صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 50 - 60

43

43

المنَاسَبَة: لما أراد الله الفرج عن يوسف وإخراجه من السجن، رأى ملك مصر رؤيا عجيبة أفزعته، فجمع السحرةَ والكهنة والمنجمين وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله جميعًا ليكون ذلك سببًا في خلاص يوسف من السجن.

اللغَة: ﴿عِجَافٌ﴾ هزيلة ضعيفة جمع أعجف والأنثى عجفاء ﴿تَعْبُرُونَ﴾ التعبير: معرفة تفسير الرؤيا المنامية ﴿أَضْغَاثُ﴾ جمع ضِغث وهو الحزمة من الحشيش اختلط فيها اليابس بالرطب ﴿أَحْلاَمٍ﴾ جمع حُلم وهو ما يراه النائم ومعناه أخلاط منامات اختلط فيها الحق بالباطل ﴿وادكر﴾ تذكّر بعد النسيان ﴿دَأَبًا﴾ الدَّأب: الاستمرار على الشيء يقال: دأب على عمله فهو دائب أي استمر عليه ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تحرزون وتدخرون ﴿حَصْحَصَ﴾ ظهر وبان ﴿مَكِينٌ﴾ ذو مكانة رفيعة ﴿رِحَالِهِمْ﴾ جمع رحل وهو ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره ﴿نَمِيرُ﴾ نأتي لهم بالميرة وهي الطعام ﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾ تهلكوا جميعًا.

التفِسير: ﴿وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي قال ملك مصر إني رأيت في منامي سبع بقرات سمانٍ خرجت من نهرٍ يابسٍ، وفي أثرها سبع بقراتٍ هزيلة في غاية الهُزال فابتلعت العجافُ السمانّ ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ هذا من تتمة الرؤيا أي ورأيتُ أيضًا سبع سنبلاتٍ خضر قد انعقد حبُّها وسبعًا آُخر يابسات قد استحصدت، فالتوتْ اليابسات على الخضر فأكلنهنَّ ﴿ياأيها الملأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ أي يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي أخبروني عن تفسير هذه الرؤيا ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ أي إن كنتم تجيدون تعبيرها وتعرفون مغزاها ﴿قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾ أي أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها قال الضحاك: أحلامٌ كاذبة ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ﴾ أي ولسنا نعرف تأويل مثل هذه الأحلام الكاذبة ﴿وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي وقال نجا من السجن وهو الساقي وتذكّر ما سبق له مع يوسف بعد مدة طويلة ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أنا أخبركم عن تفسير هذه الرؤيا ممن عنده علم بتأويل المنامات ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فأرسلوني إليه لآتيكم بتأويلها، خاطب الملك بلفظ التعظيم قال ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة ولهذا قال فأرسلون ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ في الكلام محذوف دلَّ عليه السياق وتقديره: فأرسلوه فانطلق الساقي إلى السجن ودخل على يوسف وقال له: يا يوسف يا أيها الصِّديق وسمّاه صديقًا لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا التي رآها في السجن، والصدّيق مبالغةٌ من الصدق ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ أي أخبرنا عن

50

تأويل هذه الرؤيا العجيبة ﴿لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لأرجع إلى الملك وأصحابه وأخبرهم بها ليعلموا فضلك وعلمك ويخلصوك من محنتك قال الإِمام الفخر: وإنما قال ﴿لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ لأنه رأى عجز سائر المعبّرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضًا عنها فلهذا السبب قال لعلّي ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي تزرعون سبع سنين دائبين بجدٍ وعزيمة ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ أي فما حصدتم من الزرع فاتركوه في سنبله لئلا يسوّس ﴿إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي إلا ما أردتم أكله فادرسوه واتركوا الباقي في سنبله ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي ثمَّ يأتي بعد سنيّ الرخاء سبع سنين مجدبات ذات شدة وقحط على الناس ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي تأكلون فيها مما ادخرتم أيام الرخاء ﴿إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي إلا القليل الذي تدخرونه وتخبئونه للزراعة ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي ثم يأتي بعد سنيّ القحط والجدب العصيبة عام رخاء، فيه يُمطر الناس ويُغاثون، وفيه يعصرون الأعناب وغيرها لكثرة خصبه، قال الزمخشري: تأول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشّرهم بأن العام الثامن يجيء مباركًا خصيبًا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك من جهة الوحي ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ﴾ أي ولما رجع الساقي إلى الملك وعرض عليه ما عبَّر به يوسف رؤياه استحسن ذلك فقال: أحضروه لي لأسمع منه تفسيرها بنفسي ولأبصره ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرسول﴾ أي فلما جاء رسول الملك يوسف ﴿قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ﴾ أي قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي سلْه عن قصة النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن هل يعلم أمرهنَّ؟ وهل يدري لماذا حُبست ودخلت السجن؟ وأني ظُلمت بسببهنَّ؟ أبى عليه السلام أن يخرج من السجن حتى تُبرأ ساحته من تلك التهمة الشنيعة، وأن يعلم الناس جميعًا أنه حُبس بلا جرم ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أي إنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور وبما دبّرن من كيدٍ لي ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ جمع الملك النسوة ودعا امرأة العزيز معهن فسألهن عن أمر يوسف وقال لهن: ما شأنكن الخطير حين دعوتن يوسف غلى مقارفة الفاحشة؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء﴾ أي معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء، وهو تنزيهٌ له وتعجب من نزاهته وعفته ﴿قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق﴾ أي ظهر وانكشف الحق وبان بعد خفائه ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ أي أنا التي أغريتُه ودعوتُه

51

إلى نفسي وهو بريءٌ من الخيانة وصادقٌ في قوله «هي راودتني عن نفسي» وهذا اعتراف صريحٌ ببراءة يوسف على رءوس الأشهاد ﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ الأظهر أن هذا من كلام يوسف قاله لمّا وصله براءة النسوة له والمعنى ذلك الأمر الذي فعلتُه من ردّ الرسول حتى تظهر براءتي ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيبته بل تعففت عنها ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ أي لا يوفق الخائن ولا يسدّد خطاه ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ أي لا أزكي نفسي ولا أنزّهها، فإن النفس البشرية ميَّالة إلى الشهوات، قاله يوسف على وجه التواضع قال الزمخشري: أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيًا، وبحالها معجبًا ومفتخرًا ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي﴾ أي إلا من رحمه الله بالعصمة ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي ائتوني بيوسف اجعله من خاصتي وخلصائي، قال ذلك لمّا تحقق براءته وعرف عفته وشهامته وعلمه ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي فلما أتوا به وكلَّمه يوسف وشاهد الملك فضله، ووفور عقله، وحُسن كلامه قال إنك اليوم قريب المنزلة رفيع الرتبة، مؤتمنٌ على كل شيء ﴿قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض﴾ أي قال يوسف للملك اجعلني على خزائن أرضك ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي أمينٌ على ما استودعتني، عليمٌ بوجوه التصرف، وإنما طلب منه الولاية رغبةً في العدل، وإقامة الحق والإِحسان، وليس هو من باب التزكية للنفس، وإنما هو للإِشعار بحنكته ودرايته لاستلام وزارة الماليَّة ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ أي وهكذا مكنّا ليوسف في أرض مصر، وجعلنا له العزَّ والسلطان بعد الحبس والضيق ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ أي يتخذ منها منزلًا حيث يشاء ويتصرف في الممكلة كما يريد ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾ أي نخص بإِنعامنا وفضلنا من نشاء من عبادنا ﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ أي لا نضيع أجر من أحسن عمله وأطاع ربه بل نضاعفه له ﴿وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ أي أجر الآخرة وثوابها خير للمؤمنين المتقين من أجر الدنيا، وفيه إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يُدَّخر لهؤلاء المحسنين أعظم وأجلُّ من هذا النعيم العاجل في الدنيا ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي دخلوا على يوسف فعرف أنهم إخوته ولكنهم لم يعرفوه لهيبة المُلْك، وبُعْد العهد، وتغير الملامح قال ابن عباس: كان بين إلقائه في الجب وبين دخولهم عليه اثنتان وعشرون سنة فلذا أنكروه، وكان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم بسبب القحط الذي عمَّ البلاد، فخرجوا إلى مصر ليشتروا من الطعام الذي ادخره يوسف، فلما دخلوا على يوسف قال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: جئنا للميرة، قال: لعلكم عيونٌ «جواسيس» علينا؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبيُّ الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا وهلك في البرية - وكان أحبَّنا إليه - وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلّى به عنه وجئنا نحن العشرة، فأمر بإنزالهم وإكرامهم ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أي

52

هيأ لهم الطعام والميرة وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم ﴿قَالَ ائتوني بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ أي ائتوني بأخيكم بنيامين لأصدقكم ﴿أَلاَ تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل﴾ أي ألا ترون أني أتم الكيل من غير بخسٍ ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ أي خير من يكرم الضيفان وخير المضيفين لهم، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ أي إن لم تأتوني بأخيكم فليس لكم عندي بعد اليوم ميرة، ولا تقربوا بلادي مرة ثانية، رغبهم ثم توعدهم قال في البحر: والظاهر أن كل ما فعله يوسف عليه السلام كان بوحيٍ من الله وإلا فمقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكنَّ الله أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته، ولتتفسَّر الرؤيا الأولى ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي سنخادعه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في طلبه منه، وإنّا لفاعلون ذلك ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ أي قال يوسف لغلمانه الكيالين اجعلوا المال الذي استروا به الطعام في أوعيتهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ﴾ أي لكي يعرفوها إذا رجعوا إلى أهلهم وفتحوا أوعيتهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يرجعون إلينا إذا رأوها، فإنه علم أنَّ دينهم يحملهم على رد الثمن لأنهم مطهّرون عن أكل الحرام فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل﴾ أي فلما عادوا إلى أبيهم قالوا له - قبل أن يفتحوا متاعهم - يا أبانا لقد أُنذرنا بمنع الكيل في المستقبل إن لم نأت بأخينا بنيامين، فإنَّ ملك مصر ظنَّ أننا جواسيس وأخبرناه بقصتنا فطلب أخانا ليتحقق صدقنا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي أرسل معنا أخانا بنيامين لنأخذ ما نستحقه من الحبوب التي تُكال لنا ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي نحفظه من أن يناله مكروه ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ أي قال لهم يعقوب: كيف آمنكم على بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم بعد أن ضمنتم لي حفظه، ثمَّ خنتم العهد؟ فأًخاف أن تكيدوا له كما كدتم لأخيه؟ فأنا لا أثق بكم ولا بحفظكم، وإنما أثق بحفظ الله ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظًا﴾ أي حفظ الله خيرٌ من حفظكم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ أي هو أرحم من والديه وإخوته، فأرجوأن يمُنَّ عليَّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ أي ولما فتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة وجدوا ثمن الطعام في متاعهم ﴿قَالُواْ ياأبانا مَا نَبْغِي﴾ أي ماذا نبغي؟ وأيَّ شيءٍ نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ ﴿هذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ أي هذا ثمن الطعام قد ردّ إلينا من حيث لا ندري، فهل هناك مزيدٌ فوق هذا الإِحسان، أوفى لنا الكيل، وردَّ لنا الثمن!! أرادوا بذلك استنزال أبيهم عن رأيه ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نأتي بالميرة والطعام لأهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ أي نحفظه من المكاره، وكرروا حفظ الأخ مبالغةً في الحض على إرساله ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي ونزداد باستصحابنا له حمل بعير، روي أنه ما كان يعطي الواحد إلا كيل بعير من الطعام، فأعطاهم حمل عشرة جمال ومنعهم الحادي عشر حتى يحضر أخوهم ﴿ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي سهلٌ على الملك إعطاؤه لسخائه ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ الله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي قال لهم أبوهم: لن أرسل معكم بنيامين إلى مصر حتى تعطوني عهدًا مؤكدًا وتحلفوا بالله لترُدنه عليَّ ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾

53

أي إلا أن تُغلبوا فلا تقدّروا على تخليصه، ولا يبقى لكم طريق أو حيلة إلى ذلك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلُّكم فيكون ذلك عذرًا عندي ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي فلما حلفوا له وأعطوه العهد المؤكد ﴿قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي الله شهيد رقيب على ذلك ﴿وَقَالَ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ أي لا تدخلوا مصر من بابٍ واحد قال المفسرون: خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمالٍ وهيبة، والعينُ حقٌ تُدخل الرجلَ القبرَ، والجملَ القِدر كما جاء في الحديث ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئًا مما قضاه الله عليكم، فإن الحذَر لا يدفع القدر ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ﴾ أي ما الحكم إلا لله جلَّ وعلا وحده لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي عليه وحده اعتمدت وبه وثقت ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ أي وعليه فليعتمدْ أهل التوكل والإيمان، ولْيفوضوا أمورهم إليه ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ أي دخلوا من الأبواب المتفرقة كما أوصاهم أبوهم ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ أي ما كان دخولهم متفريقن ليدفع عنهم من قضاء الله شيئًا ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أي إلا خشية العين شفقةً منه على بنيه ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي وإن يعقوب لذو علمٍ واسع لتعليمنا إياه بطريق الوحي، وهذا ثناءٌ من الله تعالى عظيمٌ على يعقوب، لأنه علم بنور النبوة أن القدر لا يدفعه الحذر ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون ما خصَّ الله به أنبياءه وأصفياءه من العلوم التي تنفعهم في الدارين.

البَلاغَة: 1 - ﴿إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية.

2 - ﴿سِمَانٍ ... وعِجَافٌ﴾ بينهما طباقٌ وكذلك بين ﴿خُضْرٍ ... ويَابِسَاتٍ﴾ طباقٌ.

3 - ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾ هذا من أَبلغ أَنواع الاستعارة وألطفها فإن الأضغاث هو المختلط من الحشيش المضموم بعضه إِلى بعض، فشبه اختلاط الأحلام وما فيها من المحبوب والمكروه، والخير والشر باختلاط الحشيش المجموع من أصناف كثيرة.

4 - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ هذا من براعة الاستهلال فقد قدَّم الثناء قبل السؤال طمعًا في إجابة مطلبه.

5 - ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ فيه مجاز عقلي لأن السنين لا تأكل وإنما يأكل الناس ما ادَّخروه فيها، فهو من باب الإِسناد إلى الزمان كقول الفصحاء: نهارُ الزاهدِ صائم وليلُه قائم.

6 - ﴿لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ لم يقل آمرة مبالغة في وصف النفس بكثرة الدفع في المهاوي، والقود إلى المغاوي لأن «فعّال» من أبنية المبالغة.

7 - ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ بين عرف وأنكر طباقٌ.

8 - ﴿لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ فيه إطناب وهو زيادة اللفظ على المعنى، وفائدتُه تمكين المعنى من النفس، وفيه أيضًا من المحسنات البديعية ما يسمى «طباق السلب» .

فَائِدَة: أثنى رسول اله ﷺ َ على يوسف الصدِّيق في كرمه وصبره وحلمه فقال: «لو لبثتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ لأجبتُ الداعي» وكفى بهذا برهانًا على عفة يوسف ونزاهته عليه السلام.

54

لطيفَة: ذكر بعض العلماء أن يوسف عليه السلام ما زال النساء يملن إِليه ميل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبتُه كل من رآه عن حسنه.

55

69

المنَاسَبَة: تتحدث الآيات عن مجيء إخوة يوسف للمرة الثانية إلى مصر ومعهم «بنيامين» الأخ الشقيق ليوسف، وما كان من شأنه حين ظهر الصواع في رحله، فاحتجزه يوسف عنده بحكم شريعة يعقوب، ثم ما كان من تمام المحنة على يعقوب عليه السلام بفقد ولديه حتى ذهب الحزن ببصره.

اللغَة. ﴿تَبْتَئِسْ﴾ تحزن ﴿العير﴾ الإِبل التي عليها الأحمال ثم كثر الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عيرٌ ﴿صُوَاعَ﴾ الصُواع: الصاع الذي يكال به يُذكَّر ويؤنَّث وهو السقاية ﴿زَعِيمٌ﴾ كفيل ﴿سَوَّلَتْ﴾ زيَّنت وسهَّلت ﴿كَظِيمٌ﴾ ممتلئ من الحزن يكتمه ولا يبديه ﴿تَفْتَؤُاْ﴾ لا تفتأ ولا تزال من أخوات كان الناقصة ﴿حَرَضًا﴾ الحَرَض: المَرَض الذي يُشْفي على الهلاك قال الشاعر:

سَرَى همِّي فأَمْرضني ... وقِدْمًا زَادَنِي مَرَضًا

كذاك الحُبُّ قبلَ اليَو ... مِ ممّا يُورِثُ الحَرَضا

وأصل الحَرَض الفساد في الجسم أو العقل ﴿بَثِّي﴾ البثُّ: أشد الغمّ والهمّ ﴿فَتَحَسَّسُواْ﴾ التحسُّسُ: طلب الشيء بالحواس، والتعرُّفُ عليه مع الاستقصاء الدقيق ويستعمل في الخير كما أن التجسُّس يستعمل في الشر، وقيل يستعمل في الخير والشر ﴿لاَ تَثْرِيبَ﴾ التثريبُ: التأنيب والتوبيخ.

التفسِير: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ﴾ أي وحين دخل أولاد يعقوب على يوسف ﴿آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي ضمَّ إليه أخاه الشقيق بنيامين ﴿قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ﴾ أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك واستكتمه ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا تحزنْ بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا بخير قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه أكرمهم وأحسن ضيافتهم ثم أنزل كل اثنين في بيت وبقي «بنيامين» وحيدًا فقال: هذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويعانقه، وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تحزن بما صنعوا، ثم أعمله أنه سيحتال لإبقائه عنده وأمره أن يكتم الخبر ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي ولمّا قضى حاجتهم وحمَّل إبلهم بالطعام والميرة ﴿جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ أي أمر يوسف بأن تُجعل السقاية - وهي صاعٌ مرصَّعٌ بالجواهر - في متاع أخيه بنيامين ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي نادى منادٍ ﴿أَيَّتُهَا العير﴾ أي يا أصحاب الإبل ويا أيها الركب المسافرون ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ أي أنتم قوم سارقون، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ قال المفسرون: لما وصل المنادون إليهم قالوا: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم؟ ونوفّ إليكم الكيل؟ ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتّهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فُقد؟ وفي قولهم ﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ بدل «ماذا سرَقْنا» إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسن الأدب، وعدم المجازفة بنسبة البريئين إلى تهمة السرقة، ولهذا التزموا الأدب معهم فأجابوهم ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك﴾ أي ضاع منا مكيال الملِك المُرصَّع بالجواهر ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعيرٍ

56

من الطعام كجائزة له ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي أنا كفيلٌ وضامنٌ بذلك ﴿قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض﴾ قسمٌ فيه معنى التعجب أي قالوا متعجبين: والله لقد علمتم أيها القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي ولسنا ممن يُوصف بالسرقة قطُّ لأننا أولاد أنبياء ولا نفعل مثل هذا الفعل القبيح قال البيضاوي: استَشْهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم، كردّ البضاعة التي جُعلت في رحالهم، وككمِّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعًا أو طعامًا لأحد ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ادعاء البراءة ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يُسترقَّ ويصبح مملوكًا لمن سَرَق منه ﴿كذلك نَجْزِي الظالمين﴾ أي كذلك نجازي من تعدَّى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في شريعة يعقوب وقد نسخ بقطع الأيدي في الشريعة الإِسلامية ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ أي بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة فإنهم لما ادعوا البراءة قال لهم: لا بدَّ من تفتيش أوعيتكم واحدًا واحدًا فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء «بنيامين» قال قتادة: ذُكر لنا أنه كان لا يفتح متاعًا ولا ينظر وعاءً إلا استغفر الله مما قذفهم به، حتى بقي أخوه - وكان أصغرَ القوم فقال: ما أظنُّ هذا أخذ شيئًا فقالوا: والله لا نتركُك حتى تنظر في رَحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه فذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ أي استخرج الصواع من متاع أخيه بنيامين، فلما أخرجها منه نكَّس الإِخوةُ رءوسَهم من الحياء، وأقبلوا عليه يلومونه ويقولون له فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل ﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك﴾ أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضعفَ ما سَرَق ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ أي إلا بمشيئته تعالى وإذنه، وقد دلّت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ أي نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا ما رفعنا يوسف ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل عالمٍ من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى ذي العلم البالغ وهو ربُّ العالمين قال الحسن: ليس عالمٌ إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله وقال ابن عباس: الله العليم الخبير فوق كل عالم ﴿قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي إن سرق فقد سرق أخوه الشقيق من قبله يعنون يوسف، تنصّلوا من السرقة ورموا بها يوسف وأخاه ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي أخفى تلك القولة في نفسه وكتمها ولم يُظهرها لإِخوته تلطفًا معهم ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ أي أنتم شرٌ منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء، ولم يواجههم بهذا الكلام وإنما قاله في نفسه ﴿والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي أعلم بما تتقوّلوا وتفترون ﴿قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ استرحامٌ واستعطافٌ أي قالوا مستعطفين يا أيها السيد المبجَّل إنَّ أباه شيخ كبير في السِّن لا يكاد يستطيع فراقه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي خذْ بدله

57

واحدًا منا فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ أي أتممْ إحسانك علينا فقد عودتنا الجميل والإحسان ﴿قَالَ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ أي نعوذ بالله من أن نأخذ أحدًا بجرم غيره ﴿إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ أي نكون ظالمين إن فعلنا ذلك قال الألوسي: والتعبير بقوله ﴿مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ بدل «من سَرَقَ» لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ أي ولما يئسوا من إجابة طلبهم يأسًا تامًا، وعرفوا أن لا جدوى من الرجاء، اعتزلوا جانبًا عن الناس يتناجون ويتشاورون ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِّنَ الله﴾ أي قال أكبرهم سنًا وهو «روبيل» أليس قد أعطيتم أباكم عهدًا وثيقًا بردِّ أخيكم؟ ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أي ومن قبل هذا ألا تذكرون تفريطكم في يوسف؟ فكيف ترجعون إليه الآن؟ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي﴾ أي فلن أفارق أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالخروج منها ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ أي يحكم لي بخلاص أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ أي وهو سبحانه أعدل الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق ﴿ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأبانا إِنَّ ابنك سَرَقَ﴾ أي ارجعوا إلى أبيكم فأخبروه بحقيقة ما جرى وقولوا له إن ابنك بنيامين سَرَق ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي ولسنا نشهد إلا بما تيقنا وعلمنا فقد رأينا الصاع في رَحْله ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ أي واسأل أهل مصر عن حقيقة ما حدث قال البيضاوي: أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة ﴿والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي واسأل أيضًا القافلة التي جئنا معهم وهم قوم من كنعان كانوا بصحبتهم في هذه السفرة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي صادقون فيما أخبرناك من أمره ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زيَّنتْ وسهَّلت لكم أنفسكم أمرًا ومكيدةً فنفذتموها، اتهمهم بالتآمر على «بنيامين» لما سبق منهم في أمر يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي لا أجد سوى الصبر محتسبًا أجري عند الله ﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أي عسى أن يجمع الله شملي بهم، ويقرّ عيني برؤيتهم جميعًا ﴿إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ أي العالم بحالي الحكيم في تدبيره وتصريفه ﴿وتولى عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن أولاده كراهة لما سمع منهم ﴿وَقَالَ ياأسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ أي يا لهفي ويا حسرتي وحزني على يوسف ﴿وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن﴾ أي فقد بصره وعشي من شدة البكاء حزنًا على ولديه ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مملوء القلب كمدًا وغيظًا ولكنه يكتم ذلك في نفسه، وهو مغموم ومكروب لتلك الداهية الدهياء قال أبو السعود: وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن ذكر يوسف كان آخذًا بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقًا بحياتهما طامعًا في إيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله وقال الرازي: الحزن الجديد يقوّي الحزن القديم الكامن في النفس، والأسى

58

يبعث الأسى ويثير الأحزان قال الشاعر:

فقلت له إن الأسى يبعث الأسى ... فدعْني فهذا كله قبر مالك

﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي لا تفتأ ولا تزال تذكر يوسف وتتفجع عليه ﴿حتى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ أي حتى تكون مريضًا مشرفًا على الهلاك أو تهلك أسىً وحسرة وتموت ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ أي قال لهم يعقوب: لستُ أشكو غميّ وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى الله فهو الذي تنفع الشكوى إليه ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب ﴿يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم منه فالتمسوا يوسف وتعرّفوا على خبره وخبر أخيه بحواسكم ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله﴾ أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ أي فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جلَّ وعلا ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ في الكلام محذوف أي فخرجوا راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف فلما دخلوا قالوا يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الشدة من الجدب والقحط ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ أي وجئنا ببضاعة رديئة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارًا قال ابن عباس: كانت دراهمهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، أظهروا له الذل والانكسار استرحامًا واستعطافًا ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكيل﴾ أي أتمم لنا الكيل ولا تنقصْه لرداءة بضاعتنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ أي بردّ أخينا إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة ﴿إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ أي يثيب المحسنين أحسن الجزاء.

. ولما بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار أدركته الرأفة فباح لهم بما كان يكتمه من أمره ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾؟ أي هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم؟ والغرض تعظيم الواقعة كأنه يقول: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه! قال أبو السعود: وإنما قاله نصحًا لهم، وتحريضًا على التوبة، وشفقةً عليهم ﴿قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ أي قال إخوته متعجبين مستغربين: أأنت يوسف حقًا؟ ﴿قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي﴾ أي قال: نعم أنا يوسف وهذا أخي الشقيق ﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ﴾ أي منَّ علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ أي لا يبطل أجرهم ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه أوفى الجزاء قال البيضاوي: ووضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر ﴿قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا﴾ اعترافٌ بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضَّلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم والحلم ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي وحالُنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزَّك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم﴾ أي قال لهم يوسف:

59

لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصح وأعفو ﴿يَغْفِرُ الله لَكُمْ﴾ دعاءٌ لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي﴾ قال الطبري: ذُكر أن يوسف لمّا عرَّف نفسه إخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يرجع إليه بصره ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب.

البَلاَغَة: 1 - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق وكذلك في ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ .

2 - ﴿فَأَسَرَّهَا ... وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ بينهما طباق.

3 - ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فيه إطناب للاستعطاف.

4 - ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية.

5 - ﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ بين لفظتي الأسف ويوسف جناس الاشتقاق.

6 - ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ﴾ إِيجاز بالحذف أي تالله لا تفتأ.

7 - ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله﴾ فيه استعارة استعير الرَّوْح وهو تنسيم الريح التي يلذُّ شميمها ويطيب نسيمها، للفَرَج الذي يأتي بعد الكربة، واليُسر الذي يأتي بعد الشدة.

لطيفَة: ذكر القاضي عياض في كتابه «الشفا» أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وذلك أن الآية ذكرت صفة اعتزالهم لجميع الناس، وانفرادهم من غيرهم، وتقليبهم الآراء ظهرًا لبطن، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث، فتضمنت تلك الآية القصيرة، معاني القصة الطويلة.

60