صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 238 - 247

25

25

المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى أحوال المشركين وأقام الأدلة والبراهين على وحدانية الله وبطلان تعدد الألهة، ذكر هنا أن دعوة الرسل جميعًا إِنما جاءت لبيان التوحيد ثم ذكر بقية الأدلة على قدرة الله ووحدانيته في هذا الكون العجيب.

اللغَة: ﴿رَتْقًا﴾ الرتق: الضمُّ والالتحام وهو ضد الفتق يقال رتقتُ الشيء فأرتق أي التأم ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج ﴿تَمِيدَ﴾ تتحرك وتضطرب ﴿فِجَاجًا﴾ جمع فجّ وهو المسلك والطريق الواسع ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ تدهشهم وتحيرهم قال الجوهري: بهته بهتًا أخذه بغتة وقال الفراء: بهَته إذا واجهه بشيء يحيّره ﴿يَكْلَؤُكُم﴾ يحرسكم ويحفظكم والكلاءة: الحراسة والحفظ.

سَبَبُ النّزول: مرَّ النبي ﷺ َ على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبيُّ بين عبد مناف!! فغضب أبو سفيان وقال: ما تنكر أن يكون لبني عبد منافٍ نبيٌّ؟ فرجع رسول الله ﷺ َ إلى أبي جهل وقال له: ما أَراك منتهيًا حتى يصيبك ما أصاب عمَّك الوليد بن المغيرة فنزلت ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا. .﴾ الآية.

التفسِير: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ أي وما بعثنا قبلك يا محمد رسولًا من الرسل ﴿إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ﴾ أي إلا أوحينا إليه أنه لا ربَّ ولا معبود بحق سوى الله ﴿فاعبدون﴾ أي فاعبدوني وحدي وخصوني بالعبادة ولا تشركوا معي أحدًا ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَدًا﴾ أي قال المشركون اتخذ الله من الملائكة ولدًا قال المفسرون: هم حيٌّ من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزَّه الله وتقدَّس عما يقول الظالمون ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ أي بل هم عبادٌ مبجَّلون اصطفاهم الله فهم مكرمون عنده في منازل عالية، ومقاماتٍ سامية وهم في غاية الطاعة والخضوع ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يقولون شيئًا حتى يقوله شأنهُم شأن العبيد المؤدبين وهم بطاعته وأوامره يعملون لا يخالفون ربهم في أمرٍ من الأوامر ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي علمه تعالى محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ أي لا يشفعون يوم القيامة إلا لمن رضي الله عنه وهم أهل الإيمان كما قال بن عباس: هم أهل شهادة لا إله إلا الله ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أي وهم من خوف الله ورهبته خائفون حذرون لأنهم يعرفون عظمة الله قال الحسن: يرتعدون من خشية الله ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ﴾ أي يقل من الملائكة إني إلهٌ ومعبودٌ مع الله ﴿فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أي فعقوبته جهنم قال المفسرون: هذا على وجه التهديد وعلى سبيل الفرض والتقدير لأن هذا شرط والشرطُ لا يلزم وقوعه والملائكة معصومون ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ أي مثل ذلك الجزاء الشديد نجزي من ظلم وتعدى حدود الله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة وردٌّ على عبدة الأوثان أي أولم يعلم هؤلاء الجاحدون أن السماوات والأرض كانتا شيئًا واحدًا ملتصقتين

238

ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقرَّ الأرض كما هي؟ قال الحسن وقتادة: كانت السماوات والأرض ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء وقال ابن عباس: كانت السماوات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تُنبت ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي جعلنا الماء أصل كل الأحياء وسببًا للحياة فلا يعيش بدونه إنسان ولا حيوان ولا نبات ﴿أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي أفلا يصدّقون بقدرة الله؟ ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي جعلنا في الأرض جبالًا ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب فلا يستقر لهم عليها قرار ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وجعلنا في هذه الجبال مسالك وطرقًا واسعة كي يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار قال ابن كثير: جعل في الجبال ثُغرًا يسكلون فيها طرقًا من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلًا بين هذه البلاد وهذه فيجعل الله فيها فجوةً ليسلك الناس فيها من هاهنا إلى هاهنا ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ أي جعلنا السماء كالسقف للأرض محفوظة من الوقوع والسقوط وقال ابن عباس: حفظت بالنجوم من الشياطين ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ أي والكفار عن الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته من الشمس والقمر والنجوم وسائر الأدلة والعبر معرضون لا يتفكرون فيما ابدعته يد القدرة من الخلق العجيب والتنظيم الفريد الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة قال القرطبي: بيَّن تعالى أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها، وما فيها من القدرة الباهرة إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعًا قادرًا واحدًا يستحيل أن يكون له شريك ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر﴾ أي وهو تعالى بقدرته نوَّع الحياة فجعل فيها ليلًا ونهارًا هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أُخرى وبالعكس، وخلق الشمس والقمر آيتين عظيمتين دالتين على وحدانيته ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي كلٌّ من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ أي وما جعلنا لأحدٍ من البشر قبلك يا محمد البقاء الدائم والخلود في الدنيا ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ أي فهل إذا متَّ يا محمد سيخلَّدون بعدك في هذه الحياة؟ لا لن يكون لهم ذلك بل كلٌّ إلى الفناء قال المفسرون: هذا ردٌّ لقول المشركين

﴿شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30] فأعلم تعالى بأن الأنبياء قبله ماتوا وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا تحفظ دينك وشرعك ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ أي كل مخلوقٍ إلى الفناء ولا يدوم إلا الحيُّ القيوم ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ أي ونختبركم بالمصائب والنِّعم لنرى الشاكرين من الكافر، والصابر من القانط قال ابن عباس: نبتليكم بالشدة والرخاء، ولاصحة والسَّقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقال ابن زيد: نختبركم بما تحبون لنرى كيف شكركم، وبما تكرهون لنرى كيف صبركم!! ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي وإلينا مرجعكم فنجازيكم بأعمالكم ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن﴾

239

﴿يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا﴾ أي إذا رآك كفار قريش كأبي جهل وأشياعه ما يتخذونك إلاّ مهْزُوءًا به يقولون ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ استفهام فيه إنكار وتعجيب أي هذا الذي يسب آلهتكم ويُسفّه أحلامكم؟ ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي وهم كافرون بالله ومع ذلك يستهزئون برسول الله قال القرطبي: كان المشركون يعيبون من جحد إِلهيةِ أصنامهم وهم جاحدون للإِلهية الرحمن، وهذا غاية الجهل ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي رُكّب الإنسان على العّجلة فخُلق عجولًا يستعجل كثيرًا من الأشياء وإن كانت مضرَّة قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول ﷺ َ وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلوا ذلك ولهذا قال ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي سأوريكم انتقامي واقتداري على من عصاني فلا تتعجلوا الأمر قبل أوانه ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي يعدنا به محمد إن كنتم يا معشر المؤمنين صادقين فيما أخبرتمونا به قال تعالى ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ﴾ أي لو عرف الكافرون فظاعة العذاب حين لا يستطيعون دفع العذاب عن وجوههم وظهورهم لأنه محيط بهم من جميع جهاتهم لما استعجلوا الوعيد قال في البحر: وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف لأنه أبلغ في الوعيد وأهيب وقدَّره الزمخشري بقوله: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكنَّ جهلهم هو الذي هوَّنه عندهم ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لا ناصر لهم من عذاب الله ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي بل تأتيهم الساعة فجأة فتدهشهم وتحيرهم ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي فلا يقدرون على صرفها عنهم ولا يُمهلون ويُؤخرون لتوبةٍ واعتذار ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ َ عن استهزاء المشركين أي والله لقد اتستهزئ برسلٍ أولي شأن خطير وذوي عدد كثير من قبلك يا محمد ﴿فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي فنزل وحلَّ بالساخرين من الرسل العذاب الذي كانوا يستهزئون به قال أبو حيان: سلاّه تعالى بأنَّ من تقدَّمه من الرسل وقع من أممهم الاستهزاء بهم، وأن ثمرة استهزائهم جَنَوْها هلاكًا وعقابًا في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار مِنَ الرحمن﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين من يحفظكم من بأس الرحمن في أوقاتكم؟ ومن يدفع عنكم عذابه وانتقامه إن أراد إنزاله بكم؟ وهو سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغْترُّوا بما نالهم من نعم الله ﴿بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي بل هؤلاء الظالمون معرضون عن كلام الله ومواعظه لا يتفكرون ولا يعتبرون ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾ أي ألهم آلهة تمنعهم من العذاب غيرنا؟ ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟ ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي وليست هذه الآلهة تستطيع أن تجير نفسها من عذاب الله لأنها في غاية العجز والضغف قال ابن عباس: يُصحبون: يُجارون أي لا يُجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب لجاره ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي

240

متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم من قبلهم بما رزقناهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة وحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا بذلك ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ أي أفلا ينظرون فيعْتبرون بأننا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بالفتح على النبي وتسليط المسلمين عليها؟ ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ استفهام بمعنى التقريع والإنكار أي أفهم الغالبون والحالة هذه أم المغلوبون؟ بل هم المغلوبون الأخسرون الأرذلون ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ أي قل لهم يا محمد إنما أخوفكم واحذركم بوحيٍ من الله لا من تلقاء نفسي، فأنا مبلّغٌ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال ﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ أي ولكنكم أيها المشركون لشدة جهلكم وعنادكم كالصُمّ الذين لا يسمعون الكلام والإنذار فلا يتعظون ولا ينزجرون ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ أي ولئن شيء خفيف مما أُنذروا به من عذاب الله ولو كان يسيرًا ﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي ليعترفنَّ بجريمتهم ويقولون: يا هلاكنا لقد كنا ظالمين لأنفسنا بتكذيبنا رسل الله ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ أي ونقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال في يوم القيامة ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي فلا يُنقص محسنٌ من إِحسانه، ولا يُزاد مسيءٌ على إساءته ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ أي وإن كان العمل الذي عملته زنة حبةٍ من خردل جئا بها وأحضرناها قال أبو السعود: أي وإن كان في غاية القلة والحقارة، فإِن حبة الخردل مثلٌ في الصغر ﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ أي كفى بربك أن يكون محصيًا لأعمال العباد مجازيًا عليها قال الخازن: والغرضُ منه التحذير فإِن المحاسب إِذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشدّ الخوف منه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْرًا لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة الفارقة بين الحق والباطل والهدى والضلال نورًا وضياءً وتذكيرًا للمؤمنين المتقين ﴿الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب﴾ أي هم الذين يخافون الله ولم يروه لأنهم عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم ربًا عظيمًا قادرًا يجازي على الأعمال فهم يخشونه وإِن لم يروه ﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾ أي وهم من أهوال يوم القيامة وشدائدها خائفون وجلون ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ أي وهذا القرآن العظيم كتاب عظيم الشأن فيه ذكرٌ لمن تذكّر، وعظة لمن اتعظ، كثير الخير أنزلناه عليكم بلغتكم ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي أفأنتم يا معشر العرب منكرون له وهو في غاية الجلاء والظهور؟ قال الكرخي: الاستفهام للتوبيخ والخطابُ لأهل مكة فإِنهم من أهل اللسان يدركون مزايا الكلام ولطائفه، ويفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيرهم مع أن فيه شرفهم وصيتَهم فلو أنكره غيرهم لكان لهم مناصبته وعداؤه.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - جناس الاشتقاق ﴿أَرْسَلْنَا. . رَّسُولٍ﴾ .

2 - الاستفهام الذي معناه التعجب والإِنكار ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا﴾ .

3 - الطباق بين الرتق والفتق في قوله ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ .

4 -

241

التنكير للتعميم ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ﴾ .

5 - الالتفات من المتكلم إلى الغائب ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار﴾ بعد قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء﴾ وذلك لتأكيد الاعتناء بالنعم الجليلة التي أنعم بها على العباد.

6 - الطباق بين الشر والخير ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير﴾ .

7 - المبالغة ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من نفس العجل كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب وكوصف بعضهم قومًا بقوله «نساؤهم لُعُب ورجالهم طرب» .

8 - الاستعارة ﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء﴾ استعار الصُمَّ للكفار لأنهم كالبهائم التي لا تسمع الدعاء ولا تفقه النداء.

9 - الكناية ﴿حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ كناية عن العمل ولو كان في غاية القلة والحقارة.

10 - السجع اللطيف ﴿يَهْتَدُونَ، يَسْبَحُونَ، يُنصَرُونَ﴾ الخ.

تنبيه: سئل ابن عباس: هل الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم إلى السماوات والأرض حين كانتا رتقًا هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار.

لطيفَة: عن ابن عمر أن رجلًا أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما فقال له: إِذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني بما قال لك - يريد ابن عباس - فذهب إليه فسأله فقال ابن عباس: كانت السماوات رتقًا لا تُمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تُنبت، فلما خلق للأرض أهلًا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل الى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس في تفسير القرآن، فالآن علمتُ بأنه قد أُوتي في القرآن علمًا.

242

51

المناسَبَة: لمّا ذكر تعالى الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أتبع ذلك بذكر قصص الأنبياء، وما نال كثيرًا منهم من الابتلاء تسليةً للرسول الأعظم ﷺ َ ليتأسّى بهم في الصبر واحتمال الأذى في سبيل الله تعالى، وتوطين النفس على مجابهة المشركين أعداء الله.

اللغَة: ﴿رُشْدَهُ﴾ هذه إلى وجوه الصلاح ﴿التماثيل﴾ جمع تمثال وهو الصورة والمصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى يقال: مثَّلت الشيء بالشيء أي شبتهته به واسم ذلك الممثَّل تمثال ﴿جُذَاذًا﴾ فتاتًا والجذُّ: الكسر والقطع قال الشاعر:

- ﷺ َ - gt; ... بنوالمهلب جذَّ الله دابرهم

أمْسوا رمادًا فلا أصلٌ ولا طرف ... ﴿نُكِسُواْ﴾ النَّكْسُ: قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفل ﴿نَافِلَةً﴾ زيادة ومنه النفل لأنه زيادة على افرض الله ويقال لولد الولد نافلة لأنه زيادة على الولد ﴿الكرب﴾ الغم الشديد ﴿نَفَشَتْ﴾ النَّفش: الرعيُ بالليل بلا راع يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار إذا رعت بلا راع.

التفسِير: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أي والله لقد أعطينا إبراهيم هُداه وصلاحه إلى وجوه الخير في الدين والدنيا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من صغره حيث وفقناه للنظر والاستدلال إلى وحدانية ذي الجلال ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي عالمينأنه أهلٌ لما آتيناه من الفضل والنبوة ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ هذا بيانٌ للرشد الذي أُوتيه إِبراهيم من صغرة أي حين قال لأبيه آزر

243

وقومه المشركين ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وفي قوله ﴿مَا هذه التماثيل﴾ تحقيرٌ لها وتصغيرٌ لشأنها وتجاهل بها مع علمه بتعظيمهم لها ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ أي نعبدها تقليدًا لأسلافنا قال ابن كثير: لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي لقد كنتم وأسلافكم الذين عبدوا هذه الأصنام في خطأٍ بيّن بعبادتكم إِياها إِذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ﴿قالوا أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ أي هل أنت جادٌّ فيما تقول أم لاعب؟ وهل قولك حقٌّ أم مزاح؟ استعظموا إِنكاره عليهم، واستبعدوا أن يكون ما هم عليه ضلالًا، وجوَّزوا أن ما قاله على سبيل المزاح لا الجد فأضرب عن قولهم وأخبر أنه جادٌّ فيما قال غير لاعب ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذي فطَرَهُنَّ﴾ أي ربكم الجدير بالعبادة هو ربُّ السماوات والأرض الذي خلقهنَّ وأبدعهنَّ لا هذه الأصنام المزعومة ﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ أي وأنا شاهد للَّهِ بالوحدانية بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي تقطع به الدَّعاوى ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ أي وأقسمُ بالله لأمكرنَّ بآلهتكم وأحتالنَّ في وصول الضر إليها بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم قال المفسرون: كان لهم عيد يخرجون إليه في كل سنة ويجتمعون فيه فقال آزر لإِبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا! ﴿فخرج معهم إِبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكى رجلي فتركوه ومضوا ثم نادى في آخرهم ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعها رجلٌ فحفظها ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ فسمعها رجلٌ فحفظها أي كسَّر الأصنام حتى جعلها فتاتًا وحُطامًا ﴿إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ﴾ أي إلا الصنم الكبير فإنه لم يكسره قال مجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلَّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه ليحتجّ به عليهم ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه عمن كسَّر الأصنام فيتبين لهم عجزه وتقون الحجة عليهم ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾ في الكلام محذوفٌ تقديره: فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إل آلهتهم ورأوا ما فُعل بها قالوا على جهة البحث والإِنكار والتشنيع والتوبيخ: إِنَّ من حطَّم هذه الآلهة لشديد الظلم عظيم الجرم لجراءته على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي قال من سمع إِبراهيم يقول ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ سمعنا فتى يذكرهم بالذم ويسبُّهم ويعيبهم يسمى إِبراهيم فلعله هو الذي حطَّم الآلهة﴾ ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس﴾ أي قال نمرود وأشراف قومه أحضروا إِبراهيم بمرأى من الناس حتى يروه، والغرضُ أن تكون محاكمته على رءوس الأشهاد بحضرة الناس كلهم ليكون عقابه عبرة لمن يعتبر ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي لعلهم يحضرون عقابه ويرون ما يصنع به ﴿قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ أي هل أنتَ الذي حطَّمت هذه الآلهة يا إِبراهيم؟ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ أي قال إِبراهيم بل حطَّمها الصنم الكبير لأنه غضب أن تعبدوا معه هذه الصغار فكسرها، والغرض بتكيتُهم وإِقامة الحجة عليهم ولهذا قال ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ أي اسألوا هذه الأصنام من كسرها؟ إن كانوا يقدرون على النطق قال القرطبي: والكلام خرج مخرج التعريض وذلك أنهم كانوا

244

يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله كما قال إِبراهيم لأبيه

﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] فقال إِبراهيم ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ ليقولوا إِنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم كما يجوز فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من نفسه فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ﴾ أي رجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم ﴿فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ أي أنتم الظالمون في عبادة ما لا ينطق ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ أي أنقلبوا من الإِذعان إلى المكابرة والطغيان ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ أي قالوا في لجاجهم وعنادهم: لقد علمتَ يا إِبراهيم أن هذه الأَصنام لا تتكلم ولا تجيب فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهذا إِقرار منهم بعجز الآلهة، وحينئذٍ توجهت لإِبراهيم الحجة عليهم فأخذ يوبخهم ويعنّفهم ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ أي أتعبدون جمادات لا تضر ولا تنفع؟ ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي قبحًا لكم ونتنًا لكم وللأصنام التي عبدتموها من دون الله ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تعقلون قبح صنيعكم؟ ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ﴾ لما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب عدلوا إلى البطض والتنكيل فقالوا: احرقوا إِبراهيم بالنار انتقامًا لآلهتكم ونصرةً لها ﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أَي إِن كنتم ناصريها حقًا ﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْدًا وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾ أي ذات بردٍ وسلامة وجاءت العبارةُ هكذا للمبالغة قال المفسرون: لما أرادوا إِحراق إِبراهيم جمعوا له حطبًا مدة شهر حتى كانت المرأة تمرض فتنذر إِن عوفيت أن تحمل حطبًا لحرق إِبراهيم، ثم جعلوه في حفرة من الأرض وأضرموها نارًا فكان لها لهب عظيم حتى إِن الطائر ليمرُّ من فوقها فيحترق من شدة وهجها وحرها، ثم أوثقوا إِبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، فجاء إِليه جبريل فال: ألك حاجة؟ قال أمّا إِليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» فقال الله: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إِبراهيم، ولم تحرق النار منه سوى وثاقه وقال ابن عباس: لو لم يقل الله ﴿وسلاما﴾ لآذى إِبراهيم بردها ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا﴾ أي أرادوا تحريقه بالنار ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾ أي أخسر الناس وأخسر من كل خاسر حيث كادوا لنبيّ اللهِ فردَّ الله كيدهم في نحورهم ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي ونجينا إِبراهيم مع ابن أخيه لوط حيث هاجرا من العراق إلى الشام التي بارك الله فيها بالخِصب وكثرة الأَنبياء ووفرة الأنهار والأشجار قال ابن الجوزي: وبركتُها أن الله عز وجل بعث أكثر الأنبياء منها وأكثر فيها الخِصب والأنهار ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي أعطينا إِبراهيم - بعدما سأل ربه الولد - إسحاق وأعطيناه كذلك يعقوب نافلةً أي زيادة وفضلًا من غير سؤال قال المفسرون: سأل إِبراهيم ربه ولدًا فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة زيادة على ما سأل لأنَّ ولد الولد كالولد ﴿وَكُلًاّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ أي وكلًا من إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب جعلناه من أهل الخير والصلاح ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي جعلناهم قدوةٌ ورؤساء لغيرهم يرشدون الناس إلى الدين بأمر الله ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ﴾

245

﴿فِعْلَ الخيرات﴾ أي أوحينا إِليهم أن يفعلوا الخيرات ليجمعوا بين العلم والعمل ﴿وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾ أي وأمرناهم بطريق الوحي بإِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة، وإِنما خصهما بالذكر لأن الصلاة أفضلُ العبادات البدنية، والزكاة أفضلُ العبادات المالية ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾ أي موحدين مخلصين في العبادة ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي وأعطينا لوطًا النبوة والعلم والفهم السديد قال ابن كثير: كان لوط قد آمن بإِبراهيم عليه السلام واتَّبعه وهاجر معه كما قال تعالى

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ [العنكبوت: 26] فآتاه الله حُكمًا وعلمًا وأوحى إِليه وجعله نبيًا وبعثه إلى «سدوم» فكذبوه فأهلكهم الله ودمَّر عليهم كما قصّ خبرهم في غير موضع من كتابة العزيز ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القرية التي كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث﴾ أي خلَّصناه من أهل قرية سدوم الذين كانواْ يعملون الأعمال الخبيثة كاللواط وقطع السبيل وغير ذلك ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ أي كانوا أشرارًا خارجين عن طاعة الله ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾ أي أدخلناه في أهل رحمتنا لأنه من عبادنا الصالحين ﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ أي واذكر قصة نوح حين دعا على قومه من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين، دعا عليهم بالهلاك حين كذبوه بقوله ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] ﴿فاستجبنا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ أي استجبنا دعاءه فأنقذناه ومن معه من المؤمنين - ركاب السفينة - من الطوفان والغرق الذي كان كربًا وغمًا شديدًا يكاد يأخذ بالأنفاس ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ أي منعناه من شر قومه المكذبين فنجيناه وأهلكناهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي كانوا منهمكين في الشرّ فأغرقناهم جميعًا ولم نُبْق منهم أحدًا ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث﴾ أي واذكر قصة داود وسليمان حين يحكمان في شأن الزرع ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ أي وقت رعت فيه غنم القوم ليلًا فأفسدته ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي كنا مطَّلعين على حكم كلٍ منهما عالمين به ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي علمنا وألهمنا سليمان الحكم في القضية ﴿وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي وكلًا من داود وسليمان أعطيناه الحكمة والعلم الواسع مع النبوة قال المفسرون: تخاصم إلى داود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فلم تُبق منه شيئًا، فقضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو الباب فأخبراه بما حكم به أبوه فدخل عليه فقال: يا نبيَّ الله لو حكمتَ بغير هذا كان أرفق للجميع! قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض فيصلحها ويبذرها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا خرج الزرع رُدَّت الغنم إلى صاحبها والأرض إلى ربها فقال له داود: وُفّقت يا بُنيَّ وقضى بينهما بذلك فذلك قوله تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير﴾ أي جعلنا الجبال والطير تسبّح مع داود إذا سبّح قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور فكان إِذا ترنّم بها تقف الطير في الهواء فتجاوبه وتردُّ عليه الجبال تأويبًا وإِنما قدَّم ذكر الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي وكنا قادرين على فعل ذلك ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ أي علمنا داود صنع

246

الدروع بإِلانةِ الحديد له قال قتادة: أول من صنع الدروع داود وكانت صفائح فهو أول من سردها وحلَّقها ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ﴾ أي لتقيكم في القتال شرٌ الأعداء ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ استفهامٌ يراد به الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به عليكم، ولما ذكر تعالى ما خصَّ به نبيه داود عليه السلام ذكر ما خصَّ به ابنه سليمان فقال ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفةً أي شديدة الهبوب ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي تسير بمشيئته وإرادته إلى أرض الشام المباركة بكثرة الأشجار والأنهار والثمار، وكانت مسكنه ومقر ملكه ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ أي وكنا عالمين بجميع الأمور فما أعطيناه تلك المكانة إِلا لما نعلمه من الحكمة ﴿وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي وسخرنا لسليمان بعض الشياطين يغوصون في الماء ويدخلون أعماق البحار ليستخرجوا له الجواهر واللآلئ ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلك﴾ أي ويعملون أعمالًا أخرى سوى الغوص كبناء المدن والقصور الشاهقة والأمور التي يعجز عنها البشر ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي نحفظهم عن الزيغ عن أمره أو الخروج عن طاعته.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات من وجوه الفصاحة والبديع ما يلي:

1 - الاستعارة اللطيفة ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ شبه رجوعهم عن الحق إلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق الاستعارة.

2 - الطباق بين ﴿يَنفَعُكُمْ. . ويَضُرُّكُمْ﴾ .

3 - المبالغة ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ أطلق المصدر وأراد اسم الفاع ل أي باردة أو ذات برد.

4 - عطف الخاص على العام ﴿فِعْلَ الخيرات وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾ لأن الصلاة والزكاة من فعل الخيرات وإِنما خصهما بالذكر تنبيهًا لعلو شأنهما وفضلهما.

5 - الاحتراس ﴿وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ دفعًا لتوهم انتقاص مقام داود عليه السلام.

6 - المجاز المرسل ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي في الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة فالعلاقة المحلية.

7 - السجع غير المتكلف ﴿العَابِدِينَ الصابرين، الصالحين﴾ الخ.

تنبيه: وصف تعالى الريح هاهنا بقوله ﴿عَاصِفَةً﴾ ووصفها في مكان آخر بقوله ﴿رُخَآءً﴾ [ص: 36] والعاصفة هي الشديدة، والرخاء هي اللَّينة، ولا تعارض بين الوصفين لأن الريح كانت ليّنة طيبة وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين فتدبر.

247