صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 189 - 197

64

64

المناسَبَة: لما أقام القرآن الحجة على النصارى وأبطل دعواهم في شأن ألوهية المسيح، دعا الفريقين «اليهود والنصارى» إِلى التوحيد، والاقتداء بأبي الأنبياء إِبراهيم عليه السلام، إِذ كانت ملته الحنيفية السمحة وهي ملة الإِسلام، ولم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما زعم كل من الفريقين، ثم بيّن أن أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم محمد ﷺ َ وأمته.

اللغَة: ﴿سَوَآءٍ﴾ السَّواء: العدل والنَّصف قال أبو عبيدة: يقال قد دعاك إِلى السَّواء فاقبل منه قال زهير:

أروني خطةً لا ضيم فيها ... يُسوّى بيننا فيها السَّواء

﴿أَوْلَى﴾ أحقُّ ﴿وَدَّت﴾ تمنت ﴿تَلْبِسُونَ﴾ اللِّبَس: الخلط يقال: لَبس الأمرُ عليه إِذا اشتبه واختلط ﴿وَجْهَ النهار﴾ أوله سميّ وجهًا لأن أول ما يواجه من النهار أوله قال الشاعر:

من كانَ مسرورًا بمقتل مالك ... فليأْتِ نِسوتنا بوجهِ نهار

سَبَبُ النّزول: روي عن ابن عباس أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله ﷺ َ فتنازعوا في إِبراهيم فقالت اليهود: ما كان إِلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إِلا نصرانيًا فأنزل الله ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ الآية.

التفِسير: ﴿قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي قل لهم يا معشر اليهود

189

والنصارى هلموا إِلى كلمة عادلة مستقيمة فيها إِنصاف من بعضنا لبعض ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ أي أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكًا ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ أي لا يعبد بعضنا بعضًا كما عبد اليهود والنصارى عزيرًا وعيسى، وأطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوا لهم وحرّموا، روي أن الآية لمّا نزلت قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال ﷺ َ أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟ فقال: نعم فقال النبي ﷺ َ ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي فإِن أعرضوا عن التوحيد ورفضوا قبول تلك الدعوة العادلة فقولوا أنتم اشهدوا يا معشر أهل الكتاب بأننا موحّدون مسلمون، مقرّون لله بالوحدانية مخلصون له العبادة ﴿ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ﴾ أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم ﴿وَمَآ أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ أي والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده بقرونٍ كثيرة فكيف يكون من أهلها؟ ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ بطلان قولكم؟ فقد كان بين إِبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة فكيف يقول بذلك عاقل؟ والاستفهام للتوبيخ ﴿هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ أي ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي فلم تخاصمون وتجادلون في شأن إِبراهيم ودينه وتنسبونه إِلى اليهودية أو النصرانية بدون علم؟ أفليست هذه سفاهة وحماقة؟ ﴿والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك، قال أبو حيان: «وهذا استدعاء لهم أن يسمعوا كما تقول لمن تخبره بشيء لا يعلمه: اسمع فإِني أعلم ما لا تعلم» ثم أكذبهم الله تعالى في دعوى إِبراهيم فقال ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا﴾ أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية، فإِن اليهودية ملة محرّفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ أي مائلًا عن الأديان كلها إِلى الدين القيم ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ أي كان مسلمًا ولم يكن مشركًا، وفيه تعريض بأنهم مشركون في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن الله، وردًّ لدعوى المشركين أنهم على ملة إِبراهيم ﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه﴾ أي أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم أتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده ﴿وهذا النبي﴾ أي محمد ﷺ َ ﴿والذين آمَنُواْ﴾ أي المؤمنون من أمة محمد فهم الجديرون بأن يقولوا نحن على دينه لا أنتم ﴿والله وَلِيُّ المؤمنين﴾ أي حافظهم وناصرهم.

. ولما دعا اليهود بعض الصحابة إِلى اليهودية نزل قوله ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ أي تمنَّوا إِضلالكم بالرجوع إِلى دينهم حسدًا وبغيًا ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي لا يعود وبال ذلك إِلا عليهم إِذ يُضاعف به عذابهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي ما يفطنون لذلك، ثم وبّخهم القرآن على فعلهم القبيح فقال ﴿ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي بالقرآن المنزل على محمد ﷺ َ ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل﴾ أي لم تخلطون بين الحق والباطل بإلقاء الشُّبَه والتحريف والتبديل؟ ﴿وَتَكْتُمُونَ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي

190

تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ َ وأنتم تعلمون ذلك، ثم حكى تعالى نوعًا آخر من مكرهم وخبثهم، وهو أن يظهروا الإِسلام في أول النهار ثم يرتدوا عنه في آخره ليشككوا الناس في دين الإِسلام فقال ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار﴾ قال ابن كثير: وهذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم تشاوروا بينهم أن يظهروا الإِيمان أول النهار ويصلّوا مع المسلمين فإِذا جاء آخر النهار ارتدوا إِلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إِنما ردهم إِلى دينهم اطلاعهم على نقيصةٍ وعيبٍ في دين المسلمين ﴿واكفروا آخِرَهُ﴾ أي اكفروا بالإِسلام آخر النهار ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يشكّون في دينهم فيرجعون عنه ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هذا من تتمة كلام اليهود حكاه الله عنهم والمعنى: لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ أي قل لهم يا محمد الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه كما هدى المؤمنين، والجملة اعتراضية، ثم ذكر تعالى بعد ذلك الاعتراض بقية كلام اليهود فقال ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ أي يقول اليهود بعضهم لبعض: لا تصدّقوا إِلا لمن تبع دينكم، وانظروا فيمن ادعى النوبة فإِن كان متبعًا لدينكم فصدقوه وإِلا فكذبوه، ولا تقروا ولا تعترفوا لأحدٍ بالنبوة إِلا إِذا كان على دينكم، خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم وخشية أن يحاجوكم به عند ربكم، فإِذا أقررتم بنبوة محمد ولم تدخلوا في دينه تكون له الحجة عليكم يوم القيامة، وغرضهم نفي النبوة عن رسول الله ﷺ َ ﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي قل لهم يا محمد أمر النبوة ليس إِليكم وإِنما هو بيد الله والفضل والخير كله بيد الله يؤتيه من يشاء ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي يختص بالنبوة من شاء ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي فضله واسع عظيم لا يُحدُّوا ولا يُمنع.

البَلاَغَة: جمعت هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبلاغة ما يأتي: المجازُ في قوله ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ حيث أطلق اسم الواحد على الجمع، والتشبيه في قوله ﴿أَرْبَابًا﴾ حيث شبّه طاعتهم لرؤساء الدين في أمر التحليل بالربّ المستحق للعبادة، والطباق في قوله ﴿الحق بالباطل﴾ والجناس التام في قوله ﴿يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ﴾ وجناس الاشتقاق في ﴿أَوْلَى﴾ و﴿وَلِيُّ﴾ والتكرار في عدة مواطن، والحذف في عدة مواطن.

فَأئِدَة: كتب رسول الله ﷺ َ كتابًا إِلى «هرقل» ملك الروم يدعوه فيه إِلى الإِسلام واستشهد فيه بالآية الكريمة التي فيها إِخلاص الدعوة لعبادة الله وحده، ونصُّ الكتاب كما هو في صحيح مسلم «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إِلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتَّبع الهدى أما بعد: فإِني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلمْ تسْلَم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإِن توليت فإِن عليك إِثم الأريسيين - يعني الفلاحين والخدم - ﴿قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ﴾

191

﴿اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾» .

192

75

المنَاسَبَة: لما حكى تعالى قبائح أهل الكتاب، وما هم عليه من الخبث والكيد والمكر، أعقبه بذكر بعض أوصاف اليهود خاصة وهي خيانتهم من الناحيتين: المالية والدينية، فقد خانوا الله والناس بتحريفهم كلام الله عن معناه، واستحلالهم أكل أموال الناس بالباطل.

اللغَة: ﴿قِنْطَارٍ﴾ القنطار المالُ الكثير وقد تقدم ﴿قَآئِمًا﴾ ملازمًا ومداومًا على مطالبته ﴿الأميين﴾ المراد بهم العرب وأصلُ الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب والعربُ كانوا كذلك ﴿يَلْوُونَ﴾ من الليّ وهو اللّف والفتل تقول: لويتُ يده إِذا فتلتها والمراد أنهم يفتلون ألسنتهم ليميلوها عن الآيات المنزلة إِلى العبارات المحرّفة ﴿لاَ خَلاَقَ﴾ أي لا نصيب لهم رمن رحمة الله ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ جمع رباني وهو المنسوب إِلى الربّ قال الطبري معناه: كونوا حكماء علماء.

سَبَبُ النّزول: عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجلٍ من اليهود فجحدني فقدمته إِلى النبي ﷺ َ فقال لي رسول الله ﷺ َ هل كل بيّنة؟ قلت: لا، قال لليهودي: احلفْ قلت: إِذًا يحلف فيذهب بما لي فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله ...﴾ الآية.

التفِسير: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي من اليهود من إِذا ائتمنته على المال الكثير أدّاه إليك لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه قرشي ألف أوقية ذهبًا فأداها إليه ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي ومنهم من لا يؤتمن على دينار لخيانته كفنحاص بن

192

عازوراء ائتمنه قرشي على دينار فجحده ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ أي إِلا إِذا كنت ملازمًا له ومُشهدًا عليه ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ أي إِنما حملهم على الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين - يعني العرب - روى أن اليهود قالوا ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله﴾ [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لاحدٍ علينا إِذا أكلنا أموال عبيدنا، وقيل إِنهم قالوا إِن الله أباح لنا مال من خالف ديننا ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون، روي أنهم لما قالوا ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ قال نبي الله ﷺ َ: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إِلا هو تحت قدميَّ هاتين إِلا الأمانة فإِنها مؤداة إِلى البرّ والفاجر، ثم قال تعالى ﴿بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إِثم لكنْ من أدّى الأمانة منهم وآمن بمحمد ﷺ َ واتقى الله واجتنب محارمه فإِن الله يحبه ويكرمه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل ﴿أولئك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة﴾ أي ليس لهم حظ ولا نصيب من رحمة الله تعالى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي لا يكلمهم كلام أنسٍ ولطف، ولا ينظر إِليهم بعين الرحمة يوم القيامة ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لا يطهرهم من أوضار الأوزار، ولهم عذاب مؤلم على ما ارتكبوه من المعاصي ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب﴾ أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد منه قال ابن عباس: يحرفونه بتأويله على غير مراد الله ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ أي ينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كذبوا وافتروا على الله، ثم قال تعالى ردًا على النصارى لما زعموا أن عيسى أمرهم أن يعبدوه ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة﴾ أي لا يصح ولا ينبغي لأحدٍ من البشر أعطاه الله الكتاب والحكمة والنبوة ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ الله﴾ أي ثم يقول للناس اعبدوني من دون الله، والنفيُ في مثل هذه الصيغة ﴿مَا كَانَ﴾ إِنما يؤتى به للنفي العام الذي لا يجوز عقلًا ثبوتُه والغرض أنه لا يصح أصلًا ولا يتصور عقلًا صدور دعوى الألوهية من نبي قط أعطاه الله النبوة والشريعة فضلاَ عن أن يحصل ذلك بالفعل لأن الرسول سفير بين الله وخلقه ليرشد الناس إِلى عبادة الله فكيف يدعوهم إِلى عبادة نفسه؟ ﴿ولكن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ أي ولكن يقول لهم كونوا ربانيّين قال ابن عباس: حكماء علماء حلماء والمعنى: لا أدعوكم إِلى أن تكونوا عبادًا لي ولكن أدعوكم أن تكونوا علماء فقهاء مطيعين لله ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي بتعليمكم الناس الكتاب ودراستكم إيّاه ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا﴾ أي وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء - لأنَّ مهمة الرسل الدعوة

193

إِلى الله وإِخلاص العبادة له ﴿أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي يأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ والاستفهام إِنكاري تعجبي.

البَلاَغَة: 1 - ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ الإِشارة بالبعيد للإِيذان بكمال غلوهم في الشر والفساد.

2 - ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي ليس علينا في أكل الأموال الأميين سبيل.

3 - ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله﴾ فيه استعارة فقد استعار لفظ الشراء للاستبدال.

4 - ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله﴾ مجاز عن شدة غضبه وسخطه تعالى عليهم وكذلك في الآتي بعدها.

5 - ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ قال الزمخشري: مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم لأن من اعتد بإِنسانٍ التفت إِليه وأعره نظر عينيه.

6 - بين لفظ ﴿اتَّقَى﴾ و﴿الْمُتَّقِينَ﴾ جناس الاشتقاق وبين لفظ ﴿الكفر﴾ و﴿مُّسْلِمُونَ﴾ طباق.

فَائِدَة: روي أن رجلًا قال لابن عباس: «إِنّا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فماذا تقولون؟ قالوا نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ إِنهم إِذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إِلا بطيب أنفسهم» ذكره ابن كثير.

194

81

المنَاسَبَة: لّما ذكر تعالى خيانة أهل الكتاب بتحريفهم كلام الله عن مواضعه، وتغييرهم أوصاف رسول الله ﷺ َ الموجودة في كتبهم حتى لا يؤمنوا به، ذكر تعالى هنا ما تقوم به الحجة عليهم وهو أن الله قد أخذ الميثاق على أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ َ إن أدركوا حياته، وأن يكونوا من أتباعه وأنصاره، فإِذا كان الأنبياء قد أخذ عليهم العهد أن يؤمنوا به ويبشروا بمبعثه فكيف يصح من أتباعهم التكذيب برسالته؟ ثم ذكر تعالى أن الإِيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإيمان وبيَّن أن الإِسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله دينًا سواه.

اللغَة: ﴿مِيثَاقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه وقد تقدم ﴿إِصْرِي﴾ عهدى وأصله في اللغة الثقل قال الزمخشري: وسمي إصرًا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ﴿الفاسقون﴾ الخارجون عن طاعة الله ﴿طَوْعًا﴾ انقيادًا عن رغبة ﴿وَكَرْهًا﴾ إِجبارًا وهو كاره ﴿الأسباط﴾ جمع سبط وهو ابن الإِبن والمراد به هنا قبائل بني إِسرائيل من أولاد يعقوب ﴿يُنظَرُونَ﴾ يمهلون يقال: أنظره يعني أمهله والنظرة والإِمهال ﴿الخاسرين﴾ الخسران: انتقاص رأس المال يقال: خسر فلان أي أضاع من رأس ماله ﴿الضآلون﴾ التائهون في مهامه الكفر.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار عن الإِسلام ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إِلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ َ هلل من توبة فإِني قد ندمت؟ فنزلت الآية ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْمًا كَفَرُواْ ... .﴾ إلى قوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فكتب بها قومه إِليه فرجع فأسلم.

التفِسير: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي لمن أجل ما آتيتكم من الكتاب والحكمة قال الطبري: المعنى لمهْما آتيتكم أيها النبيّون من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ أيثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد ﷺ َ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ أي لتصدقنه ولتنصرنه، قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إِلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمننَّ به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ ﴿قالوا أَقْرَرْنَا﴾ أي اعترفنا ﴿قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ أي اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم ﴿فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك﴾ أي أعرض ونكث عهده ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ أي هم الخارجون عن طاعة الله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ﴾ الهمزة للإِنكار التوبيخي أي أيبتغي أهل الكتاب دينًا غير الإِسلام الذي أرسل الله به رسله؟ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي ولله استسلم وانقاد

195

وخضع أهل السماوات والأرض ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي طائعين ومكرهين قال قتادة: المؤمن أسلم طائعًا والكافر أسلم كارهًا حين لا ينفعه ذلك قال ابن كثير: فالمؤمن من مستسلم بقلبه وقالبه لله طوعًا، والكافر مستسلم لله كرهًا فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يُخالف ولا يُمانع ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد فيجازي كلًا بعمله ﴿قُلْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي قل يا محمد أنت وأمتك آمنا بالله وبالقرآن المنزل علينا ﴿وَمَآ أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ أي آمنا بما أنزل على هؤلاء من الصحف والوحي، والأسباطُ هم بطون بني إِسرائيل المتشعبة من أولاد يعقوب ﴿ِ وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى﴾ أي من التوراة والإِنجيل ﴿والنبيون مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي وما أنزل على الأنبياء جميعهم ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بالكل ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحدًا أبدًا، ثم أخبر تعالى بأن كل دين غير الإِسلام باطل ومرفوض فقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ أي يطلب شريعة غير شريعة الإِسلام بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ُ ليدين بها فلن يتقبل الله منه ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ أي مصيرة إِلى النار مخلدًا فيها ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم أي كيف يستحق الهْداية قوم كفروا بعد إِيمانهم ﴿وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ﴾ أي بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمدًا رسول الله ﴿وَجَآءَهُمُ البينات﴾ أي جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق النبي ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي لا يوفقهم لطريق السعادة، قال الحسن: هم اليهود والنصارى رأوا صفة محمد ﷺ َ في كتابهم، وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب فكفروا بعد إِيمانهم ﴿أولئك جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ أي جزاؤهم على كفرهم اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي ماكثين في النار أبد الآبدين، لا يُفتّر عنهم العذاب ولا هم يمهلون ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ﴾ أي إِلا من تاب وأناب وأصلح ما أفسد من عمله ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي متفضل عليه بالرحمة والغفران ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا﴾ نزلت في اليهود كفروا بعيسى بعد إِيمانهم بموسى ثم ازدادوا كفرًا حيث كفروا بمحمد والقرآن ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أي لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر ﴿وأولئك هُمُ الضآلون﴾ أي الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي، ثم أخبر تعالى عمّن كفر ومات على الكفر فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ أي كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا وهو عام في جميع الكفار ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ أي لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم موجع ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.

196

البَلاَغَة: 1 - الالتفات ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الحاضر لأن قبله ﴿مِيثَاقَ النبيين﴾ .

2 - بين لفظ ﴿اشهدوا﴾ و﴿الشاهدين﴾ جناس الاشتقاق وكذلك بين لفظ ﴿كَفَرُوًاْ﴾ و﴿كُفْرا﴾ وهو من المحسنات البديعية.

3 - الطباق بين ﴿طَوْعًا﴾ و﴿وَكَرْهًا﴾ وكذلك يوجد الطباق بين لفظ الكفر والإِيمان.

4 - ﴿وأولئك هُمُ الضآلون﴾ قصر صفة على موصوف ومثله ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾

5 - ﴿وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون﴾ هو من باب عطف العام على الخاص.

6 - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم والعدول إِلى صيغة فعيل للمبالغة.

فَائِدَة: الآيات الكريمة قسمت الكفار إِلى ثلاثة أقسام:

1 - قسم تاب توبة صادقة فنفعته وإِليهم الإِشارة بقوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ .

2 - وقسم تاب توبة فاسدة فلم تنفعه وإِليهم الإِشارة بقوله ﴿كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا﴾ .

3 - وقسم لم يتب أصلًا ومات على الكفر وإِليهم الإِشارة بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ .

تنبيه: روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ َ: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال فيقول: نعم فيقول الله: قد أدرت منك أهون من ذلك، قد اخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيتَ إِلا أن تشرك» .

197