صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 103 - 115

45

45

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم «لوط، وشعيب، وصالح» تسلية لرسول الله ﷺ َ ليتأسى بهم في الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ببشارته عليه السلام بإهلاك أعدائه المستهزئين.

اللغَة: ﴿نَصَبٌ﴾ تعب وإعياء ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون فزعون ﴿الغابرين﴾ الباقين في العذاب ﴿القانطين﴾ القنوط: كمالُ اليأس ﴿تَفْضَحُونِ﴾ الفضيحةُ: أن يُظهر من أمره ما يلزمه به العارُ، يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر:

ولاح ضوءُ هلالٍ كاد يفضحنا ... مثلُ القلامةِ قد قُصَّت من الظُّفُر

﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسمٌ بحياة محمد ﷺ َ أي وحياتك ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾ السكرة: الغواية والضلالة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون تحيرًا أو يعمون عن الرشد. والعَمه للقلب مثل العمى للبصر ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ التوسُّم من الوَسم وهي العلامة التي يستدل بها على المطلوب يقال: توسَّم فيه الخير إذا رأى فيه أثرًا منه قال ابن رواحة في رسول الله ﷺ َ:

إني توسَّمتُ فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابتُ البصر

وأصله التثبتُ والتفكر مثل التفرس وفي الحديث «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» {}

103

﴿الأيكة﴾ الشجرة الملتفَّة وجمعها أيْك ﴿الحجر﴾ اسم واد كانت تسكنه ثمود ﴿عِضِينَ﴾ أجزاءٌ متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق ﴿اليقين﴾ الموت لأنه أمر متيقن.

سَبَبُ النّزول: روي «أن النبي ﷺ َ خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنةُ والنار؟ فشقَّ ذلك عليهم فنزلت ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾» .

التفسِير: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ أي يقال لهم: أُدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء ﴿إِخْوَانًا على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي حال كونهم إخوةً متحابين لا يكدّر صفوهم شيء، على سررٍ متقابلين وجهًا لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض زيادةً في الانس والإِكرام، وقال ابن عباس: على سررٍ من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت والزبرجد ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي لا يصيبهم في الجنة إعياءٌ وتعب ﴿وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ أي لا يُخرجون منها ولا يُطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ أي وأخبرهم أنَّ عذابي شديد لمن أصرَّ على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله ﴿وَأَنَّ عَذَابِي﴾ في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذّب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا﴾ أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام با.

. . العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن

104

يخلق بشرًا من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون﴾ أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرامُ؟ ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين ﴿إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال القرطبي: استثنى من آل لوطٍ امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ أي فلما أتى رسلُ الله لوطًا عليه السلام ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي قالوا له بل نحن رسل الله، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اليل﴾ أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل ﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ أي لا يتلفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل قال ابن عباس: يعني الشام ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعًا في ارتكاب الفاحشة بهم، ظنًا منهم أنهم أناسٌ أمثالهم قال المفسرون: أُخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوطٍ شبانًا مردًا حسانًا فأسرعوا فرحين يبشّر بعضهم بعضًا بأضياف لوط ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ﴾ أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتُلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ أي خافوا الله أن يحلَّ بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحدٍ من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ ﴿قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي هؤلاء النساء فتزوجوهنَّ ولا تركنوا إلى الحرام

105

إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله ﴿بَنَاتِي﴾ بناتُ أمته لأن كل نبيٍّ يعتبر أبًا لقومه ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسمًا بحياة الرسول ﷺ َ تكريمًا له وتشريفًا قال ابن عباس: «ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرمَ على الله من محمد ﷺ َ وما سمعتُ اللهَ أقسم بحياة أحدٍ غيره» ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُشْرِقِينَ﴾ أي أخذتهم صيحةُ العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم واقتعلها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي فيما حلَّ بهم من الدمار والعذاب للدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريقٍ ثابتٍ لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لعبرةً للمصدّقين ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ﴾ أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - لظالمين بتكذيبهم شعيبًا، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان ﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظُلَّة قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها نارًا فأحرقتهم جميعًا ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيَّهم صالحًا - والحجرُ وادٍ بين المدينة والشام وآثاره باقية يمرُّ عليها المسافرون - قال البيضاوي: ومن كذَّب واحدًا من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال ﴿المرسلين﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتَّعظون قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجُها من الصخرة، ودنوُّ ولادتها عند خروجها، وعظمُ خَلْقها فلم تشبهها ناقة، وكثرةُ لبنها حتى كان يكفيهم جميعًا فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتًا آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ﴾ أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي ما دفع عنهم عذابَ الله ما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ أي وما خلقنا الخلائق كلَّها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقًا ملتبسًا بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد ﴿وَإِنَّ﴾

106

﴿الساعة لآتِيَةٌ فاصفح الصفح الجميل﴾ أي وإن القيامة لآتيةٌ لا محالة فيُجازى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم﴾ أي الخالق لكل شيء، العليمُ بأحوال العباد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المثاني﴾ أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنّى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث

«الحمدُ للهِ رب العالمين هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه» وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح ﴿والقرآن العظيم﴾ أي وآتيناك القرآن العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى - ﷺ َ - ﷺ َ mp;﴾

﴿1648 - ; مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم منها وأشرف وأكرم، وكفى بإِنزال القرآن عليك نعمة ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تحزن لعدم إيمانهم ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تواضعْ لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم ﴿وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين﴾ أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من عذاب الله، الواضح البيِّن في الإِنذار لمن عصى أمر الجبار ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين﴾ الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين ﴿الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ﴾ أي جعلوا القرآن أجزاءٌ متفرقة وقالوا فيه أقوالًا مختلفة قال ابن عباس: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ َ عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي فأقسمُ بربك يا محمد لنسألنَّ الخلائق أجميعن عما كانوا يعملون في الدنيا ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول المشركون ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين﴾ أي كفيناك شرَّ أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش ﴿الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ أي الذين أشركوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين﴾ أي فافزع فيما نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإِكثار من ذكر الله ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك الموت، سمي يقينًا لأنه متيقن الوقوع والنزول.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - الإِيجاز بالحذف في ﴿ادخلوها بِسَلامٍ﴾ أي يقال لهم أدخلوها.

2 - المقابلة اللطيفة في ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ مع الآية بعدها ﴿وَأَنَّ عَذَابِي﴾ فقد قابل بين العذاب والمغفرة وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات البديعية.

3 - الكناية في ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ كنَّى به عن عذاب الاستئصال.

4 - المجاز في ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازًا

107

وهو لله وحده وذلك لما لهم من القرب والاختصاص لأنهم رسل الله أُرسلوا بأمره تعالى.

5 - الجناس الناقص في ﴿الصيحة مُصْبِحِينَ﴾ وجناس الاشتقاق في ﴿فاصفح الصفح﴾ .

6 - صيغة المبالغة في ﴿الغفور الرحيم﴾ وفي ﴿الخلاق العليم﴾ .

7 - الطباق في ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ .

8 - السجع بلا تكلف في مواطن عديدة مثل ﴿آمِنِينَ، مُّصْبِحِينَ، مُعْرِضِينَ﴾ .

9 - عطف العام على الخاص في ﴿سَبْعًا مِّنَ المثاني والقرآن العظيم﴾ .

10 - الاستعارة التبعية في ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث شبّه إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كلٍ واستعير اسم المشبَّه به للمشبَّه، وهذا من بليغ الاستعارات لأن الطائر إذا كف عن الطيران خفض جناحيه.

تنبيه: الجمع بين هذه الآية ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وبين قوله ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] وقوله ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: 39] أن القيامة مواطن، فموطنٌ يكون فيه سؤال وكلام، وموطنٌ لا يكون ذلك فيه، هذا قول عكرمة، وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟

108

النحل

1

اللغَة: ﴿نُّطْفَةٍ﴾ النطفة الماء المهين الذي يتكون منه الإِنسان، مِن نطَف إذا قطر ﴿دِفْءٌ﴾ الدفء: ما يستدفئ به الإِنسان من البرد ﴿تُرِيحُونَ﴾ الرَّواح: رجوع المواشي بالعشي من المرعى ﴿تَسْرَحُونَ﴾ السَّراح: الخروج بها صباحًا إلى المرعى ﴿أَثْقَالَكُمْ﴾ الأثقال: الأمتعة جمع ثقل سميت أثقالًا لأنها ثقيلة الحمل ﴿جَآئِرٌ﴾ مائل عن الحق ﴿تُسِيمُونَ﴾ أسام الماشية تركها ترعى، وسامت هي إذا رعت حيث شاءت فهي سائمة ﴿ذَرَأَ﴾ خلق وأبدع ﴿مَوَاخِرَ﴾ أصل المخْر شقُّ الماء عن يمين وشمال يقال: مخرت السفينةُ إِذا جرت تشق الماء مع صوت ﴿تَمِيدَ﴾ تضطرب.

110

سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إنَّ محمدًا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد: ما نرى شيئًا مما تُخَوِّفنا به فأنزل الله تعالى ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ...﴾ الآية.

التفسِير: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قرب قيام الساعة فلا تستعجلوا العذاب الذي أوعدكم به محمد، وإنما أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوع الأمر وقربه، قال الرازي: لما كان واجب الوقوع لا محالة عبّر عنه بالماضي كما يقال للمستغيث: جاءك الغوثُ فلا تجزع ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه الله عما يصفه به الظالمون، وتقدس عن إشراكهم به غيره من الأنداد والأوثان ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي يُنزّل الملائكة بالوحي والنبوة بإِرادته وأمره ﴿على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي على الأنبياء والمرسلين، وسمَّى الوحي روحًا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان ﴿أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون﴾ أي بأن أنذروا أهل الكفر أنه لا معبود إلا الله فخافوا عذابي وانتقامي، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ أي خلقهما بالحق الثابت، والحكمة الفائقة، لا عبثًا ولا جُزافًا ﴿تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تمجَّد وتقدَّس عن الشريك والنظير ﴿خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي خلق هذا الجنس البشري من نطفةٍ مهينة ضعيفة هي المنيُّ ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ أي فإِذا به بعد تكامله بشرًا مخاصمٌ لخالقه، واضح الخصومة، يكابر ويعاند، وقد خُلق ليكون عبدًا لا ضدًا قال ابن الجوزي: لقد خُلق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأوله على آخره، وبأن من قدر على إيجاده أولًا قادرٌ على إِعادته ثانيًا؟ ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ أي وخلق الأنعام لمصالحكم وهي الإِبل والبقر والغنم ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي لكم فيها ما تستدفئون به من البرد مما تلبسون وتفترشون من الأصواف والأوبار ﴿وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي ولكم فيها منافع عديدة من النسل والدر وركوب الظهر، ومن لحومها تأكلون وهو من أعظم المنافع لكم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي ولكم في هذه الأنعام والمواشي زينةٌ وجمالٌ حين رجوعها عشيًا من المرعى، وحين غُدوّها صباحًا لترعى، جمال الاستمتاع بمنظرها صحيحةً سمينةً فارهة ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس﴾ أي وتحمل أحمالكم الثقيلة وأمتعتكم التي تعجزون عن حملها إلى بلدٍ بعيد لم تكونوا لتصلوا إليه إلا بجهدٍ ومشقة ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إنَّ ربكم أيها الناس الذي سخَّر لكم هذه الأنعام لعظيمُ الرأفة والرحمة بكم ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي وخلق الخيل والبغال والحمير للحمل والركوب وهي كذلك زينة وجمال ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجدُّ به الزمان وهو من تعليم الله

111

للإِنسان ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ أي وعلى الله جل وعلا بيانُ الطريق المستقيم، الموصل لمن يسلكه إلى جنات النعيم ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أي ومن هذه السبيل طريقٌ مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه، لا يوصل سالكه إلى الله وهو طريق الضلال، كاليهودية والنصرانية والمجوسية ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لو شاء أن يهديكم إلى الإيمان لهداكم جميعًا ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن يدع للإِنسان حرية الاختيار

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] ليترتب عليه الثواب والعقاب، ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام، شرع في ذكر سائر النعم العظام وآياته المنبثة في الكائنات فقال ﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً﴾ أي أنزل المطر بقدرته القاهرة من السحاب ﴿لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ﴾ أي أنزله عذبًا فراتًا لتشربوه فتسكن حرارة العطش ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي وأخرج لكم منه شجرًا ترعون فيه أنعامكم ﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب﴾ أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها ﴿وَمِن كُلِّ الثمرات﴾ أي ومن كل الفواكه والثمار يخرج لكم أطايب الطعام ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في إنزال الماء وإخراج الثمار لدلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقومٍ يتدبرون في صنعه فيؤمنون قال أبو حيان: ختم الآية بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وُضعت في الأرض ومرَّ عليها زمن معيَّن لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيُشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرةٌ أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسامٍ مختلفة الطبائع والألوان والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادرٍ مختار وهو الله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر﴾ أي ذلّل الليل والنهار يتعاقبان لمنامكم ومعاشكم، والشمس والقمر يدوران لمصالحكم ومنافعكم ﴿والنجوم مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ أي والنجومُ تجري في فلكها بأمره تعالى لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إن في ذلك الخلق والتسخير لدلائل باهرة عظيمة، لأصحاب العقول السليمة ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة، من الحيوانات والنباتات، والمعادن والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وخواصها ومنافعها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لعبرةً لقومٍ يتعظون ﴿وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر﴾ أي وهو تعالى - بقدرته ورحمته - ذلّل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه والغوص في أعماقه ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أي لتأكلوا من البحر السمك الطريَّ الذي تصطادونه ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي وترى السفن

112

العظيمة تشق عُباب البحر جاريةً فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي سخر لكم البحر لتنتفعوا بما ذُكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معايشكم بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل إفضاله ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي نصب فيها جبالًا ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم وتميل قال أبو السعود: إن الأرض كانت كرةً خفيفة قبل أن تُخلق فيها الجبال، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب فلما خُلقت الجبال توجهت بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لها ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي وجعل فيها أنهارًا وطرقًا ومسالك لكي تهتدوا إلى مقاصدكم ﴿وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار، وبالنجوم يهتدون ليلًا في البراري والبحار قال ابن عباس: العلامات معالمُ الطرق بالنهار وبالنجم هم يهتدون بالليل ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ الاستفهام إنكاري أي أتسوّون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الجليلة، وبين من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره؟ أتشركون هذا الصنم الحقير مع الخالق الجليل؟ وهو تبكيت للكفرة وإِبطالٌ لعبادتهم الأصنام ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفلا تتذكرون فتعرفون خطأ ما أنتم فيه من عبادة غير الله؟ وهو توبيخٌ آخر ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ أي إن تعدوا نعم الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها فضلًا عن أن تطيقوا شكرها ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي غفور لما صدر منكم من تقصير رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم ما تخفونه وما تظهرونه من النوايا والأعمال وسيجازيكم عليها ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي والذين يعبدونهم من دون الله كالأوثان والأصنام لا يقدرون على خلق كل شيء أصلًا والحال أنهم مخلوقون صنعهم البشر بأيديهم، فكيف يكونون آلهة تعبد من دون الله؟ ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ أي وتلك الأصنام أمواتٌ لا أرواح فيها، لا تسمع ولا تبصر لأنها جمادات لا حياة فيها، فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها لما فيكم من الحياة؟ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي ما تشعر هذه الأصنام متى يبعث عابدوها، وفيه تهكم بالمشركين لأنهم عبدوا جمادًا لا يحس ولا يشعر ﴿إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحدٌ لا شريك له ﴿فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ أي فالذين لا يصدّقون بالبعث والجزاء قلوبهم تنكر وحدانية الله عز وجل ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق بعدما سطعت دلائله ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي حقًا إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم يعلم ما يخفون وما يظهرون ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ أي المتكبرين عن التوحيد والإِيمان ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي وإِذا سئل هؤلاء الجاحدون أيَّ شيء أنزل ربكم على رسوله ﷺ َ؟ ﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي قالوا على سبيل الاستهزاء: ما أنزله ليس إلا خرافات وأباطيل الأمم السابقين ليس بكلام رب العالمين قال المفسرون: كان المشركون يجلسون على مداخل مكة يُنفّرون عن رسول الله ﷺ َ إذا

113

سألهم وفود الحاج ماذا أُنزل على محمد؟ قالوا أباطيل وأحاديث الأولين ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة﴾ أي قالوا ذلك البهتان ليحملوا ذنوبهم كاملةً من غير أن يُكفَّر منها شيء ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي وليحملوا ذنوب الأتباع الذين أضلوهم بغير دليلٍ أو برهان، فقد كانوا رؤساء يُقتدى بهم في الضلالة ولذلك حملوا أوزارهم وأوزار من أضلوهم ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ألاَ للتنبيه أي فانتبهوا أيها القوم بئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم، والمقصودُ المبالغة في الزجر ﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي مكر المجرمون بأنبيائهم وأرادوا إطفاء نور الله من قبل كفار مكة، وهذا تسلية له ﷺ َ ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه، وهذا تمثيلٌ لإِفساد ما أبرموه من المكر بالرسل ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي فسقط عليهم سقف بنيانهم فتهدّم البناء وماتوا ﴿وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي جاءهم الهلاك والدمار من حيث لا يخطر على بالهم، والآية مشهد كاملٌ للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله ويحسبون مكرهم لا يُردّ، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم ويهينهم ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ¤لَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي يقول تعالى لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء؟ أحضروهم ليشفعوا لكم، والأسلوب استهزاءٌ وتهكم ﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين﴾ أي يقول الدعاة والعلماء شماتةً بأولئك الأشقياء إن الذلَّ والهوان والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تقبض الملائكة أرواحهم الخبيثة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والإِشراك بالله ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء﴾ أي استسلموا وانقادوا عند الموت على خلاف عادتهم في الدنيا من العناد والمكابرة، وقالوا ما أشركنا ولا عصينا كما يقولون يوم المعاد

﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] ﴿بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يكذبهم الله ويقول: بلى قد كذبتم وعصيتم وكنتم مجرمين ﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي أدخلوا جهنم ماكثين فيها أبدًا ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ أي بئست جهنم مقرًا ومقامًا للمتكبرين عن طاعة الله.

البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - الالتفات في ﴿فاتقون﴾ فهو خطاب للمستعجلين بطريق الالتفات.

2 - أسلوب الإِطناب في ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ تأكيدًا لسفاهة من عبد الأصنام ومثله ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .

3 - الطباق بين ﴿يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ وبين ﴿تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ﴾ .

4 - صيغة المبالغة في ﴿خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ وفي ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .

5 - طباق السلب في ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ .

6 -

114

الجناس الناقص في ﴿لاَ يَخْلُقُونَ ... وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .

7 - الاستعارة التمثيلية في ﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ ... فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ شبهت حال أولئك الماكرين بحال قومٍ بنوا بنيانًا شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم بطريق الاستعارة التمثيلية، ووجه الشبه أن ما عدوه سببًا لبقائهم، عاد سببًا لفنائهم كقولهم «من حفر حفرة لأخيه سقط فيها» .

فَائِدَة: قال القرطبي: تسمى سورة النحل سورة النِّعم لكثرة ما عدَّد الله فيها من نعمه على عباده.

115