صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 45 - 51

40

40

المنَاسَبَة: من بداية هذه الآية إلى آية /142/ ورد الكلام عن بني إسرائيل، وقد تحدث القرآن الكريم بالإِسهاب عنهم فيما يقرب من جزءٍ كامل، وذلك يدل على عناية القرآن بكشف حقائق اليهود، وإِظهار ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة من خبثٍ وكيد وتدمير حتى يحذرهم المسلمون، أما وجه المناسبة فإِن الله تعالى لما دعا البشر إِلى عبادته وتوحيده، وأقام للناس الحجج الواضحة على وحدانيته ووجوده، ثم ذكّرهم بما أنعم به على أبيهم آدم عليه السلام، دعا بني إِسرائيل خصوصًا - وهم اليهود - إِلى الإِيمان بخاتم الرسل وتصديقه فيما جاء به عن الله، لأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، وقد تفنّن في مخاطبتهم فتارة دعاهم بالملاطفة، وتارة بالتخويف، وتارة بالتذكير بالنعم عليهم وعلى آبائهم، وأخرى بإقامة الحجة والتوبيخ على سوء أعمالهم وهكذا انتقل من التذكير بالنعم العامة على البشرية في تكريم أبي الإِنسانية، إلى التذكير بالنعم الخاصة على بني إسرائيل.

اللغَة: اسم أعجمي ومعناه: عبد الله وهو اسم ﴿يعقوب﴾ عليه السلام، وقد

45

صرَّح به آل عمران ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ﴾ [الآية: 93] ﴿وَأَوْفُواْ﴾ الوفاء: الإِتيان بالشيء على التمام والكمال، يقال أوفى ووفّى أي أداه وافيًا تامًا. ﴿تَلْبِسُواْ﴾ اللَّبْس: الخلط تقول العرب: لبَسْتُ الشيء بالشيء خلطته، والتبس به اختلطَ، قال تعالى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9] وفي المصباح: لَبِسَ الثواب من باب تعب لُبْسًا بضم اللام، ولَبَسْتُ عليه الأمر لَبْسًا من باب ضرب خلطته، والتبس الأمر: أشكل. ﴿الزكاة﴾ مشتقة من زكا الزرع يزكو أي نما لأن إخراجها يجلب البركة، أي هي من الزكاة أي الطهارة لأنها تطهر المال قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 106] .

التفسير: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي يا أولاد النبي الصالح يعقوب ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم من نعم لا تعد ولا تحصى ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي﴾ أي أدّوا ما عاهدتموني عليه من الإِيمان والطاعة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ أي اخشوني دون غيري ﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ من القرآن العظيم ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ أي من التوراة في أمور التوحيد والنبوة ﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي أول من كفر من أهل الكتاب فحقكم أن تكونوا أول من آمن ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم حطام الدنيا الفانية ﴿وَإِيَّايَ فاتقون﴾ أي خافون دون غيري ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالهتان الذي تفترونه ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ أي ولا تخفوا ما في كتابكم من أوصاف محمد عليه السلام ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق أو حال كونكم عالمين بضرر الكتمان ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاوة وَآتُواْ الزكاة واركعوا مَعَ الراكعين﴾ أي أدوا ما وجب عليكم من الصلاة والزكاة، وصلوا مع المصلين بالجماعة، أو مع أصحاب محمد عليه السلام.

البَلاَغة: أولًا: في إِضافة النعمة إِليه سبحانه ﴿نِعْمَتِيَ﴾ إِشارة إِلى عظم قدرها، وسعة بِرّها، وحسن موقعها لأن الإِضافة تفيد التشريف كقوله ﴿بَيتُ الله﴾ و﴿نَاقَةُ الله﴾ [الأعراف: 73] .

ثانيًا قوله ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي﴾ الشراء هنا ليس حقيقيًا بل هو على سبيل الاستعارة كما تقدم في قوله ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: 16] .

ثالثًا: تكرير الحق في قوله ﴿تَلْبِسُواْ الحق﴾ وقوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح ما ليس في الضمير من التأكيد ويسمى هذا الإِطناب أضعف من سواه.

رابعًا: قوله ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ هو من باب تسمية الكل باسم الجزء أي صلوا مع المصلين أطلق الركوع وأراد به الصلاة ففيه مجاز مرسل.

خامسًا: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ و﴿وَإِيَّايَ فاتقون﴾ يفيد الاختصاص.

فَائِدَة: قال بعض العارفين: عبيد النّعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إِسرائيل بنعمه عليهم، حتى يعرفوا نعمة المنعم فقال ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ وأما أمة محمد ﷺ َ فقد

46

ذكّرهم بالمنعم فقال ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] ليتعرفوا من المنعم على النعمة وشتان بين الأمرين.

47

44

اللغَة: ﴿بالبر﴾ البِرُّ: سعة الخير والمعروف ومنه البرُّ والبِّرية للسعة، وهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وفي الحديث «البِرُّ لا يبلى والذنب لا ينسى» ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾: تتركون والنسيان يأتي بمعنى الترك كقوله ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] وهو المراد هنا ويأتي بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة كقوله ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115] ﴿تَتْلُونَ﴾: تقرءون وتدرسون ﴿الخاشعين﴾ الخاشع: المتواضع وأصله من الاستكانة والذل قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات: سكنت ﴿يَظُنُّونَ﴾ الظنُّ هنا بمعنى اليقين لا الشك، وهو من الأضداد قال أبو عبيدة: العرب تقول لليقين ظنٌّ، وللشك ظن وقد كثر استعمال الظن بمعنى اليقين ومنه ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 20] ﴿فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53]، ﴿شَفَاعَةٌ﴾ الشفاعة مأخوذة من الشَّفع ضد الوتر، وهي ضم غيرك إلى جاهك وسيلتك ولهذا سميت شفاعة، فهي إِذًا إِظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفّع ﴿عَدْلٌ﴾ بفتح العين فداء وبكسرها معناه: المِثْل يقال: عِدْل وعديل للذي يماثلك.

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إِسرائيل، وفي هذه الآيات ذمٌ وتوبيخ لهم على سوء صنيعهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون الناس إِلى الهدى والرشاد ولا يتبعونه.

سَبَبُ النّزول: نزلت هذه الآية في بعض علماء اليهود، كانوا يقولون لأقربائهم الذين أسلموا: اثبتوا على دين محمد فإِنه حق، فكانوا يأمرون الناس بالإِيمان ولا يفعلونه.

التفِسير: يخاطب الله أحبار اليهود فيقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر﴾ أي أتدعون الناس إِلى الخير وإِلى الإيمان بمحمد ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تتركونها فلا تؤمنون ولا تفعلون الخير ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب﴾ أي حال كونكم تقرءون التوراة وفيها صفة ونعت محمد عليه السلام ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تفطنون وتفقهون أن ذلك قبيح فترجعون عنه؟! ثم بيَّن لهم تعالى طريق التغلب على الأهواء والشهوات، والتخلص من حب الرياسة وسلطان المال فقال {}

47

﴿واستعينوا﴾ أي اطلبوا المعونة على أموركم كلها ﴿بالصبر والصلاة﴾ أي بتحمل ما يشق على النفس من تكاليف شرعية، وبالصلاة التي هي عماد الدين ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي الصلاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي شاقة وثقيلة ﴿إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ أي المتواضعين المستكينين الذين صفت نفوسهم لله ﴿الذين يَظُنُّونَ﴾ أي يعتقدون اعتقادًا جازمًا لا يخالجه شك ﴿أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ﴾ أي سيلقون ربهم يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي معادهم إِليه يوم الدين. ثم ذكّرهم تعالى بنعمه وآلائه العديدة مرة أخرى فقال ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ بالشكر عليها بطاعتي ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ أي فضلت آباءكم ﴿عَلَى العالمين﴾ أي عالمي زمانهم بإِرسال الرسل، وإِنزال الكتب، وجعلهم سادة وملوكًا، وتفضيل الآباء شرفٌ للأبناء ﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئًا من الحقوق ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبدًا ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي لا يقبل منها فداء ﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله.

ثانيًا: أتى بالمضارع ﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ وإِن كان قد وقع ذلك منهم لأن صيغة المضارع تفيد التجدد والحدوث، وعبّر عن ترك فعلهم بالنسيان ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ مبالغة في الترك فكأنه لا يجري لهم على بال، وعلقه بالأنفس توكيدًا للمبالغة في الغفلة المفرطة، ولا يخفى ما في الجملة الحالية ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب﴾ من التبكيت والتقريع والتوبيخ.

ثالثًا: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ هو من باب عطف الخاص على العام لبيان الكمال، لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، فلما قال ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: 40] عمَّ جميع النعم فلما عطف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ كان من باب عطف الخاص على العام.

رابعًا: ﴿واتقوا يَوْمًا﴾ التنكير للتهويل أي يومًا شديد الهول، وتنكير النفس ﴿نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾ ليفيد العموم والإقناط الكلي.

الفوَائِدَ: الفائدة الأولى: قال القرطبي: إِنما خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهًا بذكرها وقد كان عليه السلام إِذ حزبه (أغمّه) أمرٌ فَزَع إلى الصلاة، وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال»

الثانية: قال علي كرم الله وجهه: «قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك» ومن دعا غيره إِلى الهدى ولم يعمل به كان كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه قال الشاعر:

ابدأُ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإِذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إِن وعظتَ ويقتدى ... بالرأي منك وينفع التعليم

وقال أبو العتاهية:

وصفتَ التُّقَى حتَّى كأَنَّك ذو تُقَى ... وريحُ الخطايا من ثيابك تَسْطَع

48

وقال آخر:

وغيرُ تَقيٍّ يأْمر النَّاسَ ... بالتُّقَى طَبيبٌ يداوي النَّاس وهُوَ عليل

49

49

المنَاسَبَة: لما قدّم تعالى ذكر نعمه على بني إِسرائيل إِجمالًا، بيَّن بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير وأدعى إِلى الشكر، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إِذ نجيناكم من آل فرعون، واذكروا إِذ فرقنا بكم البحر. . إِلى آخره وكل هذه النعم تستدعي شكر المنعم جل وعلا لا كفرانه وعصيانه.

اللغة: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصل «آل» أهل ولذلك يصغّر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفًا، وخُصَّ استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإِسكاف والحجام، ﴿فِرْعَوْنَ﴾ علمٌ لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى ملك الفرس، ولعتو الفراعنة اشتقوا تفرعن إذا عتا وتجبر ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم من سامه إذا أذاقه وأولاه قال الطبري: يوردونكم ويذيقونكم. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾ يستبقون الإناث على قيد الحياة ﴿بلاء﴾ اختبار ومحنة، ويستعمل في الخير والشر كما قال تعالى ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35] ﴿فَرَقْنَا﴾ الفرق: الفصل والتمييز ومنه ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: 106] أي فصلناه وميزناه بالبيان ﴿بَارِئِكُمْ﴾ الباري هو الخالق للشيء على غير مثال سابق، والبرية: الخلق.

التفِسير: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم﴾ أي اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم حين نجيت آباءكم ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي من بطش فرعون وأشياعه العتاة، والخطاب للأبناء المعاصرين للنبي ﷺ َ إِلا أن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ أي يولونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأفظعه ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ أي يذبحون الذكور من الأولاد ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ أي يستبقون الإِناث على قيد الحياة للخدمة ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي فيما ذكر من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، محنة واختبارٌ عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البرُّ من الفاجر ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ أي اذكروا أيضًا إِذ فلقنا لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها {}

49

﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي وأنتم تشاهدون ذلك فقد كان آية باهرة من آيات الله في إِنجاء أوليائه وإِهلاك أعدائه ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ أي عبدتم العجل ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي بعد غيبته عنكم حين ذهب لميقات ربه ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم﴾ أي تجاوزنا عن تلك الجريمة الشنيعة ﴿مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي بعد ذلك الاتخاذ المتناهي في القبح ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لكي تشكروا نعمة الله عليكم وتستمروا بعد ذلك على الطاعة ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ أي واذكروا نعمتي أيضًا حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل وأيدته بالمعجزات ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام.

ثم بيَّنَ تعالى كيفية وقوع العفو المذكور بقوله ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي واذكروا حين قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد عبدوا العجل يا قوم لقد ظلمتم أنفسكم ﴿باتخاذكم العجل﴾ أي بعبادتكم للعجل ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ أي توبوا إِلى من خلقكم بريئًا من العيب والنقصان ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي ليقتل البريء منكم المجرم ﴿ذلكم﴾ أي القتل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق العظيم ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي قبل توبتكم ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ أي عظيم المغفرة واسع التوبة.

البَلاَغَة: قال ابن جزي: ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ أي يلزمونهم به وهو استعارة من السَّوْم في البيع وفسَّرَ سوء العذاب بقوله ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا.

ثانيًا: التنكير في كل من ﴿بلاء﴾ و﴿عَظِيمٌ﴾ للتفخيم والتهويل.

ثالثًا: صيغة المفاعلة في قوله ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ ليست على بابها لأنها لا تفيد المشاركة من الطرفين، وإِنما هي بمعنى الثلاثي ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ .

رابعًا: قال أبو السعود: ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ التعرض بذكر البارئ للإِشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم، الذي خلقهم بلطيف حكمته، إِلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة.

الفوَائِد: الأولى: العطف في قوله ﴿الكتاب والفرقان﴾ هو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة والفرقان هو التوراة أيضًا وحسن العطف لكون معناه أنه آتاه جامعًا بين كونه كتابًا منزلًا وفرقانًا يفرق بين الحق والباطل.

الثانية: سبب تقتيل الذكور من بني إِسرائيل ما رواه المفسرون أن فرعون رأى في منامه كأنَّ نارًا

50

أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إِسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد في بني إِسرائيل غلام يكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إِسرائيل.

الثالثة: قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله، عوّضه الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إِسرائيل، صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.

51