تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 110 - 130

سورة غافر (1 من 5)

سورة غافر

سورة غافر [40: 1]

ترتيبها في القرآن (40) وأمّا ترتيبها في النّزول (60) نزلت بعد سورة الزّمر.

سورة غافر: سميت بهذا الاسم؛ لقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وتسمى سورة المؤمن (مؤمن آل فرعون).

﴿حم﴾:

ارجع إلى الآية (1) من سورة البقرة: وهذه أول سور القرآن الّتي تبدأ بـ (حم) فهناك سبع سور في القرآن متتالية تبدأ بـ (حم) وهي: غافر، فصلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، والأحقاف.

سورة غافر [40: 2]

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:

﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (1) من سورة الزّمر للبيان.

العليم: ذكر اسم العليم (140) مرة في القرآن، وعليمًا (22)، وعلام (4)، والعليم: صيغة مبالغة لعالِم؛ أي: كثير العلم.

العليم: المحيط علمه بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه خافية؛ فهو عالم غيب السموات والأرض، وعلام الغيوب؛ أحاط علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، وعنده مفاتح الغيب، وما

110

تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه.

العليم بمثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وذرات الرمال.

العليم بجميع خلقه وكونه ما يجري فيه من أحداث، العليم بما يعملون ويصنعون ويفعلون، العليم بالمتقين والمفسدين والظّالمين، والعليم بكل شيء وبذات الصّدور، والمحيط علمه بجميع المخلوقات ذواتها وأوصافها وأفعالها وأمورها ومستقرها ومستودعها، والعليم بالعالم العلوي والسفلي وكل العوالم.

وجاء اسم العليم مقترنًا مع: السّميع العليم، والحكيم العليم، والعزيز العليم، والفتاح العليم، والعليم الخبير، والعليم القدير، والعليم الحليم، والعليم الحكيم.

ثم وصف ذاته بست صفات فقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

سورة غافر [40: 3]

﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:

﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: يغفر الذّنب، فلا يعاقب عليه ويعفو عنه ويمحوه؛ لأنّه هو الكريم. والذّنب تعريفه: كلّ فعل تستوخم عقباه، والذّنوب قيل: هي الخطايا. وغافر: اسم فاعل يدل على الثّبوت والاستمرار، والتجدد.

﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: زيادة الواو فقط إلى هذه الصّفة، أو فصل بالواو بين غافر الذّنب وقابل التّوب؛ للاهتمام والتّوكيد على هذه الصّفة والاهتمام بها؛ أي: التوبة عن غيرها فهو سبحانه يغفر الذّنب ويقبل التوبة.

وقابل التّوب (اسم فاعل) يدل على الثّبوت؛ أي: دائم القبول للتوبة فهو

111

غافر الذّنب وقابل التّوب. التّوب: جمع توبة، والتّوب مصدر تاب وهي الرّجوع عن الذّنب، ولم يقل قابل التّوبة (الواحدة) وإنما قابل التّوب (جمع توبة) أي: يقبل كل توبة عن عباده. قابل التّوب للمؤمنين التّائبين للترغيب والحث على الإيمان. ارجع إلى لآيتين (17 - 18) من سورة النّساء لبيان معنى التوبة وأركانها.

والاستغفار يأتي قبل التّوبة؛ أي يستغفر ثم يتوب.

والتّوبة من أسباب المغفرة، والتّائب غير المعتذر. المعتذر يبرر خطأه ويقدم العذر، أمّا التّائب يقول: لا عذر لي ويعترف بذنبه.

﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: العقاب مأخوذ من التّعقيب والمعاقبة، وفاعل الذّنب يستحق المعاقبة بعد فعل الذّنب مباشرة بدون تأخير؛ أي: يستحق العقاب مباشرة في الدنيا، ولكنه سبحانه يؤخره لعله يتوب ويسقط عنه؛ فالعقاب: يقع في الدّنيا فقط بينما العذاب قد يؤخّر وقد يقع في الدّنيا والآخرة، والعذاب أوسع من العقاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (211) لمزيد من البيان، والفرق بين العقاب، والعذاب.

﴿ذِى الطَّوْلِ﴾: ذي الفضل، أو أهل الطَّول والفضل، الطَّول: الغنى والسّعة، واستعمال (ذي) بدلًا من صاحب أو غيرها؛ لأنّ ذا أو ذي أشرف في اللفظ وأبلغ في الثّناء والمعنى من صاحب؛ لأنّ ذا تضاف للتابع مثال: (ذا النّون) وصاحب تضاف للمتبوع (صاحب الحوت) والتّابع أشرف وأفضل من المتبوع، مثال: له المال، وصاحب المال، فقولك: صاحب المال أدنى من قولك: له المال - وإذا نظرنا إلى السّياق نجد أنّ ذا النّون جاءت في سياق ذكر النّعم، وصاحب الحوت جاءت في سياق النّهي عن العجلة فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.

112

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة للبيان.

﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه تقديم الجار والمجرور؛ ليدل على الحصر؛ أي حصر إليه مرجع الخلائق كلها، إليه النّهاية: أي الوقوف بين يديه هو المصير (للمحاسبة).

سورة غافر [40: 4]

﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾:

المناسبة: كأنّه قيل: ما دام هذا القرآن منزلًا من عند الله العزيز العليم فما يجادل في آيات الله إلا الّذين كفروا.

﴿مَا﴾: النّافية.

﴿يُجَادِلُ﴾: من الجدال هو: حوار بين طرفين أو أطراف لإثبات حق أو إظهار حجة أو دفع شبهة، يحصل فيه اختلاف في الآراء.

﴿فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: في الآيات الدّالة على البعث والحساب والدّار الآخرة ووحدانيته وأنّه هو الإله الحق، أو صدق ما جاء به محمّد ﷺ أو صدق نبوته.

﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إلا أداة حصر، الّذين كفروا: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب، وجدال الذين كفروا هو: جدال بالباطل ليدحضوا به الحق كما قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: 56].

﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.

﴿يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾: الغرر: هو إيهام يحمل الإنسان على أن يظن شيئًا أو أمرًا ما حسنًا وهو ضد ذلك، فكأنّ الغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضّرر، وأصل الغرور الغفلة. والخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ وأمته.

113

أي: فلا تغتر أنت ومن اتبعك من المؤمنين بتقلب الّذين كفروا في البلاد، بتجارتهم وزراعتهم وصناعاتهم وسعة رزقهم وما هم فيه من رغد العيش.

﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾: يعني ضربهم في الأرض؛ أي: سفرهم للتجارة وكسبهم المال، وغيرها.

لنقارن هذه الآية (4) من سورة غافر قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾ مع الآية (196) من سورة آل عمران قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ﴾.

في آية آل عمران أكد النّهي بعدم الاغترار بإضافة نون النّسوة إلى يغرنك؛ لأنّ السّياق في آل عمران في الهجرة والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس.

أما السّياق في آية غافر: في الجدال في الآيات.

سورة غافر [40: 5]

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾:

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي كذبت قبل قريش قوم نوح، ونوح هو أول رسول بُعث للنهي عن عبادة الأصنام وكذبت، ولم يقل كذب؛ للدلالة على الكثرة (تاء التّأنيث تدل على الكثرة) وكذب تدل على القلة، كذبت قبلهم قوم نوح نوحًا عليه السلام ولم يؤمنوا به رغم مرور (950) سنة على دعوته إياهم.

﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الأحزاب جمع حزب، من بعدهم: أي من بعد قوم نوح وهم الأمم الّذين تحزبوا على رسلهم وأنبيائهم بالتّكذيب والإعراض وعدم الإيمان والقتل أمثال: عاد وثمود ومدين وأصحاب الأيكة وقوم لوط وقوم فرعون.

﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: وهمّت من الهم، والهم نوعان: ثابت إذا كان معه العزم، وعارض هو حديث النّفس ولا عزم.

114

﴿كُلُّ﴾: للتوكيد.

﴿أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: من الأخذ وهو: الأسر أو الحبس أو القتل والتّعذيب، والأخيذ وهو الأسير أصلًا، والأخذ قد يكون معناه الهلاك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 44]. والباء برسولهم: للإلصاق.

﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾: إذن هناك جدال بالحق أو جدال بالباطل.

والجدال بالحق هو جدال حسن، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، وجدال بالباطل وهو المذموم.

والباطل هو الذّاهب الزّائل، وقيل: ما لا وجود له، وقيل: هو الكذب أيضًا.

والباء للإلصاق والملازمة، فجدالهم كان كله باطلًا.

﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: اللام لام التّعليل. ليدحضوا به الحق: الدّحض مأخوذ من الطّين الّذي يلزق؛ أي تزل القدم في الطّين؛ أي: أرادوا إزالة الحق بالباطل فلم يستطيعوا. فهذه الآية تبين ما هو الهدف أو الغاية من وراء جدالهم.

﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أخذتهم: أهلكتهم، والأخذ بقوة وشدة؛ يعني: العقاب.

﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام فيه تقرير وتعجب.

﴿كَانَ عِقَابِ﴾: ارجع إلى الآية (3) من السّورة نفسها لبيان معنى عقاب. وعقاب: نكرة للتّهويل والتّعظيم؛ بالصّيحة بالرّجفة بالصّاعقة وبإرسال حجارة من طين، وغيرها من أنواع العقاب؛ أي: انظروا كيف كان عاقبتهم بالسّير في الأرض ورؤية مساكنهم أو آثارهم.

115

ولمقارنة هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ارجع إلى سورة الرّعد آية (32).

وانتبه إلى ترابط الآيات السابقة في الآية (4) قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تبين من هم الّذين يجادلون في آيات الله.

وفي الآية (5): ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ تبين ما هو الهدف أو الغاية أو الدّافع إلى الجدال في آيات الله هو إبطال الحق وردّ المؤمنين إلى الكفر، أو منع الآخرين من الإيمان أو الدّخول في الإسلام واتباع الحق.

وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8] [لقمان: 20]. فهي تبين حالة هؤلاء الّذين يجادلون في الآيات، يجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

سورة غافر [40: 6]

﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾:

﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾: أي كما وجب أو حكم بالعذاب على الأمم الماضية المكذّبة لرسلهم، وجب أو ثبت على الّذين كفروا بمحمّد من كفار قريش أنّهم أصحاب النّار.

﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: قيل: كلمة ربك هي: كلمة العذاب، أو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13]، أو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 18].

﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: حقّت وثبتت على الّذين كفروا؛ لأنّهم هم الّذين كفروا اختاروا ذلك، ولم تحقّ عليهم بقهر وجبروت أو ظلم.

﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أن للتوكيد، أصحاب النّار: ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة للبيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (33) في سورة يونس وهي

116

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: نجد أن آية يونس جاءت في سياق الكل (المؤمن والكافر)، فمن خرج عن الحق أو المنهج هو فاسق فهم لا يؤمنون، وآية غافر: جاءت في سياق الذين كفروا فهم أصحاب النار.

سورة غافر [40: 7]

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾:

المناسبة: مقابل الحكم ووجوب كلمة العذاب على الّذين كفروا برسلهم من الأمم الماضية، أوجب الله تعالى لعباده الّذين آمنوا أشرف الملائكة المقربين؛ ليستغفروا لهم ويدعوا لهم بالوقاية من السّيئات، وأن يرزقوا الجنة ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والعلوّ.

﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: العرش هو أعظم المخلوقات على الإطلاق، أعظم من خلق السّموات والأرض ومن خلق الإنسان، العرش الّذي تحته جنة الفردوس، العرش الّذي لا يحيط بعلمه إلا من خلقه سبحانه، وحملة العرش قيل: هم أربعة ويوم القيامة يصبحوا ثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. ارجع إلى سورة هود آية (7)، وسورة طه آية (5) لبيان معنى العرش، وارجع إلى سورة الحاقة آية (17) لمزيد من البيان في يحمل عرش ربك.

﴿وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: ومن حوله من الملائكة المقربين الحافّين من حول العرش بدون أيّ مسافة أو فراغ بينهم وبين العرش، وهم سادة الملائكة وأشرافهم يسمون العالين كقوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: 75].

117

﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يسبّحون ينزّهون الله سبحانه.

ارجع إلى الآية (75) من سورة الزّمر للبيان، يسبّحون تسبيحًا مقرونًا بالحمد على نعم الله الباطنة والظّاهرة، وسورة الإسراء آية (1).

﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: ألم يقل سبحانه: يسبّحون بحمد ربهم، ألا يدل ذلك على الإيمان به؟ فلماذا عاد وذكر: يؤمنون به؟ هذه الكلمة (يؤمنون به) لها معنى خاص بديع؛ أي: رغم كونهم حملة العرش أو من حول العرش يسبّحون بحمد ربهم وأنّهم العالين أشراف الملائكة، فهم لا يرون ربهم رغم قربهم منه فهم يؤمنون به بالغيب ولا يرونه.

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام في الّذين لام الاختصاص، يستغفرون خاصة للذين آمنوا، فهؤلاء الّذين يحملون العرش ومن حوله يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم بالنّجاة ودخول الجنة، ولم يقل: (يستغفرون لمن في الأرض).

كما ورد في الآية (5) من سورة الشّورى وهي قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

فالملائكة المقربون (الخاصة) يستغفرون للذين آمنوا فقط، وعامة أو باقي الملائكة يستغفرون لعامة النّاس.

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ حذفت ياء النّداء للبعد؛ لأنّ الله سبحانه سميع قريب، وشيء: نكره يشمل كل شيء، والشيء كل ما يعلم، ويخبر عنه سواء كان حسيًا أو معنويًا ويعني أقل القليل.

وذكر الملائكة ثلاث صفات لله تعالى هي: الرّبوبية والرّحمة والعلم، فالرّبوبية تعني أنت الخالق والمدبّر والمسيطر والرّزاق، ورحمتك وسعت

118

وطالت وشملت كلّ شيء؛ لأن رحمته عامة تشمل المؤمن والكافر، والرّحمة من معانيها الوقاية من العذاب، وكذلك وسع علمك أو أحاط علمك بكل شيء فلا يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السّماء.

﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾: فاغفر: الفاء للتوكيد، اغفر: الغفر هو السّتر، اغفر: استر. والغفران: أخص من الستر، ويقتضي الثواب؛ لأن الستر وحده يعني: عدم فضحه، ويجوز أن يستر على الكافر والفاسق في الدنيا، فاغفر من الغفران، والغفران يعني: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب، فلا يستحق الغفران إلا المؤمن.

للذين: اللام لام الاختصاص، الّذين اسم موصول يفيد المدح، تابوا: من الشّرك والمعاصي والذّنوب وندموا على ما فعلوا ولم يعودوا إلى ذنوبهم.

﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾: دين الإسلام؛ أي أخلصوا دينهم لك وعبدوك وحدك.

﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: نجِّهم من عذاب الجحيم: الجحيم من جحم النّار: أو قدرها فاشتد لهيبها، والجحيم: النّار المتأججة أو شديدة التأجج، وقيل: هي دركة من دركاتها السّبع.

119

سورة غافر [40: 8]

﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:

المناسبة: قيل: أكمل الدّعاء طلب الجنة والنّجاة من النّار معًا، وهكذا كان دعاء الملائكة: اشتمل على الأمرين معًا.

﴿رَبَّنَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.

﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: عدن تعني إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي.

ارجع إلى سورة ص آية (50) للبيان.

﴿الَّتِى وَعَدتَّهُمْ﴾: على لسان رسلهم وفي كتابك العزيز.

﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: من ابتدائية استغراقية؛ أي: كلّ من صلح، صلح: أي كان مؤمنًا موحّدًا قد عمل الصّالحات.

وأزواجهم: أي الذّكور والإناث (الزّوج يعني الذّكر والأنثى)، وذرياتهم: (الأولاد والبنات)، وهذا من فضل الله ورحمته على عباده المؤمنين.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: إنك للتوكيد، أنت للاختصاص والتّوكيد.

﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الغالب الّذي لا يُغلب والقاهر الّذي لا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد من خلقه ولا يحتاج لأحد من خلقه.

121

﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقك وكونك، فأنت أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (129) لمزيد من البيان.

نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الطّور آية (21): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.

سورة غافر [40: 9]

﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:

﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾: يا رب، وفقهم للأعمال الصالحة وجنّبهم فعل المعاصي أو اصرف عنهم السّيئات، وبالتّالي جنّبهم العذاب النّاجم عنها، والسّيئات: جمع سيئة وهي: فعل القبيح، والسّيئات تشمل الصّغائر، وقيل: تشمل الصغائر والكبائر، وهي كلمة خاصة بينما السّوء كلمة عامة، والسّوء اسم مصدر ويعني: كلّ ما يُسيء إلى النّفس من الأقوال والأفعال.

والوقاية تكون بتجنّب السّيئات وقبول التّوبة.

﴿وَمَنْ﴾: شرطية.

﴿تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾: أي من تقِه برحمتك؛ أي: تجنّبه عمل السّيئات أو تقِه جزاء سيئاته يوم القيامة فلم تعاقبه عليها.

﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، قد للتحقيق والتّوكيد.

﴿رَحِمْتَهُ﴾: برحمتك الواسعة؛ أي: سترته وعفوت عنه وأنجيته من النّار.

﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: حرف الواو والضمير هو: كلاهما يفيدان التّوكيد، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى الوقاية من السّيئات، الفوز

122

العظيم. تعريف الفوز: هو النّجاة أو الخلاص من المكروه وبلوغ الغاية أو المحبوب (المطلوب أو المرجو).

والفوز العظيم: هو الفوز الّذي لا يعلوه فوز؛ أي: أعظم درجات الفوز وأعظم من الفوز المبين، أو الفوز الكبير. ارجع إلى سورة النساء آية (73) لمزيد من البيان.

سورة غافر [40: 10]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾:

بعد أن ذكر الله سبحانه في الآية (4): ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُبين الله سبحانه في هذه الآية أحوال الذين كفروا يوم القيامة واعترافهم بذنوبهم فيقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إن للتوكيد، الّذين كفروا: في الدّنيا وماتوا وهم كفار.

﴿يُنَادَوْنَ﴾: أي يوم القيامة، ويُنادَون (مبني للمجهول)، تناديهم الملائكة أو خَزَنة جهنم، وهم يعذّبون في النّار، ينادون: فيها نون التّوكيد على المناداة.

﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: اللام للتعليل، المقت: هو أشد الكره، وأكبر: على وزن أفعل؛ أي: أشد درجات البغض والكره، ودرجات الكره والبغض بالتّدرج من الأدنى إلى الأشد: البغض القلي الشّنآن ثم المقت (فقه اللغة).

أي: إن كنتم تمقتون أنفسكم الآن وتكرهونها أشد الكراهية، فاعلموا أنّ مقت الله لكم في الدّنيا كان أشد من مقتكم أنفسكم وأنتم في النّار أو الآن؛ لأنّكم كنتم تُدعون إلى الإيمان فتكفرون.

123

﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾: إذ ظرفية زمانية بمعنى حين، وشرطية أي: مقت الله لهم في الدّنيا كان أشد من مقتهم أنفسهم الآن؛ حيث كانوا يكفرون بالله حين يدعون إلى الإيمان، ولم يقل إذ دُعيتم إلى الإيمان، تدعون تدل على المرات العديدة والتّجدد والتّكرار في الدّعوة، ودُعيتم تدل على القلة أو المرة الواحدة، فتكفرون: الفاء رابطة (جواب الشّرط) وتكفرون تفيد التّوكيد والتّكرار والتّجدد في الكفر. وتكفرون: تدل على الحدث؛ أي: فعل الكفر.

سورة غافر [40: 11]

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾:

تعريف الموت: هو عدم الحياة مطلقًا هو انعدام الحياة (عدم وجود أي أثر للحياة)، ويكون ذلك بخروج الروح من الجسم (الجسد)، أو عدم وجود لا جسم ولا روح؛ فالروح هي التي تبعث الحياة في الجسم، والموت: هو إذهاب الحياة بعد الموت؛ أي: خروج الرّوح من البدن، فالموت هو العدم المطلق سواء كان قبله حياة أو لم تكن قبله حياة.

﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾: أي إماتتين أو موتتين الأولى حين كنا أمواتًا في أصلاب الآباء، والثّانية: الموت الّذي يحدث بانقضاء الأجل (الموت المعروف) بعد الحياة الدّنيا.

﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾: الأول: حين الولادة والقدوم إلى الحياة الدّنيا أو التي بدأت (في أرحام الأمهات) والثّاني: حين البعث والنّشور.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28].

124

﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، بذنوبنا: كالشّرك والكفر والفساد والعصيان وإنكار البعث والحساب أو الجدال في الآيات.

أما سرّ اعترافهم هذا: هو أنّهم يرجون من وراء الاعتراف الخروج من النّار مستعطفين قائلين: فهل إلى خروج من سبيل؟ وقد بيّن الله سبحانه في آية أخرى أنّ الاعتراف بالذّنب في ذلك الوقت يوم القيامة لا ينفع كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11].

وقولهم: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السّجدة: 12].

﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام للتمنّي.

﴿إِلَى﴾: تشمل كلّ الغايات.

﴿خُرُوجٍ﴾: خروج نكرة؛ تعني أيّ نوع من الخروج: سريع بطيء قريب أو بعيد. أو خروج من أيّ عذاب مهما كان نوعه أو شكله.

﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل أيّ سبيل أو طريق أو وسيلة مهما كانت.

﴿سَبِيلٍ﴾: من طريق للخروج والنّجاة؛ سبيل: نكرة؛ أي: هل هناك من أيّ طريق للخروج من النّار والعودة إلى الدّنيا أو النّجاة من النّار؟

إذن فلا خروج ولا سبيل كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100].

وقولهم هذا دليلٌ على يأسهم وتحيّرهم، وجواب الاستفهام حُذف؛ أي: لا سبيل ولا خروج، وعلل ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28].

125

سورة غافر [40: 12]

﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾:

﴿ذَلِكُمْ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ولم يقل ذلك؛ لأنّ (ذلكم) أهم وأوكد من ذلك ولأنّها تشير إلى أكثر من أمر.

وذلكم: أي الاعتراف بالذّنوب لا ينفع الآن ولا سبيل للعودة إلى الدّنيا أو الخروج من النّار.

﴿بِأَنَّهُ﴾: الباء: للتعليل؛ أن: للتوكيد؛ أي: سبب ذلك أنّه إذا دُعي الله وحده كفرتم؛ أي: كفركم وشرككم بالله تعالى.

﴿إِذَا﴾: ظرفية للزمن الماضي بمعنى حين، وشرطية.

﴿دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: إذا دعاكم أحد في الدّنيا إلى الإيمان بالله وحده كفرتم.

﴿كَفَرْتُمْ﴾: أي جحدتم وكذبتم ولم تؤمنوا. ارجع إلى سورة البقرة آية (6) لمزيد من البيان في الكفر.

﴿وَإِنْ يُشْرَكْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، يُشرك بالله: بأن له ولدًا أو شريكًا في الملك أو آلهة أو أصنامًا.

﴿تُؤْمِنُوا﴾: تصدقوا وتقروا بالشّرك وتدعوا إليه.

﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾: الفاء للتوكيد، الحكم: القضاء بما أشركتم وكفرتم. لله: اللام لام الاختصاص، الحكم لله وحده يوم القيامة وهو الحكمُ العدل ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 26]، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرّعد: 41]. ارجع إلى سورة الأنعام آية (62) لبيان معنى الحكم والقضاء.

126

﴿الْعَلِىِّ﴾: علو الجلال والكمال العليّ بسلطانه وقدره، عليُّ الذّات والصّفات والأسماء. ارجع إلى سورة الحج آية (62) لمزيد من البيان في العلي.

﴿الْكَبِيرِ﴾: العظيم الشّأن أكبر من كلّ شيء وأعظم من كلّ شيء، وكلّ شيء بالنّسبة له صغير، وأكبر من أن تدركه العقول والحواس.

سورة غافر [40: 13]

﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾:

﴿هُوَ﴾: تعود على العلي الكبير الصّفة الأولى، هو للتوكيد.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.

﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: الصّفة الثّانية، آياته الكونية بما أودع في سمائه وأرضه من الآيات الدّالة على عظمته وقدرته ووحدانيته مثل الشّمس والقمر والليل والنّهار والنّجوم والكواكب والجبال والبحار والسّحاب والبرق والرّعد والصّواعق الدّالة على أنّه هو الإله الحق واجب الوجود.

الخطاب للناس كافة، يريكم: رؤية بصرية.

﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص (الصّفة الثّالثة).

﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السّحاب الرُّكامي، والسّماء تعريفها: هي كلّ ما علاك.

﴿رِزْقًا﴾: أي المطر سمي بالرّزق (بالمجاز المرسل) المطر الّذي هو سبب الرّزق لكم كما قال تعالى: ﴿مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النّحل: 11].

والرّزق يشمل الطّاقة الشّمسية وإنزال الحديد، والنّجوم المليئة بالمعادن الثّمينة.

127

﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾: الواو: استئنافية، ما النّافية.

يتذكر: هذه الآيات ويتعظ بها ولا ينساها.

إلا: أداة حصر؛ أي: لا يغفل عن آيات الله الّذي ينيب إلى الله مرارًا وتكرارًا.

من: استغراقية.

ينيب: الإنابة: السّرعة في التّوبة وكل منيب تائب وليس كلّ تائب منيبًا، فالمنيب هو الّذي يذنب الذّنب فيسارع في التّوبة، والمنيب سريع التّذكر كلما أذنب أعقبها بتوبة سريعة.

والتّذكر والإنابة يوجبان الإخلاص.

سورة غافر [40: 14]

﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾:

﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾: الفاء: ادعوا الله؛ أي: اعبدوه وحده وتضرّعوا له بالدّعاء وطلب العون.

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: مخلصين في عباداتكم بدون أيّ شرك أو رياء، موحّدين توحيد الألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات.

له: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والقصر له وحده.

الدّين: ارجع إلى سورة البقرة آية (132) لبيان معنى الدين.

﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: الواو للتوكيد، كره: أي يؤلم ويشق على الكافرين توحيدكم وإخلاصكم، فلا تبالوا بهم.

128

سورة غافر [40: 15]

﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾:

﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: هذه هي الصّفة الرّابعة، رفيع على وزن: فعيل من الفعل رفع.

رافع الدّرجات لأوليائه الصّالحين كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: 165] بأن أنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله وشرع لهم الإسلام دينًا، فبذلك رفعهم ولم يتركهم بدون منهج.

أو قد تأتي على وزن: مفعول؛ أي: مرتفع الدّرجات في ذاته وصفاته صفات الجلال والكمال، مرتفع عن كلّ شيء وعلى كلّ شيء وعلى خلقه بصفاته العلى ودرجاته وقدره وشأنّه.

﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: الصّفة الخامسة، ذو: ارجع إلى الآية (3) للبيان.

ذو العرش: خالقه ومالكه؛ أي: رب العرش العظيم ورب العرش الكريم. ولمزيد من البيان ارجع إلى الآية (129) من سورة التّوبة، وسورة طه آية (5)، وسورة هود آية (7).

﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يُلقي الرّوح (أي الوحي) فسمى الوحي روحًا، والوحي يعني: القرآن، والقرآن هو روح، أو غيره من الكتب والصّحف السّماوية كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]؛ (أي القرآن الكريم) وسمي روحًا؛ لأنّه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح.

﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: من قضائه أو بأمره ومن أقواله أو من شرائعه.

﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على من يصطفي من عباده من الرّسل والأنبياء.

129

﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: اللام للتعليل؛ أي: للتبليغ والدّعوة والإنذار، والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير والتّخويف، يوم التّلاق: يوم القيامة وسمي يوم التّلاق؛ لالتقاء أهل السّماء بأهل الأرض، والأولين والآخرين والتّابع والمتبوع. والظالم والمظلوم يلتقي فيه العباد.

لينذر يوم التّلاق: أي للاستعداد لذلك اليوم وتجنّب شره.

يوم التّلاق: ولم يقل يوم التّلاقي؛ حذف ياء المتكلم ليتناسب مع قصر زمن التّلاق فلن: يدوم التّلاقي بينهم طويلًا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 45].

وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34 - 36].

سورة غافر [40: 16]

﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾:

﴿يَوْمَ هُمْ﴾: يوم التّلاق، أو يعني يوم البعث، وجاء بصيغة النّكرة للتهويل والتّعظيم، وهم للتوكيد.

﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾: من البراز، الظّهور والانكشاف.

﴿بَارِزُونَ﴾: خارجون من الأجداث (ظاهرون) لا يسترهم شيء من جبل أو شجر أو أكمة أو بناء أو لباس، يساقون إلى أرض المحشر، وبارزون في أرض المحشر؛ الأرض الجديدة كما وضعها عز وجل: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: 105 - 107].

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 28].

عراة لا يسترهم شيء.

130