صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 344 - 354

109

109

المنَاسَبَة: لّما ذكر تعالى الوصية عند دنوّ الأجل وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، أعقبه بذكر اليوم المهول المخيف وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين للجزاء والحساب، ثم ذكر المعجزات التي أيّد بها عبده ورسوله «عيسى» ومنها المائدة من السماء، وختم السورة الكريمة ببراءة السيد المسيح من دعوى الألوهية.

اللغَة: ﴿كَفَفْتُ﴾ منعتُ وصرفتُ ومنه الكفيف لأنه منع الرؤية ﴿أَيَّدتُّكَ﴾ قوّيتك مأخوذ من الأيْد وهو القوة ﴿أَوْحَيْتُ﴾ الوحي: إِلقاء المعنى إلى النفس خفية وهو على أقسام: وحيٌ بمعنى الإِلهام ووحيٌ بمعنى الإِعلام في اليقظة والمنام، ووحيٌ بمعنى إِرسال جبريلَ إِلى الرسل عليهم السلام ﴿مائدة﴾ المائدة: الخُوان الذي عليه الطعام أي السُّفرة فإِن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة ﴿الرَّقِيبَ﴾ المراقب الشاهد على الأفعال ﴿أَبَدًا﴾ أي بلا انقطاع.

التفِسير: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ أي اذكروا أيها الناس ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة حين يجمع الله الرسل والخلائق للحساب والجزاء ﴿فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ أي ما الذي أجابتكم به أممكم؟ وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إِلى الإِيمان والتوحيد؟ ﴿قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ أي لا علم لنا إِلى جنب علمك قال ابن عباس: أي لا علم لنا إِلا علم أنت أعلم به منا ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ أي تعلم ما لا نعلم ممّا ظهر وبطن قال أبو السعود: وفيه إِظهارٌ للشكوى وردٌ للأمر إِلى علمه تعالى بما لقوا من قومهم من الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاءٌ إِلى ربهم في الانتقام منهم ﴿إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾ قال ابن كثير: يذكر تعالى ما منَّ به على عبده ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام بما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات أي اذكر نعمتي عليك في خلقي إِياك من أمّ بلا ذكر وجعلي إِيّاك آية قاطعة على كمال قدرتي، وعلى والدتك حيث جعلتك برهانًا على براءتها ممّا اتهمها به الظالمون من الفاحشة وقال القرطبي: هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: اذكر يوم يجمع الله الرسل وإِذ يقول لعيسى كذا وذكر بلفظ الماضي ﴿إِذْ قَالَ﴾ تقريبًا للقيامة لأن ما هو آتٍ قريب ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ أي حين قوّيتك بالروح الطاهرة المقدسة «جبريل» عليه السلام ﴿تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلًا﴾ أي تكلّم الناس في المهد صبيًّا وفي الكهولة نبيًا ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ أي واذكر نعمتي

344

عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِي﴾ أي واذكر أيضًا حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيرًا بأمر الله ومشيئته ﴿وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي﴾ أي تشفي الأعمى الذي لايبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِيِ﴾ أي تحيي الموتى بأمري ومشيئتي، وكرر لفظ ﴿بِإِذْنِي﴾ مع كل معجزة ردًا على من نسب الربوبية إِلى عيسى ولبيان أن تلك الخوارق من جهته سبحانه أظهرها على يديه معجزة له ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات﴾ أي واذكر حين منعتُ اليهود من قتلك لّما همّوا وعزموا على الفتك بك حين جئتهم بالحجج والمعجزات ﴿فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي قال الين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك ما هذه الخوارق إِلا سحرٌ ظاهر واضح ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ وهذا أيضًا من الامتنان على عيسى أي واذكر حين أمرتُ الحواريين وقذفت في قلوبهم أن صدّقوا بي وبرسولي عيسى بن مريم ﴿قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي قال الحواريون صدّقنا يا رب بما أمرتنا واشهد بأننا مخلصون في هذا الإِيمان خاضعون لأمر الرحمن ﴿إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ أي واذكر حين قال الحواريون يا عيسى هل يقدر ربك على إنزال مائدة من السماء علينا؟ قال القرطبي: وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل ويجوز أن يكون ذلك صدر ممن كان معهم من الجهال كما قال بعض قوم موسى

﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] وقال أبو حيان: وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة الله تعالى على أن ينزّل مائدة من السماء وهذا ما ذهب إِليه الزمخشري وأما غيره من أهل التفسير فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين وهم خواص عيسى وأنهم لم يشكّوا في ذلك حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله وإِنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزّل أم لا؟ فإن كان ينزّل فاسأله لنا فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت ﴿قَالَ اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي قال الحواريون نريد بسؤالنا المائدة أن نأكل منها تبركًا وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي ونعلم علمًا يقينًا لا يحوم حوله شائبة من الشك بصدقك في دعوى النبوة ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين﴾ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ﴿قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ أجابهم عيسى إِلى سؤال المائدة لإِلزامهم بالحجة الدامغة وروي أنه لما الدعاء لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويدعو ربه ويبكي قال أبو السعود: نادى عيسى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات،

345

ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إِظهارًا لغاية التضرع ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي بعدنا ﴿وَآيَةً مِّنْكَ وارزقنا وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين﴾ أي ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك وارزقنا يا ألله فإِنك خير من يعطي ويرزق لأنك الغني الحميد ﴿قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أي أجاب الله دعاءه فقال إِني سأُنزل عليكم هذه المائدة من السماء ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ العالمين﴾ أي من كفر بعد تلك الآية الباهرة فسوف أعذبه عذابًا شديدًا لا أُعذّب مثل ذلك التعذيب أحدًا من البشر وفي الحديث

«أُنزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا وأُمروا ألا يدّخروا لغدٍ ولا يخونوا فخانوا وادخروا ورفعوا لغدٍ فمسخوا قردة وخنازير» قال في التسهيل: جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد اقتراح آية فأُعطيها، ولما كفر بعض هؤلاء مسهم الله خنازير ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ هذا عطف قصة على قصة ﴿إِذْ قَالَ الحواريون﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى﴾ قال ابن عباس: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل والمعنى: اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى بن مريم في الآخرة توبيخًا للكفرة وتبكيتًا لهم قائلًا، يا عيسى أأنت دعوت الناس إِلى عبادتك والاعتقاد بألوهيتك وألوهية أمك؟! قال القرطبي: إِنما سأله عن ذلك توبيخًا لمن ادّعى ذلك عليه ليكون إِنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي إِن كان ذلك صدر مني فإِنك لا يخفى عليك شيء وأنت العالم بأني لم أقله، وهذا اعتذارٌ وبراءة من ذلك القول ومبالغةٌ في الأدب وإِظهار الذلّة والمسكنة في حضرة ذي الجلال ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ أي تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من صفات الكمال إِنك أنت العالم بالخفايا والنوايا وعلمك محيط بما كان وما يكون ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أي ما أمرتهم إِلا بما أمرتني به قال الرازي: وضع القول موضع الأمر نزولًا على موجب الأدب لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معًا ﴿أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي قلت لهم اعبدوا الله خالقي وخالقكم فأنا عبد مثلكم ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي كنت شاهدًا على أعمالهم حين كنتُ بين أظهرهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي فلما قبضتني إِليك بالرفع إِلى السماء كنت يا ألله الحفيظ لأعمالهم، والشاهد على أفعالهم ﴿وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي وأنت المطّلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ أي إِن تعذبهم فأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ أي وإِن تغفر لمن تاب منهم فإِنك أنت الغالب على أمره الحكيم في صنعه ﴿قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ أي يوم القيامة ينفع الصادقين في الدنيا صدقُهم

346

لأنه يوم الجزاء ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي لهم جنات تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها لا يخرجون منها أبدًا ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم﴾ أي نالوا رضوان الله لصدقهم ورضوا عن الله فيما أثابهم وجازاهم ذلك هو الظفر والفوز الكبير بجنات النعيم ﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي الجميع ملكه وتحت قهره ومشيئته وهو القادر على كل شيء.

«أن النبي ﷺ َ تلا قول الله عز وجل في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36] وقول عيسى ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل: اذهب إِلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله ﷺ َ بما قال وهو أعلم، فقال الله يا جبريل: اذهب إِلى محمد فقل له إِنا سنرضيك في أمتك ولانسوءك» .

347

الأنعام

1

اللغَة: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يسؤون به غيره ويجعلون له عِدْلًا وشريكًا يقال: عدل فلانًا بفلان أي سواه به ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكّون يقال امترى في الأمر إِذا شك فيه ﴿قَرْنٍ﴾ القرن: الأمة المقترنة في مدةٍ من الزمان ومنه حديث «خير القرون قرني» وأصل القرن مائة سنة ثم أصبح يطلق على الأمة من الناس التي تعيش في ذلك قال الشاعر:

إِذا ذهب القرنُ الذي كنتَ فيهم ... وخُلِّقت في قرنٍ فأنت غريب

﴿مِّدْرَارًا﴾ غزيرة دائمة ﴿قِرْطَاسٍ﴾ القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها ﴿لَبَسْنَا﴾ خلطنا يقال لَبسْتُ عليه الأمر أي خلطته عليه حتى اشتبه ﴿حَاقَ﴾ نزل بهم وأصابهم ﴿وَلِيًّا﴾ ناصرًا ومعينًا.

سَبَبُ النّزول: روي أن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله فأنزل الله ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ .

التفِسير: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ بدأ تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه تعليمًا لعباده أن يحمدوه بهذا الصيغة الجامعة لصنوف التعظيم والتبجيل والكمال وإِعلامًا بأنه

350

المستحق لجميع المحامد فلا نِدَّله ولا شريك، ولا نظير ولا مثيل ومعنى الآية: احمدوا الله ربكم المتفضل عليكم بصنوف الإِنعام والإِكرام الذي أوجد وأنشأ وابتدع خلق السماوات والأرض بما فيهما من أنواع البدائع وأصناف الروائع، وبما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة، بما يدهش العقول والأفكار تبصرة وذكرى لأولي الأبصار ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ أي وأنشأ الظلمات والأنوار وخلق الليل والنهار يتعاقبان في الوجود لفائدة العوالم بما لا يدخل تحت حصر أو فكر، وجمع الظلمات لأن شعب الضلال متعددة، ومسالكه متنوعة، وأفرد النور لأن مصدره واحد هو الرحمن منوّر الأكوان قال في التسهيل: وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم إِن الخير من النور والشر من الظلمة، فإِن المخلوق لا يكون إِلهًا ولا فاعلًا لشيء من الحوادث ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي ثم بعد تلك الدلائل الباهرة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته يشرك الكافرون بربهم فيساوون به أصنامًا نحتوها بأيديهم، وأوهامًا ولّدوها بخيالهم، ففي ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم قال ابن عطية: والآية دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلقه السماوات والأرض وغيرها قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإِنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتُك وأكرمتُك وأحسنتُ إليك ثم تشتمني؟ أي بعد وضوح هذا كله ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين ﴿ثُمَّ قضى أَجَلًا﴾ أي حكم وقدَّر لكم أجلًا من الزمن تموتون عند انتهائه ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ أي وأجلٌ آخر مسمّى عنده لبعثكم جميعًا، فالأجل الأول الموتُ والثاني البعثُ والنشور ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي ثم أنتم أيها الكفار تشكّون في البعث وتنكرونه بعد ظهور تلك الآيات العظيمة ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ أي هو الله المعظّم المعبود في السماوات والأرض قال ابن كثير: أي يعبدوه ويوحده ويقر له بالألوهية من في السماوات والأرض ويدعونه رغبًا ورهبًا ويسمونه الله ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ أي يعلم سركم وعَلَنكم ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي من خير أو شر وسيجازيكم عليه، ثم أخبر تعالى عن عنادهم وإِعراضهم فقال ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي ما يظهر لهم دليل من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن ﴿إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي إِلاّ تركوا النظر فيها ولم يلتفتوا إليها قال القرطبي: والمراد تركهم النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل، والمعجزات التي أقامها لنبيه ﷺ َ التي يستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به عن ربه ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ أي كذبوا بالقرآن الذي جاءهم من عند الله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي سوف يحل بهم العقاب أن عاجلًا أو آجلًا ويظهر لهم خبر ما كانوا به يستهزئون، وهذا وعيدٌ بالعذاب والعقاب على استهزائهم، ثم حضهم تعالى على الاعتبار بمن سبقهم من الأمم فقال ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ أي ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم الأنبياء ألم يعرفوا ذلك؟ ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ أي

351

منحناهم من أسباب السعة والعيش والتمكين في الأرض ما لم نعطكم يا أهل مكة ﴿وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي أنزلنا المطر غزيرًا متتابعًا يدرُّ عليهم درًّا ﴿وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ أي من تحت أشجارهم ومنازلهم حتى عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي فكفروا وعصوا فأهلكناهم بسبب ذنوبهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم في الأرض ﴿وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي أحدثنا من بعد إِهلاك المكذبين قومًا آخرين غيرهم قال أبو حيان: وفيه تعريض للمخاطبين بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ أي لو نزّلنا عليك يا محمد كتابًا مكتوبًا على ورقٍ كما اقترحوا ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي فعاينوا ذلك ومسّوه باليد ليرتفع عنهم كل إِشكال ويزول كل ارتياب ﴿لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي لقال الكافرون عند رؤية تلك الآية الباهرة تعنتًا وعنادًا ما هذا إِلا سحرٌ واضح، والغرضُ أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات وأظهر الدلائل ﴿وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي هلاّ أنزل على محمد ملك يشهد بنبوته وصدقه و﴿لولا﴾ بمعنى هلاّ للتحضيض قال أبو السعود: أي هلاّ أُنزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبيّ وهذا من أباطيلهم المحقّقة وخرافاتهم الملفّقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحيَل وعييت بهم العلل ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمر﴾ أي لو أنزلنا الملك كما اقترحوا وعاينوه ثم كفروا لحقًّ إِهلاكهم كما جرت عادة الله بأن من طلب آية ثم لم يؤمن من أهلكه الله حالًا ﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ أي ثم لا يُمهلون ولا يُؤخرون، والآية كالتعليل لعدم إِجابة طلبهم، فإِنهم - في ذلك الإِقتراح - كالباحث عن حتفه بظِلْفه ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكًا لكان في صورة رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإِنهم لو رأوا الملك في صورة إِنسان قالوا هذا إِنسانٌ وليس بملك قال ابن عباس: لو أتاهم ملكٌ ما أتاهم إِلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، ثم قال تعالى تسلية للنبي ﷺ َ ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي والله لقد استهزأ الكافرون من كل الأمم بأنبيائهم الذين بعثوا إِليهم ﴿فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي أحاط ونزل بهؤلاء المستهزئين بالرسل عاقبة استهزائهم، وفي هذا الإِخبار تهديد للكفار ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين الساخرين: سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا ماذا حلّ بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب لتعتبروا بآثار من خلا من الأمم كيف أهلكهم الله وأصبحوا عبرةً للمعتبرين ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ أي قل يا محمد لمن الكائنات جميعًا خلقًا وملكًا وتصرفًا؟ والسؤال لإِقامة الحجة على

352

الكفار فهو سؤال تبكيت ﴿قُل للَّهِ﴾ أي قل لهم تقريرًا وتنبيهًا هي لله لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة لأنه خالق الكل إِما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم ﴿كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ أي ألزم نفسه الرحمة تفضلًا وإِحسانًا والغرضُ التلطف في دعائهم إِلى الإِيمان وإِنابتهم إِلى الرحمن ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي ليحشرنكم من قبوركم مبعوثين إِلى يوم القيامة الذي لا شك فيه ليجازيكم بأعمالكم ﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي أضاعوها بكفرهم وأعمالهم السيئة في الدنيا فهم لا يؤمنون ولهذا لا يقام لهم وزن في الآخرة وليس لهم نصيب فيها سوى الجحيم والعذاب الأليم ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار﴾ أي لله عز وجل ما حلّ واستقر في الليل والنهار الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه، والمراد عموم ملكه تعالى لكل شيء ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ الاستفهام للتوبيخ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أغير الله أتخذ معبودًا؟ ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ أي هو جل وعلا يْرزق ولا يُرْزَق قال ابن كثير: أي هو الرازق لخلقه من غير احتياج إليهم ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي قل لهم يا محمد إِن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم لله من هذه الأمة ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ أي وقيل لي: لا تكوننَّ من المشركين قال الزمخشري ومعناه: أُمرتُ بالإِسلام ونُهيت عن الشرك ﴿قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي قل لهم أيضًا إِنني أخاف إِن عبدتُ غير ربي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي من يصرف عنه العذاب فقد رحمه الله ﴿وَذَلِكَ الفوز المبين﴾ أي النجاة الظاهرة ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ أي إِن تنزل بك يا محمد شدةٌ من فقرٍ أو مرضٍ فلا رافع ولا صارف له إِلا هو ولا يملك كشفه سواه ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ أي وإن يصبك بخيرٍ من صحةٍ ونعمة فلا رادّ له لأنه وحده القادر على إِيصال الخير والضر قال في التسهيل: والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ قال ابن كثير: أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلّت له الجبابرة وعنت له الوجوه وقهر كل شيء وهو الحكيم في جميع أفعاله الخبير بمواضع الأشياء.

البَلاَغَة: 1 - ﴿الحمد للَّهِ﴾ الصيغة تفيد القصر أي لا يستحق الحمد والثناء إلا الله رب العالمين.

2 - ﴿الظلمات والنور﴾ فيه من المحسنات البديعية الطباق.

353

3 - ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فيه استبعاد أن يعدلوا به غيره بعد وضوح آيات قدرته ووضع الرب ﴿رَبِّهِم﴾ موضع الضمير لزيادة التشنيع والتقبيح.

4 - ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ بينهما طباق.

5 - ﴿ِّن قَرْنٍ﴾ أي أهل قرن فهو مجاز مرسل.

6 - ﴿وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي المطر عبَّر عنه بالسماء لأنه ينزل من السماء فهو مجاز أيضًا.

7 - ﴿استهزىء بِرُسُلٍ﴾ تنكير رسل للتفخيم والتكثير.

8 - ﴿السميع العليم﴾ من صيغ المبالغة.

فَائِدَة: في القرآن العظيم خمس سور ابتدأت ب ﴿الحمد للَّهِ﴾ وهي سورة الفاتحة ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الآية: 2] والأنعام ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [الآية: 1] وسورة الكهف ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ [الآية: 1] وسورة سبأ ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الآية: 1] وسورة فاطر ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [الآية: 1] .

354