صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 366 - 377

59

59

المنَاسَبَة: لّما أقام تعالى الأدلة والبراهين على وجوده ووحدانيته، أعقبه بذكر الأدلة على صفاته القدسية: علمه، وقدرته، وعظمته، وجلاله، وسائر صفات الجلال والجمال، ثم ذكر نعمته على العباد بإِنجائهم من الشدائد، وقدرته على الانتقام ممَّن خالف أمره وعصى رسله.

اللغَة: ﴿كَرْبٍ﴾ الكرب: الغمُّ الذي يأخذ بالنفس ﴿شِيَعًا﴾ الشيعة: الفرقة تتبع الأخرى ويجمع على شيع وأشياع ﴿أُبْسِلُواْ﴾ الإِبسال: تسليم الإِنسان نفسه للهلاك ﴿عْدِلْ﴾ فدية ﴿حَمِيمٍ﴾ الحميم: الماء الحار ﴿حَيْرَانَ﴾ الحَيرْة: التردد في الأمر لا يهتدي إِلى مخرجٍ منه ﴿الغيب﴾ ما غاب عن الحواس ﴿الشهادة﴾ ما كان مشاهدًا ظاهرًا للعيان ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون.

التفِسير: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ أي عند الله خزائن الغيب وهي الأمور المغّيبة الخفيّة لا يعلمها ولا يحيط بها إلا هو ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي البر والبحر﴾ أي ويعلم ما في البر والبحر من الحيوانات جملةً وتفصيلًا وفي كلٍ عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ مبالغةٌ في إِحاطة علمه بالجزئيات أي لا تسقط ورقة من الشجر إِلا يعلم وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها ﴿وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض﴾ أي ولا حبة صغيرة في باطن الأرض إِلا يعلم مكانها وهل تنبت أولاوكم تنبتُ ومن يأكلها ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي ولا شيءٍ فيه رطوبة أو جفاف إِلا وهو معلوم عند الله ومسجّل في اللوح المحفوظ قال أبو حيان:

366

وانظر إلى حسن ترتيب هذه المعلومات: بدأ أولًا بأمرٍ معقول لا ندركه نحن بالحسّ وهو ﴿مَفَاتِحُ الغيب﴾ ثم ثانيًا بامرٍ ندرك كثيرًا منه بالحسّ وهو ﴿البر والبحر﴾ ثم ثالثًا بجزأين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط الورقة من علوّ والثاني سفلي وهو اختفاء حبةٍ في بطن الأرض فدل ذلك على أنه تعالى عالمٌ بالكليّات والجزئيات ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم باليل﴾ أي ينيمكم بالليل ويعلم ما كسبتم من العمل بالنهار قال القرطبي: وليس ذلك موتًا حقيقةً بل هو قبض الأرواح، قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، وفي هذا اعتبار واستدلالٌ على البعث الأخروي ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليقضى أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ أي ثم يوقظم في النهار لتبلغوا الأجل المسمّى لانقطاع حياتكم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه وغالب النوم بالليل ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي ثم مرجعكم إِليه يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها إِن خيرًا فخيرٌ، وإِن شرًا فشرٌّ، ثم ذكر تعالى جلال عظمته وكبريائه فقال ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ أي ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون قال أبو السعود: وفي ذلك حكمة ونعمة جليلة لأن المكلّف إِذا علم أن أعماله تُحفظ عليه وتعرض على رءوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي حتى إِذا انتهى أجل الإِنسان توفته الملائكة الموكلون بقبض الأرواح والمعنى أن حفظ الملائكة للأشخاص ينتهي عند نهاية الأجل فهم مأمورون بحفظ ابن آدم ما دام حيًا فإِذا انتهى أجله فقد انتهى حفظهم له ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ أي لا يقصّرون في شيءٍ مما أُمروا به من الحفظ والتوفي ﴿ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق﴾ أي ثم يردُّ العباد بعد البعث إِلى الله خالقهم ومالكهم الذي له الحكم والتصرف والذي لا يقضي إِلا بالعدل ﴿أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين﴾ أي نه جل وعلا الحكم وحده يوم القيامة وله الفصل والقضاء لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا كما ورد به الحديث وروي أنه يحاسب الناس في مقدار حلب شاة ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من ينقذكم ويخلصكم في أسفاركم من شدائد وأهوال البر والبحر؟ ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي تدعون ربكم عند معاينة هذه الأهوال مخلصين له الدعاء مظهرين الضراعة، تضرعًا بألسنتكم وخفية في أنفسكم قال ابن عباس المعنى: تدعون ربكم علانيةً وسرا قائلين ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ أي لئن خلّصتنا من هذه الظلمات والشدائد لنكوننَّ من المؤمنين الشاكرين والغرض: إذا خفتم الهلاك دعوتموه فإِذا نجّاكم كفرتموه قال القرطبي: وبّخهم الله في دعائهم إِيّاه عند الشدائد وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره ﴿قُلِ الله﴾

367

﴿يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أي الله وحده ينجيّكم من هذه الشدائد ومن كل كربٍ وغمّ ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريعٌ وتوبيخ أي ثم أنتم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققه تشركون به ولا تؤمنون ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة إِنه تعالى قادر على إهلاككم بإِرسال الصواعق من السماء سوما تلقيه البراكين من الأحجار والحُمَم وكالرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فُعل بمن قبلكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ بالخسف والزلازل والرجفة كما فُعل بقارون وأصحاب مدين ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أي يجعلكم فرقًا متحزبين يقاتل بعضكم بعضًا قال البيضاوي: أي يخلطكم فرقًا متحزبين على أهواء شتّى فينشب القتال بينكم وقال ابن عباس: أي يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقًا، والكل متقارب والغرض منه التوعيد ﴿انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي انظر كيف نبيّن ونوضّح لهم الآيات بوجوه العيَر والعظات ليفهموا ويتدبروا عن الله آياته وبراهينه وحججه، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ َ: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ َ: هذه أهون أو أيسر ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق﴾ أي وكذَّب بهذا القرآن قومك يا محمد - وهم قريش - وهو الكتاب المنزّل بالحق ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي لستُ عليكم بحفيظ ومتسلّط إنما أنا منذر ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ أي لكل خبرٍ من أخبار الله عز وجل وقتٌ يقع فيه من غير خُلْفٍ ولا تأخير ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مبالغة في الوعيد والتهديد أي سوف تعلمون ما يحل بكم من العذاب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا﴾ أي إِذا رأيت هؤلاء الكفار يخوضون في القرآن بالطعن والتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي لا تجالسهم وقم عنهم حتى يأخذوا في كلامٍ آخر ويدعو الخوض والاستهزاء بالقرآن قال السدي: كان المشركون إِذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي ﷺ َ والقرآن فسبّوه واستهزءوا به فأمرهم الله ألاّ يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان﴾ أي إِن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم فجالستهم ثم تذكرت ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين﴾ أي لا تجلس بعد تذكر النهي مع الكفرة والفسّاق الذين يهزءون بالقرآن والدين قال ابن عباس: أي قم إِذا ذكرت النهي ولا تقعد مع المشركين ﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ أي ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإِضلالهم إِذا تجنبوهم فلم يجسلوا معهم ﴿ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ولكنْ عليهم أن يذكّروهم ويمنعوهم عمّا هم عليه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير، ويُظهروا لهم الكراهة لعلهم يجتنبون الخوض في القرآن حياءً من المؤمنين إِذا رأوهم قد تركوا مجالستهم قال ابن عطية: تينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية

368

مع الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ أي اترك هؤلاء الفجرة الذين اتخذوا الدين الذي كان ينبغي احترامه وتعظيمه لعبًا ولهوًا باستهزائهم به ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ أي خدعتهم هذه الحياة الفانية حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبدًا ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي وذكّر بالقرآن الناس مخالفة أن تُسْلم نفسٌ للهلاك وتُرهن بسوء عملها ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ أي ليس لها ناصرٌ ينجيها من العذاب ولا شفيع يشفع لها عند الله ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ أي وإِن تُعْط تلك النفس كل فدية لا يقبل منها قال قتادة: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يُقبل منها ﴿أولئك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي أُسلموا العذاب الله بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الشنيعة ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ أي لهؤلاء الضالين شرابٌ من ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم، ونارٌ تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر فلهم مع الشراب الحميم العذاب الأليم والهوان المقيم ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾ الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي قل لهم يا محمد أنعبد ما لا ينفعنا إِن دعوناه ولا يضرنا إِن تركناه؟ والمراد به الأصنام ﴿وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا﴾ أي نرجع إِلى الضلالة بعد الهدى ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله﴾ أي بعد أن هدانا الله للإِسلام ﴿كالذي استهوته الشياطين فِي الأرض﴾ أي فيكون مثلنا كمثل الذي اختطفته الشياطين وأضلته وسارت به في المفاوز والمهالك فألقته في هوّة سحيقة ﴿حَيْرَانَ﴾ أي متحيرًا لا يدري أين يذهب ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا﴾ أي إِلى الطريق الواضح يقولون ائتنا فلا يقبل منهم ولا يستجيب لهم ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ أي قل لهؤلاء الكفار إِنَّ ما نحن عليه من الإِسلام هو الهدى وحده وما عداه ضلال ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ أي أمرنا بأن نستسلم لله عز وجل ونخلص له العبادة في جميع أمورنا وأحوالنا، وهذا تمثيلٌ لمن ضلّ عن الهدى وهو يُدْعى إِلى الإِسلام فلا يُجيب قال ابن عباس: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة ومن يدعو إِليها وللدعاة الذين يدعون إِلى الله، كمثل رجلٍ ضلّ عن الطريق تائهًا ضالًا إِذ ناداه منادٍ يا فلان هلُمَّ إِلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلُمَّ إِلى الطريق، فإِن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة وإِن أجاب من يدعوه إِلى الهدى اهتدى إلى الطريق يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله فإِنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهَلَكة والندامة ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه﴾ أي وأُمرنا بإِقامة الصلاة وبتقوى الله في جميع الأحوال ﴿وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي تجمعون إِليه يوم القيامة فيجازي كل عاملٍ بعمله ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ أي هو سبحانه الخالق المالك المدبر للسماوات والأرض ومن فيهما خلقهما بالحق ولم يخلقهما باطلًا ولا عبثًا ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ أي واتقوه واتقوا عقابه والشدائد يوم يقول كن فيكون قال أبو حيان: وهذا تمثيلٌ لإِخراج الشيء من العدم إِلى الوجود وسرعته لا أنَّ ثَمَ شيئًا يؤمر ﴿قَوْلُهُ الحق وَلَهُ الملك﴾ أي قوله الصدق الواقع لا محالة وله الملك يوم القيامة ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ أي يوم

369

ينفخ إِسرافيل في الصور النفخة الثانية وهي نخفة الإِحياء ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ أي يعلم ما خفي وما ظهر وما يغيب عن الحواس والأبصار وما تشاهدونه بالليل والنهار ﴿وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ أي الحكيم في أفعاله الخبير بشئون عباده.

البَلاَغَة: 1 - ﴿مَفَاتِحُ الغيب﴾ استعار المفاتح للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات قال الزمخشري: مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إِلى ما في المخازن المغلقة بالأقفال، فهو سبحانه العالم بالمغيّبات وحده.

2 - ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز.

3 - ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين﴾ وضع الظاهر موضع المضير «معهم» للتسجيل عليهم بشناعة ما ارتكبوا حيث وضعوا التكذيب والاستهزاء مكان التصديق والتعظيم.

4 - ﴿وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا﴾ عبّر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الأمر وتشنيعه.

5 - ﴿تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.

6 - من المحسنات البديعية الطباق في كلٍ من ﴿رَطْبٍ ويَابِسٍ﴾ و﴿الليل وَالنهار﴾ و﴿فَوْقَ وَتَحْتِ﴾ و﴿يَنفَعُنَا وَيَضُرُّنَا﴾ و﴿الغيب والشهادة﴾ والسجع في ﴿شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والله أعلم.

تنبيه: قال الحاكم: دلّ قوله تعالى ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ على بطلان قول الإِمامية: إن الإِمام يعلم شيئاص من الغيب، انتهى أقول: هذا كذب وبهتان لأن الغيب لا يعلمه إِلا الله.

370

74

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الحجج الدامغة الدالة على التويحيد وبطلان عبادة الأوثان، ذكر هنا قصة أب الأنبياء «إِبراهيم» لإِقامة الحجة على مشركي العرب في تقديسهم الأصنام، فإِنه جاء بالتوحيد الخالص الذي يتنافى مع الإِشراك بالله، وجميع الطوائف والملل معترفةٌ بفضل إِبراهيم وجلالة قدره، ثم ذكر شرف الرسل من أبناء إِبراهيم، وأمر رسوله بالاقتداء بهديهم الكريم.

اللغَة: ﴿مَلَكُوتَ﴾ ملك والواو والتاء للمبالغة في الوصف كالرَّغبوت والرَّهبوت من الرغبة والرهبة ﴿جِنُّ﴾ سترة بظلمته قال الواحدي: جنَّ عليه الليلُ وأجنّه الليل ويقال لكل ما سترته جنَّ وأجنَّ ومنه الجنَّة، والجِنُّ والجنون، والجنين وكل هذا يعود أصله إِلى الستر والاستتار ﴿بَازِغًا﴾ طالعًا يقال: بزغ القمر إِذا ابتدأ في الطلوع قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق لأنه بنوره يشق الظلمة شقًا ﴿أفل﴾ غاب يقال: أفل أفولًا إِذا غاب ﴿سُلْطَانًا﴾ حجة ﴿يلبسوا﴾ يخلطوا يقال: لبس الأمر خلطة ولبس الثوب اكتسى به ﴿اجتبيناهم﴾ اصطفيناهم ﴿قَرَاطِيسَ﴾ جمع قرطاس وهو

371

الورق قال الشاعر:

استودعَ العلمَ قرطاسًا فضيَّعه ... فبئسَ مستودعُ العلم القراطيسُ

﴿غَمَرَاتِ﴾ الغمرة: الشدة المذهلة وأصله من غمرة الماء وهي ما يغطي الشيء ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أعطيناكم وملّكناكم والتحويل: المنح والإِعطاء ﴿ضَلَّ عَنكُم﴾ ضاع وبطل.

سَبَبُ النّزول: «عن سعيد بن جبير أن» مالك بن الصَّيْف «من اليهود جاء يخاصم النبي ﷺ َ فقال له النبي ﷺ َ: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنَّ الله يبغض الحَبْر السمين؟ - وكان حبرًا سمينًا - فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ... .﴾ الآية» .

التفِسير: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أي واذكر يا محمد لقومك عبدة الاوثان وقت قول إِبراهيم - الذي يدّعون أنهم على ملّته - لأبيه آزر منكرًا عليه أتتخذ أصنامًا آلهة تعبدها وتجعلها ربًا دون الله الذي خلقك فسوّاك ورزقك؟ ﴿إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي فأنت وقومك في ضلال عن الحق مبين واضح لا شك فيه ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾ أي نُرى إِبراهيم المُلْك العظيم والسلطان الباهر ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين﴾ أي وليكون من الراسخين في اليقين أريناه تلك الآيات الباهرة قال مجاهد: فُرجت له السماوات والأرض فرأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي فلما ستر الليلُ بظلمته كل ضياء رأى كوكبًا مضيئًا في السماء هو الزهرة أو المشتري ﴿قَالَ هذا رَبِّي﴾ أي على زعمكم قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم واستدراجًا لهم لأجل أن يعرفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله قال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إِلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرّفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إِلى ألا يكون شيء منها إِلهًا وأن وراءها محدثًا أحدثها، ومدبرًا دبّر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وقوله ﴿هذا رَبِّي﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطلٌ، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأن ذلك أدعى إِلى الحق ثم يكرُّ عليه فيبطله بالحجة ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين﴾ أي فلما غاب الكوكب قال لا أحب عبادة من كان كذلك، لأن الرب لا يجوز عليه التغيّر والانتقال لأن ذلك من صفات الأجرام ﴿فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغًا قَالَ هذا رَبِّي﴾ أي فلما رأى القمر طالعًا منتشر الضوء قال هذا ربي على الأسلوب المتقدم لفتًا لأنظار قومه إِلى فساد ما يعبدونه وتسفيهًا لأحلامهم ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين﴾ أي فلما غاب القمر قال إِبراهيم لئن لم يثبتني ربي هلى الهدى لأكوننَّ من القوم الضالين، وفيه تعريضٌ لقومه بأنهم على ضلال ﴿فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي هاذآ أَكْبَرُ﴾ أي هذا أكبر من الكوكب والقمر ﴿فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا﴾

372

﴿تُشْرِكُونَ﴾ أي فلما غابت الشمس قال أنا بريء من إشراككم وأصنامكم قال أبو حيان: لّما أوضح لهم أن هذا الكوكب الذي رآه لايصلح أن يكون ربًا ارتقب ما هو أنور منه وأضوأ فرأى القمر أول طلوعه، ثم لما غاب ارتقب الشمس إِذ كانت أنور من القمر وأضوأ، وأكبر جرمًا وأعم نفعًا، فقال ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبيّن أنها مساوية للنجم في صفة الحدوث وقال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والكواكب السيارة وأشدهن إضاءة الشمس ثم القمر ثم الزهرة فلما انتفت الإِلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض﴾ أي الله الذي اتبدع العالم وخلق السماوات والأرض ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الأديان الباطلة إِلى الدين الحق ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ أي لست ممن يعبد مع الله غيره ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أي جادلوه وناظروه في شأن التوحيد قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم وخوّفوه بها فأجابهم منكرًا عليهم ﴿قَالَ أتحاجواني فِي الله﴾ أي أتجادلونني في وجود الله ووحدانيته ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ أي وقد بصّرني وهداني إِلى الحق ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي لا أخاف هذه الآلهة المزعومة التي تعبدونها من دون الله لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تُبصر ولا تسمع وليست قادرة على شيء مما تزعمون ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي إِلا إِذا أراد ربي أن يصيبني شيءٌ من المكروه فيكون ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي أحاط علمه بجميع الأشياء ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ استفهام للتوبيخ أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ وفي هذا تنبيهٌ لهم على غفلتهم التامة حيث عبدوا ما لا يضر ولا ينفع وأشركوا مع ظهور الدلائل الساطعة على وحدانيته سبحانه ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ أي كيف أخاف آلهتكم التي أشركتموها مع الله في العبادة! ﴿وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء الذي أشركتم به بدون حجة ولا برهان ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي أيّنا أحقُّ بالأمن أنحن وقد عرفنا الله بأدلة وخصصناه بالعبادة أم أنتم وقد أشركتم معه الأصنام وكفرتم بالواحد الديان؟ ﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي لم يخلطوا إِيمانهم بشرك ﴿أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ أي لهم الأمن من العذاب وهم على هداية ورشاد،

373

روي أن هذه الآية لما نزلة أشفق منها أصحاب النبي ﷺ َ فقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ َ: «ليس كما تظنون وإِنما هو كما قال لقمان لابنه

﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ الإِشارة إِلى ما تقدم من الحجج الباهرة التي أيّد الله بها خليله عليه السلام أي هذا الذي احتج به إِبراهيم على وحدانية الله من أفول الكواكب والشمس والقمر من أدلتنا التي أرشدناه لها لتكون له الحجة الدامغة على قومه ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ أي بالعلم والفهم والنبوّة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي حكيم يضع الشيء في محله عليم لا يخفى عليه شيء ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي وهبنا لإِبراهيم ولدًا وولد ولد لتقر عينه ببقاء العقب ﴿كُلًاّ هَدَيْنَا﴾ أي كلًا منهما أرشدناه إِلى سبيل السعادة وآتيناه النبوة والحكمة قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإِبراهيم إِسحق بعد أن طعن في السنّ وأيس من الولد، وبُشّر بنبوته وبأن له نسلًا وعقبًا وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وكان هذا مجازاةً لإِبراهيم حين اعتزل قومه وهاجر من بلادهم لعبادة الله، فعوّضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه لتقرَّ بهم عينه ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل إِبراهيم، وذكر تعالى نوحًا لأنه أب البشر الثاني فذكر شرف أبناء إِبراهيم ثم ذكر شرف آبائه ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ أي ومن ذرية إِبراهيم هؤلاء الأنبياء الكرام، وبدأ تعالى بذكر داود وسليمان لأنهما جمعا الملك مع النبوة وسليمان بن داود فذكر الأب والإِبن ﴿وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ قرنهما لاشتراكهما في الامتحان والبلاء ﴿وموسى وَهَارُونَ﴾ قرنهما لاشتراكهما في الأخوّة وقدَّم موسى لأنه كليم الله ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي مثل ذلك الجزاء الكريم لإِبراهيم نجزي من كان محسنًا في عمله صادقًا في إِيمانه ﴿وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ﴾ قرن بينهم لاشتراكهم في الزهد الشديد والإِعراض عن الدنيا ﴿كُلٌّ مِّنَ الصالحين﴾ أي الكاملين في الصلاح ﴿وَإِسْمَاعِيلَ واليسع وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ اسماعيل هو ابن إِبراهيم، ويونس بن متّى، ولوط بن هاران وهو ابن أخ إِبراهيم ﴿وَكُلًاّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين﴾ أي كلًا من هؤلاء المذكورين في هذه الآية فضلناه بالنبوة على عالمي عصرهم ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإِخوانهم جماعاتٍ كثيرة ﴿واجتبيناهم وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي اصطفيناهم وهديناهم إِلى الطريق الحق المستقيم الذي لا عوج فيه قال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إِلى ذرية إِبراهيم وإِن كان فيهم من لا يلحقه بولادةٍ من قبل أمٍ ولا أب ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي ذلك الهدى إِلى الطريق المستقيم هو هدى الله يهدي به من أراد من خلقه ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو قدرهم لبطل عملهم فكيف بغيرهم؟ ﴿أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب والحكم والنبوة﴾ أي أنعمنا عليهم بإِنزال الكتب السماوية والحكمة الربانية والنبوة والرسالة ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي فإِن يكفر

374

بآياتنا كفار عصرك يا محمد فقد استحفظناها واسترعيناها رسلنا وأنبياءنا ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ أي هؤلاء الرسل المتقدم ذكرهم هم الهداة المهديّون فتأس واقتد بسيرتهم العطرة ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي قل يا محمد لقومك لا أسألكم على تبليغ القرآن شيئًا من الأجر والمال ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي ما هذا القرآن إِلا عظةٌ وتذكير لجميع الخلق ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفوا الله حق معرفته ولا عظّموه حقَّ تعظيمه ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ أي حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، والقائلون هم اليهود للعناء تفوهوا بهذه العظيمة الشنْعاء مبالغة في إِنكار نزول القرآن على محمد عليه السلام ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من أنزل التوراة على موسى نورًا يستضاء به وهداية لبني إِسرائيل؟ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي تكتبونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة تبدون منها ما تشاءون وتخفون ما تشاءون قال الطبري: ومما كانوا يكتمونه إِياهم ما فيها من أمر محمد ﷺ َ ونبوته ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ﴾ أي عُلّمتم يا معشر اليهود من دين الله وهدايته في هذا القرآن ما لم تعلموا به من قبل لا أنتم ولا آباؤكم ﴿قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي قل لهم في الجواب: الله أنزل هذا القرآن ثم اتركهم في باطلهم الذي يخوضون فيه يهزءون ويلعبون، وهذا وعيدٌ لهم وتهديد على إِجرامهم ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي وهذا القرآن الذي أُنزل على محمد ﷺ َ مبارك كثير النفع والفائدة ﴿مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي يصدّق كتب الله المنزّلة كالتوراة والإِنجيل ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي لتنذر به يا محمد أهل مكة ومن حولها سائر أهل الأرض قاله ابن عباس ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي والذين يصدّقون بالحشر والنشر يؤمنون بهذا الكتاب ما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد ﴿وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل في أوقاتها قال الصاوي: خصّ الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء وأندادًا ﴿أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أي زعم أن الله بعثه نبيًا كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي مع أن الله لم يرسله ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله﴾ أي ومن ادعى أنه سينظم كلامًا يماثل ما أنزله الله كقوله الفجار

﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال: 31] قال أبو حيان: نزلت في النضر بن الحارث ومن معه من المستهزئين لأنه عارض القرآن بكلام سخيف لا يُذكر لسخفه ﴿وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت﴾ أي ولو ترى يا محمد هؤلاء الظلمة وهم في سكرات الموت وشدائده، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف للتهويل أي لرأيت أمرًا عظيمًا ﴿والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي وملائكة العذاب يضربون

375

وجوههم وأدبارهم لتخرج أرواحهم من أجسادكم، وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح الشديد في الإِزهاق من غير تنفيس وإِمهال ﴿اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾ أي تُجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد مع الخزي الأكيد ﴿بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق﴾ أي بافترائكم على الله ونسبتكم إِليه الشريك والولد ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي تتكبرون عن الإِيمان بآيات الله فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي جئتمونا للحساب منفردين عن الأهل والمال والولد حفاةً عراة غرلًا كما ورد في الحديث «أيها الناس إِنكم محشورون إِلى الله حفاةً عُراةً غرلًا كما بدأنا أول خلق نعيده. .» ﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي تركتم ما أعطيناكم من الأموال في الدنيا فلم تنفعكم في هذا اليوم العصيب ﴿وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ﴾ أي وما نرى معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم والذين اعتقدتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي تقطّع وصلكم وتشتّت جمعكم ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي ضاع وتلاشى ما زعمتوه من الشفعاء والشركاء.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ حكاية حال ماضية أي أريناه.

2 - ﴿لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين﴾ فيه تعريض بضلال قومه، وبين لفظ ﴿الهداية والضلالة﴾ طباقٌ وهو من المحسنات البديعية.

3 - ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.

4 - ﴿هُدَى الله﴾ الإِضافة للتشريف وبين ﴿هُدَى﴾ و﴿يَهْدِي﴾ جناس الاشتقاق أيضًا.

5 - ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ مبالغة في إِنكار نزول شيء من الوحي على أحدٍ من الرسل.

6 - ﴿مَنْ أَنزَلَ الكتاب﴾ استفهام للتبكيت والتوبيخ.

7 - ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾ بينهما طباق.

8 - ﴿أُمَّ القرى﴾ مكة المكرمة وفيه استعارة حيث شبهت بالأم لأنها أصل المدن والقرى.

9 - ﴿فِي غَمَرَاتِ الموت﴾ قال الشريف الرضي: هذه استعارة عجيبة حيث شبه سبحانه ما يعتورهم من كُرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات الماء ولججه وسميت غمرة لأنها تغمر قلب الإِنسان.

تنبيه: ذهب بعض المفسرين إِلى أن ﴿آزَرَ﴾ عم إِبراهيم وليس أباه وقال آخرون: إنه اسم

376

للصنم، والصحيح كما قال المحققون من المفسرين أنه اسم لوالد إِبراهيم وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والآية صريحة في أن آزر كان كافرًا ولا يقدح ذلك في مقام إِبراهيم عليه السلام وفي صحيح البخاري «يلقى إِبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة. .» الحديث ودعوى إِيمانه مرفوضة بنص الكتاب والسنة والله أعلم.

377