صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 207 - 218

121

121

المنَاسَبَة: يبدأ الحديث عن الغزوات من هذه الآيات الكريمة، وقد انتقل السياق من معركة الجدل والمناظرة إلى معركة الميدان والقتال، والآيات تتحدث عن غزوة «أحد» بالإِسهاب وقد جاء الحديث عن غزوة بدر في أثنائها اعتراضًا ليذكّرهم بنعمته تعالى عليهم لمّا نصرهم ببدر وهم أذلة قليلون في العَدَد والعُدَد، وهذه الآية هي افتتاح القصة عن غزوة أحد وقد أنزل فيها ستون آية، ومناسبة الآيات لما قبلها أنه تعالى لما حذّر من اتخاذ بطانة السوء ذكر هنا أن السبب في همّ الطائفتين ن الأنصار بالفشل إنما كان بسبب تثبيط المنافقين لهم وعلى رأسهم أبي بن سلول رأس النفاق فالمناسبة واضحة، روي الشيخان عن جابر قال «فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا﴾ قال نحن الطائفتان: بنو حارثة، وبنو سلمة وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى ﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ .

اللغَة: ﴿غَدَوْتَ﴾ خرجت غُدوة وهي الساعات الأولى من الصبح ﴿تَفْشَلاَ﴾ الفشل: الجبن والضعف ﴿تُبَوِّىءُ﴾ تنزل يقال: بوأته منزلا وبوأت له منزلًا أي أنزلته فيه وأصل التبوئ اتخاذ المنزل ﴿أَذِلَّةٌ﴾ أي قلة في العدد والسلاح ﴿فَوْرِهِمْ﴾ الفور: السرعة وأصله شدة الغليان من فارتْ القدر إذا غلت ثم استعملت للسرعة تقول: من فوره أي من ساعته ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بفتح الواو بمعنى معلَّمين على القتال وبكسرها بمعنى لهم علامة وكانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاء ﴿طَرَفًا﴾ طائفة وقطعة ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ الكبتُ: الهزيمة والإِهلاك وقد يأتي بمعنى الغيظ والإِذلال ﴿خَآئِبِينَ﴾ الخيبة: عدم الظفر بالمطلوب.

سَبَبُ النّزول: ثبت في صحيح مسلم» أن النبي ﷺ َ كسرت رباعيته يوم أحد وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلِتُ الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجّورا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟ «فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ .

التفِسير: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي اذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي تنزّل المؤمنين أماكنهم لقتال عدوهم ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالكم عليمٌ بأحوالكم ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ أي حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا وهمتا بالرجوع وهما» بنو سلمة «و» بنو حارثة «وذلك حين حرج رسول الله ﷺ َ لأحد بألفٍ من أصحابه فلما قاربوا عسرك الكفرة وكانوا ثلاثة آلاف انخذل» عبد الله بن أبي «بثلث الجيش وقال: علامَ نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهمَّ الحيان من الأنصار بالرجوع فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله ﷺ َ وذلك قوله تعالى ﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ أي ناصرهما ومتولي أمرهما ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ أي في جميع أحوالهم وأمورهم، ثم ذكّرهم تعالى بالنصر يوم بدر لتقوى قلوبهُم ويتسلوا عمّا أصابهم من الهزيمة يوم أحد فقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي نصركم يوم بدر مع قلة العدد والسلاح لتعلموا أن النصر من عند الله لا بكثرة العدد والعُدد ﴿فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي اشكروه على ما منْ به عليكم من النصر ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ﴾ أي إِذ تقول يا محمد لأصحابك أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين لنصرتكم ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ بلى تصديق للوعد أي بلى يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة واتقيتم الله وأطعتم أمره ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي يأتيكم المشركون من ساعتهم هذه ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ أي يزدكم الله مددًا من الملائكة معلَّمين على السلاح ومدربين على القتال ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ﴾ أي وما جعل الله ذلك الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم أيها المؤمنون لتزدادوا ثباتًا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي ولتسكن قلوبكم فلا تخافوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم ﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ أي فلا تتوهموا أن النصر بكثرة العَدَد والعُدَد،

207

ما النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده، لا من الملائكة ولا من غيرهم ﴿العزيز الحكيم﴾ أي الغالب الذي لا يغلب في أمره الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الذين كفروا﴾ أي ذلك التدبير الإِلهي ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، ويهدم ركنًا من أركان الشرك ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يغيظهم ويخزيهم بالهزيمة ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ أي يرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم، وقد فعل تعالى ذلك بهم في بدر حيث قتل المسلمون من صناديدهم سبعين وأسروا سبعين وأعز الله المؤمنين وأذل الشرك والمشركين ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ هذه الآية وردت اعتراضًا وهي في قصة أحد، وذلك لما كسرت رباعيته ﷺ َ وشُج وجهه الشريف قال: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم؟ ﴿فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ أي ليس لك يا محمد من أمر تدبير العباد شيء وإنما أمرهم إلى الله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي فالله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصرّوا على الكفر فإنهم ظالمون يستحقون العذاب ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي له جل وعلا وملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وهو الغفور الرحيم ﴿يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ هذا نهيٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين عن تعاطي الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه في الجاهلية من تضعيفه قال ابن كثير: كانوا في الجاهلية إذا حلّ أجل الدين يقول الدائن: إمّا أن تَقْضي وإمّا أن تُرْبيي﴾ فإن قضاه وإلاَّ زاده في المدة وزاده في القدر وهكذا كلّ عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا ﴿واتقوا الله﴾ أي اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لتكونوا من الفائزين ﴿واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي احذروا نار جهنم التي هيئت للكافرين ﴿وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي اطيعوا الله ورسوله لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم رحمة الله.

البَلاَغَة: 1 - ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ صيغة المضارع لحكاية الماضية باستحضار صورتها في الذهن.

208

2 - ﴿أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ التعرض لعنوان الربوبية مع إِضافته للمخاطبين لإِظهار كمال العناية بهم أفاده أبو السعود.

3 - ﴿يَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ﴾ بينهما طباق.

4 - ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ جناس الاشتقاق.

5 - ﴿لاَ تَأْكُلُواْ الربا﴾ سمي الأخذ أكلًا لأنه يئول إليه فهو مجاز مرسل.

تنبيه: ذكر الأضعاف المضاعفة في الآية ليس للقيد ولا للشرط، وإنما هو لبيان الحالة التي كان الناس عليها في الجاهلية، وللتشنيع عليهم بأنَّ في هذه المعاملة ظلمًا صارخًا وعدوانًا مبينًا حيث كانوا يأخذون الربا أضعافًا مضاعفة قال أبو حيان: «نهوا عن الحالة الشنعاء التي يوقعون الربا عليها فربما استغرق بالنزر اليسير مال المدين، وأشار بقوله ﴿مُّضَاعَفَةً﴾ إلى أنهم كانوا يكررون التضعيف عامًا بعد عام، والربا محرم بجميع أنواعه، فهذه الحال ليس قيدًا في النهي» .

209

133

المنَاسَبَة: لما حث تعالى على الصبر والتقوى ونبه المؤمنين إِلى إِمداد الله لهم بالملائكة في غزوة بدر، عقّبه بالأمر بالمسارعة إِلى نيل رضوان الله، ثم ذكر بالتفصيل غزوة أُحد وما نال المؤمنين فيها من الهزيمة بعد النصر بسبب مخالفة أمر الرسول، ثم بيّن أن الابتلاء سنة الحياة، وأن قتل الأنبياء لا ينبغي أن يُدخل الوهن إِلى قلوب المؤمنين، ثم توالت الآيات الكريمة في بيان الدروس والعبر من غزوة أُحد.

اللغَة: ﴿وسارعوا﴾ بادروا ﴿السَّرَّآءِ﴾ الرخاء ﴿الضرآء﴾ الشدة والضيق ﴿الكاظمين﴾ كظم الغيظ: ردّه في الجوف يقال: كظم غيظه أي لم يظهره مع قدرته على إِيقاعه بالعدو مأخوذ من كظم القربة إِذا ملأها وشد رأسها ﴿فَاحِشَةً﴾ الفاحشة: العمل الذي تناهى في القبح ﴿خَلَتْ﴾ مضت ﴿سُنَنٌ﴾ السنن: جمع سنة وهي الطريقة التي يقتدى بها ونها سنة النبي ﷺ َ والمراد بها هنا الوقائع التي حصلت للمكذبين ﴿قَرْحٌ﴾ جرح بالفتح والضم قال الفراء: هو بالفتح الجرح وبالضم ألَمه، وأصل الكلمة الخلوص ومنه ماء قُراح ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ نصرّفها والمداولة: نقل الشيء من واحد إِلى آخر يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من شخص إلى شخص ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ التمحيص: التخليص يقال: محصته إذا خلَّصته من كل عيب وأصله في اللغة: التنقية والإِزالة ﴿وَيَمْحَقَ﴾ المحق: نقص الشيء قليلًا قليلًا ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾ جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال: انقلب على عقبه أي رجع إِلى ما كان عليه ﴿مُّؤَجَّلًا﴾ له وقت محدّد لا يتقدم ولا يتأخر ﴿وَكَأَيِّن﴾ كم وهي للتكثير وأصلها أي دخلت عليها كاف التشبيه فأصبح معناها التكثير ﴿رِبِّيُّونَ﴾ جمع ربِّي نسبة إِلى الربّ كالربانيين وهم العلماء الأتقياء العابدون لربهم وقيل: نسبة إِلى الربّة وهي الجماعة ﴿استكانوا﴾ خضعوا وذلّوا وأصله من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد.

التفسِير: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ أي وإِلى جنة واسعة عرضها السماء والأرض كما قال في سورة «الحديد» ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾ [الآية: 21] والغرض بيان سعتها فإِذا كان هذا عرضها فما ظنك بطولها؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي هيئت للمتقين لله ﴿الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء﴾ أي يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء، ﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي يمسكون غليظهم مع قدرتهم على الانتقام ﴿والعافين عَنِ الناس﴾ أي يعفون عمن أساء إِليهم وظلمهم ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ أي يحب المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة وغيرها ﴿والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ أي ارتكبوا ذنبًا قبيحًا كالكبائر ﴿أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾ بإِتيان أي ذنب ﴿ذَكَرُواْ الله﴾

210

﴿فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي تذكروا عظمة الله ووعيده لمن عصاه فأقلعوا عن الذنب وتابوا وأنابوا ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله﴾ استفهام بمعنى النفي أي لا يغفر الذنوب إِلا الله وهي جملة اعتراضية لتطييب نفوس العباد وتنشيطهم للتوبة ولبيان أن الذنوب - وإِن جلَّت - فإِن عفوه تعالى أجل ورحمته أوسع ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لم يقيموا على قبيح فعلهم وهم عالمون بقبحه بل يقلعون ويتوبون ﴿أولئك جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي الموصوفون بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي ولهم جنات تجري خلال أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها أبدًا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي نعمت الجنة جزاءً لمن أطاع الله، ثم ذكر تعالى تتمة تفصيل غزوة أُحد بعد تمهيد مبادئ الرشد والصلاح فقال ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي قد مضت سنة الله في الأمم الماضية بالهلاك والاستئصال بسبب مخالفتهم الأنبياء ﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين﴾ أي تعرفوا أخبار المكذبين، وما نزل بهم لتتعظوا بما ترون من آثار هلاكهم ﴿هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن فيه بيانٌ شاف للناس عامة ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى للمتقين خاصة، وإِنما خصّ المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر الناس، ثم أخذ يسليهم عمّا أصابهم من الهزيمة في وقعة أُحد فقال ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا ما أصابكم من قتلٍ أو هزيمة ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي وأنتم الغالبون لهم المتفوقون عليهم فإِن كانوا قد أصابوكم يوم أُحد فقد أبليتم فيهم يوم بدر ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إِن كنتم حقًا مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ أي إِن أصابكم قتلٌ أو جراح فقد أصاب المشركين مثل ما أصابكم ﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ أي الأيام دولن، يوم لك ويوم عليك، ويوم تُساء ويوم تُسر ﴿وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ﴾ أي فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ويميز بين المؤمنين والمنافقين ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ أي وليكرم بعضكم بنعمة الشهادة في سبيل الله ﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ أي لا يحب المعتدين ومنهم المنافقون الذين انخذلوا عن نبيه يوم أُحد ﴿وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ﴾ أي ينفيهم ويطهرهم من الذنوب ويميزهم عن المنافقين ﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ أي يهلكهم شيئًا فشيئًا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ استفهام على سبيل الإِنكار أي هل تظنون يا معشر المؤمنين أن تنالوا الجنة بدون ابتلاء وتمحيص؟ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ أي ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله جهادكم وصبركم على الشدائد؟ قال الطبري المعنى: أظننتم يا معشر أصحاب محمد أن تنالوا كرامة ربكم ولّما يتبين لعبادي المؤمنين المجاهدون منكم في سبيل الله والصابرون عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من ألم ومكروه!! ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت﴾ أي كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة ﴿مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ﴾ أي من قبل

211

أن تذوقوا شدته، والآية عتاب في حق من انهزم ﴿رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي رأيتموه بأعينكم حين قُتل من إِخوانكم وشارفتم أن تقتلوا، ونزل لما أشاع الكافرون أن محمدًا قد قتل وقال المنافقون: إِن كان قد قتل فتعالوا نرجع إِلى ديننا الأول ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ أي ليس محمد إِلا رسول الله مضت قبله رسل، والرسل منهم من مات ومنهم من قتل ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ أفإِن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارًا بعد إِيمانكم؟ ﴿وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا﴾ أي ومن يرتد عن دينه فلا يضر الله، وإِنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ أي يثيب الله المطيعين وهم الذين ثبتوا ولم ينقلبوا، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفسٍ أجلًا لا يتقدم ولا يتأخر فقال ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي بإِرادته ومشيئته ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ أي كتب لكل نفسٍ أجلها كتابًا مؤقتًا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، والغرض تحريضهم على الجهاد وترغيبهم في لقاء العدو، فالجبنُ لا يزيد في الحياة، والشجاعة لا تنقص منها، والحذر لا يدفع القدر والإِنسان لا يموت قبل بلوغ أجله وإِن خاض المهالك واقتحم المعارك ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي من أراد بعمله أجر الدنيا أعطيناه منها وليس له في الآخرة من نصيب، وهو تعريض بالذين رغبوا في الغنائم، فبيّن تعالى أن حصول الدنيا للإِنسان ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي ومن أراد بعمله أجر الآخرة أعطيناه الأجر كاملًا مع ما قسمنا له من الدنيا كقوله

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: 20] ﴿وَسَنَجْزِي الشاكرين﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا بحسب شكرهم وعملهم ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي كم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون قاتلوا فقُتل منهم من قتل ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ عن الجهاد ﴿وَمَا استكانوا﴾ أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم ﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي ما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين إِلا طلب المغفرة من الله ﴿وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا﴾ أي وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي ثبتنا في مواطن الحرب ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أي انصرنا على الكفار ﴿فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة﴾ أي جمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالغنيمة والعز والظفر والتمكين لهم بالبلاد وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ أي يحب من أحسن عمله وأخلص نيته، وخص ثواب الآخرة بالحسن إِشعارًا بفضله وأنه المعتد به عند الله.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - ﴿عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ أي كعرض السماوات والأرض حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه يسمى هذا «التشبيه البليغ» .

212

2 - ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ من باب تسمية الشيء باسم سببه أي إِلى موجبات المغفرة.

3 - ﴿السَّرَّآءِ والضرآء﴾ فيه الطباق وهو من المحسنات البديعية.

4 - ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله﴾ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر.

5 - ﴿أولئك جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ الإِشارة بالبعيد للإِشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل.

6 - ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك.

7 - ﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾ هو من باب الالتفات لأنه جاء بعد لفظ ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ فهو التفات من الحاضر إلى الغيبة، والسرُّ في هذا الالتفات تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله.

8 - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ قصر موصوف على صفة.

9 - ﴿انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ قال في تلخيص البيان: هذه استعارة والمراد بها الرجوع عن دينه، فشبّه سبحانه الرجوع في الإِرتياب بالرجوع على الأعقاب.

الفوَائِد: الأولى: في هذه الآيات الكريمة ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ أمهات مكارم الأخلاق من البذل وكظم الغيظ والعفو عن المسيئين والتوبة من الذنوب، وكلٌ منها مصدر لفضائل لا تدخل تحت الحصر.

الثانية: قدم المغفرة على الجنة لأن التخلية مقدمة على التحلية فلا يستحق دخول الجنة من لم يتطهر من الذنوب والآثام.

الثالثة: تخصيص العرض بالذكر للمبالغة في وصف الجنة بالسعة والبسطة فإِذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ قال ابن عباس: كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض.

الرابعة: كتب هرقل إِلى النبي ﷺ َ إِنك دعوتني إِلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال عليه السلام: «سبحان الله أين الليل إِذا جاء النهار» .

الخامسة: أمر تعالى بالمسارعة إِلى عمل الآخرة في آيات عديدة ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ و﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد: 21] ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: 148] ﴿فاسعوا إلى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: 9] ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ [المطففين: 26] وأما لعمل الدنيا فأمر بالهوينى ﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15] ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض﴾ [الزمر: 20] فتدبر السرّ الدقيق.

213

149

المنَاسَبَة: لا تزالل الآيات الكريمة تتناول سرد أحداث غزوة أُحد وما فيها من العظات والعبر، فهي تتحدث عن أسباب الهزيمة وموقف المنافقين الفاضح في تلك الغزوةن وتآمرهم على الدعوة الإِسلامية. بتثبيط عزائم المؤمنين.

اللغَة: ﴿سُلْطَانًا﴾ حجة وبررهانًا وأصله القوة وومنه قيل لللوالي سلطان ﴿مثوى﴾ المثوى: المكان الذي يكون مقر الإِنسان ومأواه من قولهم ثوى بالمكان إِذا أقام فيه ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تقتلونهم قال الزجاج: الحسُّ الإِستئصال بالقتل وأصله الضرب على مكان الحس قال الشاعر:

حسناهم بالسيف حسًا فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبدّدوا

﴿تُصْعِدُونَ﴾ الإِصعاد: الذهاب والإِبعاد في الأرض، والفرق بينه وبين الصعود أن الإِصعاد يكون في مستوى من الأرض، والصعود يكون في ارتفاع ﴿لاَ تَلْوُونَ﴾ أي لا تلتفتون إلى أحد كما يفعل المنهزم وأصله من ليّ العنق للإِلتفات ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ آخركم ﴿أَثَابَكُمْ﴾ جازاكم ﴿أَمَنَةً﴾ أمنًا واطمئنانًا ﴿يغشى﴾ يستر ويغطي ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ التمحيص: التنقية وتخليص الشيء مما فيه من عيب ﴿استزلهم﴾ أوقعهم في الزلّة وهي الخطيئة ﴿غُزًّى﴾ جمع غازٍ وهو الخارج في سبيل الله.

214

سَبَبُ النّزول: لما رجع رسول الله ﷺ َ إِلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ... إلى قوله مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أُحد.

التفِسير: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ﴾ أي إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به ﴿يَرُدُّوكُمْ على أَعْقَابِكُمْ﴾ أي يردوكم إِلى الكفر ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾ أي ترجعوا إِلى الخسران، ولا خسران أعظم من أن تتبدلوا الكفر بالإِيمان قال ابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أُحد لو كان نبيًا ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إِلى إِخوانكم ﴿بَلِ الله مَوْلاَكُمْ﴾ بل للإِضراب أي ليسوا أنصارًا لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره ﴿وَهُوَ خَيْرُ الناصرين﴾ أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره، ثم بشر تعالى المؤمنين بإِلقاء الرعب في قلوب أعدائهم فقال ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ أي سنقذف في قلوبهم الخوف والفزع ﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان ﴿وَمَأْوَاهُمُ النار﴾ أي مستقرهم النار ﴿وَبِئْسَ مثوى الظالمين﴾ أي بئس مقام الظالمين نار جهنم، فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون وفي الحديث «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ أي وفي الله لكم ما وعدكم به من النصر على عدوكم ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا وتحصدونهم بسيوفكم بإِرادة الله وحكمه ﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر﴾ أي حتى إِذا اجبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل ﴿وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ أي عصيتم أمر الرسول ﷺ َ بعد أن كان النصر حليفكم، روي أن النبي ﷺ َ وضع خمسين من الرماة فوق الجبل وأمرهم أن يدفعوا عن المسلمين وقال لهم: لا تبرحوا أماكنكم حتى ولو رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلما التقى الجيشان لم تقو خيل المشركين على الثبات بسبب السهام التي أخذتهم في وجوههم من الرماة فانهزم المشركون، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمة ونزلوا لجمع الأسلاب، وثبت رئيسهم ومعه عشرة فجاءهم المشركون من خلف الجبل فقتلوا البقية من الرماة ونزلوا على المسلمين بسيوفهم من خلف ظهورهم فانقلب النصر إِلى هزيمة للمسلمين فذلك قوله تعالى ﴿مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ أي من بعد النصر ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أي الغنيمة وهم الذين تركوا الجبل ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ أي ثواب الله وهم العشرة الذين ثبتوا في مركزهم مع أميرهم «عبد الله بن جبير» ثم استشهدوا ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أي صفح عنكم مع العصيان، وفيه إِعلان بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم لولا عفو الله عنهم ولهذا قال ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ أي ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ أي اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم ولا يقف واحد منكم لآخر ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ في أُخْرَاكُمْ﴾ أي ومحمد ﷺ َ نياديكم من وراءكم يقول

«إِليَّ

215

عبادَ الله، إِليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة» وأنتم تمعنون في الفرار ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي جازاكم على صنيعكم غمًا بسبب غمكم للرسول ﷺ َ ومخالفتكم أمره ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ﴿وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ﴾ أي من الهزيمة، والغرض بيان الحكمة من الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم وما أصابهم وذلك من رحمته تعالى بهم ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي يعلم المخلص من غيره ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ وهذا امتنانٌ منه تعالى عليهم أي ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة ولتأمنوا على أنفسكم من عدوكم فالخائف لا ينام، روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاسُ ونحن في مصافنا يوم أحد، قال فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه» ثم ذكر سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة بل كانت لأهل الإِخلاص، وبقى أهل النفاق في خوف وفزع فقال ﴿يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ أي يغشى النوم فريقًا منكم وهم المؤمنون المخلصون ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلاَّ نجاتها وهم المنافقون، وكان السبب في ذلك توعد المشركين بالرجوع إِلى القتال، فقعد المؤمنون متهيئين للحرب فأنزل الله عليهم الأمنة فناموا، وأما المنافقون الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم فقد طار النوم من أعينهم من الفزع والجزع ﴿يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية﴾ أي يظنون بالله السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية، قال ابن كثير: وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ﴾ أي ليس لنا من الأمر شيء، ولو كان لنا اختيار ما خرجنا لقتال ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ أي قل محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء ﴿يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون ذلك ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج، وهذا تفسير لما يبطنونه قال الزبير: أُرسل علينا النوم الذي وإِنّي لأسمع قول «معتّب بن قشير» والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي قل لهم يا محمد لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم، فَقَدرُ الله لا مناص منه ولا مفر ﴿وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره فعل بكم ذلك ﴿والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر، ثم ذكر سبحانه الذين انهزموا يوم أُحد فقال ﴿إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ﴾ أي انهزموا منكم من المعركة ﴿يَوْمَ التقى﴾

216

﴿الجمعان﴾ أي جمع المسلمين وجمع المشركين ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ أي إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب وهو مخالفة أمر الرسول ﷺ َ ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ أي تجاوز عن عقوبتهم وصفح عنهم ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه، ثم نه سبحانه عن الاقتداء بالمنافقين في أقوالهم وأفعالهم فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ﴾ أي لا تكونوا كالمنافقين ﴿وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض﴾ أي وقالوا لإِخوانهم من أهل النفاق إذا خرجوا في الأسفار والحروب ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ أو خرجوا غازين في سبيل الله ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ أي لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا، قال تعالى ردًّا عليهم ﴿لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم ﴿والله يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ على قولهم واعتقادهم أي هو سبحانه المحيي المميت فلا يمنع الموت قعود ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي استشهدتم في الحرب والجهاد ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ أي جاءكم الموت وأنتم قاصعدون قتالهم ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ أي وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإِن مرجعكم إِلى الله فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، ولله در القائل حيث يقول:

فإِن تكن الأبدان للموت أُنشئت ... فقتل امرئٍ بالسيف في الله أفضل

البَلاَغَة: 1 - ﴿يَرُدُّوكُمْ على أَعْقَابِكُمْ﴾ أي يرجعوكم من الإِيمان إِلى الكفر وهو من باب الاستعارة وقد تقدم.

2 - بين لفظ ﴿آمنوا﴾ و﴿كَفَرُواْ﴾ في الآية طباق وكذلك بين ﴿يُخْفُونَ﴾ و﴿يُبْدُونَ﴾ وبين ﴿فَاتَكُمْ﴾ و﴿أَصَابَكُمْ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

3 - ﴿وَبِئْسَ مثوى الظالمين﴾ لم يقل وبئس مثواهم بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ وللإِشعار بأنهم ظالمون لوضعهم الشيء في غير موضعه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى الظالمين النار أفاده أبو السعود.

4 - ﴿ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ التنكير للتفخيم وقوله ﴿عَلَى المؤمنين﴾ دون عيلهم فيه الإِظهار ف موضع الإِضمار للتشريف والإِشعار بعلة الحكم.

5 - ﴿يَظُنُّونَ بالله ... ظَنَّ﴾ بينهما جناس الاشتقاق وكذلك في ﴿فَتَوَكَّلْ ... المتوكلين﴾ [آل عمران: 159] .

6 - ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض﴾ فيه استعارة تشبيهًا للمسافر في البر بالسابح الضارب في البحر. لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقًا لها واستعانة على قطعها كذا في تلخيص البيان.

217

فَائِدَة: من الذين ثبتوا في المعركة بأُحد الأسد المقدام «أنس بن النضر» عن أنس بن مالك، فلما هزم المسلمون وأشاع المنافقون أن محمدًا ﷺ َ قد قتل قال: اللهم إِني أعتذر إِليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إِليك مما فعل هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم بسيفه فلقيه «سعد بن معاذ» فقال: أين يا سعد؟ والله إِني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقُتل ومثَّل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من بنانه ورؤي وبه بضع وثمانون من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ بسهم.

فَائِدَة: روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: إِن النساء كنَّ يوم أُحد خلف المسمين يُجهزن على جَرَحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوت أن أبرّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ َ وعصوا ما أُمروا به أُفرد النبي ﷺ َ في تسعة عاشرهم فلما أرهقوه قال: رحم الله رجلًا ردّهم عنا فلم يزل يقول ذلك حتى قتل سبعة منهم، فنظروا فإِذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطيع أن تأكلها، وحزن عليه رسول الله ﷺ َ حزنًا شديدًا، وصلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة.

218