صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 377 - 387

95

95

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أمر التوحيد وأردفه بتقرير أمر النبوة، ذكر هنا الأدلة الدالة على وجود الخالق وكمال علمه وقدرته وحكمته، تنبيهًا على أن المقصود الأصلي إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله.

اللغَة: ﴿فَالِقُ﴾ الفلق: الشقُّ، وانفلق الصبح انشق ﴿سَكَنًا﴾ السَّكن ما يسكن إليه الإِنسان ويأنس به، والسَّكن: الرحمة ﴿حُسْبَانًا﴾ أي بحساب قال الزمخشري: الحُسبان مصدر حَسَب كما

377

أن الحِسْبان مصدر حَسِب ونظيره الكُفران والشُكران ﴿مُّتَرَاكِبًا﴾ بعضه فوق بعض ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قِنْو وهو العِذِقُ أي عنقود النخلة ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي نُضْجه وإدراكه يقال: يَنَعت الشجرةُ وأيْنعتْ إذا نضجت ﴿خَرَقُواْ﴾ اختلقوا كذبًا وإِفكًا ﴿بَدِيعُ﴾ مبدع وهو الخالق على غير مثال سابق، والإِبداع الإِتيان بشيء لم يُسبق إليه ولهذا يقال لمن أتى في فنّ من الفنون لم يسبقه فيه غيره إنه أبدع ﴿نُصَرِّفُ﴾ التصريف: نقل الشيء من حال إلى حال.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال كفار قريش لأبي طالب إمّا أن تنهى محمدًا وأصحابه عن سب آلهتنا والنَّيل منها وإِمّا أن نسب إِلهه ونهجوه فنزلت ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ...﴾ الآية وفي رواية أخرى أن المشركين قالوا يا محمد: لتنتهينّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك فنزلت.

التفِسير: عاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين بعجائب الصنع ولطائف التدبير فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى﴾ أي يفلق الحبَّ تحت الأرض لخروج النبات منها ويفلق النوى لخروج الشجر منها قال القرطبي: أي يشق النواة الميتة فيُخرج منها ورقًا أخضر وكذلك الحبة ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي يخرج النبات الغضِّ الطريّ من الحبّ اليابس، ويخرج الحبَّ اليابس من النبات الحيّ النامي عن ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وعلى هذا فالحي والميت استعارة عن المؤمن والكافر ﴿ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي ذلكم الله الخالق المدبر فكيف تُصرفون عن الحق بعد هذا البيان ﴿﴿فَالِقُ الإصباح﴾ أي شاقُّ الضياء عن الظلام وكاشفه قال الطبري: شقَّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده ﴿وَجَعَلَ الليل سَكَنًا﴾ أي يسكن الناس فيه عن الحركات ويستريحون ﴿والشمس والقمر حُسْبَانًا﴾ أي بحساب دقيق يتعلق به مصالح العباد، ويُعرف بهما حساب الأزمان والليل والنهار ﴿ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير الغالب القاهر الذي لا يستعصي عليه شيء العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾ أي خلق لكم النجوم لتهتدوا بها في أسفاركم في ظلمات الليل في البر والبحر، وإنما امتنّ عليهم بالنجوم لأن سالكي القفار، وراكبي البحار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بها ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أبي بيّنا الدلائل على قدرتنا لقوم يتدبرون عظمة الخالق ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي خلقكم وأبدعكم من نفسٍ واحدة هي آدم عليه السلام ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قال ابن عباس: المستقرُّ في الأرحام والمستودع في الأصلاب، أي لكم استقرار في أرحام أمهاتكم وأصلاب آبائكم، وقال ابن مسعود: مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ﴾

378

﴿يَفْقَهُونَ﴾ أبي بينا الحجج لقوم يفقهون الأسرار والدقائق قال الصاوي: عبّر هنا ب ﴿يَفْقَهُونَ﴾ إشارة إلى أن أطوار الإِنسان وما احتوى عليه أمرٌ خفيٌّ تتحير فيه الألباب، بخلاف النجوم فأمرها ظاهر مشاهد، ولذا عبّر فيها ب ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي أنزل من السحاب المطر فأخرج به كل ما ينبتُ من الحبوب والفواكه والثمار والبقول والحشائش والشجرَ قال الطبري: أي أخرجنا به ما ينبتُ به كل شيء وينمو عليه ويصلح ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي أخرجنا من النبات شيئًا غضًّا أخضر ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾ أي نُخرج من الخضر حبًا متراكبًا بعضُه فوق بعض كسنابل الحنطة والشعير قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والذرة والأرز ﴿وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي وأخرجنا من طلع النخل - والطلعُ أول ما يخرج من التمر في أكمامه - عناقيد قريبة سهلة التناول قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلّت من الطلع دانيةً ممن يجتنيها ﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ أي وأخرجنا بالماء بساتين وحدائق من أعناب ﴿والزيتون والرمان مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ أي وأخرجنا به أيضًا شجر الزيتون وشجر الرمان مشتبهًا في المنظر وغير متشابه في الطعم قال قتادة: مشتبهًا ورقُه مختلفًا ثمرُه، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار العليم القدير ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي انظروا أيها الناس نظر اعتبار واستبصار إلى خروج هذه الثمار من ابتداء خروجها إلى انتهاء ظهورها ونضجها كيف تنتقل من حال إلى حال في اللون والرائحة والصغر والكبر، وتأملوا ابتداء الثمر حيث يكون بعضه مرًا وبعضه مالحًا لا يُنتفع بشيء منه، ثم إذا انتهى ونضج فإنه يعود حلوًا طيبًا نافعًا مستساغ المذاق﴾ فسبحان القدير الخلاّق!! ﴿إِنَّ فِي ذلكم لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في خلق هذه الثمار والزروع مع اختلاف الأجناس والأشكال والألوان لدلائل باهرة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يصدّقون بوجود الله قال ابن عباس: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ أي وجعلوا الجنَّ شركاء لله حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ أي وقد عملوا أنه تعالى هو الذي خلقهم وانفرد بإيجادهم فكيف يجعلونهم شركاء له؟ وهذه غاية الجهالة ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي واختلقوا ونسبوا إليه تعالى البنين والبنات حيث قالوا: عزيرٌ ابن الله والملائكة بناتُ الله سفهًا وجهالة ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزّه الله وتقدس عن هذه الصفات التي نسبها إليه الظالمون وتعالى علوًا كبيرًا ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ أي مبدعهما من غير مثالٍ سبق ﴿أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي كيف يكون له ولد وليس له زوجة؟ والولد لا يكون إلا من زوجة ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي وما من شيء إلا هو خالقه والعالم به ومن كان كذلك كان غنيًا عن كل شيء قال في التسهيل: والغرض الرد على من نسب لله الولد من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس والده والله تعالى متعالٍ عن الأجناس لأنه مبدعها فلا يصح أن يكون له ولد، والثاني: أن الله خلق السماوات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء

379

ثم أكّد تعالى على وحدانيته وتفرده بالخلق والإيجاد فقال ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي ذلكم الله خالقكم ومالككم ومدبّر أموركم لا معبود بحق سواه ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه﴾ أي هو الخالق لجميع الموجودات ومن كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي وهو الحافظ والمدبر لكل شيء ففوّضوا أموركم إليه وتوسلوا إليه بعبادته ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به وهو يراها ويحيط بها لشمول علمه تعالى للخفيات ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ أي اللطيف بعباده الخبير بمصالحهم قال ابن كثير: ونفيُ الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة إذ يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت عائشة تثبت الرؤية في الآخرة وتنفيها في الدنيا وتحتج بهذه الآية ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ أي قد جاءكم البينات والحجج التي تُبصرون بها الهدى من الضلال وتميزون بها بين الحق والباطل قال الزجاج: المعنى قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ قال الزمخشري: المعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإيّاها نفع ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإيّاها ضرَّ بالعمى ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي لست عليكم بحافظ ولا رقيب وإنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم ﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات﴾ أي وكما بينا ما ذُكر نبيّن الآيات ليعتبروا ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي وليقول المشركون درست يا محمد في الكتب وقرأت فيها وجئتَ بهذا القرآن واللامُ لامُ العاقبة ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه ﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي اتبع يا محمد القرآن الذي أوحاه الله إليك قال القرطبي: أي لا تشغل قلبك وخاطرك بهم بل اشتغل بعبادة الله ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود بحقٍ إلا هو ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ أي لا تحتفل بهم ولا تلتفت إلى آرائهم ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ﴾ أي لو شاء الله هدايتهم لهداهم فلم يشركوا ولكنه سبحانه يفعل ما يشاء

﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي وما جعلناك رقيبًا على أعمالهم تجازيهم عليها ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي ولستَ بموكل على أرزاقهم وأمورهم قال الصاوي: وهذا تأكيد لما قبله أي لستَ حفيظًا مراقبًا لهم فنجبرهم على الإِيمان وهذا كان قبل الأمر بالقتال ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي لا تسبوا آلهة المشركين وأصنامهم ﴿فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي فيسبوا الله جهلًا واعتداءً لعدم معرفتهم بعظمة الله قال ابن عباس: قال المشركون: لتنتهينَّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك فنهاهم الله أن يسبّوا أوثانهم ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي كما زينّا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينّا لكل أمةٍ عملهم قال ابن عباس: زينّا لأهل الطاعة الطاعة ولأهل الكفر الكفرَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ثم معادهم ومصيرهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم، وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب {}

380

﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي حلف كفار مكة بأغلظ الأيمان وأشدها ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي لئن جاءتهم معجزة أو أمر خارقٌ مما اقترحوه ليؤمننَّ بها ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ أي قل لهم يا محمد أمر هذه الآيات عند الله لا عندي هو القادر على الإتيان بها دوني ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي وما يدريكم أيها المؤمنون لعلها إذا جاءتهم لا يصدقون بها!! ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي ونحوّل قلوبهم عن الإِيمان كما لم يؤمنوا بما أُنزل من القرآن أول مرة قال الصاوي: وهو استئناف مسوقٌ لبيان أن خالق الهدى والضلال هو الله لا غيره فمن أراد له الهدى حوّل قلبه له، ومن أراد الله شقاوته حوّل قلبه لها ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي ونتركهم في ضلالهم يتخبطون ويتردّدون متحيرين.

البَلاَغَة: 1 - ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ بين لفظ الحيّ والميت طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وفي الآية أيضًا من المحسنات ما يسمى ردّ العجز على الصدر في قوله ﴿وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ .

2 - ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا وجه لصرفكم عن الإِيمان بعد قيام البرهان.

3 - ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فيه التفاتٌ عن الغيبة والأصل فأخرج به والنكتة هي الاعتناء بشأن المُخْرج والإِشارة إلى أنَّ نِعَمَه عظيمة.

4 - ﴿والزيتون والرمان﴾ من عطف الخاص على العام المزيد الشرف لأنهما من أعظم النعم.

5 - ﴿بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ مجاز مرسل من باب تسمية المسبب باسم السبب أي حجج وبراهين تبصرون بها الحقائق.

6 - ﴿أَبْصَرَ عَمِيَ﴾ طباق وبين لفظ ﴿بَصَآئِرُ أَبْصَرَ﴾ جناس الاشتقاق.

تنبيه: قوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ الآية نفت الإِحاطة ولم تنف الرؤية فلم يقل تعالى: لا تراه الأبصار فمن ذهب إلى عدم رؤية الله في الآخرة كالمعتزلة فقد جانب الحق وضلّ السبيل بمخالفة ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ َ المتواترة أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 - 23] وأما السنة فما أخرجه البخاري «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. .» الحديث وكفى بالكتاب والسنة دليلًا وهاديًا.

381

111

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد والنبوّة والبعث، واقتراح المشركين بعض الآيات على رسول الله ﷺ َ، ذكر هنا أن رؤية المعجزات لن تفيد من عميت بصيرته، وأنه لو أتاهم بالآيات التي اقترحوها من إِنزال الملائكة، وإِحياء الموتى حتى يكلموهم، وحشر السباع والدواب والطيور وشهادتهم بصدق الرسول ما آمنوا بمحمد والقرآن لتأصلهم في الضلال.

اللغَة: ﴿قُبُلًا﴾ مقابلة ومواجهة ومنه قولهم أتيتُك قُبُلًا لا دُبُرًا أي من قِبَل وجهك ﴿وَحَشَرْنَا﴾ الحشر: الجمع مع سوقٍ وكل جمعٍ حشرٌ ومنه ﴿فَحَشَرَ فنادى﴾ [النازعات: 23] . ﴿زُخْرُفَ﴾ قال الزجاج: الزخرف الزينة وقال أبو عبيدة: كلُّ ما حسنته وزينته وهو باطل فهو زخرف ﴿ولتصغى﴾ صغى إِلى الشيء مال إِليه ومثله أصغى وفي الحديث «فأصغى إليها الإِناء» وأصله الميل ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ اقترف: اكتسب وأكثر ما يكون في الشر يقال: قرف الذنبَ واقترفه أي اكتسبه ﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون قال الأزهري: أصله

382

الظن فيما لا يستيقن ﴿صَغَارٌ﴾ ذلة وهوان ﴿يَشْرَحْ﴾ يوسّع والشرح: البسط والتوسعة ﴿حَرَجًا﴾ الحَرج: شدة الضيق قال ابن قتيبة: الحَرج الذي ضاق فلم يجد منفذًا.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن أبا جهل رمى رسول الله ﷺ َ بفرث - وحمزة لم يؤمن من بعد - فأُخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس قال أبو جهل: أما ترى ما جاء به سفّه عقولنا، وسبب آلهتنا، وخالف آباءنا قال حمزة: ومن أسفهُ منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فأنزل الله ﴿مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ...﴾ الآية.

التفِسير: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى﴾ هذا بيانّ لكذب المشركين في أيمانهم الفاجرة حين أقسموا ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ﴾ [الأنعام: 109] والمعنى: ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه من آيةٍ واحدة من الآيات بل نزلنا إِليهم الملائكة وأحيينا لهم الموتى فكلموهم وأخبروهم بصدق محمد ﷺ َ كما اقترحوا ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أي وجمعنا لهم كل شيء من الخلائق عيانًا ومشاهدة ﴿مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ أي لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكل آية لم يؤمنوا إِلا أن يشاء الله، والغرضُ التيئيسُ من إِيمانهم ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أي ولكنَّ أكثر هؤلاء المشركين يجهلون ذلك قال الطبري: أي يجهلون أن الأمر بمشيئة الله، يحسبون أن الإِيمان إِليهم والكفر بأيديهم متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفروا، وليس الأمر كذلك، ذلك بيدي لا يؤمن منهم إِلا من هديتُه لو فوقته، ولا يكفر إِلا من خذلتُه فأضللتُه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ أي كما جعلنا هؤلاء المشركين أعداءك يعادونك ويخالفونك كذلك جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء من شياطين الإِنس والجن، فاصبر على الأذى كما صبروا قال ابن الجوزي: أي كما ابتليناك بالأعداء ابتلينا من قبلك من الأنبياء ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ أي يوسوس بعضهم إِلى بعض بالضلال والشر ﴿زُخْرُفَ القول غُرُورًا﴾ أي يوسوسون بالكلام المزيّن والأباطيل المموّهة ليغروا الناس ويخدعوهم قال مقاتل: وكَلَ إِبليسُ بالإِنس شياطينَ يُضلونهم فإِذا التقى شيطان الإِنس بشيطان الجن قال أحدهما لصاحبه: إِني أضللتُ صاحبي بكذا وكذا فأضللْ أنتَ صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحيُ بعضهم إِلى بعض ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي لو شاء الله ما عادى هؤلاء أنبياءهم ولكنَّ حكمة الله اقتضت هذا الابتلاء قال ابن كثير: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإِرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدوٌ من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي اتركهم وما يدبرونه من المكائد فإن الله كافيك وناصرُكَ عليهم ﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾ أي ولتميل إِلى هذا القول المزخرف قلوبُ الكفرة

383

الذين لا يصدّقون بالآخرة ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ أي وليرضوا بهذا الباطل وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام ﴿أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب قاضيًا بيني وبينكم؟ قال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله ﷺ َ: اجعلْ بيننا وبينك حكمًا إِن شئتَ من أحبار اليهود أو النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت ﴿وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلًا﴾ أي أنزل إِليكم القرآن بأوضح بيان، مفصَّلًا فيه الحق والباطل موضّحًا الهدى من الضلال ﴿والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق﴾ أي وعلماء اليهود والنصارى يعلمون حق العلم أن القرآن حقً لتصديقه ما عندهم ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ أي فلا تكوننَّ من الشاكين قال أبو السعود: وهذا من باب التهييج والإِلهاب وقيل: الخطاب للرسول والمراد به الأمة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي تمَّ كلام الله المنزّل فيما أخبر، وعدلًا فيما قضى وقدَّر ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي لا مغيّر لحكمه ولا رادَّ لقضائه ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي إِن تطع هؤلاء الكفار وهم أكثر أهل الأرض يضلّوك عن سبيل الهدى قال الطبري: وإِنما قال ﴿أَكْثَرَ مَن فِي الأرض﴾ لأنهم كانوا حينئذٍ كفارًا ضُلاّلًا والمعنى: لا تطعهم فيما دعوك إِليه فإِنك إِن أطعتهم ضللتَ ضلالهم وكنت مثلهم لأنهم لا يدعونك إِلى الهدى وقد أخطأوه ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ أي ما يتبعون في أمر الدين إِلا الظنون والأوهام يقلّدون آباءهم ظنًا منهم أنهم كانوا على الحق وما هم إِلا قومٌ يكذبون ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي إِن ربك يا محمد أعلم بالفريقين بمن ضلّ عن سبيل الرشاد وبمن اهتدى إلى إلى طريق الهدى والسداد قال في البحر: وهذه الجملة خبريةٌ تتضمن الوعيد والوعد لأن كونه تعالى عالمًا بالضال والمهتدى كناية عن مجازاتهما ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كلوا مما ذبحتم وذكرتم اسم الله عليه إِن كنتم حقًا مؤمنين قال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين إِنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله - يريدون الميتة - أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم فنزلت الآية ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله﴾ أي وما المانع لكم من أكل ما ذبحتموه بأيديكم بعد أن ذكرتم اسم ربكم عليه عند ذبحه؟ ﴿عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ أي وقد بيَّن لكم ربكم الحلال والحرام ووضّح لكم ما يحرم عليكم من الميتة والدم الخ في آية المحرمات إلا في حالة الاضطرار فقد أحلّ لكم ما حرّم أيضًا فما لكم تستمعون إِلى الشبهات التي يثيرها أعداؤكم الكفار؟ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي وإِن كثيرًا من الكفار المجادلين ليُضلون الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام بغير شرعٍ من الله بل بمجرد الأهواء والشهوات ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين﴾ أي المجاوزين الحدَّ في الاعتداء فيحلّلون ويحرمون بدون دليل شرعي من كتاب أو سنّة، وفيه وعيد شديد وتهديد أكيد لمن اعتدى حدود الله ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ أي اتركوا المعاصي ظاهرها وباطنها وسرَّها وعلانيتها قال مجاهد: هي المعصية في السر والعلانية وقال

384

السدي: ظاهره الزنى مع البغايا وباطنه الزنى مع الصدائق والأخدان ﴿إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ أي يكسبون الإِثم والمعاصي ويأتون ما حرّم الله سيلقون في الآخرة جزاء ما كانوا يكتسبون ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ﴾ أي لا تأكلوا أيها المؤمنون ممَّا ذُبح لغير الله أو ذكر اسم غير الله عليه كالذي يذبح للأوثان ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي وإِن الأكل منه لمعصيةً وخروجٌ عن طاعة الله ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ أي وإِن الشياطين ليوسوسون إِلى المشركين أوليائهم في الضلال لمجادلة المؤمنين بالباطل في قولهم: أتأكلون ممّا قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله؟ يعني الميتة ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي وإِن أطعتم هؤلاء المشركين في استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم إِنكم إِذًا مثلهم قال الزمخشري: لأن من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به، ومن حق ذي البصيرة في دينه ألا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان للتشديد العظيم ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال أبو حيان: لما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين مثَّل تعالى بأن شبّه المؤمن بالحيّ الذي له نور يتصرف به كيفما سلك، والكافر بالمتخبط في الظلمات المستقر فيها ليظهر الفرق بين الفريقين والمعنى: أو من كان بمنزلة الميت أعمى البصيرة كافرًا ضالًا، فأحيا الله قلبه بالإِيمان، وأنقذه من الضلالة بالقرآن ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ أي وجعلنا مع تلك الهداية النور العظيم الوضاء الذي يتأمل به الأشياء فيميز به بين الحق والباطل ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ أي كمن هو يتخبط في ظلمات الكفر والضلالة لا يعرف المَنْفذ ولا المخْلص؟ قال البيضاوي: وهو مَثلٌ لمن بقي في الضلالة لا يفارقها بحال ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي وكما بقي هذا في الظلمات يتخبّط فيها كذلك حسنًا للكافرين وزينا لهم ما كانوا يعملون من الشرك والمعاصي ﴿وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا في كل بلدةٍ مجرميها من الأكابر والعظماء ليفسدوا فيها قال ابن الجوزي: وإِنما جعل الأكابر فُسَّاق كل قرية لأنهم أقربُ إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي وما يدرون أن وبال هذا المكر يحيق بهم ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ﴾ أي وإِذا جاءت هؤلاء المشركين حجةٌ قاطعة وبرهانٌ ساطع على صدق محمد ﷺ َ قالوا لن نصدّق برسالته حتى نُعطى من المعجزات مثل ما أُعطي رسُل الله، قال في البحر: وإِنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء ولو كانوا موقنين غير معاندين لاتبعوا رسل الله تعالى، وروي أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف حتى إِذا صرنا كفَرَسيْ رهان قالوا: منّا نبيٌ يُوحى إِليه! والله لا نرضي به ولا نتبعه أبداص إِلا أن يأتينا وحيٌ كما يأتيه فنزلت الآية ﴿الله الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ أي الله أعلم من هو أهلٌ للرسالة فيضعها فيه وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو محمد ﷺ َ دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة ﴿سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾

385

﴿بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ أي سيصيب هؤلاء المجرمين الذل والهوان، والعذاب الشديد يوم القيامة بسبب استكبارهم ومكرهم المستمر قال في البحر: وقدَّم الصغار على العذاب لأنهم تمردوا عن اتباع الرسول وتكبّروا طلبًا للعزّ والكرامة فقوبلوا بالهوان والذل أولًا ثم بالعقاب الشديد ثانيًا ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ أي من شاء الله هدايته قذف في قلبه نورًا فينفسح له وينشرح وذاك علامة الهداية للإِسلام قال ابن عباس: معناه يوسّع قلبه للتوحيد والإِيمان، وحين سئل رسول الله ﷺ َ عن هذه الآية قال: إِذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ قال: الإِنابة إِلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ أي ومن يرد شقاوته وإِضلاله ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي يجعل صدره ضيّقًا شديد الضيق لا يتسع لشئ من الهدى، ولا يخلص إِليه شئ من الإِيمان قال عطاء: ليس للخير فيه منفذ ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ أي كأنما يحاول الصعود إِلى السماء ويزاول أمرًا غير ممكن قال ابن جرير: وهذا مثلٌ ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإِيمان إِليه، مثلُ امتناعه من الصعود إِلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه ﴿كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي مثل جعل صدر الكافر شديد الضيق كذلك يلقي الله العذاب والخذلان على الذين لا يؤمنون بآياته قال مجاهد: الرجسُ كل ما لا خير فيه وقال الزجاج: الرجس اللعنةُ في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي وهذا الدين الذي أنت عليه يا محمد هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه فاستمسك ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي بينا ووضحنا الآيات والبراهين لقوم يتدبرون بعقولهم ﴿لَهُمْ دَارُ السلام عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي لهؤلاء الذين يؤمنون ويعتبرون وينتفعون بالآيات دار السلام أي السلامة من المكاره وهي الجنة في نُزل الله وضيافته ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي هو تعالى حافظهم وناصرهم ومؤيدهم جزاءً لأعمالهم الصالحة قال ابن كثير: وإِنما وصف تعالى الجنة هنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إِلى دار السلام.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ﴾ التعرض لوصف الربوبية والإِضافة إِلى ضميره عليه السلام ﴿رَبُّكَ﴾ لتشريف مقامه وللمبالغة في اللطف في التسلية.

2 - ﴿الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين﴾ [آل عمران: 60] الخطاب للرسول ﷺ َ على طريق التهييج والإِلهاب.

3 - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي تمَّ كلامه ووحيه أطلق الجزء وأراد الكل فهو مجاز مرسل.

4 - ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ بين لفظ ﴿ظاهر﴾ و﴿باطن﴾ طباقٌ.

5 - ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الموت والحياة، والنور والظلمة كلها من باب الاستعارة فقد

386

استعار الموت للكفر والحياة للإِيمان وكذلك النور والظلمات للهدى والضلال.

6 - ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ الشرح كناية عن قبول النفس للحق والهدى الذي جاء به الرسول ﷺ َ وبين لفظ الشرح والضيق طباقٌ وهو من المحسنات البديعية.

فائِدَة: الحكم أبلغ من الحاكم وأدلُّ على الرسوخ لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرّر منه الحكم بخلاف الحاكم.

تنبيه: قال الرازي: دلّت هذه الآية ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قولٌ بمحض الهوى والشهوة، والآية دلّت على أن ذلك حرام.

387