴿واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي احذروا يومًا سترجعون فيه إِلى ربكم ثم توفى كل نفسٍ حسابها وأنتم لا تظلمون، وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية

158

الجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد قال ابن كثير: هذه الآية آخر ما نزل من القرآن العظيم وقد عاش النبي ﷺ َ بعد نزولها تسع ليال ثم انتقل إِلى الرفيق الأعلى.

البَلاَغَة: 1 - ﴿إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ فيه تشبيه يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به كقول الشاعر: كأن ضياء الشمس غرةُ جعفر والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع ولكنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا أن جعلوه أصلًا يقاس عليه فشبهوا به البيع.

2 - ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ بين لفظ «أحلَّ» و«حرَّم» طباق وكذلك بين لفظ «يمحق» و«يربي» .

3 - ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ صيغة فعّال وفعيل للمبالغة فقوله ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي عظيم الكفر شديد الإِثم.

4 - ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ التنكير للتهويل أي بنوعٍ من الحرب عظيم لا يُقادر قدره كائن من عند الله أفاده أبو السعود.

5 - ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى «الجناس الناقص» لاختلاف الشكل.

6 - ﴿واتقوا يَوْمًا﴾ التنكير للتفخيم والتهويل.

الفوَائِد: الأولى: عبّر بقوله ﴿يَأْكُلُونَ الربا﴾ عن الانتفاع به لأن الأكل هو الغالب في المنافع وسواءٌ في ذلك المعطي والآخذ لقول جابر في الحديث الشريف «لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» .

الثانية: شبّه تعالى المرابين بالمصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وذلك لأن الله عز وجل أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا يوم القيامة.

ليبلغ إِلى الحسّ ما تبلغه هذه الصورة الحيّة المجسّمة، صورة الممسوس المصروع، ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكنها - فيما نرى - واقعة في هذه الأرض أيضًا على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في حكم النظام الربوي، إِن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم الفلق والاضطراب ولاخوف والأمراض العصبية والنفسية، وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضار المادية وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي، ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة وحرب الأعصاب

159

والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك وهذا رأي حسن.

الرابعة: أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «كان رجلُ يداينُ الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيتَ معسرًا فتجاوز عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه» .

160

282

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الربا وبيَّن ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإِسلام ويحرمه، أعقبه بذكر القرض والحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وآية الدين أطول آيات القرآن على الإِطلاق مما يدل على عناية الإِسلام بالنظم الاقتصادية.

اللغَة: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ من الإِملاء وهو أنْ يُلقي عليه ما يكتبه يقال: أملَّ وأملى ﴿يَبْخَسْ﴾ البخس: النقص ﴿تسأموا﴾ السأم والسآمة: الملل من الشيء والضجر منه ﴿أَقْسَطُ﴾ القِسط: بكسر القاف العَدْل يقال: أقسط الرجل إِذا عدل، وبفتح القاف الجورُ يقال: قسط أي جار ومنه ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15] ﴿تَضِلَّ﴾ قال أبو عبيد: معنى تضل أي تنسى والضلال عن الشهادة نسيان جزءٍ منها ﴿أدنى﴾ أقرب ﴿ترتابوا﴾ تشكوا من الريب بمعنى الشك ﴿فَرِهَانٌ﴾ جمع رهن وهو ما يدفع إلى الدائن توثيقًا للدين.

160

التفِسير: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه﴾ أي إِذا تعاملتم بدينٍ مؤجل فاكتبوه، وهذا إِرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾ أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ أي ولا يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علّمه الله ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق﴾ أي وليمل على الكاتب ويلقي عليه المدينُ وهو الذي عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي وليخشَ الله رب العالمين ولا ينقص من الحق شيئًا ﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي إِن كان المدين ناقص العقل مبذرًا أو كان صبيًا أو شيخًا هرمًا ﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ أي لا يستطيع الإِملاء بنفسه لعيٍّ أو خرسٍ أو عُجْمة فليملل قيِّمه أو وكيله بالعدل من غير نقصٍ أو زيادة ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثيقة ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء﴾ أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان ممن يُوثق بدينهم وعدالتهم ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ أي تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكّرها الأخرى، وهذا علةٌ لوجوب الاثنين لنقص الضبط فيهن ﴿وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إِذا طلب منهم ذلك ﴿وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ﴾ أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا إِلى وقت حلول ميعاده ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا﴾ أي ما أمرناكم به من كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى، وأثبت للشهادة لئلا تنسى، وأقرب أن لا تشكّوا في قدر الدَّيْن والأجل ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أي إِلا إِذا كان البيع حاضرًا يدًا بيد والثمن مقبوضًا ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ أي فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أي أشهدوا على حقكم مطلقًا سواءً كان البيع ناجزًا أو بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ أي لا يضرب صاحبُ الحق الكُتَّاب والشهود ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي إِن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم عن طاعة الله ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ أي خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ أي إِن كنتم مسافرين وتداينتم إِلى أجلٍ مسمى ولم تجدوا من يكتب لكم، فليكن بدل الكتابة رهانٌ مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقة لدينه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ أي فإِن أمن الدائن المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي عليه وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي إِذا دعيتم إِلى أداء شهادة فلا تكتموها فإِن كتمانها إثم كبير، يجعل القلب آثمًا وصاحبه فاجرًا، وخُصّ القلب بالذكر لأنه سلطان الأعضاء، إِذا صلح صلح الجسد كله وإِذا فسد فسد الجسد كله ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد.

البَلاَغَة: 1 - في الآية من ضروب الفصاحة «الجناس المغاير» في قوله ﴿تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ وفي {}

161

﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾ وفي ﴿اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ وفي ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ... عَلِيمٌ﴾ .

2 - الطباق في قوله ﴿صَغِيرًا أَو كَبِيرًا﴾ وفي ﴿تَضِلَّ ... فَتُذَكِّرَ﴾ لأن الضلال هنا بمعنى النسيان.

4 - الإِيجاز بالحذف وذلك كثير وقد ذكر أمثلته صاحب البحر المحيط.

5 - كرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث ﴿واتقوا الله﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لإِدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس.

6 - ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ جمع ما بين الإِسم الجليل والنعت الجميل مبالغة في التحذير.

فَائِدَة: العلم نوعان: كسبيٌّ ووهبيٌّ، أما الأول فيكون تحصيله بالاجتهاد والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني فطريقه تقوى الله والعمل الصالح كما قال تعالى ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ وهذا العلم يسمى العلم اللُّدُني ﴿وآتيناه من لدنَّا علمًا﴾ وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن شاء من عباده المتقين وإِليه أشار الإِمام الشافعي بقوله:

شكوتُ إِلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إِلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي

162