صفوة التفاسيرالجزء 2 · ص 383 - 394

67

67

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، ذكر هنا شبهات المشركين في الإِيمان بالآخرة والبعث والنشور، وأردفها بذكر الدلائل القاطعة، وذكر بعض الأهوال التي تكون بين يدي الساعة.

اللغَة: ﴿رَدِفَ﴾ اقترب ودنا ﴿تُكِنُّ﴾ تُسِرُّ وتخفي ﴿دَاخِرِينَ﴾ ذليلن صاغرين ﴿فَوْجًا﴾ الفوج: الجماعة ﴿جَامِدَةً﴾ الجمود: سكون الشيء وعدم حركته ﴿أَتْقَنَ﴾ الإِتقان: الإِتيانُ بالشيء على أحسن حالاته من التمام والكمال والإِحكام ﴿كُبَّتْ﴾ الكبُّ: الطرح والإِلقاء يقال: كببتُ الرجل ألقيتُه على وجهه، وكببتُ الإِناء قلبتُه.

التفسِير: ﴿وَقَالَ الذين كفروا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أي قال مشركو مكة المنكرون للبعث: أئذا متنا وأصبحنا رفًا وعظامًا باليه، فهل سنخرج من قبورنا ونحيا مرة ثانية؟ ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي لقد وَعدنا محمدٌ بالبعث كما وعَدَ من قبله آباءنا الأولين، فلو كان حقًا لحصل ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي ما هذا إلا خرافات وأباطيل السابقين. ينكرون البعث ونسون أنهم خُلقوا من العدم، وأن الذي خلقهم أولًا قادر على أن يعيدهم ثانيًا! ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض﴾ أي قل لهؤلاء الكفار: سيروا في أرجاء الأرض ﴿فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ أي فانظروا - نظر اعتبار - كيف كان مآل المكذبين للرسل؟ ألم يهلكهم الله ويدمّرهم؟ فما حدث للمجرمين من قبل، يحدث للمجرمين من بعد، والآيةُ وعيدٌ وتهديد ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ تسلية للرسول عليه السلام أي لا تحزن يا محمد ولا تأسف على هؤلاء المكذبين إنْ لم يؤمنوا، ولا يضيقْ صدرك من مكرهم فإِن الله يعصمك منهم ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي يقولون استهزاءً: متى يجيئنا العذاب إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ والخطابُ للنبي ﷺ َ والمؤمنين ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي لعلَّ الذي تستعجلون به من العذاب قد دنا وقرُب منكم بعضه قال المفسرون: هو ما أصابهم من القتل والأسر يوم بدر ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ أي لذو إفضالٍ وإِنعامٍ على الناس بترك تعجيل عقوبتهم على معاصيهم وكفرهم ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي ولكنَّ أكثرهم لا يعرفون حقَّ النعمة، ولا يشكرون ربهم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي وإِنه تعالى ليعلم ما يُخْفون وما يعلنون من عداوة

383

الرسول وكيدهم له وسيجازيهم عليه ﴿وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السمآء والأرض إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي ليس من شيء في غاية الخفاء على الناس والغيبوبة عنهم إلا وقد علمه الله وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ عنده، فلا تخفى عليه سبحانه خافية قال ابن عباس: معناه ما من شيءٍ سرٌّ في السماوات والأرض أو علانية إلا وعند الله علمه ﴿إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد والنبوة، وكان القرآن من أعظم الدلائل والبراهين على صدق محمد وصدق ما جاء به، أعقبه هنا بذكر القرآن المجيد وذكر أوصافه والمعنى: إن هذا القرآن المنزَّل على خاتم الرسل لهو الكتاب الحق الذي يبين لأهل اكلتاب ما اختلفوا فيه من أمر الدين، ومن جملته اختلافهم في أمر المسيح وتفرقُهم فيه فرقًا كثيرة حتى لعن بعضهم بعضًا، فلو كانوا منصفين لأسلموا، لأن القرآن جاءهم بالرأي الساطع، والخبر القاطع ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ أي وإِنه لهداية لقلوب المؤمنين من الضلالة، ورحمة لهم من العذاب، قال القرطبي: وإِنما خصَّ المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به ﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾ أي إن ربك يا محمد يفصل بين بني إسرائيل يوم القيامة بحكمه العادل، وقضائه المبرم، فيجازي المحقَّ والمبطل ﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي المنيع الغالب الذي لا يُردُّ أمره ﴿العليم﴾ أي العليم بأفعال العباد فلا يخفى عليه شيء منهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أي فوِّضْ إليه أمرك، واعتمد عليه في جميع شئونك فإنه ناصرك ﴿إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ أي إنك يا محمد على الدين الحق، الواضح المنير، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ أي لا تُسمع الكفار لتركهم التدبر والاعتبار، فهم كالموتى لا حسَّ لهم ولا عقل ﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ أي ولا تُسمعهم دعاءَك ونداءك إِذا ذكَّرتهم بالله أو دعوتهم إلى الإِيمان، لأنهم كالصُّم الذين في آذانهم وقرٌ، فلا يستجيبون الدعاء، لا سيما إذا تولَّوا عنك معرضين، فإِن الأصمَّ إذا تولى مدبرًا ثم ناديته كان أبعد عن السماعحيث انضمَّ إلى صممه بُعدُ المسافة ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ﴾ أي وليس بوسعك يا محمد أن تصرف عُمي القلوب عن كفرهم وضلالهم ﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي ما تُسمع - سماع تدبر وإِفهام - إلا المؤمنين، ولا يستجيب لدعوتك إلاّ أهل الإيمان، وهم الذين انقادوا وأسلموا وجوههَم للرحمن.

. شبَّه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم ثانيًا بالصم وبالعُمي وإِن كانوا سليمي الحواس، وأكَّد عدم سماعهم بقوله ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ لأن الأصمَّ، وكالعُمي، لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون، ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل الكونية، أو الآيات القرآنية ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ هذا بيان لما يكون بين يدي الساعة أي وإِذا قَرُبَ نزول العذاب وقيام الساعة، وحان وقت عذاب الكفار ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ الناس كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي أخرجنا للكفار هذه الآية الكبيرة «دابة الأرض» تكلم الناس وتناظرهم وتقول من جملة كلامها: ألا لعنةُ الله على الظالمين، الذين لا يصدّقون ولا يؤمنون بآيات

384

الله، وخروجُ الدابة من أشراط الساعة وفي الحديث

«لا تقوم الساعةُ حتى تروا عشر آياتٍ. . وعدَّ منها طلوع الشمس من مغربها، وخروجَ الدابة. .» الحديث قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، عند فساد الناس وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، فتكلم الناس وتخاطبهم مخاطبة قال ابن عباس: تكلمهم كلامًا فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وروي أن خروجها حي ينقطع الخير، ولا يُؤمر بمعروف ولا يُنهى عن منكر، ولا يبقى منيبٌ ولا تائب، وهي آية خاصة خارقة للعادة، ثم ذكر تعالى بعض مشاهد القيامة فقال ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي واذكر يوم نجمع للحساب والعقاب من كل أمةٍ من الأمم جماعة وزمرة ﴿مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ أي من الجاحدين المكذبين بآياتنا ورسلنا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي فهم يُجمعون ثم يُساقون بعنف ﴿حتى إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا﴾ أي حتى إذا حضروا موقف الحساب والسؤال قال لهم تعالى مُوبِخًا ومُقرِّعًا: أكذبتم بآياتي المنزلة على رسلي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، أو معرفة صدقها؟ ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تقريع وتوبيخ آخر أيْ أيَّ شيء كنتم تعملون في الدنيا؟ وبَّخهم أولًا بقوله ﴿أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي﴾ ثم اضرب عنه إلى استفهام تقرير وتبكيت كأنه قيل: دَعُوا ما نسبتُه إليكم من التكذيب وقولوا لي: أيَّ شيءٍ كنتم تعملونه في الدنيا غير التكذيب؟ ﴿وَوَقَعَ القول عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي بُهِتوا فلم يكن لهم جواب، وقامت عليهم الحجة وحقَّ عليهم العذاب، بسبب ظلمهم وهو تكذيبهم بآيات الله ﴿فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي فهم لا يتكلمون لأنه ليس لهم عذر ولا حجة، وقد شُغلوا بالعذاب عن الجواب. . ثم لما ذكر تعالى أهوال القيامة ذكر الأدلة والبراهين على التوحيد والحشر والنشر مبالغةً في الإِرشاد إلى الإِيمان فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِرًا﴾ أي ألم يروا قدرة الله فيعتبروا أنه تعالى جعل الليل مظلمًا ليناموا ويستريحوا من تعب الحياة، وجعل النهار منيرًا مشرقًا ليتصرفوا فيه في طلب المعاش والرزق؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في تقليب الليل والنهار من نور إلى ظلمة، ومن ظلمةٍ إلى نور لآيات باهرة، ودلائل قاطعة على قدرة الله لقومٍ يصدّقون فيعتبرون، ثم أشار تعالى إلى أحوال الناس في الآخرة فقال ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ أي واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور «نفخة الفزع» فلا يبقى أحدٌ من أهل السماوات والأرض إلا خاف وفزع إلا من شار الله من الملائكة والأنبياء والشهداء قال المفسرون: هذه نفخة الفزع، ثم تتلوها نفخة الصَّعق - وهو الموت - ثم بعد ذلك نفخة النشور من القبور وهي نفخة القيام لرب العالمين، قال أبو هريرة: إن الملك له في الصور ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفزع - وهو فزع الحياة الدنيا - وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصَّعْق، ونفخة القيام من القبور ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أي وكلٌّ من الأموات الذين أُحيوا أتَوْا ربَّهم صاغرين مطيعين لم يتخلف منهم أحد ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي وترى أيها المخاطب الجبال وقت النفخة الأولى تظنها ثابتة في مكانها وواقفة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ أي وهي

385

تسير سيرًا سريعًا كالسحاب قال الإِمام الفخر: ووجه حسبانهم أنها جامدة أن الأجسام الكبار إذا تحركت سريعة على نهجٍ واحد ظنَّ الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مرًا سريعًا ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي ذلك صنعُ الله البديع، الذي أكحم كل شيء خلقه، وأودع فيه من الحكمة ما أودع ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أي هو عليم بما يفعل العباد من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.

. ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم الرهيب فقال ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ من الحسنات، فإِن الله يضاعفها له إلى عشر حسنات، ويعطيه بالعمل القليل الثواب الأبدي ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي وهم من خوف ذلك اليوم العصيب آمنون كما قال تعالى ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: 103] ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ قال ابن عباس: لاسيئة: الإِشراك بالله أي ومن جاء يوم القيامة مسيئًا لا حسنة له أو مشركًا بالله فإِنه يكبُّ في جهنم على وجهه منكوسًا، ويُلقى فيها مقلوبًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم توبيخًا: هل تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من سيء الأعمال؟ ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا﴾ أي قل لهم يا محمد: لقد أُمرت أن أخصَّ الله وحده بالعبادة ربَّ لابلد الأمين الذي جعل مكة حرمًا آمنًا لا يُسفك فيها دم، ولا يُظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها ولا يُختلى خلاها كما جاء في الحديث الصحيح ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ أي هو تعالى الالق والمالك لكل شيء فهو رب كل شيء ومليكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ أي وأُمرتُ أن أكون من المخلصين لله بالتوحيد، المنقادين لأمره، المستسلمين لحكمه ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾ أي أُمرتُ أيضًا بتلاوة القرآن لتنكشف لي حقائقه الرائعة، وأن أقرأه على الناس ﴿فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي فمن اهتدى بالقرآن، واستنار قلبه بالإِيمان، فإِن ثمرة هدايته راجعة إليه ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾ أي ومن ضلَّ عن طريق الهدى، فوبالُ ضلاله مختص به، إذْ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغتكم رسالة الله ﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ﴾ أي قل يا محمد: الحمد لله على ما خصني به من شرف النبوة والرسالة، وما أكرمني من رفيع المنزلة والمقام ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ تهديد ووعيد أي سيريكم آياته الباهرة الدالة على عظيم قدرته وسلطانه في الأنفس والآفاق فتعرفونها حين لا تنفعكم المعرفة ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي وما ربك بغافل عن أعمال العباد بل هو على كل شيء شهيد، وفيه وعدٌ ووعيد.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الاستفهام الإِنكاري ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وتكرير الهمزة ﴿أَإِنَّا﴾ للمبالغة في التعجب والإِنكار.

2 - الوعيد والتهديد ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ .

3 - التأكيد بإِن واللام ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى﴾ .

4 - الطباق ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ لأن معنى ﴿تُكِنُّ﴾ تخفي.

386

5 - الاستعارة البديعة ﴿إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ﴾ لأن القصص لا يوصف به إلا الناطق المميز، ولكنَّ القرآن لما تضمَّن نبأ الأولين، كان الشخص الذي يقصُّ على الناس الأخبار ففيه استعارةٌ تبعية.

6 - المبالغة ﴿العزيز العليم﴾ لأن صيغة فعيل من صيغ المبالغة.

7 - الاستعارة التمثيلية ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ التعبير بالموتى، والصم، والعمي، جاء كله بطريق الاستعارة، وهو تمثيل لأحوال الكفار في عدم انتفاعهم بالإِيمان بأنهم كالموتى والصم والعمي.

8 - أسلوب التوبيخ والتأنيب ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟

9 - الطباق ﴿مَن جَآءَ بالحسنة. . وَمَن جَآءَ بالسيئة﴾ .

10 - التشبيه البليغ ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب﴾ أي تمرُّ كمرِّ السحاب في السرعة، حذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح تشبيهًا بليغًا مثل محمد قمر.

11 - الإِحتباك ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِرًا﴾ حُذف من أوله ما أُثبت في آخره وبالعكس، أصله جعلنا الليل مظلمًا لتسكنوا فيه، والنهار مبصرًا للتصرفوا فيه فحذف «مظلمًا» لدلالة «مبصرًا» عليه، وحذف «لتتصرفوا فيه» لدلالة ﴿لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ وهذا النوع يسمى الإِحتباك وهم من المحسنات البديعية.

387

القصص

1

اللغَة: ﴿شِيَعًا﴾ فِرقًا وأصنافًا ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يتركه حيًّا ولا يقتله ﴿نَّمُنَّ﴾ نتفضل وننعم ﴿اليم﴾ البحر ﴿فَارِغًا﴾ خاليًا ﴿المراضع﴾ جمع مُرضِع، وأما المرضعة فجمعها مرضعات وهي التي ترضع الطفل اللبن ﴿عَن جُنُبٍ﴾ عن بعد ومنه الأجنبي للبعيد غير القريب ﴿وَكَزَهُ﴾ الوكز: الضرب بجُمْع الكف أي بكفه مجموعةً قال أهل اللغة: الوكزُ واللكز كلاهما بمعنى واحد وهو الضرب بجمع

389

الكفّ على الصدر، وقيل: الوكز في الصدر، واللكزُ في الظهر، وجمع الكف: الكف المقوضةُ الأصابع ﴿ظَهِيرًا﴾ عونًا ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه والاستصراخ الاستغاثة وهو من الصراخ لأن المستغيث يصرخ ويرفع صوته طلبًا للغوث قال الشاعر:

كنا إذا ما أتانا صارخ فرعٌ ... كان الصراخ له قرع الظنابيب

﴿يَبْطِشَ﴾ البطش: الأخذ بالشدة والعنف، بطش ويبطش ويبطش بالكسر والضم.

التفسِير: ﴿طسم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، والإِشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركبٌ من أمثال هذه الحروف الهجائية ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ أي هذه آيات القرآن الواضح الجلي، الظاهر في إعجازه، الواضح في تشريعه وأحكامه ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ بالحق﴾ أي نقرأ عليك يا محمد بواسطةالروح الأمين من الأخبار الهامة عن موسى وفرعون من الحق الذي لا يأتيه الباطل، والصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لقومٍيصدقون بالقرآن فينتفعون. . ثم بدأ بذكر قصة فرعون الطاغية فقال ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض﴾ أي استكبر وتجبَّر، وجاوز الحد في الطغيان في أرض مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أيجعل أهلها فرقًا وأصنافًا في استخدامه وطاعته ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ أي يستعبد ويستذل فريقًا منهم وهم بنوا إسرائيل فيسومهم سوء العذاب ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي يقتّل أبناءهم الذكور ويترك الإِناث على قيد الحياة لخدمته وخدمة الأقباط قال المفسرون: سبب تقتيله الذكور أن فرعون رأى في منامه أن نارًا عظيمةً أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة، فقالوا له: إن مولودًا يولد في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يديه، ويكون هلاكك بسببه فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ أي من الراسخين في الفساد، المتجبرين في الأرض، ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض﴾ أي ونريد برحمتنا أن نتفضل وننعم على المستضعفين من بني إسرائيل فننجيهم من بأس فرعون وطغيانه ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي ونجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير بعد أن كانوا أذلاء مسخرين قال ابن عباس: ﴿أَئِمَّةً﴾ قادة في الخير، وقال قتادة: ولاةً وملوكًا ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين﴾ أي ونجعل هؤلاء الضعفاء وارثين لملك فرعون وقومه، يرثون ملكهم ويسكنون مساكنهم بعد أن كان القبط أسياد مصر وأعزتها ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض﴾ أي ونملكهم بلاد مصر والشام يتصرفون فيها كيف يشاءون قال البيضاوي: أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه ثم استعيد للتسليط وإطلاق الأمر ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ أي ونري فرعون الطاغية، ووزيره «هامان» والأقباط من أولئك المستضعفين ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولودٍ من بني إسرائيل ﴿وَأَوْحَيْنَآ﴾

390

﴿إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أي قذفنا في قلبها بواسطة الإِلهام قال ابن عباس: هو وحيُ إلهام وقال مقاتل: أخبرها جبريل بذلك قال القرطبي: فعلى قول مقاتل هو وحيُ إعلام لا إلهام، وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث المشهور، وكذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلَّمت على «عمران بن حصين» فلم يكن نبيًا ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ أي فإذا خفت عليه من فرعون فاجعليه في صندوق وألقيه في البحر - بحر النيل - ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ أي لا تخافي عليه الهلاك ولا تحزني لفراقه ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ أي فإنا سنرده إليك ونجعله رسولًا نرسله إلى هذا الطاغية لننجّي بني إسرائيل على يديه ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي فأخذه وأصابه أعوان فرعون لتكون عاقبة الأمر أن يصبح لهم عدوًا ومصدر حزن وبلاءٍ وهلاك قال القرطبي: اللام في «ليكون» لا العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن صال لهم عدوًا وحزنًا، فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر:

وللمنايا تُربِّي كلُّ مرضعةٍ ... ودورُنا لخراب الدهر نبْنيها

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ أي كانوا عاصين مشركين آثمين، قال العلماء: الخاطئ من تعمد الذنب والإِثم، والمخطئ من فعل الذنب عن غير تعمد ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ أي قالت زوجة فرعون لفرعون: هذا الغلام فرحة ومسرة لي ولك لعلنا نسر به فيكون قرة عين لنا قال الطبري: ذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون قال لها: أمَّا لك فنعم، وأما لي فليس بقرة عين، وقال ابن عباس: لو قال قرة عين لي لهداه الله به ولآمن ولكنه أبى ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ أي لا تقتله يا فرعون، خاطبته بلفظ الجمع كما يُخاطب الجبارون تعظيمًا له ليساعدها فيما تريد ﴿عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ عسى أن ينفعنا في الكبر، أو نتبناه فنجعله لنا ولدًا تقَرُّ به عيوننا قال المفسرون: وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها قال تعالى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي وهم لا يشعرون أن هلاك فرعون وزبانيه سيكون على يديه وبسببه ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغًا﴾ أي صار قلبها خاليا ً من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقيل المعنى: طار عقلها من فرط الجزع والغم حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي إنها كادت ان تشف أمره وتظهر أنه ابنها من شدة الوجد والحزن قال ابن عباس: كادت تصيح واإبناه، وذلك حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ أي لولا أن ثبتناها وألهمناها الصبر ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ أي لتكون من المصدقين بوعد الله برده عليها ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي قالت أم موسى لأخت موسى: إتبعي أثره حتى تعلمي خبره قال مجاهد: قصي أثره وانظري ماذا يفعلون به؟ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي فأبصرته عن بعد وهم لا يشعرون أنها أخته،

391

لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى وصل الصندوق إلى بيت فرعون وهي ترقبه مستخفيةً عنهم ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ﴾ أي ومنعنا موسى أن يقبل ثدي اي مرضعة من المرضعات اللاتي أحضروهن لإِرضاعه من قبل مجيء أُمه قال المفسرون: بقي أيامًا كلما أُتي بمرضع لم يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم الأمر فخرجوا به يبحثون له عن مرضعة خارج القصر فرأوا أخته ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي هل أدلكم على مرضعة له تكفله وترعاه؟ ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ أي لا يقصرون في إرضاعه وتربيته قال السدي: فدلتهم على أم موسى فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها فلما وجد ريح أُمه قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت منه فقد أبى كل هديٍ إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها، فرجعت إلى بيتها من يومها ولم يبق أحدٌ من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالهدايا والجواهر فذلك قوله تعالى ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ أي أعدناه إليها تحقيقًا للوعد كي تسعد وتهنأ بلقائه ولا تحزن على فراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي ولتتحقق من صدق وعد الله برده عليها وحفظه من شر فرعون ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أَكثر الناس يرتابون ويشكون في وعد الله القاطع ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى﴾ أي ولما بلغ كمال الرشد، ونهاية القوة، وتمام العقل والاعتدال قال مجاهد: هو سنُّ الأربعين ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي أعطيناه الفهم والعلم والتفقه في الدين مع النبُوَّة ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي مثل هذا الجزاء الكريم نجازي المحسنين على إحسانهم ﴿وَدَخَلَ المدينة على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ أي دخل مصر وقت الظهيرة والناس يخلدون للراحة عند القيلولة ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي فوجد شخصين يتقاتلان: أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى، والآخر قبطي من جماعة فرعون ﴿فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي فاستنجد الإِسرائيلي بموسى وطلب غوثه ليدفع عنه شر القبطي ﴿فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ أي ضربه موسى بجمع كفه فقتله، قال القرطبي: فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه وكانت القاضية ﴿قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي هذا من إغواء الشيطان فهو الذي هيَّج غضبي حتى ضربت هذا ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ أي إن الشيطان عدوٌ لابن آدم على فعله ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ أي إني ظلمت نفسي بقتل النفس فاعف عني ولا تؤاخذني بخطيئتي ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ أي إنه تعالى المبالغ في المغفرة للعباد، الواسع الرحمة لهم ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ أي بسبب إنعامك عليَّ بالقوة وبحق ما أكرمتني به من الجاه والعز، فلن أكون عونًا لأحد من المجرمين، وهذه معاهدة عاهد

392

موسى ربه عليها وقيل: هو قسم وهو ضعيف ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي فأصبح موسى في المدينة التي قتل فيها القبطي خائفًا على نفسه يتوقع وينتظر المكروه، ويخاف أن يؤخذ بجريرته ﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي فإذا صاحبه الإِسرائيلي الذي خلَّصه بالأمس يقاتل قبطيًا آخر فلما رأى موسى أخذ يصيح به مستغيثًا لينصره من عدوه ﴿قَالَ لَهُ موسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ أي قال موسى للإِسرائيلي: إنك لبيَّنُ الغواية والضلال، فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه من قتل رجلٍ بسببك وتريد أن توقعني اليوم في ورطةٍ أخرى؟ ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ أي فحين أراد موسى أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدوٌ له وللإِسرائيلي ﴿قَالَ ياموسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بالأمس﴾ أي قال القبطي: أتريد قتلي كما قتلت غيري بالأمس؟ ﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرض﴾ أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة المفسدين في الأرض ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ أي وما تريد أن تكون من الذين يصلحون بين الناس.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1 - الإِشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبته في الكمال ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ .

2 - حكاية الحالة الماضية ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ لاستحضار تلك الصورة في الذهن.

3 - إيثارالجملة الإِسمية على الفعلية ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ ولم يقل سنرده ونجعله رسولًا وذلك للاعتناء بالبشارة لأن الجملة الإِسمية تفيد الثبوت والإِستمرار.

4 - الاستعارة ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ شبه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع واستعار لفظ الربط للصبر.

5 - صيغة التعظيم ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ تخاطب فرعون ولم تقل لا تقتله تعظيمًا له.

6 - صيغة المبالغة ﴿جَبَّار، غَوِيٌّ، مُّبِينٌ﴾ لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة.

7 - الطباق المعنوي ﴿جَبَّارًا. . وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ لأن الجبار المفسد المخرّب، المكثر للقتل وسفك الدماء ففيه طباق في المعنى.

8 - الاستعطاف ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ .

9 - توافق الفواصل في كثير من الآيات مثل ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون﴾ ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

لطيفَة: «حكى العلاَّمة القرطبي عن الأصمعي أنه قال سمعت جارية أعرابية تنشد:

أستغفر الله لذنبي كله ... قتلتُ إنسانًا بغير حلِّه

مثل الغزال ناعمًا في دله ... انتصف الليل ولم أُصلِّه

فقلت: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت: ويحك أو يعد فصاحة مع قول الله عز وجل ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ﴾

393

﴿إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ فقد جمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين وبشارتين» .

394