صفوة التفاسيرالجزء 1 · ص 51 - 57

55

55

المنَاسَبَة: بعد أن ذكّرهم تعالى بالنعم، بيَّن لونًا من ألوان طغيانهم وجحودهم، وتبديلهم لأوامر الله، وهم مع الكفر والعصيان، يعاملون باللطف والإِحسان، فما أقبحهم من أمة وما أخزاهم!! قال الطبري: لما تاب بنو إِسرائيل من عبادة العجل أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالًا يعتذرون، إِليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلًا من خيارهم كما قال تعالى ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: 155] وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهّر ثيابكم ففعلوا، وخرج بهم إلى «طور سيناء» فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا فقال: افعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوا الله يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما انكشف عن موسى الغمام أقبل إِليهم فقالوا لموسى ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ .

اللغَة: ﴿جَهْرَةً﴾ علانية، وأصل الجهر: الظهور، ومن الجهر بالقراءة والجهر بالمعاصي يعني المظاهرة بها، تقول: رأيت الأمير جهارًا وجهرة أي غير مستتر بشيء، وقال ابن عباس: جهرةً عيانًا: ﴿الصاعقة﴾ صيحة العذاب أو هي ار محرقة ﴿بَعَثْنَاكُم﴾ أحييناكم قال الطبري: وأصل البعث: إِثارة الشيء من محله ﴿الغمام﴾ جمع غمامة كسحابة وسحاب وزنًا ومعنى، لأنها تغم السماء أي تسترها، وكل مغطّى فهو مغموم، وغُمَّ الهلال: إِذا غطّاه الغيم فلم ير ﴿حِطَّةٌ﴾: مصدر من حطَّ

51

عنا ذنوبنا، وهي كلمة استغفار ومعناها: اغفر خطايانا. ﴿رِجْزًا﴾ عذابًا ومنه ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز﴾ [الأعراف: 134] أي العذاب ﴿يَفْسُقُونَ﴾ الفسق: الخروج عن الطاعة وقد تقدم.

التفسير: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين خرجتم مع موسى لتعتذروا إِلى الله من عبادة العجل فقلتم ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ أي لن نصدّق لك بأنَّ ما نسمعه كلام الله ﴿حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ أي حتى نرى الله علانية ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ أي أرسل الله عليهم نارًا من السماء فأحرقهم ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي ما حلّ بكم ثم لما ماتوا قام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إِسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وما زال يدعو ربه حتى أحياهم قال تعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ أي أحييناكم بعد أن مكثتم ميتين يومًا وليلة، فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إِلى بعض كيف يحيون ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت.

ثم ذكّرهم تعالى بنعمته عليهم وهم في التية لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا﴾ [المائدة: 24] فَعُوقِبُوا على ذلك بالضياع أربعين سنة يتيهون في الأرض فقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ أي أنعمنا عليكم بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب، والمنُّ كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى، طير يشبه السماني لذديد الطعم ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي أنهم كفروا هذه النعم الجليلة، وما ظلمونا ولكن ظلموا أنفسهم، لأن وبال العصيان راجع عليهم ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية﴾ أي واذكروا أيضًا نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ أي كلوا منها أكلًا واسعًا هنيئًا ﴿وادخلوا الباب سُجَّدًا﴾ أي وادخلوا باب القرية ساجدين لله شكرًا على خلاصكم من التيه ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ أي نزيد من أحسن إحسانًا، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا ﴿قَوْلًا غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ حيث دخلوا يزحفون على أستاههم أعني «أدبارهم» وقالوا على سبيل الاستهزاء: «حبة في شعيرة» وسخروا من أوامر الله ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السمآء﴾ أي أنزلنا عليهم طاعونا وبلاءً ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله، روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة منهم سبعون ألفًا.

البَلاغَة: أولًا: إِنما قيَّد البعث بعد الموت ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي، ولدفع ما عساه يتوهم أن بعثهم كان بعد إِغماء أو بعد نوم.

ثانيًا: في الآية إِيجاز بالحذف في قوله ﴿كُلُواْ﴾ أي قلنا لهم لكوا وفي قوله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾

52

تقديره فظلموا أنفسهم بأن كفروا وما ظلمونا بذلك دل على هذا الحذف قوله ﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع ﴿ظَلَمُونَا﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر.

ثالثًا: وضع الظاهرة مكان الضمير في قوله ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ ولم يقل «فأنزلنا عليهم» لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، وتنكير ﴿رِجْزًا﴾ للتهويل والتفخيم.

تنبيه: قال الراغب: تخصيص قوله ﴿رِجْزًا مِّنَ السمآء﴾ هو أن العذاب ضربان: ضربً قد يمكن دفاعه وهو كل عذاب جاء على يد آدمي، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضربٌ لا يمكن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون والصاعقة والموت وهو المراد بقوله ﴿رِجْزًا مِّنَ السمآء﴾ .

53

60

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تعدّد النعم على بني إِسرائيل، وهذه إِحدى النعم العظيمة عليهم حين كانوا في التيه، وعطشوا عطشًا شديدًا كادوا يهلكون معه، فدعا موسى ربه أن يغيثهم فأوحى الله إِليه أن يضرب بعصاه الحجر، فتفجرت منه عيون بقدر قبائلهم، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة فجرى لكل منهم جدول خاص، يأخذون منه حاجتهم لا يشاركهم فيه غيرهم، وكان موضوع السقيا آية باهرة ومعجزة ظاهرة لسيدنا موسى عليه السلام ومع ذلك كفروا وجحدوا.

اللغَة: ﴿استسقى﴾ طلب السقيا لقومه لأن السين للطلب مثل: استنصر واستخبر قال أبو حيان: الاستسقاء: طلب الماء عند عدمه أو قلته، ومفعوله محذوف أي استسقى موسى ربّه ﴿فانفجرت﴾ الانفجار: الإِنشقاق ومنه سمي الفجر لانشقاق ضوئه، وانفجر وانبجس بمعنى واحد قال تعالى ﴿فانبجست مِنْهُ﴾ [الأعراف: 160] ، ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ جهة وموضع الشرب ﴿تَعْثَوْاْ﴾ العيث:

53

شدة الفساد، قال: عَثِيَ يعثَى: وعثَا يعثوا إِذا أفسد فهو عاثٍ، قال الطبري: معناه تطغوا وأصله شدة الإِفساد ﴿وَفُومِهَا﴾ الفوم: الثوم وقيل: الحنطة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ الاستبدال: ترك شيء لآخر وأخذ غيره مكانه ﴿أدنى﴾ أخسَّ وأحقر يقال رجل دنيء إِذا كان يتتبع الخسائس ﴿الذلة﴾ الذل والهوان والحقارة ﴿والمسكنة﴾ الفاقة والخشوع مأخوذة من السكون لأن المسكين قليل الحركة لما به من الفقر ﴿وَبَآءُو﴾ رجعوا وانصرفوا قال الرازي: ولا يقال باء إِلا بشرّ ﴿يَعْتَدُونَ﴾ الإِعتداء: تجاوز الحد في كل شيء واشتهر في الظلم والمعاصي.

التفسير: ﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه ﴿فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه ﴿فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عينًا بقدر قبائلهم ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا ﴿كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله﴾ أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ أي على نواع واحدٍ من الطعام وهو المنُّ والسلوى ﴿فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض﴾ أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام فقد سئمنا المنَّ والسلوى وكرهناه ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول ﴿مِن بَقْلِهَا﴾ من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث ﴿وَقِثَّآئِهَا﴾ يعني القتَّة التي تشبه الخيار ﴿وَفُومِهَا﴾ أي الثوم ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ أي العدس والبصل المعروفان ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ أي قال لهم موسى منكرًا عليهم: ويحكم أتستبدلون الخسيس بالنفيس! وتفضلون البصل والبقل والثوم على المنّ والسلوى؟ ﴿اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أي ادخلوا مصرًا من الأمصار وبلدًا من البلدان أيًّا كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء.

. ثم قال تعالى منبهًا على ضلالهم وفسادهم وبغيهم وعدوانهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق﴾ أي بسبب كفرهم بآيات الله جحودًا واستكبارًا، وقتلهم رسل الله ظلمًا وعدوانًا ﴿ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي بسبب عصيانهم وطغيانهم وتمردهم عَلى أحكام الله ثمَّ دعا تعالى أصحاب الملل والنحل «المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين» إِلى الإِيمان الصادق وإخلاص العمل لله وساقه بصيغة الخبر فقال ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ المؤمنون أتباع محمد ﴿والذين هَادُواْ﴾ أتباع موسى ﴿والنصارى﴾ أتباع عيسى ﴿والصابئين﴾ قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ﴿مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾

54

أي من آمن من هذه الطوائف إِيمانًا صادقًا فصدَّق بالله، وأيقن بالآخرة ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي لهم ثوابهم عند الله لا يضيع منه مثقال ذرة ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب.

البَلاَغَة: أولًا: في إِضافة الرزق إِلى الله تعالى ﴿كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله﴾ تعظيمٌ للمنَّة والإِنعام وإِيماء إِلى أنه رزقٌ من غير تعب ولا مشقة.

ثانيًا: في التصريح بذكر الأرض ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض﴾ مبالغةٌ في تقبيح الفساد وقوله ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مؤكدة ووجه فصاحة هذا الأسلوب أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الأمر أو النهي لا يحوم حوله لبسٌ أو شك، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد فقوله ﴿مُفْسِدِينَ﴾ يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيدًا من أن يُغفل عنه أن يُنسى.

ثالثًا: قوله تعالى ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأرض﴾ المنبت الحقيقي هو الله سبحانه ففيه جاز يسم (المجاز العقلي) وعلاقته السببية لأن الأرض لما كانت سببًا للنبات أُسند إِليها.

رابعًا: قوله ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبَّة بمن ضربت عليه كما قال الشاعر:

إِن السماحة والمروءة والندى ... في قبَّة ضربت على ابن الحشرج

خامسًا: تقييد قتل الأنبياء بقوله ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ مع أن قتلهم لا يكون بحق البتَّة إِنما هو لزيادة التشنيع بقبح عدوانه.

الفوَائِد: الأولى: حكى المفسرون أقوالًا كثيرة في الحجر الذي ضربه موسى فجرت منه العيون ما هو؟ وكيف وصفه؟ وقد ضربنا صفحًا عن هذا الأقوال والذي يكفي في فهم معنى الآية أن واقعة انفجار الماء إِنما كان على وجه «المعجزة» وأن الحجر الذي ضربه موسى كان من الصخر الأصم الذي ليس من شأنه الانفجار بالماء، وهنا تكون المعجزة أوضح، والبرهان أسطع قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.

الثانية: فإِن قيل ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينًا؟ والجواب: أن قوم موسى كانوا كثيرين وكانوا في الصحراء، والناس إِذا اشتدت بهم الحاجة إِلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع، فأكمل الله هذه النعمة بأن عيّن لكل سبط منهم ماءً معينًا على عددهم لأنهم كانوا اثني عشر سبطًا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر والله أعلم.

الثالثة: ذهب بعض المفسرين إِلى أن المراد بالفوم في قوله ﴿وَفُومِهَا﴾ الحنطة والأرجح أن المراد به الثوم بدليل قراءة ابن مسعود ﴿وثومها﴾ وبدليل اقتران البصل بعده قال الفخر الرازي:

55

الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة، واستدل القرطبي على ذلك بقول حسان:

وأنتم أُناسٌ لئامُ الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل

يعني الثوم والبصل.

56

63

المنَاسَبَة: لمّا ذكرهم تعالى بالنعم الجليلة العظيمة، أردف ذلك ببيان ما حلَّ بهم من نقم، جزاء كفرهم وعصيانهم وتمردهم على أوامر الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا في السبت فمسخهم الله إِلى قردة، وهكذا شأن كل أمةٍ عتت عن أمر ربها وعصت رسله.

اللغَة: ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه، والمراد به هنا العمل بأحكام التوراة ﴿الطور﴾ هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بحزمٍ وعزم ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ التولي: الإِعراض عن الشيء والإِدبار عنه ﴿خَاسِئِينَ﴾ جمع خاسئ وهو الذليل المهين قال أهل اللغة: الخاسئ: الصاغر المبعد المطرود كالكلب إِذا دنا من الناس قيل له: اخسأ أي تباعد وانطرد صاغرًا. ﴿نَكَالًا﴾ النكال: العقوبة الشديدة الزاجرة ولا يقال لكل عقوبة نكالٌ حتى تكون زاجرة رادعة.

التفِسير: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أخذنا منكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ أي نتفناه حتى أصبح كالظلة فوقكم وقلنا لكم ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ أي اعملوا بما في التوراة بجد وعزيمة ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو رجاء منكم أن تكونوا من فريق المتقين ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾ أأعرضتم عن الميثاق بعد أخذه ﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي بقبول التوبة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلة ﴿لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين﴾ أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت﴾ أي عرفتم ما فعلنا بمن عصى أمرنا حين خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشرًا مع الذلة والإِهانة ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي المسخة ﴿نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها

56

وعاينها وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله سبحانه وتعالى.

البَلاَغَة: أولًا: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ فيه إِيجاز بالحذف أي قلنا لهم خذوا فهو كما قال الزمخشري على إرادة القول.

ثانيًا: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ خرج الأمر عن حقيقته إِلى معنى الإِهانة والتحقير، وقال بعض المفسرين: هذا أمر تسخيرٍ وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إِلى حقيقة القردة.

ثالثًا: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ كناية عمن أتى قبلها أو أتى بعدها من الأمم والخلائق، أو عبرة لمن تقدم ومن تأخر.

الفوَائِد: الأولى: قال القفال: إِنما قال ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ ولم يقل «مواثيقكم» لأنه أراد ميثاق كل واحدٍ منكم كقوله

﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] أي يخرج كل واحدٍ منكم طفلًا.

الثانية: قال بعض أهل اللطائف: كانت نفوس بني إِسرائيل من ظلمات عصيانها تخبط في عشواء حالكة الجلباب، وتخطر من غلوائها وعلوّها في حلتي كبرٍ وإِعجاب، فلما أُمروا بأخذ التوراة ورأوا ما فيها من أثقال ثارت نفوسهم فرفع الله عليهم الجبل فوجدوه أثقل مما كلِّفوه، فهان عليهم حمل التوراة قال الشاعر:

إِلى الله يُدعَى بالبراهينِ من أَبى فإِن لم يُجبْ نادته بيض الصَّوارم

الثالثة: إِنما خصَّ المتقين بإِضافة الموعظة إِليهم ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير قال تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين﴾ [الذاريات: 55] .

57