صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 219 - 229

159

159

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن غزوة أُحد، فقد ذكر تعالى فيما سبق انهزام المسلمين وما أصيبوا به من غمّ واضطراب، وأرشدهم إِلى موطن الداء ووصف لهم الدواء، وفي هذه الآيات الكريمة اشادة بالقيادة الحكيمة، فمع مخالفة بعض الصحابة لأوامر الرسول ﷺ َ فقد وسعهم عليه السلام بخلقه الكريم وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالغلظة والشدة وإِنما خاطبهم باللطف واللين، وذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحّدت تحت قيادته، والآيات تتحدث عن أخلاق النبوة، وعن المنّة العظمى ببعثة الرسول الرحيم والقائد الحكيم وعن بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة.

اللغَة: ﴿فَظًّا﴾ الفظُّ: الغليظ الجافي قال الواحدي هو الغليظ سيئ الخلق قال الشاعر:

أخشى فظاظة عمٍّ أو جفاء أخٍ ... وكنتُ أخشى عليها من أذى الكلم

﴿غَلِيظَ القلب﴾ هو الذي لا يتأثر قلبه ولا يرقّ ومن ذلك قول الشاعر:

يُبكَى علينا ولا نبكي على أحدٍ؟ ... لنحن أغلظُ أكبادًا من الإِبل

التفِسير: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ﴾ أي فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هينًا ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك ﴿لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي لو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا، لتفرقوا عنك ونفروا منك، ولمّا كانت الفظاظة في الكلام نفى الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه ﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ أي فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد، واطلب لهم من الله المغفرة وشاورهم في جميع أمورك ليقتدي بك الناس قال الحسن «ما شاور قومٌ قط إلاّ هُدوا لأرشد أمورهم» وكان عليه السلام كثير المشاورة لأصحابه ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ أي يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ أي إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ﴾ أي وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم، فمهما وقع لكم من النصر كيوم بدر أو من الخذلان كيوم أُحد بمشيئته سبحانه فالأمر كله لله، بيده العزة والنصرة والإِذلال والخذلان ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ أي وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي ما صحَّ ولا استقام ولا عقلًا لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة، والنفيُ هنا نفيٌ للشأن وهو أبلغ من نفي

219

الفعل لأنَّ المراد أنه لا يتأتّى ولا يصحُّ أن يُتصوّر فضلًا عن أن يحصل ويقع ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ أي ومن يُخن من غنائم المسلمين شيئًا يأت حاملًا له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد ﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي تعطى جزاء ما عملت وافيًا غير منقوص ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي تنال جزاءها العادل دون زيادة أو نقص، فلا يزاد في عقاب العاصي، ولا ينقص من ثواب المطيع ﴿أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الله﴾ أي لا يستوي من أطاع الله وطلب رضوانه، ومن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ أي مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقرًا له ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله﴾ أي متفاوتون في المنازل قال الطبري: هم مختلفوا المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعقاب الأليم ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي لا تخفى عليه أعمال العباد وسيجازيهم عليها، ثمَّ ذكّر تعالى المؤمنين بالمنّة العظمى عليهم ببعثة خاتم المرسلين فقال ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي والله لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولًا عربيًا من جنسهم، عرفوا أمره وخبروا شأنه، وخصَّ تعالى المؤمنين بالذكر وإِن كان رحمة للعالمين، لأنهم هم المنتفعون ببعثته ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ أي يقرأ عليهم الوحي المنزل ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ أي وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فنقلوا من الظلمات إِلى النور، وصاروا أفضل الأمم ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ أي أو حين أصابتكم أيها المؤمنون كارثةٌ يوم أحد فقُتل منكم سبعون ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ أي في بدر حيث قتلتم سبعين وأسرتم سبعين ﴿قُلْتُمْ أنى هذا﴾ أي من أين هذا البلاء، ومن أين جاءتنا الهزيمة وقد وعدنا بالنصر، وموضع التقريع قولهم ﴿أنى هذا﴾ مع أنهم سبب النكسة والهزيمة ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي قل لهم يا محمد: إِن سبب المصيبة منكم أنتم بمعصيتكم أمر الرسول وحرصكم على الغنيمة ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لِقضائه ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان فَبِإِذْنِ الله﴾ أي وما أصابكم يوم أُحد، يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين فبقضاء الله وقدره وبإِرادته الأزلية وتقديره الحكيم، ليتميّز المؤمنون عن المنافقين ﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين﴾ أي ليعلم أهل الإِيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ أي وليعلم أهل النفاق كعبد الله بن أُبي ابن سلول وأصحابه الذين اتخذلوا يوم أُحد عن رسول الله ﷺ َ ورجعوا وكانوا نحوًا من ثلاثمائة رجل فقال لهم المؤمنون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ أي قال المنافقون لو نعلم أنك تلقون حربًا لقاتلنا معكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أي بإِظهارهم هذا القول صاروا أقرب إِلى الكفر منهم إِلى الإِيمان ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي يظهرون خلاف ما يضمرون ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا﴾

220

﴿يَكْتُمُونَ﴾ أي بما يخفونه من النفاق الشرك ﴿الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ﴾ أي وليعلم الله أيضًا المنافقين الذين قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إِن كنتم صادقين في دعواكم، والغرض منه التوبيخ والتبكيت وأن الموت آتٍ إِليكم ولو كنتم في بروج مشيدة.

البَلاَغَة: 1 - ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ... وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ بينهما مقابلة وهي من المحسنات البديعية.

2 - ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ تقديم الجار والمجرور لإِفادة الحصر.

3 - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي ما صح ولا استقام والنفي هنا للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل.

4 - ﴿أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الله﴾ قال أبو حيان: «هذا من الاستعارة البديعة جعل ما شرعه الله كالدليل الذي يتبعه من يهتدي به، وجعل العاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع شيئًا فنكص عن اتباعه ورجع بدونه» .

5 - ﴿بِسَخَطٍ مِّنَ الله﴾ التنكير للتهويل أي بسخط عظيم لا يكاد يوصف.

6 - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة، فالمؤمن درجته مرتفعة والكافر درجته متضعة.

7 - ﴿لِلْكُفْرِ ... لِلإِيمَانِ﴾ بينهما طباق وكذلك بين ﴿يُبْدُونَ ... . يُخْفُونَ﴾ [آل عمران: 154] .

8 - ﴿أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق، وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: في هذه الآية ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومن عجيب أمره ﷺ َ أنه كان أجمع الناس لدواعي العظمة ثم كان أدناهم إِلى التواضع، فكان أشرف الناس نسبًا وأوفرهم حسبًا وأزكاهم عملًا وأسخاهم كرما وأفصحهم بيانًا وكلها من دواعي العظمة، ثم كان من تواضعه عليه السلام أنه كان يرقع الثوب ويخصف النعل ويركب الحمار ويجلس على الأرض ويجيب دعوة العبد المملوك فصلوات الله وسلامه على السراج المنير بحر المكارم والفضائل.

فَائِدَة: التوكل على الله من أعلى المقامات لوجهين: أحدهما محبة الله للعبد ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ والثاني الضمان في كنف الرحمن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [آل عمران: 3] .

221

169

المنَاسَبَة لا تزال الآيات الكريمة تتابع أحداث أَحد، وتكشف عن أسرار المنافقين ومواقفهم المخززية، وتوضّح الدروس والعبر من تلك الغزوة المجيدة.

اللغَة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون وأصله من البشرة لأن الإِنسان إِذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه قال ابن عطية: وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة وإِنما هي بمعنى الفعل المجرد كقوله تعالى ﴿واستغنى الله﴾ [التغابن: 6] ﴿القرح﴾ بالفتح الجرح وبالضم ألم الجرح وقد تقدم ﴿حَسْبُنَا﴾ كافينا مأخوذ من الإِحساب بمعنى الكفاية قال الشاعر:

فتملأُ بيتنا أقْطًا وسَمْنًا وحسبُك من غنىً شِبَعٌ ورِيُّ

﴿حَظًّا﴾ الحظ: النصيب ويستعمل في الخير والشر وإِذا لم يقيّد يكون للخير ﴿نُمْلِي﴾ الإِملاء: التأخير والإِمهال قال القرطبي: والمراد بالإِملاء هنا طول العمر ورغد العيش ﴿يَمِيزَ﴾ يُميِّز يقال: ماز وميزّ أي فصل الشيء من الشيء منه ﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾ [يس: 59] ﴿يَجْتَبِي﴾ يختار ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ من الطّوق وهو القلادة أي يلزمون به لزوم الطوق في العنق.

222

سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ َ: لّما أصيب إِخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طيرٍ خضر، ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إِلى قناديل من ذهب معلقةً في ظلّ العرش، فلما وجدوا طيب مأْكلهم ومَشْربهم ومَقِيلهم قالوا: من يبلّغ إِخواننا عنا أنّا أحياءٌ في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكُلوا عند الحرب فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية.

ب - عن جابر بن عبد الله قال: «لقيني رسول الله ﷺ َ فقال يا جابر: ما لي أراك منكسًا مُهتمًا؟ قلت يا رسول الله: استُشْهد أبي وترك عيالًا وعليه دين فقال: ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: إِن الله أحيا أباك وكلّمه كفاحًا - وما كلّم أحدًا قط إِلا من وراء حجاب - فقال له: يا عبد الله تمنَّ أعطك قال يا رب: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأْقتل فيك ثانية فقال الرب تبارك وتعالى: إِنه قد سبق مني أنهم إِليها لا يرجعون، قال يا رب: فأبلغ من ورائي فأنزل الله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا﴾»

التفِسير: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا﴾ أي لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتًا لا يُحسّون ولا يتنعمون ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ أي بل هم أحياء متنعمون في جنان الخلد يرزقون من نعيمها غدوًا وعشيًا قال الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي ﷺ َ من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يُرزقون ويأكلون ويتنعمون ﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي هم منعّمون في الجنة فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي يستبشرون بإِخوانهم المجاهدون الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إِن استشهدوا فهم لذلك فرحون مستبشرون ﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي بأنْ لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا لأنهم في جنات النعيم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين﴾ أكّد استبشارهم ليذكر ما تعلّق به من النعمة والفضل والمعنى: يفرحون بما حباهم الله تعالى من عظيم كرامته وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب، فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم، والفضلُ ما زادهم من المضاعفة في الأجر ﴿الذين استجابوا للَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ القرح﴾ أي الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد قال ابن كثير: وهذا كان يوم «حمراء الأسد» وذلك أن المشركين لما أصابوا من المسلمين كرّوا راجعين إِلى بلادهم ثم ندموا لم لا تّمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ َ ندب المسلمين إِلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أنّ بهم قوة وجَلَدًا، ولم يأذن لأحدٍ سوى من حضر أحدًا فانتدب المسلمون

223

على ما بهم من الجراح والإِثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله ﷺ َ.

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثواب الجزيل ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إِن قريشًا قد جمعت لكم جموعًا لا تحصى فخافوا على أنفسكم فما زادهم هذا التخويف إِلا إِيمانًا ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ أي قال المؤمنون الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل عليه جل وعلا ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ أي فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ أي لم ينلهم مكروه أو أذى ﴿واتبعوا رِضْوَانَ الله﴾ أي نالوا رضوان الله الذي هو سبيل السعادة في الدارين ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ أي ذو إِحسان عظيم على العباد ﴿إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي إِنما ذلكم القائل ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقًا أن تعصوا أمري فتهلكوا، والمراد بالشيطان «نعيم ابن مسعود الأشجعي» الذي أرسله أبو سفيان ليثبط المسلمين، قال أبو حيان: وإِنما نسب إِلى الشيطان لأنه ناشيء عن وسوسته وإِغوائه وإِلقائه ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ تسلية للنبي ﷺ َ أي لا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر بأقوالهم وأفعالهم، ولا تبال بما يظهر منهم من آثار الكيد للإِسلام وأهله ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا﴾ أي إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئًا وإِنما يضرون أنفسهم ﴿يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخرة﴾ أي يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألاّ يجعل لهم نصيبًا من الثواب في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ولهم فوق الحرمان من الثواب عذاب عظيم في نار جهنم ﴿إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي الذين استبدلوا الكفر بالإيمان وهم المنافقون المذكورون قبل، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم ولهم عذاب مؤلم ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ أي لا يظنَّن الكافرون أن إِمهالنا بدون أجزاء وعذاب، وإِطالتنا لأعمارهم خير لهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًَا﴾ أي إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم ﴿وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب يهينهم ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ هذا وعدٌ من الله لرسوله بأنه سيميّز له المؤمن من المنافق والمعنى لن يترك الله المؤمنين مختلطين بالمنافقين حتى يبتليهم فيفصل بين هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في غزةو أُحد حيث ظهر أهل الإِيمان وأهل النفاق قال ابن كثير «أي لا بدّ أن يعقد شيئًا من المحنة يظهر فيها وليُّه ويُفضح بها عدوه، يُعرف به المؤمن الصابر من المنافق الفاجر، كما ميّز بيمهم يوم أُحد» .

﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ قال الطبري: وأولى الأقوال بتأويله: أي وما كان الله ليطلعكم

224

على قلوب عباده فتعرفوا المؤمن من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والإِبتلاء كما ميّز بينهم يوم أُحد بالبأساء وجهاد عدوه ﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه كما أطلع النبي ﷺ َ على المنافقين ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي آمنوا إِيمانًا صحيحًا بأن الله وحده المطلع على الغيب وأن ما يخبر به الرسول من أمور الغيب إِنما هو بوحي من الله ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي وإِن تصدّقوا ربكم بطاعته فلكم ثواب عظيم ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ لما بالغ تعالى في التحريض على بذل النفس في الجهاد شرع هنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وذكر الوعيد الشديد لمن يبخل بماله والمعنى لا يحسبنَّ البخيلُ أن جمعه المال وبخله بإِنفاقه ينفعه، بل هو مضرّة عليه في دينه ودنياه ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ أي ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾ أي سيجعل الله ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة كما جاء في صحيح البخاري

«من آتاه الله مالًا فلم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع - أي ثعبانًا عظيمًا - له زبيبتان فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقية - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﷺ َ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ﴾ الآية ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾» أي جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي مطلع على أعمالكم.

البَلاغَة: قال في البحر: تضمنت هذه الآيات فنونًا من البلاغة والبديع: الإِطنابُ في ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وفي ﴿لَن يَضُرُّواْ﴾ وفي آسم الجلالة في مواضع، والطباق في ﴿أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ وفي ﴿الكفر بالإيمان﴾ والاستعارة في ﴿اشتروا الكفر﴾ وفي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ وفي ﴿الخبيث والطيب﴾ يراد به المؤمن والمنافق والحذف في مواضع.

فَائِدَة: قوله تعالى ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ هي الكلمة التي قالها إِبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال السيوطي في الإِكليل: يستحب قول هذه الكلمة عند الغمّ والأمور العظيمة.

225

181

المنَاسَبَة: بعد أن انتهى الاستعراض القرآني لمعركة أُحد وما فيها من أحداث جسمية، وتناولت الآيات ضمن ما تناولت مكائد المنافقين ودسائسهم، وما انطوت عليه نفوسهم من الكيد للإِسلام والغدر بالمسلمين وتثبيط عزائمهم عن الجهاد في سبيل الله، أعقبه تعالى بذكر دسائس اليهود وأساليبهم الخبيثة في محاربة الدعوة الإِسلامية عن طريق التشكيك والبلبلة، والكيد والدسّ، ليحذّر المؤمنين من خطرهم كما حذّرهم من المنافقين، والآيات الكريمة تتحدث عن اليهود وموقفهم المخزي من الذات الإِلهية، واتهامهم لله عز وجل بأشنع الاتهامات بالبخل والفقر، ثم نقضهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وخيانتهم للأمانة التي حمَّلهم الله إِيَّاها، إِلى آخر ما هنالك من جرائم وشنائع اتصف بها هذا الجنس الملعون.

اللغَة: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أوصانا ﴿بِقُرْبَانٍ﴾ القربان: ما يذبح من الأنعام تقربًا إِلى الله تعالى ﴿البينات﴾ الآيات الواضحات والمراد هنا المعجزات ﴿الزبر﴾ جمع زبور وهو الكتاب من الزَّبر وهو الكتابة، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب كالرَّكوب بمعنى المركوب قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة ﴿زُحْزِحَ﴾ الزحزحة: التنحية والإِبعاد تكرير الزح وهو الجذب بعجلة ﴿فَازَ﴾ ظفر بما يؤمل ونجا مما يخاف ﴿الغرور﴾ مصدر غرَّه يغرّه غرورًا أي خدعه ﴿مَتَاعُ﴾ المتاع: ما يُتمتع به ويُنتفع ثم يزول ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ لتمتحننَّ من بله أي امتحنه ﴿عَزْمِ الأمور﴾ أصل العزم ثباتُ الرأي على الشيء سوالمراه هنا صواب التدبير والرأي وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ بمنجاة من قولهم فاز فلان إِذا نجا.

سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصّديق ذات يوم بيت مدارس اليهود، فوجد ناسًا من اليهود قد اجتمعوا إِلى رجل منهم يقال له «فنحاص بن عازوراء» وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك اتق الله وأسلِمْ فوالله إِنك لتعلم أن محمدًا رسولٌ من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإِنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إِلى الله من حاجة من فقر وإِنه إِلينا لفقير، ما نتضرع إِليه كما يتضرع إِلينا وإِنّا عنه لأغنياء، ولو كان غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر وضرب وجه «فنحاص» ضربةً شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إِلى رسول الله ﷺ َ فقال يا محمد: انظر إِلى ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ َ: ما حملك على ما صنعتَ يا أبا بكر؟

226

فقال يا رسول الله: إنَّ عدو الله قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فغضبتُ لله وضربتُ وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله ردًّا على فنحاص فأنزل الله ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ الآية.

ب

- عن ابن عباس قال: جاء جماعة من اليهود إِلى رسول الله ﷺ َ - منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وفنحاص بن عازوراء - وغيرهم فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابًا، وقد عهد الله إِلينا في التوراة ألاّ تؤمن من لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإِن جئتنا بهذا صدّقناك فنزلة هذه الآية ﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ الآية.

التفِسير: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ هذه المقالة الشنيعة مقالة أعداء الله اليهود عليهم لعنة الله زعموا أن الله فقير، وذلك حين نزل قوله تعالى ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] قالوا: إِن الله فقير يقترض منا كما قالوا ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] قال القرطبي: وإِنما قالوا هذا تمويهًا على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون هذا، وغرضُهم تشكيك الضعفاء من المؤمنين وتكذيب النبي ﷺ َ أي إِنه فقير على قول محمد لأنه اقترض منا ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوه في صحائف أعمالهم ونتكب جريمتهم الشنيعة بقتل الأنبياء بغير حق، والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ أي ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق، والمراد أن ذلك العقاب حاصل بسبب معاصيكم، وعدلِ الله تعالى فيكم، قال الزمخشري: ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثيب المحسن ﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي هم الذين قالوا إِن الله أمرنا وأوصانا في التوراة ﴿أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ أي أمرنا بأن لا نصدق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدّم قربنانًا فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذا افتراء على الله حيث لم يعهد إِليهم بذلك ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ﴾ أي قل لهم يا محمد توبيخًا وإِظهارًا لكذبهم: قد جاءتكم رسلٌ قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي فلم كذبتموهم وقتلتموهم إِن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان بالله والتصديق برسله؟ ثم قال تعالى مسليًا لرسوله ﷺ َ ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإِنهم إِن فعلوا ذلك فقد كذَّبت أسلافهم من قبلُ رسل الله فلا تحزن فلك بهم أسوة حسنة ﴿جَآءُوا بالبينات﴾ أي كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين

227

القاطعة والمعجزات الواضحة ﴿والزبر والكتاب المنير﴾ أي بالكتب السماوية المملوءة بالحِكَم والمواعظ، والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإِنجيل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ أي مصير الخلائق إِلى الفناء وكل نفسٍ ميّتة لا محالة كقوله

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26] ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي تُعطون جزاء أعمالكم وافيًا يوم القيامة ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ أي فمن نُحي عن النار وأُبْعِد عنها، وأُدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلّد ﴿وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ أي ليست الدنيا إِلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور قال ابن كثير: الآية فيها تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها فانية زائلة ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي والله لتمتحننَّ وتختبرنَّ في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيرًا﴾ أي ولينالنكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير، وهذا إِخبارٌ منه جلّ وعلا للمؤمنين بأنه سينالهم بلايا وأكدار من المشركين والفجّار، وأمرٌ لهم بالصبر عند وقوع ذلك لأن الجنة حفَّت بالمكاره ولهذا قال ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي وإِن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال ﴿فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي الصبر والتقوى من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها ممّا أمر الله بها ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ أي لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها، قال ابن عباس: هي لليهود أُخذ عليهم العهد والميثاق في أمر رسول الله ﷺ َ فكتموه ونبذوه ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ واشتروا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي طرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم واستبدلوا به شيئًا حقيرًا من حُطام الدنيا ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ أي بئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ أي لا تظننَّ يا محمد الذين يفرحون بما أتوا من إِخفاء أمرك عن الناس ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ أي ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب﴾ أي فلا تظنتَّهم بمنجاة من عذاب الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي عذاب مؤلم قال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي ﷺ َ عن شيء فكتموه إيّاه وأخبره بغيره وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إِياه ما سألهم عنه ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي له سبحانه جميع ما في السماوات والأرض فكيف يكون من له ما في السماوات والأرض فقيرًا؟ والآية ردٌّ على الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو تعالى قادر على عقابهم.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يأتي: 1 - ﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ أكد اليهود الجملة ب ﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ﴾ على سبيل المبالغة، فحيث نسبوا إلى أنفسهم الغنى لم يؤكدوا بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج إلى تأكيد كأن الغنى وصف لهم لا يمكن فيه نزاع فيحتاج إِلى تأكيد وهذا دليل على تمردهم في الكفر والطغيان.

228

2 - ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ فيه مجاز يسمى المجاز العقلي أي ستكتب ملائكتنا ولما كان الله لا يكتب وإِنما يأمر بالكتابة أسند الفعل إِليه مجازًا.

3 - ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فيه مجاز مرسل من إِطلاق اسم الجزء وإِرادة الكل وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال نُزوال بهن.

4 - ﴿تَأْكُلُهُ النار﴾ إِسناد الأكل إِلى النار بطريق الاستعارة إِذ حقيقة الأكل إِنما تكون في الإِنسان والحيوان وكذلك توجد استعارة في قوله ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ لأن حقيقة الذوق ما يكون بحاسّة اللسان.

5 - ﴿مَتَاعُ الغرور﴾ قال الزمخشري: «شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلّس به على المستام ويُغر حتى يشتريه والشيطان هو المدلِّس الغرور» فهو من باب الاستعارة.

6 - ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ واشتروا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كذلك توجد استعارة في النبذ والاشتراء شبّه عدم التمسك والعمل به بالشيء الملقى خلف ظهر الإِنسان وباشتراء ثمن قليل ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله.

7 - وفي الآيات الكريمة من المحسنات البديعية الطباق في ﴿فَقِيرٌ أَغْنِيَآءُ﴾ والمقابلة ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ وفي ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ ... وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ والجناس المغاير في ﴿قَوْلَ الذين قالوا﴾ وفي ﴿كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾ .

فَائِدَة: صيغة فعّال في الآية ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب مثل عطّار ونجّار وتمّار كلها ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب قال ابن مالك.

ومع فاعل وفعَّال فُعل ... في نسبٍ أغنى من الياء قُبل

تنبيه: إِنما وصف تعالى عيش الدنيا ونعيمها بأنه متاع الغرور، لما تمنّيه لذاتها وشهواتها من طول البقاء وأمل الدوام فتخدعه ثم تصرعه، ولهذا قال بعض السلف: الدنيا متاعٌ متروك يوشك أن يضمحلّ ويزول، فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم والله المستعان.

229