صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 125 - 134

75

75

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى سفاهة المشركين في عبادتهم لغير الله، أعقبه بذكر مثلين توضيحًا لبطلان عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا تستجيب ولا تسمع، ثم ذكَّر الناس ببعض النِّعم التي أفاضها عليهم ليعبدوه ويشكروه، ويُخلصوا له العمل طائعين منيبين.

اللغَة: ﴿أَبْكَمُ﴾ الأبكم: الأخرس الذي لا ينطق ﴿كَلٌّ﴾ الكَلُّ: الثقيل الذي هو عيال على الغير وقد يسمى اليتيم كلًا لثقله على من يكفله قال الشاعر:

أكولٌ لمالِ الكلِّ قبلَ شبابه ... إذا كانَ عظْمُ الكلِّ غيرَ شديد

﴿لَمْحِ﴾ اللَّمْح: النظر بسرعة مثل الخطفة يقال لَمحه لمحًا ولمحانًا ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ الظِّعْنُ: السفر والرحيل لطلب الكلأ، والظعينةُ المرأة المسافرة ﴿أَوْبَارِهَا﴾ الوبر للإِبل كالصوف للغنم ﴿ظِلاَلًا﴾ الظلالُ: كل ما يستظلُّ به من البيوت والشجر ﴿أَكْنَانًا﴾ جمع كنّ مثل حمِل وأحمال وهو كل ما يحفظ ويقي من الريح والمطر وغيرهما ﴿سَرَابِيلَ﴾ جمع سربال قال الزجاج: كلُّ ما لبسته من

125

قميصٍ أو درعٍ فهو سربال.

التفسِير: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام التي أشركوها مع الله جل وعلا أي مثلُ هؤلاء في إشراكهم مثلُ من سوَّى بين عبدٍ مملوكٍ عاجزٍ عن التصرف، وبين حرٍّ مالك يتصرف في أمره كيف يشاء، مع أنهما سيّان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وتعالى، فما الظنُّ بربِّ العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات؟ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ أي ينفق ماله في الخفاء والعلانية ابتغاء وجه الله ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؟ أي هل يستوي العبيد والأحرار الذين ضُرب لهم المثل، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له المُلك، وبيده الرزق، وهو المتصرف في الكون كيف يشاء، فيكف يُسوَّى بينه وبين الأصنام؟ ﴿الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي شكرًا للهِ على بيان هذا المثال ووضوح الحق فقد ظهرت الحجة مثل الشمس الساطعة، ولكنَّ المشركين بسفههم وجهلهم يسوّون بين الخالق والمخلوق، والمالِ والمملوك ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ هذا هو المثل الثاني للتفريق بين الإِله الحق والأصنام الباطلة قال مجاهد: هذا مثلٌ مضروبٌ للوثن والحقّ تعالى، فالوثنُ أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير، ولا يقدر على شيء بالكلية لأنه إما حجرٌ أو شجر، ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ أي ثقيل عالة على وليِّه أو سيده ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أي حيثما أرسله سيده لم ينجح في مسعاه لأنه أخرس، بليد، ضعيف ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي هل يتساوى هذا الأخرس، وذلك الرجل البليغ المتكلم بأفصح بيان، وهو على طريق الحق والاستقامة، مستنيرٌ بنور القرآن؟ وإِذا كان العاقل لا يسوّي بين هذين الرجلين، فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم، الهادي إلى الصراط المستقيم؟ ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض﴾ أي هو سبحانه المختص بعلم الغيب، يعلم ما غاب عن الأبصار في السماوات والأرض ﴿وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي ما شأن الساعة في سرعة المجيء إلا كنظرة سريعة بطرف العين، بل هو أقرب لأنه تعالى يقول للشيء: كن فيكون، وهذا تمثيل لسرعة مجيئها ولذلك قال ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادرٌ على كل الأشياء ومن جملتها القيامة التي يكذب بها الكافرون ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي أخرجكم من أرحام الأمهات لا تعرفون شيئًا أصلًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي خلق لكم الحواس التي بها تسمعون وتبصرون

126

وتعقلون لتشكروه على نعمه وتحمدوه على آلائه ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السمآء﴾ هذا من الأدلة على قدرة الله تعالى ووحدانيته والمعنى: ألم يشاهدوا الطيور مذلّلات للطيران في ذلك الفضاء الواسع بين السماء والأرض ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله﴾ أي ما يمسكهن عن السقوط عند قبض أجنحتهنَّ وبسطها إلا هو سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إنَّ فيما ذُكر لآيات ظاهرة، وعلامات باهرة على وحدانيته تعالى لقوم يصدَّقون بما جاءت به رسل الله ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ هذا تعداد لنعم الله على العباد أي جعل لكم هذه البيوت من الحجر والمدر لتسكنوا فيها أيام مُقامكم في أوطانكم ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا﴾ أي وجعل لكم بيوتًا أُخرى وهي الخيام والقُباب المتخذة من الشعر والصوف والوبَر ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ أي تستخفون حملها ونقلها في أسفاركم، وهي خفيفةٌ عليكم في أوقات السفر والحضَر ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثًا﴾ أي وجعل لكم من صوف الغنم، ووبر الإِبل، وشعر المعز ما تلبسون وتفرشون به بيوتكم ﴿وَمَتَاعًا إلى حِينٍ﴾ أي تنتفعون وتتمتعون بها إلى حين الموت ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا﴾ أي جعل لكم من الشجر والجبل مواضع تسكنون فيها كالكهوف والحصون قال الرازي: لما كانت بلادُ العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة، فلهذا ذكر تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ أي جعل لكم الثياب من القطن والصوف والكتان لتحفظكم من الحر والبرد ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ أي ودروعًا تشبه الثياب تتقون بها شر أعدائكم في الحرب ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإِنه يُتم نعمة الدنيا والدين عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي لتخلصوا للهِ الربوبية، وتعلموا أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحدٌ سواه ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين﴾ أي فإِن أعرضوا عن الإِيمان ولم يؤمنوا بما جئتهم به يا محمد فلا ضرر عليك لأن وظيفتك التبليغ وقد بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ أي يعرف هؤلاء المشركون نِعَم الله التي أنعم بها عليهم، ويعترفون بأنها من عند الله ثم ينكرونها بعبادتهم غير المنعم وقال السُّدي: نعمةُ الله هي محمد ﷺ َ عرفوا نبوته، ثم جحدوها وكذّبوه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ أي أكثرهم يموتون كفارًا وفيه إشارة إلى أن بعضهم يهتدي للإسلام وأما أكثرهم فمصرّون على الكفر والضلال ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي ويوم القيامة نحشر الخلائق للحساب ونبعث في كل أمة نبيَّها يشهد عليها بالإِيمان والكفر ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي لا يُؤذن للذين كفروا في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يُطلب منهم أن يسترضوا ربَّهم بقولٍ أو عمل، فقد فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب قال القرطبي: العُتبى هي رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة فإذا وجد

127

عليه يقال: عَتَب، وإذا رجع إلى مسرَّتك فقد أعتب ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي وإِذا رأى المشركون عذاب جهنم فلا يُفتَّر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يُؤخرون ولا يُمهلون ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ أي وإذا أبصر المشركون شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويزعمون أنهم شركاء الله في الألوهية ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاءآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ﴾ أي هؤلاء الذين عبدناهم من دونك قال البيضاوي: وهذا اعترافٌ بأنهم كانوا مخطئين في ذلك والتماس لتخفيف العذاب ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي أجابوهم بالتكذيب فيما قالوا في تقرير وتوكيد، وذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم ﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾ أي استسلم أولئك الظالمون لحكم الله تعالى بعد الإباء والاستكبار في الدنيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي بطل ما كانوا يؤملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ثم أخبر تعالى عن مآلهم بعد أن آخبر عن حالهم فقال ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي كفروا بالله ومنعوا الناس عن الدخول في دين الإِسلام ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العذاب﴾ أي زدناهم عذابًا في جهنم فوق عذاب الكفر، لأنهم ارتكبوا جريمة صدّ الناس عن الهدى فوق جريمة الكفر، فضوعف لهم العذاب جزاءً وفاقًا ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ أي بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي اذكر للناس ذلك اليوم وهوْله حين نبعث في كل أمةٍ نبيَّها ليشهد علينا ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هؤلاءآء﴾ أي وجئنا بك يا محمد شهيدًا على أمتك ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ونزَّلنا عليك القرآن المنير بيانًا شافيًا بليغًا لكل ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين فلا حجة لهم ولا معذرة قال ابن مسعود: قد بُيّن لنا في هذا القرآن كلُّ علمٍ، وكل شيء ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي هداية للقلوب، ورحمة للعباد، وبشارةً للمسلمين المهتدين ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ أي يأمر بمكارم الأخلاق بالعدل بين الناس، والإِحسان إلى جميع الخلق ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ أي مواساة الأقرباء، وخصَّه بالذكر اهتمامًا به ﴿وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي﴾ أي ينهى عن كل قبيح من قولٍ، أو فعلٍ، أو عملٍ قال ابن مسعود: هذه أجمعُ آيةٍ في القرآن لخيرٍ يُمتثل، ولشرٍ يُجتنب والفحشاء كل ما تناهى قبحه كالزنى والشرك، والمنكر كل ما تنكره الفطرة، والبغي هو الظلم وتجاوز الحق والعدل ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي يؤدبكم بما شرع من الأمر والنهي لتتعظوا بكلام الله.

البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - الاستعارة التمثيلية في ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ﴾ الآية تمثيلٌ للوثن بالأبكم الذي لا ينتفع منه بشيء أصلًا، مع القادر السميع البصير وشتان بين الرب والصنم.

2 - التشبيه المرسل المجمل في ﴿كَلَمْحِ البصر﴾ .

3 - الطباق بين ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾ وبين ﴿يَعْرِفُونَ ... يُنكِرُونَ﴾ وبين ﴿ظَعْنِكُمْ ... إِقَامَتِكُمْ﴾ .

4 -

128

الإِيجاز بالحذف في ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم﴾ أي والبرد حذف الثاني استغناءً بذكر الأول.

5 - المقابلة اللطيفة ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي﴾ أمر بثلاثة ونهى عن ثلاثة وهو من المحسنات البديعية.

6 - ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ بعد لفظ الإِحسان الذي هو عام.

لطيفَة: ذكر «أن» أكثم بن صيفي «لما بلغه خبر الرسول ﷺ َ انتدب رجلين فأتياه فقالا: من أنت؟ وما أنت؟ فقال أنا محمد بن عبد الله، وأنا رسول الله ثم تلا علينا هذه الآية ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ... .﴾ الآية فرجعا إلى أكثم فلما قرءا عليه الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مساوئها، فكونوا في هذا الأمر رؤساء، ولا تكونوا فيه أذنابًا» .

129

91

المنَاسَبَة: لما استقصى تعالى في الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وذكر جملة المكارم والفضائل، حذَّر تعالى هنا من نقض العهود والمواثيق وعصيان أوامر الله تعالى، لأن العصيان سبب البلاء والحرمان، ثم ذكر تعالى ما أعده لأهل الإِيمان من الحياة الطيبة الكريمة.

اللغَة: ﴿تَنقُضُواْ﴾ النقض ضدُّ الإبرام، وهو فك أجزاء الشيء بعضها من بعض ﴿تَوْكِيدِهَا﴾ التوكيد التثبيتُ يقال: توكيد وتأكيد ﴿أَنكَاثًا﴾ أنقاضًا والنكث: النقضُ بعد الفتل ﴿دَخَلًا﴾ الدَّخل: الدَّغل والخديعة والغش قال أبو عبيدة: كل أمرٍ لم يكن صحيحًا فهو دخَل ﴿يَنفَدُ﴾ نفد الشيء ينْفد فني ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ الأعجمي الذي لا يتكلم العربية وقال الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والعجمي الذي أصله من العجم ﴿يُلْحِدُونَ﴾ الإِلحاد: الميل يقال لحد وألحد إِذا مال عن القصد والاستقامة.

سَبَبُ النّزول: أ - روي أن النبي ﷺ َ كان يجلس عند المروة إِلى غلام نصراني يقال له «جبْر» وكان يقرأ الكتب فقال المشركون: والله ما يعلِّمه ما يأتي به إِلا خبرٌ الرومي فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...﴾ الآية.

ب - عن ابن عباس أن المشركين أخذوا عمّار بن ياسر وأباه ياسرًا وأمه سُميَّة وصهيبًا وبلالًا فعذبوهم، ورُبطت «سُميَّة» بين بعيرين ووُجئ قُبُلها بحربة فقُتلت، وقُتل زوجها ياسر - وهما أول قتيلين في الإِسلام - وأمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهًا، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ َ فقال له الرسول الكريم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنٌ بالإيمان، فقال رسول الله ﷺ َ: فإن عادوا فعُدْ وأنزل الله ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ...﴾ الآية.

التفسير: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ أي حافظوا على العهود التي عاهدتم عليها الرسول أو الناس وأدوها على الوفاء والتمام ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توثيقها بذكر الله تعالى ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي جعلتم الله شاهدًا ورقيبًا على تلك البيعة ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي عليم بأفعالكم وسيجازيكم عليها ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ هذا مثلٌ ضربه الله لمن نكث عهده، شبِّهت الآية الذي يحلف ويعاهد ويُبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تعزل غزلها وتفتله محكمًا ثم تحلُه أنكاثًا أي أنقاضًا قال المفسرون: كان بمكة امرأة حمقاء تعزل غزلًا ثم تنقضه، وكان الناس يقولون: ما أحمق هذه ﴿﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ﴾

130

﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي تتخذون أيمانكم خديعة ومكرًا تخدعون بها الناس ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي لأجل أن تكون أمة أكثر عددًا وأوفر مالًا من غيرها قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ﴾ أي إنما يختبركم الله بما أمركم به من الوفاء بالعهد لينظر المطيع من العاصي ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي ليجازي كل عاملٍ بعمله من خير وشرّ ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي لو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد، وجعلهم أهل ملةٍ واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون ﴿ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي ولكنْ اقتضت حكمته أن يتركهم لاختيارهم، ناسٌ للسعادة وناس للشقاوة، فيضلُّ من يشاء بخذلانه إياهم عدلًا، ويهدي من يشاء بتوفيقه إياهم فضلًا ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم على الفتيل والقطمير ﴿وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ كرره تأكيدًا ومبالغة في تعظيم شأن العهود أي لا تعقدوا الأيمان وتجعلوها خديعة ومكرًا تغرون بها الناس لتحصلوا على بعض منافع الدنيا الفانية ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ أي فتزلَّ أقدامكم عن طريق الاستقامة وعن محجة الحق بعد رسوخها فيه قال ابن كثير: هذا مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزلَّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على الصدّ عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوقٌ بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإِسلام ولهذا قال ﴿وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي يصيبكم العقاب الدنيوي العاجل الذي يسوءكم لصدّكم غيركم عن اعتناق الإسلام بسبب نقض العهود ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ولكم في الآخرة عذاب كبير في نار جهنم ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي لا تستبدلوا عهد الله وعهد رسوله بحطام الدنيا الفاني ﴿إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما عند الله من الأجر والثواب خير لكم من متاع الدنيا العاجل إِذا كنتم تعلمون الحقيقة، ثم علَّل ذلك بقوله ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ أي ما عندكم أيها الناس فإِنه فانٍ زائل، وما عند الله فإِنه باقٍ دائم، لا انقطاع له ولا نَفَاد، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ولنثيبنَّ الصابرين بأفضل الجزاء، ونعطيهم الأجر الوافي على أحسن الأعمال مع التجاوز عن السيئات، وهذا وعدٌ كريم بمنح أفضل الجزاء على أفضل العمل، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه، وكل ذلك بفضل الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي من فعل الصالحات ذكرًا كان أو أنثى بشرط الإِيمان ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي فلنحيينَّه في الدنيا حياة طيبة بالقناعة والرزق الحلال، والتوفيق لصالح الأعمال وقال الحسن: لا

131

تطيب الحياة لأحدٍ إلا في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وسعادة بلا شقاوة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي ولنجزينَّهم في الآخرة بجزاء أحسن أعمالهم، وما أكرمه من جزاء﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن﴾ أي إذا أردت تلاوة القرآن ﴿فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم﴾ أي فاسأل الله أن يحفظك من وساوس الشيطان وخطراته، كيلا يوسوس لك عند القراءة فيصدَّك عن تدبر القرآن والعمل بما فيه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ﴾ أي ليس له تسلطٌ وقدرة على المؤمنين بالإِغواء والكفر لأنهم في كنف الرحمن ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي يعتمدون على الله فيما نابهم من شدائد ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي إنما تسلُّطه وسيطرته على الذين يطيعونه ويتخذونه لهم وليًا ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي بسبب إغوائه أصبحوا مشركين في عبادتهم وذبائحهم، ومطاعمهم ومشاربهم ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ أي وإذا أنزلنا آيةٌ مكان آية وجعلناها بدلًا منها بأن ننسخ تلاوتها أو حكمها ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ جملة اعتراضية سيقت للتوبيخ أي والله أعلم بما هو أصلح للعباد وبما فيه خيرهم، فإنَّ مثل آياتِ هذا الكتاب كمثل الدواء يُعطى منه للمريض جرعات حتى يماثل الشفاء، ثم يستبدل بما يصلح له من أنواع أخرى من الأطعمة ﴿قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ أي قال الكفرة الجاهلون إنما أنت يا محمد متقوِّلٌ كاذبٌ على الله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي أكثرهم جهلة لا يعلمون حكمة الله فيقولون ذلك سفهًا وجهلًا قال ابن عباس: كان إذا نزلت آية فيها شدة ثم نسخت قال كفار قريش: والله ما محمد إِلا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمرٍ، وينهاهم غدًا عنه، وإِنه لا يقول: ذلك إلا من عند نفسه فنزلت ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق﴾ أي قل لهم يا محمد: إِنما نزَّله جبريل الأمين من عند أحكم الحاكمين بالصدق والعدل ﴿لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ﴾ أي ليثبّت المؤمنين بما فيه من الحجج والبراهين فيزدادوا إيمانًا ويقينًا ﴿وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي وهداية وبشارة لأهل الإِسلام الذين انقادوا لحكمه تعالى، وفيه تعريضٌ بالكفار الذين لم يستسلموا لله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ أي قد علمنا مقالة المشركين الشنيعة ودعواهم أن هذا القرآن من تعليم «جبْر الرومي» وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ أي لسان الذي يزعمون أنه علَّمه وينسبون إليه التعليم أعجمي ﴿وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ أي وهذا القرآن عربيٌ في غاية الفصاحة، فكيف يمكن لمن لسانُه أعجمي أن يُعلم محمدًا هذا الكتاب العربيُّ المبين؟ ومن أين للأعجمي أن يذوق بلاغة هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه!! ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله﴾ أي إن الذين لا يُصدّقون بهذا القرآن لا يوفقهم الله لإِصابة الحق، ولا يهديهم إِلى طريق النجاة والسعادة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لهم في الآخرة عذابٌ موجع مؤلم، وهذا تهديدٌ لهم ووعيد على كفرهم وافترائهم ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي لا يكذب على الله إلا من لم يؤمن بالله ولا بآياته، لأنه لا يخاف عقابًا يردعه، فالكذب جريمةٌ فاحشة لا يُقدم عليها مؤمن، وهذا ردُّ لقولهم ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ {}

132

﴿وأولئك هُمُ الكاذبون﴾ أي وأولئك هم الكاذبون على الحقيقة لا محمد الرسول الأمين ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ﴾ أي من تلفَّظ بكلمة الكفر وارتد عن الدين بعد ما دخل فيه ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ أي إلا من تلفَّظ بكلمة الكفر مكرهًا والحال أن قلبه مملوءٌ إيمانًا ويقينًا، والآيةُ تغليظٌ لجريمة المرتد لأنه عرف الإِيمان وذاقه ثم ارتدَّ إِيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة قال المفسرون:

«نزلت في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه حتى أعطاهم ما أرادوا مُكْرهًا فقال الناس: إِنَّ عمارًا كفر فقال رسول الله ﷺ َ: إنَّ عمارًا ملئ إيمانًا من فرقه إلى قدمه، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله ﷺ َ وهو يبكي فقال له رسول الله ﷺ َ: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان قال: إن عادوا فعُدْ» ﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي طابت نفسه بالكفر وانشرح صدره له ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ولهم غضبٌ شديد مع عذاب جهنم، إِذْ لا جرم أعظم من جرمهم ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ أي ذلك العذاب بسبب أنهم آثروا الدنيا واختاروها على الآخرة ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي لا يوفقهم إلى الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ والضلال ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فجعل عليها غلافًا بحيث لا تُذعن للحق ولا تسمعه ولا تبصره ﴿وأولئك هُمُ الغافلون﴾ أي الكاملون في الغفلة إِذْ أغفلتهم الدنيا عن تدبر العواقب ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ أي حقًا ولا شك ولا ريب في أنهم الخاسرون في الآخرة لأنهم ضيَّعوا أعمارهم في غير منفعة تعود عليهم قال المفسرون: وصفهم تعالى بست صفات هي: الغضب من الله، والعذاب العظيم، واختيارهم الدنيا على الآخرة، وحرمانهم من الهدى، والطبع على قلوبهم، وجعلهم من الغافلين ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا في سبيل الله بعد ما فتنهم المشركون الطغاة عن دينهم بالعذاب ﴿ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ أي ثم جاهدوا في سبيل الله وصبروا على مشاقّ الجهاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إن ربك بعد تلك الهجرة والجهاد والصبر سيغفر لهم ويرحمهم.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - التشبيه التمثيلي ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية شبه تعالى من يحلف ثم لا يفي بعهده بالمرأة التي تغزل غزلًا ثم تنقضه.

2 - الاستعارة في ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استعار القدم للرسوخ في الدين والتمكن فيه لأن أصل الثبات يكون بالقدم ولما كان الزلل عن محجة الحق يشبه زلل القدم وانزلاقها عبَّر به عن الانزلاق الحسي بطريق الاستعارة.

3 - الطباق بين ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ وبين ﴿أَعْجَمِيٌّ. . عَرَبِيٌّ﴾ وبين ﴿يَنفَدُ ... بَاقٍ﴾

4 -

133

جناس الاشتقاق ﴿قَرَأْتَ القرآن﴾ وفيه مجاز مرسل من إِطلاق اسم المسبَّب على السبب أي إذا أردت قراءة القرآن.

5 - الاعتراض ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الجملة اعتراضية لبيان الحكمة الإلهية في النسخ، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب، وذكر الاسم الجليل لتربية المهابة في النفس.

6 - الاستعارة اللطيفة ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ استعار اللسان للغّة والكلام كقول الشاعر:

لسانُ السُّوءِ تُهديها إِلينا ... وخُنْت وما حسبتُك أن تخونا

والعرب تستعمل اللسان بمعنى اللغة كقوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] .

لطيفَة: السرُّ في الاستعاذة قبل قراءة القرآن أن القرآن هو الذكر الحكيم، والحق المبين، ولما كان الشيطان يثير الشبهات بوساوسه، ويفسد القلوب بدسائسه، أُمر ﷺ َ بأن يستعيذ بالله ويلتجئ إليه عند تلاوة القرآن، لأن قوة الإِنسان تضعف عن دفعه بسهولة فيحتاج إلى الاستعانة بالله العلي الكبير.

134