صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 198 - 206

92

92

المنَاسَبَة: لما ذكر تَعالى حال الكفار ومآلهم في الآخرة، وبيّن أن الكافر لو أراد أن يفتدى نفسه بملء الأرض ذهبًا ما نفعه ذلك، ذكر عنا - استطرادًا - ما ينفع المؤمن لنيل رضى الله والفوز بالجنة، ثم عاد الكلام لرفع الشبهات التي أوردها أهل الكتاب حول النبوة والرسالة وصحة دين الإِسلام، ثم جاء بعده التحذير من مكائدهم ودسائسهم التي يدبرونها للإِسلام والمسلمين لتفرقة الصف وتشتيت الشمل.

اللغَة: ﴿البر﴾ كلمة جامعة لوجوه الخير والمراد بها هنا الجنة ﴿حِلًاّ﴾ حلالًا وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ هو يعقوب عليه السلام ﴿بَكَّةَ﴾ اسم لمكة فتسمى «بكة» و«مكة» سميت بذلك لأنها تبك أي تدق أعناق الجبابرة فلم يقصدها جبار بسوء إِلا قصمه الله ﴿مُبَارَكًا﴾ البركة: الزيادة وكثرة الخير ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ محل قيام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه لما ارتفع بناء البيت ﴿عِوَجًا﴾ العِوَج: الميل قال أبو عبيدة: في الدين والكلام والعمل، وبالفتح عَوَج في الحائط والجذع ﴿يَعْتَصِم﴾ يتمسك ويلتجئ وأصله المنع قال القرطبي: ولك متمسك بشيء معتصمٌ وكل مانعٍ شيئًا فهو عاصم ﴿قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله﴾ [هود: 43] ﴿شَفَا﴾ الشَّفا: حرف كل شيء وحده ومثله الشفير: وشفا الحفرة: حرفها قال تعالى ﴿على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: 109] .

سَبَبُ النّزول: يروى أنّ «شاس بن قيس» اليهودي مرَّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، ثم أمر شابًا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم «بُعاث» وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار - وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس - ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغ النبي ﷺ َ فخرج إليهم فيمن معه من الهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم؟» فعرف القوم أنها كانت نزعة من الشيطان وكيدًا من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضًا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ َ سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ الآية.

التفِسير: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ أى وما تبذلوا من شيء من سبيل الله فهو محفوظ لكم تجزون عنه خير الجزاء ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلًاّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ أي كل الأطعمة كانت حلالًا لبني إِسرائيل ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ﴾ أي إلا ما حرّمه يعقوب على

198

نفسه وهو لحم الإِبل ولبنها ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبةً لهم على معاصيهم ﴿مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة﴾ أي كانت حلالًا لهم قبل نزول التوراة ﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم قال الزمخشري: وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله فلما حاجّهم بكتابهم وبكّتهم بهتوا وانقلبوا صاغرين ولم يجسر أحد منهنم على إخراج التوراة، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي ﷺ َ ﴿فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي اختلق الكذب من بعد قيام الحجة ظهور البينة ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾ أي المعتدون المكابرون بالباطل ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ أي صدق الله في كل ما أوحى إلى محمد وفي كل ما أخبر ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي اتركوا اليهودية واتبعوا ملة الإِسلام التي هي ملة إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الأديان الزائفة كلها ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ برأه مما نسبه اليهود والنصارى إليه من اليهودية والنصرانية، وفيه تعريض بإشراكهم ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أي أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله المسجد الحرام الذي هو بمكة ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي وضع مباركًا كثيرًا الخير والنفع لمن حجه واعتمره، ومصدر الهداية والنور لأهل الأرض لأنه قبلتهم، ثم عدد تعالى من مزاياه ما يستحق تفضيله على جميع المساجد فقال ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد منها ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، وفيه زمزم والحطيم، وفيه الصفا والمروة والحجر الأسود، أفلا يكفي برهانًا على شرف هذا البيت وأحقيته أن يكون قبلة للمسليمين؟ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهذه آية أخرى وهي أمن من دخل الحرَم بدعوة الخليل إبراهيم ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين، وعبّر عنه بالكفر تغليظًا عليه قال ابن عباس: من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه، ثم أخذ يبكّت أهل الكتاب على كفرهم فقال ﴿قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي لم تجحدون بالقرآن المنزل على محمد مع قيام الدلائل والبراهين على صدقه ﴿والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها ﴿قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ﴾ أي لم تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة، وذلك بتغيير صفة الرسول، والتلبيس على الناس بإيهامهم أن في الإسلام خللًا وعوجًا ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ﴾ أي عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد ووعيد، وقد جمع اليهود والنصارى الوصفين: الضلال والإضلال كما أشارت الآيتان الكريمتان فقد كفروا بالإسلام ثم صدّوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من الناس ﴿ياأيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الذين أُوتُواْ﴾

199

﴿الكتاب﴾ أي أن تطيعوا طائفة من أهل الكتاب ﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ أي يصيرّوكم كافرين بعد أن هداكم الله للإِيمان، والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم كما في سبب النزول واللفظ في الآية عام ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إنكار واستبعاد أي كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله﴾ أي اتقوا الله تقوى حقة أو حق تقواه قال ابن مسعود: «هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» والمراد بالآية ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي كما أن يتقى وذلك باجتناب جميع معاصيه ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي تمسكوا بالإِسلام وعضوا عليه بالنواجذ حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام والمقصود الأمر بالإِقامة على الإِسلام ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أي تمسكوا بدين الله وكتابه جميعًا ولا تتفرقوا عنه ولا تختلفوا في الدين كما اختلف من قبلكم من اليهود والنصارى ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء الداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان ﴿وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ أي وكنتم مشرفين على الوقوع في نارجهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي لكي تهتدوا بها إلى سعادة الدارين.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البلاغة نوجزها فيما يلي:

1 - ﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة﴾ الأمر للتبكيت والتوبيخ للدلالة على كمال القبح.

2 - ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أي للبيت الذي ببكة وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى.

3 - ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ وضع هذا اللفظ «موضع ومن لم يحج» تأكيدًا لوجوبه وتشديداص على تاركه قال أبو السعود: «ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات ما لا مزيد عليه وهي قوله ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق وأبرزت في صورة الجملة الإِسمية الدالة على الثبات والاستمرار، على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس، وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإِبهام ثم التبيين، والإِجمال ثم التفصيل»

4 - ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ شبّه القرآن بالحبل واستعير اسم المشبه به وهو الحبل للمشبه وهو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية والجامع بينهما النجاةُ في كلٍ.

5 - ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ شبه حالهم الذي كانوا عليه بالجاهلية بحال من كان مشرفًا على حفرة عميقة وهوّة سحيقة ففيه استعارة تمثيلية والله أعلم.

200

تنبيه: وردت الآيات الكريمة لدفع شبهتين من شبه أهل الكتاب.

الشبهة الأولى: أنهم قالوا للنبي ﷺ َ إنك تدّعي أنك على دين إِبراهيم وقد خالفت شريعته فأنت تبيح لحوم الإِبل وألبانها مع أن ذلك كان حرامًا في دين إبراهيم؟ فرد الله عليهم بقوله ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلًاّ لبني إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ الآية.

الشبهة الثانية: قالوا إن «بيت المقدس» قبلة جميع الأنبياء وهو أول المساجد وأحق بالاستقبال فكيف تترك يا محمد التوجه إليه ثم تزعم أنك مصدّق لما جاء به الأنبياء فرد الله تعالى بقوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الآية.

201

104

المنَاسَبَة: لما حذّر تعالى من مكايد أهل الكتاب، وأمر بالاعتصام بحبل الله والتمسك بشرعه القويم، دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر بالائتلاف وعدم الاختلاف، ثم ذكر ما حلَّ باليهود من الذل والصَّغار بسبب البغي والعدوان.

اللغَة: ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة وجماعة ﴿البينات﴾ الآيات الواضحات ﴿المعروف﴾ ما أمر به الشرع واستحسنه العقل السليم ﴿المنكر﴾ ما نهى عنه الشرع واستقبحه العقل السليم ﴿الأدبار﴾ جمع دبر وهو مؤخر كل شيء يقال: ولاه دبره أي هرب من وجهه ﴿ثقفوا﴾ وجدوا وصودفوا ﴿حَبْلٍ مِّنَ الله﴾ الحبل معروف والمراد به هنا: العهد وسمي حبلًا لأنه سبب يحصل به الأمن وزوال الخوف ﴿بَآءُوا﴾ رجعوا ﴿المسكنة﴾ الفقر.

التفِسير: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير﴾ أي ولتقم منكم طائفة للدعوة إلى الله ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ أي للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ﴿وأولئك هُمُ﴾

201

﴿المفلحون﴾ أي هم الفائزون ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات﴾ أي لا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين واختلفوا فيه بسبب اتباع الهوى من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات ﴿وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي لهم بسبب الاختلاف عذاب شديد يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإِيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإِجمال والمعنى أما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل التوبيخ: أكفرتم بعد إيمانكم أي بعد ما وضحت لكم الآيات والدلائل ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي ذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم ﴿وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ﴾ أي وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم بأعمالهم الصالحات ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي فهم في الجنة مخلدون لا يخرجون منها أبدًا ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾ أي هذه آيات الله نتلوها عليك يا محمد حال كونها متلبسة بالحق ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي وما كان الله ليظلم أحدًا ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي الجميع ملكٌ له وعبيد ﴿وإلى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ أي أنتم يا أمة محمد خير الأمم لأنكم أنفع الناس للناس ولهذا قال ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ أي أخرجت لأجلهم ومصلحتهم، روى البخاري عن أبي هريرة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإِسلام ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ وهذا بيان لوجه الخيرية كأنه قيل السبب في كونكم خير أمة هذه الخصال الحميدة روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال «من سرَّه أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها» ثم قال تعالى ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أي لو آمنوا بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به لكان ذلك خيرًا لهم في الدنيا والآخرة ﴿مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ أي منهم فئة قليلة مؤمنة كالنجاشي وعبد الله بن سلام، والكثرةُ الكثيرة فاسقة خارجة عن طاعة الله، ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ أي لن يضروكم إلا ضررًا يسيرًا بألسنتهم من سبٍّ وطعن ﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار﴾ أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئًا ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي ثم شأنهم الذين أبشركم به أنهم مخذولون لا ينصرون والجملة استئنافية ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا﴾ أي لزمهم الذل والهوان أينما وجدوا وأحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس﴾ أي إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين قال ابن عباس: بعهدٍ من الله وعهدٍ من الناس ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ أي رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة﴾ أي لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي ذلك الذل والصغار والغضب والدمار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلمًا وطغيانًا ﴿ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى.

202

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة.

2 - ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ فيه قصر صفة على موصوف حيث قصر الفلاح عليهم.

3 - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ بين كلمتي ﴿تَبْيَضُّ﴾ و﴿تَسْوَدُّ﴾ طباق.

4 - ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله﴾ مجاز مرسل أطلق الحالُّ وأريد المحل أي ففي الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة.

5 - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ فيه استعارة حيث شبه الذل بالخباء المضروب على أصحابه وقد تقدمت في البقرة.

6 - ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ﴾ التنكير للتفخيم والتهويل.

فَائِدَة: قوله تعالى ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ جملة مستأنفة ولهذا ثبتت فيها النون قال الزمخشري: «وعدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإِخبار ابتداءً كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم مخذولون منتفٍ عنهم النصر، ولو جزم لكان نفي النصر مقيدًا لقتالهم بينما النصر وعدٌ مطلق» .

تنبيه: الاختلاف الذي أشارت إليه الآية ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا﴾ إنما يراد به الاختلاف في العقيدة وفي أصول الدين وأما الاختلاف في الفروع كما اختلف الأئمة المجتهدون فذلك من اليسر في الشريعة كما نبه على ذلك العلماء ولابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة اسماها «رعف الملام عن الأئمة الأعلام» فارجع إليها فإنها رائعة ومفيدة.

203

113

المنَاسَبَة: لما وصف تعالى أهل الكتاب بالصفات الذميمة، ذكر هنا أنهم ليسوا بدرجة واحدة ففيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر، ثم ذكر تعالى عقاب الكافرين وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم يوم القيامة شيئًا، وأعقب ذلك بالنهي عن اتخاذ أعداء الدين أولياء ونبّه إلى ما في ذلك من الضرر الجسيم في الدنيا والدين.

اللغَة: ﴿آنَآءَ﴾ أوقات وساعات مفردها إِنىَ على وزن مِعَى ﴿يُكْفَروهُ﴾ يُجحدوه من الكفر بمعنى الجحود، سمي منعُ الجزاء كفرًا لأنه بمنزلة الجحد والستر ﴿صِرٌّ﴾ الصِرُّ: البرد الشديد قاله ابن عباس وأصله من الصرير الذي هو الصوت ويراد به الريح الشديدة الباردة ﴿حَرْثَ﴾ زرع وأصله من حرث الأرض إذا شقها للزرع والبذر ﴿بِطَانَةً﴾ بطانة الرجل: خاصته الذين يفضي إليهم بأسراره شبّه ببطانة الثوب لأنه يلي البدن ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ﴾ أي لا يقصّرون قال الزمخشري: يقال ألاَ في الأمر يألو إذا قصّر فيه ﴿خَبَالًا﴾ الخبال: الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول إذا كان ناقص العقل ﴿عَنِتُّمْ﴾ العنت: شدة الضرر والمشقة ﴿الأنامل﴾ .

سَبَبُ النّزول: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قال أحبار اليهود، ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد كفرتم وخسرتم فأنزل الله ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ الآية.

التفِسير: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ، وهنا تمّ الكلام ثم ابتدأ تعالى بقوله ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ أي منهم طائفة مستقيمة على دين الله ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة ﴿يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ أي يؤمنون بالله على الوجه الصحيح ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ أي يدعون إلى الخير وينهون عن الشر ولا يدهنون ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ أي يعملونها مبادرين غير متثاقلين ﴿وأولئك مِنَ الصالحين﴾ أي وهم في زمرة عباد الله الصالحين ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله ﴿والله عَلِيمٌ بالمتقين﴾ أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين، ثم أخبر تعالى عن مآل الكافرين فقال ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئًا﴾ أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئًا ﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون في عذاب جهنم ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي مثل ما ينفقونه في الدنيا بقصد الثناء وحسن الذكر كمثل ريح عاصفة فيها بردٌ شديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾

204

﴿ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي أصابت تلك الريح المدمرة زرع قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي فأفسدته وأهلكته فلم ينتفعوا به؛ فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة كما يذهب هذا الزرع بذنوب صاحبه ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يستوجب العقاب، ثم حذر تعالى من اتخاذ المنافقين بطانة يطلعونهم على أسرارهم فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ أي لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم وتطلعونهم على أسراركم وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي لا يقصرون لكم في الفساد ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد ﴿قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم فهم لا يكتفون ببغضكم بقلوبهم حتى يصرحوا بذلك بأفواههم ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ اي وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ أي وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإِخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إن كنتم عقلاء، وهذا على سبيل الهزّ والتحريك للنفوس كقولك إن كنت مؤمنًا فلا تؤذ الناس وقال ابن جرير المعنى: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم بيّن سبحانه ما هم عليه من كراهية المؤمنين فقال ﴿هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ تحبونهم ولا يحبونكم، تريدون لهم النفع وتبذلون لهم المحبة وهم يريدون لكم الضر ويضمرون لكم العداوة ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ أي وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها وهم مع ذلك ببغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا﴾ أي وهذا من خبثهم إذ يظهرون أمامكم الإِيمان نفاقًا ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ أي وإذا خلت مجالسهم منكم عضوًا أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم، وهو كناية عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ هو دعاء عليهم أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي إن الله علام بما تكنة سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين، ثم أخبر تعالى بما يترقبون نزوله من البلاء والمحنة بالمؤمنين فقال ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أي إن أصابكم ما يسركم من رخاءٍ وخصبٍ ونصرة وغنيمة ونحو ذلك ساءتهم ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ أي وإن أصابكم ما يضركم من شدةٍ وجدبٍ وهزيمةٍ وأمثال ذلك سرتهم، فبيّن تعالى بذلك فرط عداوتهم حيث يسوءهم ما نال المؤمنين من الخير ويفرحون بما يصيبهم من الشدة ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي إن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى ﴿إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو سبحانه عالم بما يُدبّرونه لكم من مكائد فيصرف عنكم شرهم ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة.

205

البَلاَغَة: 1 - ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ﴾ جيء بالجملة اسمية للدلالة على الاستمرار كما جيء بعدها بصيغة المضارع ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله﴾ للدلالة على التجدد ومثله في ﴿يَسْجُدُونَ﴾ .

2 - ﴿وأولئك مِنَ الصالحين﴾ الإِشارة بالبعيد لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم في الفضل.

3 - ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ فيه تشبيه وهو من نوع التشبيه التمثيلي شبّه ما اكنوا ينفقونه في المفاخر وكسب الثناء بالزرع الذي أصابته الريح العاصفة الباردة فدمرته وجعلته حطامًا.

4 - ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ شبه دخلاء الرجل وخواصّه بالبطانة لأنهم يستبطنون دخيل أمره ويلازمونه ملازمة شعاره لجسمه ففيه استعارة أفاده في تلخيص البيان.

5 - ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل﴾ قال أبو حيان: يوصف المغتاط والنادم بعض الأنامل فيكون حقيقة ويحتمل أنه من مجاز التمثيل عبّر بذلك عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين.

6 - في الآيات من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة وذلك في قوله ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ حيث قابل الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح وهي مقابلة بديعة، كما أن فيها جناس الاشتقاق في ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ وفي ﴿الغيظ﴾ و﴿غَيْظِكُمْ﴾ وفي ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿آمَنَّا﴾ .

لطيفَة: عبّر بالمسَّ في قوله ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وبالإصابة في قوله ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ وذلك للإِارة إلى أن الحسنة تسوء الأعداء وحتى ولو كانت بأيسر الأشياء ولو مسًّا خفيفًا وأما السيئة فإِذا تمكنت الإصابة بها إلى الحد الذي يرثي له الشامت فإنهم لا يرثون بل يفرحون ويسرون وهذا من أسرار بلاغة التنزيل، نقلًا عن حاشية الكشاف.

206