صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 469 - 480

41

41

المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بقتال المشركين، وذكر فيما تقدم طرفًا من غزوة بدر، وكان لا بد بعد

469

القتال من أن يغنم المجاهدون الغنائم - وهي أموال المشركين - على طريق القهر والظفر، ذكر سبحانه هنا حكم الغنائم وكيفية قسمتها - ثم سرد بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة المجيدة «غزوة بدر» .

اللغَة: ﴿الْعُدْوَةِ الدنيا﴾ عدوة الوادي: جانبه وشفيره، والدنيا تأنيث الأدنى أي الأقرب والراد ما يلي جانب المدينة ﴿العدوة القصوى﴾ القصوى: تأنيث الأقصى أي الأبعد، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصا والمراد ما يلي جانب مكة ﴿نَكَصَ﴾ النكوص: الإِحجام عن الشيء ﴿كَدَأْبِ﴾ الدأب: العادة، وأصله في اللغة إِدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا أي يدوم عليه ويواظب ثم سميت العادة دأبًا لأن الإِنسان مداوم على عادته ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ قال الليث: يقال ثقفنا فلانًا في موضع كذا أي أخذناه وظفرنا به ﴿فَشَرِّدْ﴾ التشريد: التفريق والتبديد يقال: شردت القوم إِذا قاتلتهم وطردتهم عنها حتى فارقوها.

التفسِير: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ أي اعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتوه من أموال المشركين في الحرب سواء كان قليلًا أو كثيرًا ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال الحسن: هذا مفتاح كلام، الدنيا والآخرة لله أي أن ذكر اسم الله على جهة التبرك والتعيظم كقوله ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] قال المفسرون: تقسم الغنيمة خمسة أقسام، فيعطى الخمس لمن ذكر الله تعالى في هذه الآية، والباقي يوزع على الغانمين ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ أي سهم من الخمس يعطى للرسول ﷺ َ ﴿وَلِذِي القربى﴾ أي قرابة الرسول ﷺ َ وهم بنو هاشم وبنو المطلب ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ أي ولهؤلاء الأصناف من اليتامى الذين مات آباؤهم، والفقراء من ذوي الحاجة، والمنقطع في سفره من المسلمين ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾ جواب الشرط محذوف تقديره: إِن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن هذا هو حكم الله في الغنائم فامتثلوا أمره بطاعته ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا﴾ وبما أنزلنا على محمد ﷺ َ ﴿يَوْمَ الفرقان﴾ أي يوم بدر لأن الله فرق به بين الحق والباطل ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أي جمع المؤمنين وجمع الكافرين، والتقى فيه جند الرحمن بجند الشيطان ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر لا يعجزه شيء، ومنه نصركم مع قلَّتكم وكثرتهم ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ هذا تصوير للمعركة أي وقت كنتم يا معشر المؤمنين بجانب الوادي القريب إلى المدينة ﴿وَهُم بالعدوة القصوى﴾ أي وأعداؤكم المشركون بجانب الوادي الأبعد عن المدينة ﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي والعير التي فيها تجارة قريش في مكان أسفل من مكانكم فيما يلي ساحل البحر ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾ أي ولو تواعدتم أنتم والمشركون على القتال لاختلفتم له ولكن الله بحكمته يسر وتمم ذلك قال كعب بن مالك: إِنما خرج رسول الله ﷺ َ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد قال الرازي: المعنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة على القتال لخالف بعضكم بعضًا لقلتكم وكثرتهم، ﴿ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي ولكن جمع بينكم على غير ميعاد ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إِعزاز الإِسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، فكان أمرًا متحققًا

470

واقعًا لا محالة قال أبو السعود: والغرض من الآية أن يتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح، ليس إِلا صنعًا من الله عز وجل خارقًا للعادات، فيزدادوا إِيمانًا وشكرًا، وتطمئن نفوسهم بفرض الخمس ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي فعل ذلك تعالى ليكفر من كفر عن وضوح وبيان ﴿ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي ويؤمن من آمن عن وضوح وبيان، فإِن وقعة بدر من الآيات الباهرات على نصر الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه ﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ أي اذكر يا محمد حين أراك الله في المنام أعداءك قلة، فأخبرت بها أصحابك حتى قويت نفوسهم وتشجعوا على حربهم قال مجاهد: أراه الله إِياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي ﷺ َ أصحابه بذلك فكان تثبيتًا لهم ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ أي ولو أراك ربك عدوك كثيرًا لجبن أصحابك ولم يقدروا على حرب القوم، وانظر إِلى محاسن القرآن فإِنه لم يسند الفشل إِليه ﷺ َ لأنه معصوم بل قال ﴿لَّفَشِلْتُمْ﴾ إِشارة إِلى أصحابه ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر﴾ أي ولاختلفتم يا معشر الصحابة في أمر قتالهم ﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾ أي ولكن الله أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي عليم بما في القلوب يعلم ما يغيّر أحوالها من الشجاعة والجبن، والصبر والجزع ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾ هذه الرؤية باليقظة لا بالمنام أي واذكروا يا معشر المؤمنين حين التقيتم في المعركة فقلل الله عدوكم في أعينكم لتزداد جرأتكم عليهم، وقلَّلكم في أعينهم حتى لا يستعدوا ويتأهبوا لكم قال أبو مسعود: لقد قُلِّلُوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل: أتراهم يكونون مائة؟ وهذا قبل التحام الحرب فلما التحم القتال كثر الله المؤمنين في أعين الكفار فبُهتوا وهابوا، وفُلَّت شوكتهم، ورأوا ما لم يكن في الحسبان، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الغزوة ﴿لِيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي فعل ذلك فجؤَّأ المؤمنين على الكافرين، والكافرين على المؤمنين، لتقع الحرب ويلتحم القتال، وينصر الله جنده ويهزم الباطل وحزبه، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي مصير الأمور كلها إِلى الله يصرّفها كيف يريد، لا معقب لحكمه وهو الحكيم المجيد، ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا﴾ هذا إِرشاد إِلى سبيل النصر في مبارزة الأعداء أي إٍِذا لقيتم جماعة من الكفرة فاثبتوا لقتالهم ولا تنهزموا ﴿واذكروا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ أي أكثروا من ذكر الله بألسنتكم لتستمطروا نصره وعونه وتفوزوا بالظفر عليهم ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي في جميع أقوالكم وأفعالكم ولا تخالفوا أمرهما في شيء ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ أي ولا تختلفوا فيما بينكم فتضعفوا وتجبنوا عن لقاء عدوكم ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي تذهب قوتكم وبأسكم، ويدخلكم الوهن والخور ﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ أي واصبروا على شدائد الحرب وأهوالها، فإِن الله

471

مع الصابرين بالنصر والعون ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ الناس﴾ أي لا تكونوا ككفار قريش حين خرجوا لبدر عتوًا وتكبرًا، وطلبًا للفخر والثناء، والآية إِشارة إِلى قول أبي جهل: والله لا نرجع حتى نَرد بدرًا، فنشرب فيها الخمور وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان - المغنيات - وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا قال الطبري: فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القيان ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي ويمنعون الناس عن الدخول في الإِسلام ﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي وهو سبحانه عالم بجميع ذلك وسيجازيهم عليه ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ أي واذكر وقت أن حسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الشرك وعبادة الأصنام، وخروجهم لحرب الرسول عليه السلام ﴿وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس﴾ أي لن يغلبكم محمد وأصحابه ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ أي مجير ومعين لكم ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ﴾ أي فلما تلاقى الفريقان ولى الشيطان هاربًا موليًا الأدبار ﴿وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ﴾ أي بريء من عهد جواركم، وهذا مبالغة في الخذلان لهم ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ أي أرى الملائكة نازلين لنصرة المؤمنين وأنتم لا ترون ذلك وفي الحديث

«ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، إِلا ما رأى يوم بدر، فإِنه رأى جبريل يزْعُ الملائكة» أي يصفها للحرب ﴿إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ أي إِني أخاف الله أن يعذبني لشدة عقابه قال ابن عباس: جاء إِبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة «سراقة بن مالك» فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإِني جار لكم، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ َ قبضه من التراب فرمى بها وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إِلى إِبليس، فلما رآه - وكانت يده في يد رجلٍ من المشركين - انتزع يده ثم ولى مدبرًا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: إِني أرى ما لا ترون إِني أخاف الله، وكذب عدو الله فإِنه علم أنه لا قوة له ولا منعة وذلك حين رأى الملائكة ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي حين قال أهل النفاق الذين أظهروا الإِيمان وأبطنوا الكفر لضعف اعتقادهم بالله ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ أي اغتر المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به قال تعالى في جوابهم ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي ومن يعتمد على الله ويثق به فإِن الله ناصره لأن الله عزيز أي غالب لا يذل من استجار به، حكيم في أفعاله وصنعه ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة﴾ أي لو رأيت وشاهدت أيها المخاطب أو أيها السامع حالتهم ببدر حين تقبض ملائكة العذاب أرواح الكفرة المجرمين، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف للتهويل أي لرأيت أمرًا فظيعًا وشأنًا هائلًا قال أبو حيان: وحذف جواب لو جائز بليغ حذفه في مثل هذا لأنه يدل على التهويل والتعظيم أي لرأيت أمرًا فظيعًا لا يكاد يوصف ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي تضربهم الملائكة من أمامهم وخلفهم، على

472

وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ أي ويقولون لهم: ذوقوا يا معشر الفجرة عذاب النار المحرق، وهذا بشارة لهم بعذاب الآخرة وقيل: كانت معهم أسواط من نار يضربونهم بها فتشتعل جراحاتهم نارًا ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك العذاب بسبب ما كسبتم من الكفر والآثام ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ أي وأنه تعالى عادل ليس بذي ظلم لأحد من العباد حتى يعذبه بغير ذنب، وصيغة ﴿ظَلاَّمٍ﴾ ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب أي ليس منسوبًا إِلى الظلم فقد انتفى أصل الظلم عنه تعالى فتدبره ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي دأب هؤلاء الكفرة في الإِجرام يعني عملهم وطريقهم الذي دأبوا فيه كعمل وطريق آل فرعون ومن تقدمهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود في العناد والتكذيب والكفر والإِجرام ﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ أي جحدوا ما جاءهم به الرسل من عند الله ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي أهلكهم بكفرهم وتكذيبهم ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ أي قوي البطش شديد العذاب، لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب ﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ﴾ أي ذلك الذي حل بهم ن العذاب بسبب أن الله عادل في حكمه لا يغير نعمة أنعمها على أحدٍ إِلا بسبب ذنبٍ ارتكبه، وأنه لا يبدل النعمة بالنقمة ﴿حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي حتى يبدلوا نعمة الله بالكفر والعصيان، كتبديل كفار قريش نعمة الله من الخصب والسعة والأمن والعافية، بالكفر والصد عن سبيل الله وقتال المؤمنين قال السدي: نعمة الله على قريش محمد ﷺ َ فكفروا به وكذبوه، فنقله الله إِلى المدينة وحل بالمشركين العقاب ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي وأنه سبحانه سميع لما يقولون عليم بما يفعلون ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كرره لزيادة التشنيع والتوبيخ على إِجرامهم أي شأن هؤلاء وحالهم كشأن وحال المكذبين السابقين حيث غيروا حالهم فغيّر الله نعمته عليهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي أهلكناهم بسبب ذنوبهم بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف وبعضهم الحجارة، وبعضهم بالغرق ولهذا قال ﴿وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ﴾ أي أغرقنا فرعون وقومه معه ﴿وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي وكل من الفرق المكذبة كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي حيث عرَّضوها للعذاب ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله﴾ أي شر من يدب على وجه الأرض في علم الله وحكمه ﴿الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه فهم لا يتوقع منهم إِيمان لذلك قال ابن عباس: نزلت في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه عاهدهم رسول الله ﷺ َ ألا يحاربوه فنقضوا العهد ﴿الذين عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾ أي الذين عاهدتهم يا محمد على ألا يعينوا المشركين ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ أي يستمرون على النقض مرة بعد مرة ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ أي لا يتقون الله في نقض العهد قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ َ قد عاهد يهود بني قرظة ألا يحاربوه ولا يعاونوا عليه المشركين، فنقضوا العهد وأعانوا عليه كفار مكة بالسلاح يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوا العهد ومالئوا الكفار يوم الخندق ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب﴾ أي فإِن تظفر بهم في الحرب ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي فاقتلهم ونكل بهم تنكيلًا شديدًا يشرد غيرهم من الكفرة المجرمين {}

473

﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لعلهم يتعظون بما شاهدوا فيرتدعوا والمعنى: اجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يبقى لهم قوة على محاربتك ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي وإِن أحسست يا محمد من قوم معاهدين خيانة للعهد ونكثًا بأمارات ظاهرة ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ أي اطرح إِليهم عهدهم على بينة ووضوح من الأمر قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه والمعنى: وإِما تخافن من قوم - بينك وبينهم عهد - خيانة فانبذ إِليهم العهد أي قل لهم قد نبذت إِليكم عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك فيكون ذلك خيانة وغدرًا ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ وهذا كالتعليل للأمر بنبذ العهد أي لا يحب من ليس عنده وفاء ولا عهد ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا﴾ أي لا يظنن هؤلاء الكفار الذين أفلتوا يوم بد من القتل أنهم فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم في قبضتنا وتحت مشيئتنا وقهرنا ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ كلام مستأنف أي إِنهم لا يُعجزون ربهم، بل هو قادر على الانتقام منهم في كل لحظة، لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ أي أعدوا لقتال أعدائكم جميع أنواع القوة: المادية، والمعنوية قال الشهاب: وإِنما ذكر القوة هنا لأنه لم يكن لهم في بدر استعداد تام، فنُبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان ﴿وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ أي الخيل التي تربط في سبيل الله ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي تُخيفون بتلك القوة الكفار أعداء الله وأعداءكم ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ أي وترهبون به آخرين غيرهم قال ابن زيد: هم المنافقون وقال مجاهد: هم اليهود من بني قريظة والأول أصح لقوله ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ أي لا تعلمون ما هم عليه من النفاق ولكن الله يعلمهم ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي وما تنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي تُعْطون جزاءه وافيًا كاملًا يوم القيامة ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي لا تنقصون من ذلك الأجر شيئًا.

البَلاَغَة: 1 - ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ التنكير للتقليل.

2 - ﴿على عَبْدِنَا﴾ ذكره ﷺ َ بلفظ العبودية وإِضافته إِلى الله للتشريف والتكريم.

3 - ﴿بِالْعُدْوَةِ الدنيا﴾ بين لفظ «الدنيا» و«القصوى» طباق.

4 - ﴿لِّيَهْلِكَ ويحيى﴾ استعار الهلاك والحياة للكفر والإِيمان، وبين «يهلك» و«يحيا» طباقٌ.

5 - ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي تذهب قوتكم وشوكتكم وهو من باب الاستعارة أيضًا.

تنبيه: يأمرنا الله تعالى بإِعداد القوة لقتال الأعداء، وقد جاء التعبير عامًا ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ ليشمل القوة المادية، والقوة الروحية، وجميع أسباب القوة، وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإِسلامية وهو لا يرى عندنا معامل للأسلحة، وذخائر للحرب، بل كلها مما يشتريه المسلمون من بلاد العدو؟ فلا بد لنا من العودة إِلى تعاليم الإِسلام إِذا ما أردنا حياة العزة والكرامة.

474

61

المنَاسَبَة: لما أمر الله تعالى بإِعداد العدة لإِرهاب الأعداء، أمر هنا بالسلم بشرط العزة والكرامة متى وجد السبيل إِليه، لأن الحرب ضرورة اقتضتها ظروف الحياة لرد العدوان، وحرية الأديان، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان، ثم تناولت الآيات الكريمة حكم الأسرى، وختمت السورة بوجوب مناصرة المؤمنين بعضهم لبعض، بسبب الولاية الكاملة وأخوة الإِيمان.

اللغَة: ﴿جْنَحْ﴾ مال يقال: جنح الرجل إِلى فلان إِذا مال إِليه وخضع له، وجنحت الإِبل: إِذا مالت أعناقها في السير، ومنه قيل للأضلاع جوانح ﴿السلم﴾ المسالمة والصلح قال الزمخشري: وهي تؤنث تأنيث ضدها وهي الحرب قال الشاعر:

475

السِّلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جُرع

﴿حَرِّضِ﴾ التحريض: الحث على الشيء وتحريك الهمة نحوه كالتحضيض ﴿يُثْخِنَ﴾ قال الواحدي: الإِثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إِذا اشتدت قوته عليه، وأثخنته الجراح، والثخانة: والغلظة، والمراد بالإِثخان هنا المبالغة في القتل والجراحات.

سَبَبُ النّزول: أ - عن عمر رضي الله عنه قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون، استشار النبي ﷺ َ أبا بكر وعمر وعليًا فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإِني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله: ما ترى يا ابن الخطاب! قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة على المشركين، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ َ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إِلى رسول الله ﷺ َ فإِذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان، فقلت يا رسول الله: أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإِن وجدت بكاءً بكيت، وإِن لم أجد بكاءً تباكيت، فقال ﷺ َ: «أبكي للذي عرض علي أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ الآية.

ب - لما وقع العباس عم النبي ﷺ َ في الأسر كان معه عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ابني أخيه فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب، وقال النبي ﷺ َ

«أضعفوا على العباس الفداء» فأخذوا منه ثمانين أوقية فقال العباس لرسول الله ﷺ َ: لقد تركتني أتكفَّف قريشًا ما بقيت، فقال له ﷺ َ: وأين الذهب الذي تركته عند أم الفضل؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: إِنك قلت لها: إِني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا! فإِن حدث بي حدث فهو لك ولولدك، فقال يا ابن أخي: من أخبرك بهذا؟ قال: الله أخبرني فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم، وأمر ابني أخيه فأسلما ففيهما نزلت ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ الآية.

التفسِير: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ أي إِن مالوا إِلى الصلح والمهادنة فمل إِليه وأجبهم إِلى ما طلبوا إِن كان فيه مصلحة ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي فوض الأمر إِلى الله ليكون عونًا لك على السلامة ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ أي هو سبحانه السميع لأقوالهم العليم بنياتهم ﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ﴾ أي وإِن أرادوا بالصلح خداعك ليستعدوا لك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ أي فإِن الله يكفيك وهو

476

حسبك، ثم ذكره بنعمته عليه فقال ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ أي قواك وأعانك بنصره وشد أزرك بالمؤمنين قال ابن عباس: يعني الأنصار ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي جمع بين قلوبهم على ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فأبدلهم بالعداوة حبًا، وبالتباعد قربًا قال القرطبي: وكان تأليف القلوب مع العصبيّة الشديدة في العرب من آيات النبي ﷺ َ ومعجزاته، لأن أحدهم كان يُلطم اللطمة فيقاتل عليها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإِيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعًا مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال ما قدرت على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبة بعضها بعضًا ﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولكنه سبحانه بقدرته البالغة جمع بينهم ووفق، فإِنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب على أمره لا يفعل شيئًا إِلا عن حكمة ﴿ياأيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ أي الله وحده كافيك، وكافي اتباعك، فلا تحتاجون معه إِلى أحد وقال الحسن البصري: المعنى حسبك أي كافيك الله والمؤمنون ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ أي حض المؤمنين ورغبهم بكل جهدك على قتال المشركين ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ قال أبو السعود: هذا وعد كريم منه تعالى بغلبة كل جماعة من المؤمنين على عشرة أمثالهم والمعنى: إِن يوجد منكم يا معشر المؤمنين عشرون صابرون على شدائد الحرب يغلبوا مائتين من عدوهم، بعون الله وتأييده ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفًا مِّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي وإِن يوجد منكم مائة - بشرط الصبر عند اللقاء - تغلب ألفًا من الكفار بمشيئة الله ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ الباء سببية أي سبب ذلك بأن الكفار قوم جهلة لا يفقهون حكمة الله، ولا يعرفون طريق النصر وسببه، فهم يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فلذلك يُغلبون قال ابن عباس: كان ثبات الواحد للعشرة فرضًا، ثم لما شق ذلك عليهم نسخ وأصبح ثبات الواحد للاثنين فرضًا ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ﴾ أي رفع عنكم ما فيه مشقة عليكم ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أي وعلم ضعفكم فرحمكم في أمر القتال ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ أي إِن يوجد منكم مائة صابرة على الشدائد يتغلبوا على مائتين من الكفرة ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ﴾ أي وإِن يوجد منكم ألف صابرون في ساحة اللقاء، يتغلبوا على ألفين من الأعداء ﴿بِإِذْنِ الله﴾ أي بتيسيره وتسهيله ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ هذا ترغيب في الثبات وتبشير بالنصر أي الله معهم بالحفظ والرعاية والنصرة، ومن كان الله معه فهو الغالب ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ عتاب للنبي ﷺ َ وأصحابه على أخذ الفداء والمعنى: لا ينبغي لنبي من الأنبياء أن يأخذ الفداء من الأسرى

477

إِلا بعد أن يكثر القتل ويبالغ فيه ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ أي تريدون أيها المؤمنون بأخذ الفداء حطام الدنيا ومتاعها الزائل؟ ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي يريد لكم الباقي الدائم، وهو ثواب الآخرة، بإِعزاز دينه وقتل أعدائه ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في ملكه لا يقهر ولا يُغلب، حكيم في تدبير مصالح العباد ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾ أي لولا حكم في الأزل من الله سابق وهو ألا يعذب المخطئ في اجتهاده ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي لأصابكم في أخذ الفداء من الأسرى عذاب عظيم، وروي أنها لما نزلت قال عليه السلام

«لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر» ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ أي كلوا يا معشر المجاهدين مما أصبتموه من أعدائكم من الغنائم في الحرب حال كونه حلالًا أي محللًا لكم ﴿طَيِّبًا﴾ أي من أطيب المكاسب لأنه ثمرة جهادكم، وفي الصحيح «وجعل رزقي تحت ظل رمحي» ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوا الله في مخالفة أمره ونهيه ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالغ في المغفرة لمن تاب، رحيم بعباده حيث أباح لهم الغنائم ﴿ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾ أي قل لهؤلاء الذين وقعوا في الأسر من الأعداء، والمراد بهم أسرى بدر ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي إِن يعلم الله في قلوبكم إِيمانًا وإِخلاصًا، وصدقًا في دعوى الإِيمان ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أي يعطكم أفضل مما أخذ منكم من الفداء ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من الذنوب ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي واسع المغفرة، عظيم الرحمة لمن تاب وأناب قال البيضاوي: نزلت في العباس رضي الله عنه حين كلفه رسول الله ﷺ َ أن يفدي نفسه وابني أخويه «عقيل» و«نوفل» فقال يا محمد: تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت، فقال: أين الذهب الذي دفعته إِلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إِني لا أدري ما يصيبني في جهتي هذه، فإِن حدث بي حدث فهو كل ولعيالك! ﴿فقال العباس: ما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا إِله إِلا الله وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحد، ولقد دفعته إِليها في سواد الليل﴾ ! قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي - يعني الموعود - بقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾ وإِن كان هؤلاء الأسرى يريدون خيانتك يا محمد بما أظهروا من القول ودعوى الإِيمان ﴿فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي فقد خانوا الله تعالى قبل هذه الغزوة غزوة بدر ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أي فقواك ونصرك الله عليهم وجعلك تتمكن من رقابهم، فإِن عادوا إِلى الخيانة فسيمكنك منهم أيضًا ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عالم بجميع ما يجري، يفعل ما تقضي به حكمته البالغة ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ أي صدقوا الله ورسوله ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ أي تركوا وهجروا الديار والأوطان حبًا في الله ورسوله ﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي جاهدوا الأعداء بالأموال والأنفس لإِعزاز دين الله، وهم المهاجرون ﴿والذين آوَواْ﴾

478

﴿ونصروا﴾ أي آووا المهاجرين في ديارهم ونصروا رسول الله وهم الأنصار ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي أولئك الموصوفون بالصفات الفاضلة بعضهم أولياء بعض في النصرة والإِرث، ولهذا أخى ﷺ َ بين المهاجرين والأنصار ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ أي آمنوا وأقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي لا إِرث بينكم وبينهم ولا ولاية حتى يهاجروا من بلد الكفر ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ أي وإِن طلبوا منكم النصرة لأجل إِعزاز الدين، فعليكم أن تنصروهم على أعدائهم لأنهم إخوانكم ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي إِلا إِذا استنصروكم على من بينكم وبينهم عهد ومهادنة فلا تعينوهم عليهم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي رقيب على أعمالكم فلا تخالفوا أمره.

ذكر تعالى المؤمنين وقسمهم إِلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، الأنصار، الذين لم يهاجروا، فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإِسلام وقد هجروا الديار والأوطان ابتغاء رضوان الله، وثنى بالأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله وجاهدوا بالنفس والمال، وجعل بين المهاجرين والأنصار الولاية والنصرة، ثم ذكر حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا بيّن أنهم حرموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله، وبعد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ذكر حكم الكفار فقال ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي هم في الكفر والضلال ملة واحدة فلا يتولاهم إِلا من كان منهم ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي وإِن لم تفعلوا ما أمرتم به من تولي المؤمنين وقطع الكفار ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أي تحصل في الأرض فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة، لأنه يترتب على ذلك قوة الكفار وضعف المسلمين، ثم عاد بالذكر والثناء على المهاجرين والأنصار فقال ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ وهم المهاجرون أصحاب السبق إِلى الإِسلام ﴿والذين آوَواْ ونصروا﴾ وهم الأنصار أصحاب الإِيواء والإِيثار ﴿أولئك هُمُ المؤمنون حَقًّا﴾ أي هؤلاء هم الكاملون في الإِيمان، المتحققون في مراتب الإِحسان ﴿لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في جنات النعيم قال المفسرون: ليس في هذه الآيات تكرار، فالآيات السابقة تضمنت الولاية والنصرة بين المؤمنين، وهذه تضمنت الثناء والتشريف، ومآل حال أولئك الأبرار من المغفرة والرزق الكريم في دار النعيم ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ﴾ هذا قسم رابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى فحكمهم حكم المؤمنين السابقين في الثواب والأجر ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ أي أصحاب القرابات بعضهم أحق بإِرث بعض من الأجانب في حكم الله وشرعه قال العلماء: هذه ناسخة للإِرث بالخلف والإِخاء ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي أحاط بكل شيء علمًا، فكل ما شرعه الله حكمة وصواب وصلاح، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو ختم للسورة في غاية البراعة.

البَلاَغَة: 1 - ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعًا مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ هذا الأسلوب يسمى ب «الإِطناب» وفائدته التذكير بالمنة الكبرى والنعمة العظمى على الرسول والمؤمنين.

2 - ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ...﴾ الآيات في البحر: انظر إِلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد

479

كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد الطلب أثبت في جملتي التخفيف، ثم ختمت الآيات بقوله ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ مبالغة في شدة المطلوبية، وهذا النوع من البديع يسمى «الاحتباك» . فلله در التنزيل ما أحلى فصاحته وأنضر بلاغته!!

480