صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 37 - 45

26

26

المنَاسَبَة: لّما بينّ تعالى بالدليل الساطع، والبرهان القاطع، أن القرآن كلام الله لا يتطرأ إِليه شك، وإِنه كتاب معجز أنزله على خاتم المرسلين، وتحداهم أن يأتوا بمثل سورةٍ من أقصر سوره، وذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه وهي أنه جاء في القرآن ذكر (النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل) الخ وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فضلًا عن كلام ربّ الأرباب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، وردَّ عليهم بأنَّ صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإِعجازه، إِذا كان ذكر المثل مشتملًا على حِكَمٍ بالغة.

اللغَةَ: ﴿لاَ يَسْتَحْى﴾ الحياء: تغير وانكسار يعتري الإِنسان من خوف ما يعاب به ويذم، والمراد به هنا لازمه وهو الترك، قال الزمخشري: أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي

37

من ذكرها لحقارتها ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فما دونها في الصغر ﴿الفاسقين﴾ أصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافق فاسق لخروجه عن طاعة ربه، قال الفراء: الفاسق مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، ويسمى الفاسق فاسقًا لخروجه عن طاعة الله، وتسمى الفأرة فويسقه لخروجها لأجل المضرة. ﴿يَنقُضُونَ﴾ النقض: فسخ التركيب وإِفساد ما أبرمته من بناءٍ، أو حبلٍ، أو عهد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: 92] وقال ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: 155] أي فبنقضهم الميثاق ﴿عَهْدَ﴾ العهد: المَوْثق الذي يعطيه الإِنسان لغيره ويقال عهد إِليه أي أوصاه ﴿الميثاق﴾ [الرعد: 20] العهد المؤكد باليمين وهو أبلغ من العهد. ﴿استوى﴾ الاستواء في الأصل: الاعتدال والاستقامة يقال: استوى العود إِذا قام واعتدل، واستوى إِليه كالسهم إِذا قصده قصدًا مستويًا، وقال ثعلب: الاستواء: الإِقبال على الشيء. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ خلقهن وأتقنهن وقيل معناه: صيّرهن.

سَبَبُ النزّول: لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وما أراد بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ فأنزل الله الآية.

التفسِير: يقول تعالى في الرد على مزاعم اليهود والمنافقين ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾ أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيُّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيرًا كان أو كبيرًا ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله ﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلًا﴾؟ وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ قال تعالى في الرد عليهم ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرًا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرًا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدىً ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إِلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته، ثم عدّد تعالى أوصاف هؤلاء الفاسقين فقال ﴿الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ أي ينقضون ما عهده إِليهم في الكتب السماوية، من الإِيمان بمحمد ﷺ َ من بعد توكيده عليهم، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإِيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام والقرابات، واللفظ عام في كل قطيعة لا يرضاها الله كقطع الصلة بين الأنبياء، وقطع الأرحام، وترك موالاة المؤمنين ﴿ويفسدون في الأرض﴾ بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات

38

حول القرآن ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي أولئك المذكورون، الموصوفون بتك الأوصاف القبيحة هم الخاسرون لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إِلى النار المؤبدة ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ استفهام للتوبيخ والإِنكار والمعنى كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي وقد كنتم في العدم نُطفًا في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي أخرجكم إِلى الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء الآجال ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث من القبور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء يوم النشور.

ثم ذكر تعالى برهانًا على البعث فقال ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعًا﴾ أي خلق لكم الأرض وما فيها لتنتفعوا بكل ما فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ أي ثم وجّه إرادته إلى السماء ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سماوات﴾ أي صيّرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة البناء وذلك دليل القدرة الباهرة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ، أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟! بلى إنه على كل شيء قدير.

البَلاَغَة: 1 - قوله ﴿لاَ يَسْتَحْى﴾ مجاز من باب إِطلاق الملزوم وإِرادة اللازم، والمعنى: لا يترك فعبّر بالحياء عن الترك، لأن الترك من ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه.

2 - قوله ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ فيه (استعارة مكنية) حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على سبيل الاستعارة المكنية.

3 - قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ هو من باب (الالتفات) للتوبيخ والتقريع، فقد كان الكلام بصيغة الغيبة ثم التفت فخاطبهم بصيغة الحضور، وهو ضرب من ضروب البديع.

4 - قوله ﴿عَلِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة، ومعناه الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه ب (عالم وعليم وعلام) وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في (علامة) ولا يجوز وصفه به تعالى.

الفوَائِد: الأولى: قال الزمخشري: التمثيل إِنما يصار إِليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إِلا أمرًا تستدعيه حال المتمثل له، ألا ترى إِلى الحق لما كان أبلج واضحًا جليًا، كيف تمثَّل له بالضياء والنور؟ وإِلى الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثّل له بالظلمة؟ ولما كان حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادًا لله تعالى ليس أحقر منها وأقل، لذلك ضرب لها المثل ببيت العنكبوت في الضعف والوهن ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتًا﴾ [العنكبوت: 41] وجعلت أقل من الذباب وأخسَّ قدرًا ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: 73] والعجبُ منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور، والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم سائرة في حواضرهم وبواديهم.

39

الثانية: قدّم الإِضلال على الهداية ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرًا فظيعًا يسوءهم ويفتُّ في أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إِيذانًا بالتجدد والاستمرار، أفاده العلامة أبو السعود.

الثالثة: قال ابن جزي في التسهيل: وهذه الآية ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعًا ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله تعالى ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما أن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر تكون ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأخبار.

40

30

المنَاسَبَة: لما امتنَّ تعالى على العباد بنعمة الخلق والإِيجاد وأنه سخر لهم ما في الأرض جميعًا، وأخرجهم من العدم إِلى الوجود، أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتنَّ عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه، بجعله خليفة، وإِسكانه دار الكرامة، وإِسجاد الملائكة تعظيمًا لشأنه، ولا شك أن الإِحسان إِلى الأصل إِحسان إِلى الفرع، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، ولهذا ناسب أن يذكّرهم بذلك، لأنه من وجوه النعم التي أنعم بها عليهم.

اللغَة: ﴿وَإِذْ﴾ ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر حين أو اذكر وقت، وقد يصرح بالمحذوف كقوله تعالى: ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: 26] قال المبرد: إذا جاء «إِذْ» مع مستقبل كان معناه ماضيًا نحو قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: 30] معناه إِذْ مكروا، وإِذا جاء «إِذا» مع الماضي كان معناه مستقبلًا كقوله ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطآمة الكبرى﴾ [النازعات: 34] و﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله﴾ [النصر: 1] أي يجيء. ﴿خَلِيفَةً﴾ الخليفة: من يخلف غيره وينوب منابه، فعيل بمعنى فاعل والتاء للمبالغة، سمي خليفة لأنه مستخلف عن الله عز وجل في إجراء الأحكام وتنفيذ الأوامر الربانية قال تعالى ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ [ص: 26] الآية ﴿وَيَسْفِكُ﴾ السفك: الصب والإِراقة لا يستعمل إِلا في الدم قال في المصباح: وسفك الدم: أراقة وبابه ضرب ﴿نُسَبِّحُ﴾ التسبيح: تنزيه الله وتبرئته

40

عن السوء، وأصله من السَّبْح وهو الجري والذهاب قال تعالى ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحًَا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7] فالمسَبِّح جارٍ في تنزيه الله تعالى ﴿وَنُقَدِّسُ﴾ التقديس: التطهير ومنه الأرض المقدسة، وروح القدس، وضده التنجيس، وتقديس الله معناه: تمجيده وتعظيمه وتطهير ذكره عما لا يليق به وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ َ كان يقول في ركوعه وسجوده «سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكةِ والرُّوح» ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني والنبأ: الخبر الهام ذو الفائدة العظيمة قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67] ﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون ﴿تَكْتُمُونَ﴾ تخفون ومنه كتم العلم أي اخفاؤه.

التفِسير: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ أي خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم أو قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ أي يريق الدماء بالبغي والاعتداء!! ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي نعظم أمرك ونطهرّ ذكرك مما نسبه إِليك الملحدون ﴿قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من المصالح ما هو خفيٌ عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ أي أسماء المسمّيات كلها قال ابن عباس: علّمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة﴾ أي عرض المسميات على الملائكة وسألهم على سبيل التبكيت ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أي أخبروني ﴿بِأَسْمَآءِ هؤلاء﴾ أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي في زعمكم أنكم الملائكة، وخصّه بالمعرفة التامة دونهم، من معرفة الأسماء والأشياء، والأجناس، واللغات، ولهذا اعترفوا بالعجز والقصور ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ أي ننزهك يا ألله عن النقص ونحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إِياه ﴿الحكيم﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ﴿قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ أي أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بتقاصر هممهم عن بلوغ مرتبتها ﴿فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ أي أخبرهم بكل الأشياء، وسمَّى كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض﴾ أي قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي ما تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي تسرون من دعواكم أن الله لا يخلق خلقًا أفضل منكم، روي أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام، رأت الملائكة فطرته العجيبة، وقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقًا إِلا كنا أكرم عليه منه.

41

البَلاَغَة: 1 - التعرض بعنوان الربوبية ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ مع الإضافة إلى الرسول عليه السلام للتشريف والتكريم لمقامه العظيم وتقديم الجار والمجرور ﴿لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ للاهتمام بما قُدّم، والتشويق إلى ما أُخّر.

2 - الأمر في قوله تعالى ﴿أَنْبِئُونِي﴾ خرج عن حقيقته إِلى التعجيز والتبكيت.

3 - ﴿فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ فيه مجاز بالحذف والتقدير: فأنبأهم بها فلما أنبأهم حذف لفهم المعنى.

4 - ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ هو من باب التغليب لأن الميم علامة الجمع للعقلاء الذكور، ولو لم يغلّب لقال ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أو عرضهن.

5 - إِبراز الفعل في قوله ﴿إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات﴾ ثم قال ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ للإِهتمام بالخبر والتنبيه على إِحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإِطناب.

6 - تضمنت آخر هذه الآية من علم البديع ما يسمى ب «الطباق» وذلك في كلمتي ﴿تُبْدُونَ﴾ و﴿تَكْتُمُونَ﴾ .

الفوَائِد: الأولى: قال بعض العلماء: في إِخبار الله تعالى للملائكة عن خلق آدم واستخلافه في الأرض، تعليمٌ لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها.

الثانية: الحكمة من جعل آدم عليه السلام خليفة هي الرحمة بالعباد - لا لافتقار الله - وذلك أن العباد لا طاقة لهم على تلقي الأوامر والنواهي من الله بلا واسطة، ولا بواسطة مَلَك، فمن رحمته ولطفه وإِحسانه إِرسال الرسل من البشر.

الثالثة: قال الحافظ ابن كثير: وقول الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية ليس هذا على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، وإِنما هو سؤال استعلام واستكشاف عين الحكمة في ذلك، يقولون: ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض؟ وقال في التسهيل: وإِنما علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون بإِعلام الله إِياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جنٌ فأفسدوا، فبعث الله إِليهم ملائكة فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم.

الرابعة: سئل الشعبي: هل لإِبليس زوجة؟ قال: ذلك عرسٌ لم أشهده؟ قال: ثم قرأتُ قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ [الكهف: 50] فعلمت أنه لا يكون له ذرية إِلا من زوجة، فقلت: نعم.

42

34

المنَاسَبَة: أشارت الآيات السابقة إلى أن الله تعالى خصّ آدم عليه السلام بالخلافة، كما خصّه بعلم غزير وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت هذه الآيات الكريمة بيان نوع آخر من التكريم أكرمه الله به ألا وهو أمر الملائكة بالسجود له، وذلك من أظهر وجوه التشريف والتكريم لهذا النوع الإنساني ممتلأ في أصل البشرية آدم عليه السلام.

اللغَة: ﴿اسجدوا﴾ أصل السجود: الانحناء لمن يُسجد له والتعظيم، وهو في اللغة: التذلل والخضوع، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض ﴿إِبْلِيسَ﴾ اسم للشيطان وهو أعجمي، وقيل إنه مشتق من الإِبلاس وهو الإياس ﴿أبى﴾ امتنع، والإِباء: الامتناع مع التمكن من الفعل ﴿واستكبر﴾ الاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس ﴿رَغَدًا﴾ واسعًا كثيرًا لا عناء فيه، والرغد: سعة العيش، يقال: رغد عيش القوم إِذا كانوا في رزقٍ واسع قال الشاعر:

بينما المرء تراه ناعمًا ... يأمن الأحداث في عيشٍ رغد

﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ أصله من الزلل وهو عثور القدم يقال: زلت قدمه أي زلقت ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة مجازًا يقال: زلّ الرجل إِذا أخطأ وأتى ما ليس له إتيانه، وأزله غيره: إِذا سبّب له ذلك ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع استقرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾ المتاع ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوه ﴿فتلقى﴾ التلقي في الأصل: الاستقبال تقول خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم، ثم استعمل في أخذ الشيء وقبوله تقول: تلقيت رسالة من فلان أي أخذتها وقبلتها ﴿فَتَابَ﴾ التوبة في أصل اللغة الرجوع، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإِذا عديت بعلى كان معناها قبول التوبة.

التفِسير: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة ﴿اسجدوا لأَدَمَ﴾ أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ أي سجدوا جميعًا له غير إبليس ﴿أبى واستكبر﴾ أي امتنع مما أمر به وتكبر عنه ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ أي صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم ﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ أي أسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا﴾ أي كلا من ثمار الجنة أكلًا رغدًا واسعًا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ أي لا تأكلا من هذه الشجرة قال ابن عباس: هي الكرمة ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ أي فتصيروا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله {}

43

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ أي أوقعهما في الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إذا كان الضمير عائدًا إلى الشجرة، أما إذا كان عائدًا إلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحوّلهما من الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي من نعيم الجنة ﴿وَقُلْنَا اهبطوا﴾ أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أي الشيطان عدوّ لكم فكونوا أعداء له كقوله

﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها وهذه الكلمات مفسّرة في موطن آخر في سورة الأعراف ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الآية: 23] الآية ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أي قبل ربه توبته ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد ﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كرر الأمر بالهبوط للتأكيد ولبيان أنَّ إقامة آدم وذريته في الأرض لا في الجنة ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ أي رسول أبعثه لكم، وكتاب أنزله عليكم ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي من آمن بي وعمل بطاعتي ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة ﴿والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ أي جحدوا بما أنزلت وبما أرسلت ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي هم مخلدون في الجحيم أعاذنا الله منها.

البَلاَغة: أولًا: صيغة الجمع ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ للتعظيم، وهي معطوفة على قوله ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: 30] وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لتربية وإظهار الجلالة.

ثانيًا: أفادت الفاء في قوله ﴿فَسَجَدُواْ﴾ أنهم سارعوا في الامتثال ولم يتثبطوا فيه، وفي الآية إيجاز بالحذف أي فسجدوا له وكذلك ﴿أبى﴾ مفعوله محذوف أي أبى السجود.

ثالثًا: قوله ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ المنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهي بالقرب منها ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ كقوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: 32] فنهى عن القرب من الزنى ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه.

رابعًا: التعبير بقوله ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات مما لو قيل: من النعيم أو الجنة، فإن من أساليب البلاغة في الدولة على عظم الشيء أن يعبّر عنه بلفظ مبهم نحو ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إِليه.

خامسًا: ﴿التواب الرحيم﴾ من صيغ المبالغة أي كثير التوبة واسع الرحمة.

الفوَائِد: الأولى: كيف يصح السجود لغير الله؟ والجواب أن سجود الملائكة لآدم كان للتحية وكان سجود تعظيم وتكريم لا سجود صلاةٍ وعبادة، قال الزمخشري: السجود لله تعالى على سبيل

44

العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، ويعقوب وأبناؤه ليوسف.

الثانية: قال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحط عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإِخراج من دار الكرامة لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية فقال

﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ [طه: 122] وقال الشاعر:

وإِذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنة بألف شفيع

الثالثة: هل كان إِبليس من الملائكة؟ الجواب: اختلف المفسرون على قولين: ذهب بعضهم إِلى أنه من الملائكة بدليل الاستثناء ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ وقال آخرون: الاستثناء منقطع وإِبليس من الجن وليس من الملائكة وإِليه ذهب الحسن وقتادة واختاره الزمخشري، قال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين، ونحن نرجح القول الثاني للأدلة الآتية: 1 - الملائكة منزهون عن المعصية ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6] وإِبليس قد عصى أمر ربه 2 - الملائكة خلقت من نور وإِبليس خلق من نار فطبيعتهما مختلفة 3 - الملائكة لا ذرية لهم وإِبليس له ذرية ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ [الكهف: 50]؟ 4 - النص الصريح الواضح في سورة الكهف على أنه من الجن وهو قوله تعالى ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ﴾ [الآية: 50] وكفى به حجة وبرهانًا.

45