صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 457 - 468

الأنفال

الأنفال

1

اللغَة: ﴿الأنفال﴾ الغنائم جمع نفل بالفتح وهو الزيادة وسميت الغنائم به لأنها زيادة على القيام بحماية الدين والأوطان، وتسمى صلاة التطوع نفلًا، وولد الولد نافلة لهذا المعنى قال لبيد:

إنَّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن اللهِ ريثي والعجل

﴿وَجِلَتْ﴾ الوجل: الخوف والفزع ﴿ذَاتِ الشوكة﴾ الشوكة: السلاح وأصلها من الشَّوك قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة الحد يقال: ما أشدَّ شوكة بني فلان أي حدّهم ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ الاستغاثة: طلب النصرة والعون ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين يتلو بعضهم بعضًا وردف وأردف بمعنى واحد أي تبع قال الطبري: العرب تقول: أردفته وردِفته بمعنى تبعته وأتبعته قال الشاعر: إِذا الجوزاء أردفت الثريا ﴿بَنَانٍ﴾ البنان: جمع بنانة وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين قال عنترة:

﴿زَحْفًا﴾ الزحف: الدنو قليلًا مأخوذ من زحف الصبي إذا مشى سعلى أليته قليلًا قليلًا ثم سمي به الجيش الكثير العدد لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف زحفًا ﴿مُتَحَيِّزًا﴾ منضمًا يقال: تحيّز أي

457

انضم واجتمع إِلى غيره ﴿بَآءَ﴾ رجع ﴿مُوهِنُ﴾ مضعف ﴿تَسْتَفْتِحُواْ﴾ استفتح: أي طلب الفتح والنصرة على عدوه.

سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: «لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ َ: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإِننا كنا لكم ردءًا ولو كان منكم شيء للجأتم إِلينا فأبوا واختصموا إِلى النبي ﷺ َ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ الآية فقسَّم ﷺ َ الغنائم بينهم بالسوية» .

ب - روي «أن النبي ﷺ َ أخذ قبضة من تراب يوم بدر فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه فما بقي أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه تراب من تلك القبضة وولوا مدبرين» فنزلت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ...﴾ الآية.

التفِسير: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ أي يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنمتها من بدر لمن هي؟ وكيف تقسم؟ ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ أي قل لهم: الحكم فيها لله والرسول لا لكم ﴿فاتقوا الله﴾ أي اتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ أي أصلحوا الحال التي بينكم بالائتلاف وعدم الاختلاف ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في الحكم في الغنائم قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا وجعلها لرسول الله ﷺ َ فقسمها على السواء فكان في ذلك تقوى الله، طاعة رسوله، وإِصلاح ذات البين ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ شرط حذف جوابه أي إِن كنتم حقًا مؤمنين كاملين في الإِيمان فأطيعوا الله ورسوله ﴿إِنَّمَا المؤمنون﴾ أي إِنما الكاملون في الإِيمان المخلصون فيه ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي إذا ذكر اسم الله فزعت قلوبهم لمجرد ذكره، استعظامًا لشأنه، وتهيبًا منه جلَّ وعلا ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي إِذا تليت عليهم آيات القرآن وازداد تصديقهم ويقينهم بالله ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يرجون غير الله ولا يرهبون سواه قال في البحر: أخبر عنهم باسم الموصول بثلاث مقامات عظيمة وهي: مقام الخوف، ومقام الزيادة في الإِيمان، ومقام التوكل على الرحمن ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بخشوعها وفروضها وآدابها ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي وينفقون في طاعة الله مما أعطاهم الله، وهو عام في الزكاة ونوافل الصدقات ﴿أولائك هُمُ المؤمنون حَقًّا﴾ أي المتصفون بما

458

ذكر من الصفات الحميدة هم المؤمنون إِيمانًا حقًا لأنهم جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي لهم منازل رفيعة في الجنة ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي تكفير لما فرط منهم من الذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي رزق دائم مستمر مقرون بالإِكرام والتعظيم ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ الكاف يقتضي مشبّهًا قال ابن عطية: شهبت هذه القصة التي هي إِخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها، والمعنى: حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب وقال الطبري: المعنى: كما أخرجك ربك بالحق على كرهٍ من فريقٍ من المؤمنين كذلك يجادلونك في الحق بعدما تَبيَّن، والحقُّ الذي كانوا يجادلون فيه النبي ﷺ َ بعدما تبيّنوه هو القتال ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ أي والحال أن فريقًا منهم كارهون للخروج لقتال العدو خوفًا من القتل أو لعدم الاستعداد ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي يجادلونك يا محمد في شأن الخروج للقتال بعد أن وضح لهم الحق وبان، وكان جدالهم هو قولهم: ما كان خروجنا إِلاّ للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ قال البيضاوي: أي يكرهون القتال كراهة من ينساق إِلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، وفيه إِيماء إِلى أن مجادلتهم إِنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ﴾ أي اذكروا حين وعدكم الله يا أصحاب محمد إحدى الفرقتين أنها لكم غنية إِما العير أو النفير ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي وتحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير لأنها كانت محمّلة بتجارة قريش قال المفسرون:

«روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجاة عظيمة برآسة أبي سفيان، ونزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد: إِن الله وعدكم إِحدى الطائفتين: إِما العير وإِما قريشًا، فاستشار الرسول ﷺ َ أصحابه فاختاروا العير لخفة الحرب وكثرة الغنيمة، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة فنادى أبو جهل: يا أهل مكة النجاء النجاءَ، عيركُم أموالكم إِن أصابها محمد فلن تفلحوا بعدها أبدًا، فخرج المشركون على كل صعب وذلول ومعهم أبو جهل حتى وصلوا بدرًا، ونجت القافلة فأخبر الرسول ﷺ َ أصحابه وقال لهم: إِن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا يا رسول الله: عليك بالعير ودع العدو فغضب رسول الله فقام سعد بن عبادة فقال: امض بنا لما شئت فإِنا متبعوك، وقام سعد بن معاذ فقال: والذي بعثك بالحق لو خضت بنا البحر لخضناه معك فسرْ بنا على بركة الله، فسُرَّ رسول الله ﷺ َ وقال لأصحابه: سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إِلى مصارع القوم»

﴿وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي يظهر الدين الحق وهو الإِسلام بقتل الكفار وإِهلاكهم يوم بدر ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين﴾ أي يستأصل الكافرين ويهلكهم جملة من أصلهم قال في البحر: والمعنى أنكم ترغبون في الفائدة العاجلة، وسلامة الأحوال، وسفساف الأمور، والله تعالى يريد معالي الأمور، وإِعلاء الحق، والفوز في الدارين، وشتّان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عيانًا خذلانهم، فنصركم

459

وهزمهم، وأذلهم وأعزكم ﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحقَّ ويبطل الباطل فعل ما فعل والمراد إظهار الإِسلام وإِبطال الكفر ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾ أي ولو كره المشركون ذلك أي إِظهار الإِسلام وإِبطال الشرك ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي اذكروا حين تطلبون من ربكم الغوث بالنصر على المشركين، روي أن سول الله ﷺ َ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فاستقبل القبلة ومدَّ يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله كفاكَ مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فنزلت هذه الآية ﴿فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة﴾ أي استجاب الله الدعاء بأني معينكم بألف من الملائكة ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أي متتابعين يتبع بعضهم بعضًا قال المفسرون: ورد أن جبريل نزل بخمسائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إِلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل الملائكة لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى﴾ أي وما جعل إمدادكم بالملائكة إِلا بشارة لكم بالنصر ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ أي ولتسكن بهذا الإِمداد نفوسكم ﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ أي وما النصر في الحقيقة إِلا من عند الله العلي الكبير فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وعدّتكم ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب لا يُغلب يفعل ما تقضي به الحكمة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ أي يلقي عليكم النوم أمنًا من عند سبحانه وتعالى، وهذه معجزة لرسول الله ﷺ َ حيث غشي الجميعَ النومُ في وقت الخوف قال علي رضي الله عنه:

«ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إِلا نائم إلا رسول الله ﷺ َ يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح» قال ابن كثير: وكأن ذلك كان للمؤمنين عند شدة البأس، لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً﴾ تعديد لنعمة أخرى، وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر فأنزل الله عليهم المطر حتى سالت الأودية، وكان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر ﴿لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي من الأحداث والجنايات ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ أي يدفع عنكم وسوسته وتخويفه إِياكم من العطش، قال البيضاوي: روي أنهم نزلوا في كثيبٍ أعفر، تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم فوسوس إِليهم الشيطان وقال: كيف تُنصرون وقد غُلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله؟ فأنزل الله المطر حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة ﴿وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ﴾ أي يقوّيها بالثقة بنصر الله ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾ أي يُثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوخ في الرمل قال الطبري: ثبّت بالمطر أقدامهم لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملةٍ ميثاء فلبّدها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها ﴿إِذْ يُوحِي﴾

460

﴿رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ﴾ تذكير بنعمةٍ أخرى أي يوحي إِلى الملائكة بأني معكم بالعون والنصر ﴿فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ أي ثبتوا المؤمنين وقوّوا أنفسهم على أعدائهم ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ أي سأقذف في قلوب الكافرين الخوف والفزع حتى ينهزموا ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾ أي اضربوهم على الأعناق كقوله ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ [محمد: 4] وقيل: المراد الرءوس لأنها فوق الأعناق ﴿واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي اضربوهم على أطراف الأصابع قال في التسهيل: وفائدة ذلك أن المقاتل إِذا ضربت أصابعه تعطَّل عن القتال فأمكن أسره وقتله ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي ذلك العذاب الفظيع واقع عيلهم بسبب مخالفتهم وعصيانهم لأمر الله وأمر رسوله ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي ومن يخالف أمر الله رسوله بالكفر والعناد فإِن عذاب الله شديد له ﴿ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار﴾ أي ذلكم العقاب فذوقوه يا معشر الكفار في الدنيا، مع أن لكم العقاب الآجل في الآخرة وهو عذاب النار ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفًا﴾ أي إِذا لقيتم أعداءكم الكفار مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون زحفًا ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ أي فلا تنهزموا أمامهم بل اثبتوا واصبروا ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أي ومن يولهم يوم اللقاء ظهره منهزمًا ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾ أي إِلا في حال التوجه إِلى قتال طائفة أخرى، أو بالفر للكرّ بأن يخيّل إِلى عدوه أنه منهزم ليغرّه مكيدة وهو من باب «الحرب خدعة» ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أي منضمًا إلى جماعة المسلمين يستنجد بهم ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ أي فقد رجع بسخطٍ عظيم ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي مقره ومسكنه الذي يأوي إِليه نار جهنم ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي بئس المرجع والمآل ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾ أي فلم تقتلوهم أيها المسلمون ببدر بقوتكم وقدرتكم، ولكنَّ الله قتلهم بنصركم عليهم وإِلقاء الرعب في قلوبهم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي وما رميت في الحقيقة أنت يا محمد أعين القوم بقبضةٍ من تراب لأن كفًا من تراب لا يملأ عيون الجيش الكبير قال ابن عباس: أَخذ رسول الله ﷺ َ قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق أحد منهم إِلا أصاب عينيه ومنخريه من تلك الرمية فولوا مدبرين ﴿ولكن الله رمى﴾ أي بإِيصال ذلك إِليهم فالأمر في الحقيقة من الله ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَنًا﴾ أي فعل ذلك ليقهر الكافرين ويُنعم على المؤمنين بالأجر والنصر والغنيمة ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالهم عليهم بنياتهم وأحوالهم ﴿ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين﴾ أي ذلك الذي حدث من قتل المشركين ونصر المؤمنين حق، والغرض منه إِضعاف وتوهين كيد الكافرين حتى لا تقوم لهم قائمة ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ هذا خطاب لكفار قريش أي إِن تطلبوا يا معشر الكفار الفتح والنصر على المؤمنين فقد جاءكم الفتح وهو الهزيمة والقهر، وهذا على سبيل التهكم بهم قال الطبري في رواية الزهري: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر، وأقطع للرحم، فأحِنْه اليوم - أي أهلكه - فأنزل الله ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ فكان

461

أبو جهل هو المستفتح ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي وإِن تكفّوا يا معشر قريش عن حرب الرسول ومعاداته، وعن الكفر بالله ورسوله فهو خير لكم في دنياكم وآخرتكم ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾ أي وإِن تعودوا الحربة وقتاله نعد لنصره عليكم ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي لن تدفع عنكم جماعتكم التي تستنجدون بها شيئًا من عذاب الدنيا مهما كثر الأعوان والأنصار ﴿وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾ أي لأن الله سبحانه مع المؤمنين بالنصر والعون والتأييد ﴿ياأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي دوموا على طاعة الله وطاعة رسوله يدم لكم العز الذي حصل ببدر ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره وأصله تتولوا حذفت منه إِحدى التاءين ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي تسمعون القرآن والمواعظ ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي لا تكونوا كالكفار الذين سمعوا بآذانهم دون قلوبهم، فسماعهم كلا سماعٍ لأن الغرض من السماع التدبر والاتعاظ ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي شرَّ الخلق وشرَّ البهائم التي تدبُّ على وجه الأرض ﴿الصم البكم﴾ أي الصمُّ الذين لا يسمعون الحق، البكم أي الخرس الذين لا ينطقون به ﴿الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي الذين فقدوا العقل الذي يميز به المرء بين الخير والشر، نزلت في جماعة من بني عبد الدار كانوا يقولون: نحن صمٌّ بكمٌّ عما جاء به محمد، وتوجهوا لقتال الرسول ﷺ َ مع أبي جهل، وفي الآية غاية الذم للكافرين بأنهم أشرُّ من الكلب والخنزير والحمير، لأنهم لم يستفيدوا من حواسهم فصاروا أخسَّ من كل خسيس ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو علم الله فيهم شيئًا من الخير لأسمعهم سماع تفهم وتدبر ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي ولو فُرض أن الله أسمعهم - وقد علم أن لا خير فيهم - لتولوا وهم معرضون عنه جحودًا وعنادًا، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ َ على عدم إِيمان الكافرين.

البَلاَغَة: 1 - ﴿أولائك هُمُ المؤمنون﴾ الإِشارة بالبعيد عن القريب لعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف.

2 - ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ استعار الدرجات للمراتب الرفيعة والمنازل العالية في الجنة.

3 - ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت﴾ التشبيه هنا تمثيلي.

4 - ﴿أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.

5 - ﴿ذَاتِ الشوكة﴾ استعيرت الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدّة بينهما.

6 - ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين﴾ كناية عن استئصالهم بالهلاك.

7 - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ صيغة المضارع لاستحضار صورتها الغريبة في الذهن.

8 - ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً﴾ تقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إِلى المؤخر.

9 - ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ الخطاب للمشركين على سبيل التهكم كقوله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] .

462

10 - ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ شبّه الكفار بالبهائم بل جعلهم شرًا منها، وذلك منتهى البلاغة ونهاية الإِعجاز، إِذ أن الكافر لا يسمع الحق والبهائم لا تسمع، ولا ينطق به والبهائم لا تنطق، ويأكل والبهائم تأكل، بقي أنه يضر والبهائم لا تضرُّ فكيف لا يكون شرًا منها؟

تنبيه: ذكر تعالى في هذه السورة أنه أمدَّ المؤمنين بألف من الملائكة، وذكر في سورة آل عمران أنه أمدَّهم بثلاثة آلاف، ولا تعارض بن الآيات فإِنه تعالى ذكر هنا لفظ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ ومعناه متتابعين فأمدهم أولًا بألف ثم بثلاثة آلاف والله الموفق.

463

24

المناسَبَة: لما ذكر تعالى الكافرين، وشبّههم بالأنعام السارحة لأنهم أعرضوا عن قبول دعوة الله، أمر المؤمنين هنا بالاستجابة لله والرسول، وقبول دعوته التي فيها حياة القلوب، وبها السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.

اللغَة: ﴿مُكَآءً﴾ المكاء: الصغير قال أبو عبيدة: والكثير في الأصوات أن تكون على فعال كالصراخ والخوار والدُّعاء والنباح ﴿تَصْدِيَةً﴾ التصدية: التصفيق يقال: صدى تصدية إِذا صفق بيديه وأصله من الصَّدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ الركم: الجمع قال الليث: هو أن تجمع الشيء فوق الشيء حتى تجعله ركامًا مركوما كركام الرمل والسحاب ﴿سَلَفَ﴾ مضى ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ عادة الله وسنته في إِهلاك المكذبين من الأمم السالفة ﴿مَوْلاَكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم.

سَبَبُ النّزول: أخرج ابن جرير عن الزهري «أن رسول الله ﷺ َ لما حاصر يهود بني قريظة طلبوا الصلح فأمرهم أن ينزلوا على حكم» سعد بن معاذ «فقالوا: أرسل لنا» أبا لبابة «فبعثه رسول الله ﷺ َ إِليهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم سعد؟ فأشار إِلى حلقه يعني أنه الذبح، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فقال: لا والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله عليَّ فنزلت الآية» ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول ... .﴾ الآية ثم نزلت توبته.

التفسِير: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي أجيبوا دعاء رسوله إِذا دعاكم للإِيمان الذي به تحيا النفوس، وبه تحيون الحياة الأبدية قال قتادة: هو القرآن فيه الحياة، والثقة، والنجاة، والعصمة في الدنيا والآخرة ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ أي أنه تعالى المتصرف في جميع الأشياء، يصرّف القلوب كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغيّر مقاصده، ويلهمه رشده، أو يُزيغ قلبه عن الصراط السوي، وفي الحديث: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» قال ابن عباس: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإِيمان قال أبو حيان: وفي ذلك حضٌ على المراقبة، والخوف من الله تعالى والمبادرة إِلى الاستجابة له جلَّ وعلا ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وأنه سبحانه إِليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم بأعمالكم ﴿واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ أي احذروا بطش الله وانتقامه إن عصيتم أمره واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل تعم الجميع، وتصل إِلى الصالح والطالح، لأو الظالم يهلك بظلمه وعصيانه، وغير الظالم يهلك لعدم منعه وسكوته عليه وفي الحديث «إِن الناس إِذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده»

قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ﴾

464

﴿العقاب﴾ وهذا وعيد شديد أي شديد العذاب لمن عصاه ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض﴾ أي اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن كنتم قلة أذلة يستضعفكم الكفار في أرض مكة فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالأذى والمكروه ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾ أي تخافون المشركين أن يختطفوكم بالقتل والسلب، والخطف: الأخذ بسرعة ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أي جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم وهو المدينة المنورة ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ أي أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره المؤزر حتى هزمتموهم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ أي منحكم غنائمهم حلالًا طيبة ولم تكن تحل لأحد من قبل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا الله على هذه النعم الجليلة، والغرض التذكير بالنعمة فإِنهم كانوا قبل ظهور الرسول ﷺ َ في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، فعليهم أن يطيعوا الله ويشكروه على هذه النعمة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول﴾ أي لا تخونوا دينكم ورسولكم بإِطلاع المشركين على أسرار المؤمنين ﴿وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ أي ما ائتمنكم عليه من التكاليف الشرعية كقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض﴾ [الأحزاب: 72] الآية قال ابن عباس: خيانة الله سبحانه بترك فرائضه، والرسول ﷺ َ بترك سنته وارتكاب معصيته، والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون أنه خيانة وتعرفون تبعة ذلك ووباله ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة من الله ليختبركم كيف تحافظون معها على حدوده قال الإِمام الفخر: وإِنما كانت فتنة لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجابًا عن خدمة المولى ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي ثوابه وعطاؤه خير لكم من الأموال والأولاد فاحرصوا على طاعة الله ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي إِن أطعتم الله واجتنبتم معاصيه يجعل لكم هداية ونورًا في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل كقوله ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] وفي الآية دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي يسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ أي واسع الفضل عظيم العطاء ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ هذا تذكير بنعمة خاصة على الرسول ﷺ َ بعد تذكير المؤمنين بالنعمة العامة عليهم والمعنى: اذكر يا محمد حين تآمر عليك المشركون في دار الندوة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أي بالسيف ضربة رجل واحد ليتفرق دمه ﷺ َ بين القبائل ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أي من مكة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ أي يحتالون ويتآمرون عليك يا محمد ويدبر لك ربك ما يبطل مكرهم ويفضح أمرهم ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ أي مكره تعالى أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيرًا قال الطبري في روايته عن ابن عباس: إِن نفرًا من أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من العرب، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا: أجل فادخل، فقال انظروا في شأن هذا الرجل - يعني محمدًا ﷺ َ - فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه حتى يأخذوه من

465

أيديكم فيمنعوه منكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه فإِنه إِذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق فانظروا رأيًا غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًا جلدًا، ونعطي كل واحد سيفًا صارمًا، ثم يضربونه فيقبلون الدية ونستريح منه ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إِبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًا جلدًا، ونعطي كل واحد سيفًا صارمًا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها فيقبلون الدية ونستريح منه ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إِبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك فأتى جبريل النبي ﷺ َ فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ.﴾

﴿. .﴾ الآية ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي وإِذا قرئت عليهم آيات القرآن المبين ﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ أي قالوا مكابرة وعنادًا: قد سمعنا هذا الكلام ولو أردنا لقلنا مثله ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إِلا أكاذيب وأباطيل وحكايات الأمم السابقة سطروها وليس كلام الله تعالى قال أبو السعود: وهذا غاية المكابرة ونهاية العناد، كيف لا، ولو استطاعوا لما تأخروا ﴿فما الذي كان يمنعهم وقد تحداهم عشر سنين؟ وقرَّعوا على العجز، ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوه، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا لا سيما في باب البيان؟﴾ ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ أي إِن كان هذا القرآن حقًا منزلًا من عندك ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ أي أنزل علينا حاصبًا وحجارة من السماء كما أنزلتها على قوم لوط ﴿أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي بعذاب مؤلم أهلكنا به، وهذا تهكم منهم واستهزاء قال ابن كثير: وهذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكنهم استعجلوا العقوبة والعذاب لسفههم ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ هذا جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للسبب الموجب لإِمهالهم أي إِنهم مستحقون للعذاب ولكنه لا يعذبهم وأنت فيهم إِكرامًا لك يا محمد، فقد جرت سنة الله وحكمته ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها قال ابن عباس: لم تعذب أمة قط ونبيها فيها، والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي وما ان الله ليعذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون الله، وهو إٍشارة إلى استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله ﷺ َ، والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾ أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ وكيف لا يعذبون وهم على ما هم عليه من العتو والضلال؟ ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾ أي وحالهم الصد عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله ﷺ َ عام الحديبية، وكما اضطروه والمؤمنين إِلى الهجرة من مكة، ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾ أي

466

ما كانوا أهلًا لولاية المسجد الحرام مع إِشراكهم ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾ أي إِنما يستأهل ولايته من كان برًا تقيًا ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أكثرهم جهلة سفلة فقد كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرام، نصد من نشاء، وندخل من نشاء.

. والغرض من الآية بيان استحقاقهم لعذاب الاستئصال بسبب جرائمهم الشنيعة، ولكن الله رفعة عنهم إِكرامًا لرسوله عليه السلام، ولاستغفار المسلمين المستضعفين ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ هذا من جملة قبائحهم أي ما كانت عبادة المشركين وصلاتهم عند البيت الحرام إِلا تصفيرًا وتصفيقًا، وكانوا يفعلونهما إِذا صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم، والمعنى أنهم وضعوا مكان الصلاة والتقرب إِلى الله التصفير والتصفيق قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراةٌ يصفرون ويصفقون ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي فذوقوا عذاب القتل والأَسر بسبب كفركم وأفعالكم القبيحة، وهو إِشارة إِلى ما حصل لهم يوم بدر ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي يصرفون أموالهم ويبذلونها لمنع الناس عن الدخول في دين الإِسلام، ولحرب محمد عليه السلام، قال الطبري: لما أصيب كفار قريش يوم بدر، ورجع فلُّهم إِلى مكة قالوا: يا معشر قريش إِن محمدًا قد وتَرَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا فنزلت الآية ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي فسينفقون هذه الأموال ثم تصير ندامة عليهم، لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون بما كانوا يطمعون من إِطفاء نور الله وإِعلاء كلمة الكفر ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ إِخبار بالغيب أي ثم نهايتهم الهزيمة والاندحار

﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] ﴿والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أي والذين ماتوا على الكفر منهم يساقون إِلى جهنم، فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ أي ليفرق الله بين جند الرحمن وجند الشيطان، ويفصل بين المؤمنين الأبرار والكفرة الأشرار، والمراد بالخبيث والطيب الكافر والمؤمن ﴿وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ﴾ أي يجعل الكفار بعضهم فوق بعض ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أي يجعلهم كالركام متراكمًا بعضهم فوق بعض لشدة الازدحام ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ أي فيقذف بهم في نار جهنم ﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، ثم دعاهم تعالى إِلى التوبة والإِنابة، وحذرهم من الإِصرار على الكفر والضلال فقال سبحانه ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، إِن ينتهوا عن الكفر ويؤمنوا بالله ويتركا قتالك وقتال المؤمنين، يغفر لهم ما قد سلف من الذنوب والآثام ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ أي وإِن عادوا إِلى قتالك وتكذيبك فقد مضت سنتي في تدمير وإِهلاك المكذبين لأنبيائي، فكذلك نفعل بهم، وهذا وعيد شديد لهم بالدمار إِن لم يقلعوا عن المكابرة والعناد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي قاتلوا يا معشر المؤمنين أعداءكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يعبد إِلا الله وحده، قال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه الأرض وقال ابن جريج: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إِلا دين الإِسلام قال الألوسي:

467

واضمحلاها إِما بهلاك أهلها جميعًا، أو برجوعهم عنها خشية القتل، لقوله عليه السلام «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله» ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي فإِن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإِن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على توبتهم وإِسلامهم ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ﴾ أي وإِن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإِيمان فاعلموا يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ولا تبالوا بمعاداتهم لكم ﴿نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾ أي نعم الله أن يكون مولاكم فإِنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم فإِنه لا يُغلب من نصره الله.

البَلاَغَة: 1 - ﴿يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، شبه تمكنه تعالى من قلوب العباد وتصريفها كما يشاء، بمن يحول بين الشيء والشيء، وهي استعارة لطيفة.

2 - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ صيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة من تآمر المشركين على صاحب الرسالة عليه السلام.

3 - ﴿وَيَمْكُرُ الله﴾ إِضافة المكر إِليه تعالى على طريق «المشاكلة» بمعنى إِحباط ما دبروا من كيد ومكر، والمشاكلة أن يتفق اللفظ ويختلف المعنى وقد تقدم.

4 - ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ تأمل التعبير الرائع في أسلوب القرآن حيث وضعوا المكاء والتصدية «التصفير والتصفيق» موضع الصلاة التي ينبغي أن تؤدى عند البيت فكانوا كالأنعام التي لا تفقه معنى العبادة، ولا تعرف حرمة بيوت الله، وهو على حد قول القائل: «تحية بينهم ضرب وجيع» .

5 - ﴿الخبيث مِنَ الطيب﴾ كناية عن المؤمن والكافر وبين لفظ «الخبيث» و«الطيب» طباق وهو من المحسنات البديعية.

تنبيه: روى الحافظ ابن كثير عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: «كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ َ فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله تعالى ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ ثم قال: لأعلمنك أعظم صورة في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله ﷺ َ ليخرج فذكرت له ذلك فقال ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .

لطيفة: حكي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملَّكُوا عليهم امرأة! فقال الرجل: أجهل من قومي قومك حين قالوا لرسول الله ﷺ َ حين دعاهم إِلى الحق ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقولوا: إِن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إِليه، فسكت معاوية رضي الله عنه.

468