صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 355 - 365

19

19

المنَاسَبَة: لما أفاض جلّ ذكره في إِقامة الدلائل والبراهين على قدرته ووحدانيته من أول السورة الكريمة ذكر هنا شهادته تعالى على صدق نبوة محمد عليه السلام ثم ذكر موقف الجاحدين للقرآن المكذبين للوحي، وحسرتهم الشديدة يوم القيامة.

اللغَة: ﴿لأُنذِرَكُمْ﴾ الإِنذار: إِخبار فيه تخويف ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ الفتنة الاختبار ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان وهو الغطاء ﴿وَقْرًا﴾ ثقلًا يقال وقرت أذن هإِذا ثقلت أو صُمّت ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خرافات وأباطيل جمع أسطورة قال الجوهري الأساطير: الأباطيل والتُّرهات ﴿يَنْأَوْنَ﴾ يبعدون يقال نأى عنه إذا ابتعد ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة يقال: بغتة إِذا فَجَأَه ﴿فَرَّطْنَا﴾ فرّط: قصّر مع القدرة على ترك التقصير قال أبو عبيد: فرَّط: ضيّع ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ ذنوبهم جمع وزر ﴿يَزِرُونَ﴾ يحملون ﴿لَهْوٌ﴾ اللهو: صرف النفس عن الجدّ إِلى الهزل، وكل ما شغلك فقد ألهاك.

سَبَبُ النّزول: أ - روي أن رؤساء مكة قالوا يا محمد: ما نرى أحدًا يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكرٌ ولا صفةٌ فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم؟ فأنزل الله ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية.

ب - عن ابن عباس أن «أبا سفيان» و«الوليد بن المغيرة» و«النضر بن الحارث» جلسوا إِلى رسول الله ﷺ َ وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ...﴾ الآية.

ج - روي أن «الأَخنْس بن شُريق» التقى ب «أبي جهل بن هشام» فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإِنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا فقال أبو جهل: والله إِن محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب «بنو قصيّ» باللواء، والسقاية، والحجابة، والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ...﴾ الآية.

التفِسير: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ أي قل لهم يا محمد أي شيء أعظم شهادة حتى يشهد لي بأني صادقٌ في دعوى النبوة؟ ﴿قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي أجبهم أنت وقل لهم الله يشهد لي بالرسالة والنبوة وكفى بشهادة الله لي شهادة قال ابن عباس: قال الله لنبيه محمد ﷺ َ قل لهم أي شيء أكبر شهادة فإِن أجابوك وإِلاّ فقل لهم الله شهيد بيني وبينكم ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ﴾

355

﴿بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ أي وأوحي إِليَّ هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إِلى يوم القيامة قال ابن جزيّ: والمقصودُ بالآية الاستشهاد بالله - الذي هو أكبر شهادة - على صدق رسول الله ﷺ َ وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد ﷺ َ وإِظهار معجزته الدالة على صدقه ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أخرى﴾ استفهام توبيخ أي أئنكم أيها المشركون لتقرون بوجود آلهة مع الله؟ فكيف تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بعد وضوح الأدلة وقيام الحجة على وحدانية الله؟ ﴿قُل لاَّ أَشْهَدُ﴾ أي قل لهم لا أشهد بذلك ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي قل يا محمد إِنما أشهد بأن الله واحد أحدٌ، فرد صمد ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي وأنا بريء من هذه الأصنام، ثم ذكر تعالى أن الكفار بين جاهل ومعاند فقال ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ يعني اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا يعرفون النبي ﷺ َ بحليته ونعته على ما هو مذكور في التوراة والإِنجيل كما يعرف الواحد منهم ولده لا يشك في ذلك أصلًا قال الزمخشري: وهذا استشهادٌ لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب وبصحة نبوته ﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي أولئك هم الخاسرون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد ﷺ َ بعد وضوح الآيات ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ الاستفهام إِنكاري ومعناه النفي أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب أو كذّب بالقرآن والمعجزات الباهرة وسمّاها سحرًا قال أبو السعود: وكلمة ﴿أَوْ﴾ للإِيذان بأن كلًا من الافتراء والتكذيب وحده بالغٌ غاية الإِفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله ونفوا ما أثبته! قاتلهم الله أنّى يؤفكون ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ أي لا يفلح المفتري ولا المكذّب وفيه إِشارة إِلى أن مدّعي الرسالة لو كان كاذبًا مفتريًا على الله فلا يكون محلًا لظهور المعجزات ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ أي اذكر يوم نحشرهم جميعًا للحساب ونقول لهم على رءوس الأشهاد ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي أين آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله؟ قال البيضاوي: والمراد من الاستفهام التوبيخ و﴿تَزْعُمُونَ﴾ أي تزعمونهم آلهة وشركاء مع الله فحذف المفعولان ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذٍ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أي أقسموا كاذبين بقولهم والله يا ربنا ما كنا مشركين قال القرطبي: تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين قال ابن عباس: يغفر الله لأهل الإِخلاص ذنوبهم فإِذا رأى المشركون ذلك قالوا تعالوا نقول: إِنّا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ أي انظر يا محمد كيف كذبوا على أنفسهم بنفي الإِشراك عنها أمام علاّم الغيوب، وهذا التعجيب من

356

كذبهم الصريح ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاء، ثم وصف تعالى حال المشركين حين استماع القرآن فقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي ومن هؤلاء المشركين من يصغي إِليك يا محمد حين تتلو القرآن ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن ﴿وفي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي ثقلًاَ وصممًا يمنع من السمع قال ابن جزي: والمعنى أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه وعبّر بالأكنَّة والوقر مبالغة ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ أي مهما رأوا من الآيات والحجج البيّنات لا يؤمنوا بها لفرط العناد ﴿حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إِلى أنهم إِذا جاءوك مجادلين يقولون عن القرآن ما هذا إلا خرافات وأباطيل الأولين ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي هؤلاء المشركون المكذبون ينهون الناس عن القرآن وعن اتباع محمد عليه السلام ويُبعدون هم عنه ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي وما يهلكون بهذا الصنيع إِلا أنفسهم وما يشعرون بذلك قال ابن كثير: فهم قد جمعوا بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون ولا يدعون أحدًا ينتفع ولا يعود وباله إِلا عليهم وما يشعرون ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ أي لو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إِذ عرضوا على النار لرأيت أمرًا عظيمًا تشيب لهوله الرءوس قال البيضاوي: وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره لرأيت أمرًا شنيعًا وإِنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع ﴿فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ أي تمتّوا الرجوع إِلى الدنيا ليعملوا عملًا صالحًا ولا يكذبوا بآيات الله ﴿وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ أي إِذا رجعنا إِلى الدنيا نصدّق ونؤمن بالله إِيمانًا صادقًا فتمنوا العودة ليصلحوا العمل ويتداركوا الزلل قال تعالى ردًّا لذلك التمني ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ أي ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم فتمنوا ذلك ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي لو ردّوا - على سبيل الفرض لأنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت - لعادوا إلى الكفر والضلال وإِنهم لكاذبون في وعدهم بالإِيمان ﴿وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي قال أولئك الكفار الفجار ما هي إِلا هذه الحياة الدنيا ولا بعث ولا نشور ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ﴾ أي لو ترى حالهم إذ حُبسوا للحساب أمام رب الأرباب كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف للتهويل من فظاعة الموقف ﴿قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق﴾ أي أليس هذا المعاد بحق؟ والهمزة للتقريع على التكذيب ﴿قَالُواْ بلى وَرَبِّنَا﴾ أي قالوا بلى والله إِنه الحق ﴿قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون﴾ أي ذوقوا العذاب بسبب كفركم في الدنيا وتكذيبكم رسل الله، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار فقال ﴿قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله﴾ أي لقد خسر هؤلاء المكذبون بالبعث ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ أي حتى إِذا جاءتهم القيامة فجأةً من غير أن يعرفوا وقتها قال القرطبي: سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها ﴿قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي قالوا يا ندامتنا على

357

ما قصَّرنا وضيّعنا في الدنيا من صالح الأعمال ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ أي والحال أنهم يحملون أثقال ذنوبهم على ظهورهم قال البيضاوي: وهذا تمثيلٌ لاستحقاقهم آصار الآثام وقال ﴿على ظُهُورِهِمْ﴾ لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، قال ابن جزي: وهذا كناية عن تحمل الذنوب، وقيل إِنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة فقد رُوي أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتمثل له في أحسن صورة ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي بئس ما يحملونه من الأوزار ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي لذتها ﴿وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي الآخرة وما فيها من أنواع النعيم خير لعباد الله المتقين من دار الفناء لأنها دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب عنهم سرورها ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا يعقلون أن الآخرة خير من الدنيا؟ ثم سلَّى تعالى نبيه لتكذيب قومه له فقال ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ﴾ أي قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم قال الحسن: كانوا يقولون إِنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ أي فإنهم في دخيلة نفوسهم لا يكذبونك بل يعتقدون صدقك ولكنهم يجحدون عن عناد فلا تحزن لتكذيبهم قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ َ يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون فكان أبو جهل يقول: ما نكذبك يا محمد وإِنك عندنا المصدّق وإِنما تكذّب ما جئتنا به ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ﴾ أي صبروا على ما نالهم من قومهم من التكذيب والاستهزاء ﴿وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي وأُوذوا في الله حتى نصرهم الله، وفي الآية إرشادٌ إلى الصبر، ووعدٌ له بالنصر ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ قال ابن عباس: أي لمواعيد الله، وفي هذا تقوية للوعد ﴿وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين﴾ أي ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كُذّبوا وأُوذوا كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم فتسلَّ ولا تحزن فإِن الله ناصرك كما نصرهم ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي إِن كان إِعراضهم عن الإِسلام وقد عظم وشقّ عليك يا محمد ﴿فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرض﴾ أي إِن قدرت أن تطلب سرَبًا ومسكنًا في جوف الأرض ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي مصعدًا تصعد به إِلى السماء فتأتيهم بآيةٍ ممّا اقترحوه فافعل ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين﴾ أي لو أراد الله لهداهم إِلى الإِيمان فلا تكوننَّ يا محمد من الذين يجهلون حكمة الله ومشيئته الأزلية.

البَلاَغة: 1 - ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ فيه تشبيه يسمى «المرسل المجمل» .

2 - ﴿الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي تزعمونهم شركاء.

3 - ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ الصيغة للتعجيب من كذبهم الغريب.

4 - ﴿آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ عبَّر بالأكنة في القلوب والوقر في الآذان وهو تمثيل بطريق الاستعارة لإِعراضهم عن القرآن.

358

5 - ﴿يَقُولُ الذين كفروا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل الكفر عليهم.

7 - ﴿يَنْهَوْنَ ... وَيَنْأَوْنَ﴾ وردت الصيغة مؤكدة بمؤكدين «إنَّ» و«اللام» للتنبيه على أن الكذب طبيعتهم.

8 - ﴿وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ تشبيه بليغ حيث جعلت الدنيا نفس اللعب واللهو مبالغة كقول الخنساء: «فإِنما هي إقبال وإدبار» .

9 - ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ.

10 - ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ تنوين رسل للتفخيم والتكثير.

تنبيه: قال الإِمام الفخر: قوله تعالى ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ يقتضي له جوابًا وقد حُذف تفخيمًا للأمر وتعظيمًا للشأن، وأشباهه كثير في القرآن والشعر، وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: والله لئن قمتُ إليك - وسكتَّ عن الجواب - ذهب فكره إلى أنواع المكروه من الضرب، والقتل، والكسر، وعظم خوفه لأنه لم يدر أي الأقسام تبغي، ولو قلت: والله لئن قمتُ إِليك لأضربنك فأتيتَ بالجواب لعلم أنك لم تبلغ شيئًا غير الضرب، فثبت أن حذف لجواب أقوى تأثيرًا في حصول الخوف.

359

36

المنَاسَبَة: لما ذكر الله تعالى إعراض المشركين عن القرآن وعن الإِيمان بالنبي عليه السلام، ذكر في هذه الآيات السبب في ذلك وهو أن القرآن نور وشفاء يهتدي به المؤمنون، وأما الكافرون فهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، ثم ذكر اقتراح المشركين بعض الآيات وشبههم بالصم البكم الذين لا يعقلون.

اللغَة: ﴿تَضَرَّعُواْ﴾ التضرع من الضراعة وهي الذلة يقال: ضرع فهو ضارع ﴿البأسآء﴾ من البؤس وهو الفقر ﴿الضرآء﴾ من الضر وهو البلاء قال القرطبي: البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، هذا قول الأكثر ﴿مُّبْلِسُونَ﴾ المبلس: اليائس من الخير من أبلس الرجل إذا يئس ومنه «إبليس» لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل ﴿دَابِرُ﴾ الدابر: الآخر ودابر القوم: خلفهم من نسلهم قال قطرب: يعني استؤصلوا وأهلكوا قال الشاعر:

فأهلكوا بعذابٍ حصَّ دابرهم ... فما استطاعوا له صرفًا ولا انتصروا

﴿يَصْدِفُونَ﴾ صَدَف عن الشيء أعرض عنه ﴿تَطْرُدِ﴾ الطرد: الإِبعاد مع الإِهانة ﴿الفاصلين﴾ الحاكمين.

سَبَبُ النّزول: عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ َ وعنده «صهيب، وخبّاب، وبلال، وعمّار» وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيتَ بهؤلاء من قومك {}

360

﴿أفنحن نكون تبعًا لهم﴾ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم ﴿اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم إِتَّبعناك فأنزل الله تعالى ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية.﴾

﴿التفِسير: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ﴾ أي إنما يستجيب للإِيمان الذين يسمعون سماع قبول وإصغاء، وهنا تمَّ الكلام ثم ابتدأ فقال ﴿والموتى يَبْعَثُهُمُ الله﴾ قال ابن كثير: يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم والإِزراء عليهم وقال الطبري: يعني والكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاءً، ولا يفقهون قولًا، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون بآياته ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي ثم مرجعهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي قال كفار مكة هلاّ نُزّل على محمد معجزة تدل على صدقه كالناقة والعصا والمائدة قال القرطبي وكان هذا منهم تعنتًا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة من مثله ﴿قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً﴾ أي هو تعالى قادرٌ على أن يأتيهم بما اقترحوا ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون أن إنزالها يستجلب لهم البلاء لأنه لو أنزلها وَفْق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض﴾ أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ أي ولا من طائر يطير في الجو بجناحيه ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي إِلا طوائف مخلوقة مثلكم خلقها الله وقدَّر أحوالها وأرزاقها وآجالها قال البيضاوي: والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزّل آية ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ أي ما تركنا وما أغفلنا في القرآن شيئًا من أمر الدين يحتاج الناس إليه في أمورهم إلا بيّناه وقيل: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون المعنى: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا فلم نكتبه ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي يجمعون فيقضي بينهم قال الزمخشري: يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء ﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات﴾ أي والذين كذبوا بالقرآن صمٌ لا يسمعون كلام الله سماع قبول بكمٌ لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات الكفرر قال ابن كثير: وهذا مثل أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه﴾ ﴿مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ﴾

361

﴿يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي من يشأ الله إضلاله يضلله ومن يشأ هدايته يرشده إلى الهدى ويوفقه لدين الإِسلام ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة﴾ استفهام تعجيب أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله كما أتى من قبلكم أو أتتكم القيامة بغتة من تدعون؟ ﴿أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي أتدعون غير الله لكشف الضر عنكم؟ إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ أي بل تخصونه تعالى بدعائكم في الشدائد فيكشف الضر الذي تدعونه إلى كشفه إن شاء كشفه ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي تتركون الآلهة فلا تدعونها لاعتقادكم أن الله تعالى هو القادر على كشف الضر وحده دون سواه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ هذه تسلية لرسول الله ﷺ َ أي والله لقد أرسلنا رسلًا إلى أمم كثيرين من قبلك فكذبوهم ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء﴾ أي بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي لكي يتضرعوا إِلى الله بالتذلل والإِنابة ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ لولا للتحضيض أي فهلا تضرعوا حين جاءهم العذاب، وهذا عتاب على ترك الدعاء وإخبارٌ عنهم أنهم لم يتضرعوا مع قيام ما يدعوهم إلى التضرع ﴿ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ولكن ظهر منهم النقيض حيث قست قلوبهم فلم تلن للإِيمان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ﴾ أي زين لهم المعاصي والإِصرار على الضلال ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أي لما تركوا ما وُعظوا به ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من النعم والخيرات استدارجًا لهم ﴿حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا﴾ أي فرحوا بذلك النعيم وازدادوا بطرًا ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ أي أخذناهم بعذابنا فجأة فإذا هم يائسون قانطون من كل خير ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ﴾ أي استؤصلوا وهلكوا عن آخرهم ﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ أي على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الحسن: مُكر بالقوم وربّ الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا وفي الحديث «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم قرأ ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين من أهل مكة أخبروني لو أذهب الله حواسكم فأصمكم وأعمالكم ﴿وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ﴾ أي طبع على قلوبكم حتى زال عنها العقل والفهم ﴿مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم إِذا سلبه الله منكم؟ ﴿انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي انظر كيف نبيّن ونوضح الآيات الدالة على وحدانيتنا ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها فلا يعتبرون ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ أي قل لهؤلاء المكذبين أخبروني إن أتاكم عذاب الله العاجل فجأة أو عيانًا بالليل أو بالنهار ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ما يهلك بالعذاب إلا أنتم لأنكم كفرتم وعاندتم ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ أي ما نرسل الرسل إلا لتبشير المؤمنين بالثواب، وإنذار الكافرين بالعقاب، وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحه الكافرون من الآيات ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي فمن آمن بهم وأصلح عمله فلا خوف عليهم في

362

الآخرة ولا هم يحزنون والمراد أنهم لا يخافون ولا يحزنون لأن الآخرة دار الجزاء للمتقين ﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي وأما المكذبون بآيات الله فيمسهم العذاب الأليم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله قال ابن عباس: يفسقون أي يكفرون ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولا أَعْلَمُ الغيب﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين يقترحون عليك تنزيل الآيات وخوارق العادات لستُ أدعي أن خزائن الله مفوضةٌ إليَّ حتى تقترحوا عليَّ تنزيل الآيات ولا أدعي أيضًا أني أعلم الغيب حتى تسألوني عن وقت نزول العذاب ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي ولست أدعي أني من الملائكة حتى تكلفوني الصعود إلى السماء وعدم المشي في الأسواق وعدم الأكل والشرب قال الصاوي: وهذه الآية نزلت حين قالوا له إن كنت رسولًا فاطلب من ربك أن يوسّع علينا ويغني فقرنا وأخبرنا بمصالحنا ومضارنا فأخبر أن ذلك بيد الله سبحانه لا بيده.

والمعنى: إني لا أدعي شيئاص من هذه الأشياء الثلاثة حتى تجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلًا على عدم صحة رسالتي ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ أي ما أتّبع فيما أدعوكم إليه إلاّ وحي الله الذي يوحيه إليَّ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ أي هل يتساوى الكافر والمؤمن والضال والمهتدي؟ ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ تقريعٌ وتوبيخ أي أتسمعون فلا تتفكرون؟ ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ﴾ أي خوِّف يا محمد بهذا القرآن المؤمنين المصدقين بوعد الله ووعيده الذي يتوقعون عذاب الحشر قال أبو حيان: وكأنه قيل: أنذر بالقرآن من يُرجى إيمانهُ وأما الكفرة المعرضون فدعهم ورأيهم ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ أي ليس لهم غير الله وليٌّ ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي لا تطرد هؤلاء المؤمنين الضعفاء من مجلسك يا محمد الذين يعبدون ربَّهم دوما في الصباح والمساء يلتمسون بذلك القرب من الله والدنوَّ نم رضاه قال الطبري: نزلت الآية في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون لرسول الله ﷺ َ: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك وأراد النبي ﷺ َ ذلك طمعًا في إسلامهم ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي لا تؤاخذ بأعمالهم وذنوبهم كقول نوح ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبِّي﴾ [الشعراء: 113] قال الصاوي: هذا كالتعليل لما قبله والمعنى لا تؤاخذ بذنوبهم ولا بما في قلوبهم إن أرادوا بصحبتك غير وجه الله، وهذا على فرض تسليم ما قاله المشركون وإلا فقد شهد الله لهم بالإِخلاص بقوله ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ وهذا التأكيد لمطابقة الكلام والمعنى لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك فلم تطردهم؟ وقيل إن المراد بالحساب الرزق، والمعنى ليس رزقهم عليك ولا رزقك عليهم وإنما يرزقك وإياهم الله رب العالمين ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾ أي لا تطردهم فإنك إن طردتهم تكون من الظالمين، وهذا لبيان الأحكام وحاشاه من وقوع ذلك منه عليه السلام قال القرطبي: وهذا كقوله

363

تعالى ﴿لئن أشركت ليحبطنَّ عملك﴾ وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا الغنيّ بالفقير والشريف بالوضيع ﴿ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ أي ليقول الأشراف والأغنياء أهؤلاء الضعفاء والفقراء منَّ الله عليهم بالهداية والسبق إلى الإِسلام من دوننا!! قالوا ذلك إِنكارًا واستهزاء كقولهم

﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] قال تعالى ردًا عليهم ﴿أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين﴾؟ أي الله أعلم بمن يشكر فيهديه ومن يكفر فيخزيه، والاستفهام للتقرير ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال القرطبي: نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام ُ عن طردهم فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال «الحمدلله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» وأُمر ﷺ َ بأن يبدأهم بالسلام إِكرامًا لهم وتطييبًا لقلوبهم ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ أي ألزم نفسه الرحمة تفضلًا منه وإِحسانًا ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا بِجَهَالَةٍ﴾ أي خطيئة من غير قصد قال مجاهد: أي لا يعلم حلالًا من حرام ومن جهالته ركب الأمر ﴿ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي ثم تاب من بعد ذلك الذنب وأصلح عمله فإن الله يغفر له، وهو وعدٌ بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة الدلائل والحجج على ضلالات المشركين كذلك نبيّن ونوضّح لكم أمور الدين ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين﴾ أي ولتتوضح وتظهر طريق المجرمين فينكشف أمرهم وتستبين سبلُهم ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني نُهيت أن أعبد هذه الأصنام التي زعمتموها آلهة وعبدتموها من دون الله ﴿قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ﴾ أي في عبادة غير الله، وفيه تنبيه على سبب ضلالهم ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين﴾ أي قد ضللت إِن أتبعتُ أهواءكم ولا أكون في زمرة المهتدين ﴿قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إليّ ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ أي وكذَّبتم بالحق الذي جاءني من عند الله ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي ليس عندي ما أبادركم به من العذاب قال الزمخشري: يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ﴾ أي ما الحكم في أمر العذاب وغيره إلا لله وحده ﴿يَقُصُّ الحق وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين﴾ أي يخبر الحق ويبينه البيان الشافي وهو خير الحاكمين بين عباده ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي لو أن بيدي أمر العذاب الذي تستعجلونه ﴿لَقُضِيَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لعجلته لكم لأستريح منكم ولكنه بيد الله قال ابن عباس: لم أهملكم ساعةً ولأهلكتكم ﴿والله أَعْلَمُ بالظالمين﴾ أي هو تعالى أعلم بهم إِن شاء عاجلهم وإِن شاء آخّر عقوبتهم، وفيه وعيد وتهديد.

البَلاَغَة: 1 - ﴿والموتى يَبْعَثُهُمُ الله﴾ فيه استعارة لأن الموتى عبارة عن الكفار لموت قلوبهم.

2 - ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تأكيد لدفع توهم المجاز لأن الطائر قد يستعمل مجازًا للعمل كقوله ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13] .

364

3 - ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ تشبيه بليغ أي كالصم والبكم في عدم السماع وعدم الكلام فحذفت منه الأداة ووجه الشبه.

4 - ﴿إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ فيه قصر أي لا تدعون غيره لكشف الضر، فهو قصر صفة على موصوف.

5 - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾ كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال.

6 - ﴿الأعمى والبصير﴾ استعارة عن الكافر والمؤمن.

7 - ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ في هاتين الجملتين من أنواع البديع ما يسمى ردّ الصدر على العجز.

فَائِدَة: قال الزمخشري في قوله تعالى ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم.

فَائِدَة: قال بعض المفسرين: إن الواجب في الدعاء الإِخلاص به لأنه تعالى قال ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وهكذا جميع الطاعات لا ينبغي أن تكون لشيء من أغراض الدنيا.

365