تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 131 - 152

سورة غافر (2 من 5)

﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾: لا النّافية، لا يستتر على الله منهم أحد بجبل أو شجر أو منخفض أو مرتفع، أو الكل بارزون لا يخفى عليه منهم شيء في أرض المحشر، وفي هذا تهديد ووعيد لهم؛ لأنّ الله سبحانه لا يخفى عليه منهم شيء لا اليوم ولا يوم الحشر ولا أيّ يوم، فإذا كانوا يتوهمون أنّهم يستطيعون أن يستتروا من الله يوم القيامة فالله سبحانه يخبرهم بأنه لن يحدث ذلك.

كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 23].

﴿مِنْهُمْ﴾: قد لا تعني فقط كأفراد بل كذلك أعمالهم أو حتّى نواياهم وغيرها؛ لأنّ (من) استغراقية.

﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: يسأل الله سبحانه هذا السّؤال، قيل: بعد نفخة الصّعق وفناء الخلائق فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.

﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية، فهو المنادي وهو المجيب.

﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: الواحد: الّذي لا شريك له ولا ولد، ولا آلهة ولا أصنام. ارجع إلى سورة الصافات آية (4) لبيان معنى أحد وواحد. القهار: صيغة مبالغة من القهر، والقهر: هو الغلبة والقدرة سواء أكانت طوعًا أم كرهًا، وسواء أكان كمًا أم كيفًا؛ أي: الّذي يقهر ولا يُقهر، الّذي قهر الخلق بالموت والغلبة والقهر الّذي ذلّت له كلّ مخلوقاته. ارجع إلى سورة (ص) آية (65) لمزيد من البيان.

131

سورة غافر [40: 17]

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:

﴿الْيَوْمَ﴾: يعني يوم القيامة يوم الحساب.

﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: تجزى من الجزاء على العمل، والجزاء يكون بالخير أو الشّر.

﴿كُلُّ﴾: للتوكيد.

﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، ما: بمعنى الّذي كسبت أو مصدرية، كسبت من خير أو شر، وكسبت تستعمل في سياق الخير إذا أطلق أو في سياق الشّر إذا أصبح ممارسة الشّر هينًا أو تدرب عليه المسيء فأصبح يمارسه كما يمارس الخير بدون أي خشية أو خوف واكتسبت تستعمل في سياق الشّر عادة.

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾: توكيد لـ: (تجزى كلّ نفس بما كسبت).

لا: النّافية، ظلم اليوم: بنقص حسنة من ثواب الفرد، أو زيادة سيئة في عقابه.

والظّلم يعني النّقص في إعطاء الحق كاملًا لصاحبه.

﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: إن للتوكيد، سريع الحساب: قادر على محاسبة خلائقه جميعًا كما يحاسب نفسًا واحدة إذا شاء. أو حسب ما يختار من الزّمن؛ لأنّه سبحانه خالق الزّمان.

133

سورة غافر [40: 18]

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾:

﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾: الإنذار هو الإعلام المقترن بالتّحذير والتّخويف، والمخاطب هو رسول الله ﷺ: أنذر قومك؛ أي أمتك وبالتّالي النّاس أجمعين.

وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: يوم القيامة، والآزفة: تعني القريبة كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ويوم الآزفة؛ أي: دنا واقترب يوم القيامة، وسميت الآزفة لقربها، أنذرهم ما سيحدث في ذلك اليوم من الأهوال والحوادث المرعبة؛ لكي يستعدوا له.

﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: إذ ظرفية بمعنى حين وتعني الفجأة، فمن شدة الهول والخوف وفظاعة الأمر كلّ ذلك يؤدي للتّأثير في القلب فيؤدي إلى تسرعه وشدة النّبض مما يجعل الخائف يشعر ضربات قلبه كأنّها صادرة عن حنجرته أي: كأن القلب تحرك وارتفع من مكانه وأصبح بجوار الحنجرة، دليلًا على شدة الفزع والخوف، وإذا قارنا لدى الحناجر (لدى جاءت بالألف المقصورة) مع الآية (25) في سورة يوسف، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ نجد لدا جاءت في هذه الآية بالألف الممدودة، وقيل: الألف الممدودة جاءت في سياق الأمر المادي والمحسوس، وهو: الباب والألف المقصورة جاءت في سياق الأمر المعنوي كون القلوب لدى الحناجر.

﴿كَاظِمِينَ﴾: من الكظم وهو الإمساك عن إظهار الغيظ أو تجرّع الغيظ واحتماله والصّبر عليه.

134

أي: ممسكين غمّهم وغيظهم وحزنهم؛ لئلا يظهر للغير كما يمسك صاحب القربة فمها لئلا يخرج منها الماء، كناية عن شدة الفزع والغم.

﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾: ما النّافية، للظالمين: اللام لام الاستحقاق أو الاختصاص.

﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية.

﴿حَمِيمٍ﴾: قريب ينفع، يقال: احتم فلان لفلان؛ أي: احتدّ لحمايته وفسر الحميم بالصّديق أو المحب.

﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾: ولا شفيع يشفع له فتقبل شفاعته؛ أي حتّى ولو كان يستطيع الشّفاعة؛ أي مؤهّل للشفاعة، لا يطاع ولو يطاع لا تقبل شفاعته، نفي الحالتين معًا.

سورة غافر [40: 19]

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: الله يعلم كلّ حين تنظر العين إلى ما نُهي عنه؛ أي حين تنظر إلى شيء محرم أو إلى ما لا يحل إليه النّظر؛ أي: مسارقة النّظر إلى الشّيء المحرم ناهيك عن المجاهرة.

الخائنة: الخائنة صفة للنظرة تكون باستراق النّظر أو الاختلاس، والأعين جمع: عين، أداة النّظر، وعين قد تجمع عيون وهي عيون الماء الّتي تكون تحت الأرض.

﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾: أي القلوب من خير وشر، أو ما تحدّث به النّفس صاحبها من الهم أو العزم على المحرم أو التّخلي عنه، فالله سبحانه لا تخفى عليه خافية، وهذا إنذار وتحذير لكلّ من يرتكب تلك المعاصي ويظن أن الله لا يراه.

135

سورة غافر [40: 20]

﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾:

وبما أنّ الله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فهو قادر على أن يقضي بالحق.

﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾: تقديم الفاعل على الفعل للاهتمام.

يقضي: يحكم، بالحق: أي بالعدل وبالقسط، الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: دائمًا يقضي بالحق يجزي السّيئة بالسّيئة والحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، أو يغفر أو يعفو لمن تاب.

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: الّذين اسم موصول يفيد الذّم.

يدعون من دونه: يعبدون غيره من الشّركاء والأصنام.

﴿لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ﴾: لا النّافية، يقضون: يحكمون، بشيء: وشيء نكرة تعني: أيّ شيء صغيرًا أو كبيرًا، أو حسيًا، أو معنويًا، والشيء: هو أقل القليل.

﴿لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ﴾: لأنّهم لا ينطقون ولا يسمعون ولا يبصرون؛ لأنّها جمادات.

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾: إن: للتوكيد، هو: تفيد التّوكيد.

﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالهم ودعائهم وسرّهم ونجواهم وما يعلنون.

﴿الْبَصِيرُ﴾: بأعمالهم وعبادتهم وما يجري في معابدهم، وما يحدث في أقطار السّموات والأرض.

136

سورة غافر [40: 21]

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾:

المناسبة: إذا كان الإنذار والوعيد لا يهزّ ولا يؤثر في قلوب هؤلاء الكفرة والمشركين، فلِمَ لا يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان هلاك من سبقهم من الأمم الّذين كذّبوا رسلهم؟!

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾: الهمزة للاستفهام والحثّ، الواو تدل على الكثرة، ولكون الآية مجرد إخبار، ولو كان قبلها سببًا لما بعدها لجاء بالفاء فقال: ألم يسيروا في الأرض.

﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي حول الأرض يعدّ من الأرض.

﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب.

أي: يسافروا في الأرض بنية وقصد رؤية الآثار والمساكن الخاوية على عروشها، الّتي سكنها الّذين أهلكهم الله وعذّبهم بذنوبهم من الأمم الماضية أمثال عاد وثمود ولوط وفرعون وغيرهم، ولم يقل ثم ينظروا؛ والتي تعني التّراخي في الزّمن؛ أي: يسيروا في الأرض لأسباب مختلفة وبعدها ينظروا إلى آثار الأمم السّابقة الّتي أهلكها الله سبحانه …

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كيف للاستفهام والتّحذير.

﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: حين يذكر العاقبة ويسبقها (كان) تعني العذاب والهلاك، أي: كيف كان هلاك وعذاب الّذين (اسم موصول يفيد الذّم).

﴿كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي جاؤوا من قبلهم أمثال عاد وثمود ولوط وفرعون،

137

وحين يؤنث العاقبة فيقول: كيف كانت عاقبة بدلًا من فكان؛ تعني: الجنة والعاقبة الحسنة. وهذا من خصائص القرآن الكريم.

﴿كَانُوا هُمْ﴾: تكرار كانوا مرتين للتوكيد على العاقبة أولًا، وعلى شدة قوتهم وأثارًا في الأرض ثانيًا، وهم: للتوكيد.

﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أشد منهم (من كفار قريش وأمثالهم) بعددهم وعدّتهم وكبر الأجسام.

﴿وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ﴾: وبما بنوا وشيّدوا من الحصون والقصور وأقاموا المدن والحضارات القديمة، وأكبر دليل على ذلك الأهرامات في مصر وقوة الآثار تدل على قوة من بناها.

﴿فَأَخَذَهُمُ﴾: الفاء للتوكيد، فأخذهم الله بذنوبهم؛ أي: عاقبهم بذنوبهم فعذّبهم ودمّرهم، والباء بذنوبهم باء السّببية؛ أي: بسبب ذنوبهم.

﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: ما النّافية، كان: تشمل كلّ الأزمنة، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة.

من الله: من ابتدائية، الله: اسم العلم الدّال على واجب الوجود سبحانه.

من واق: من استغراقية تستغرق كلّ واقٍ؛ أي: يقيهم من العذاب أو يدفع العذاب، يحميهم وينقذهم أو يخفف العذاب عنهم.

سورة غافر [40: 22]

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:

﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد؛ أي: ذلك العذاب والأخذ الّذي حلّ بهم من الهلاك والدّمار.

138

﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء باء التّعليل، أنّهم: أن للتوكيد، والضّمير (هم) يعود على الكفرة من الأمم الماضية.

﴿كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج الواضحة والمعجزات والآيات الدّالة على صدق الرّسل، والدّالة على وجوب الإيمان بالله وحده.

﴿فَكَفَرُوا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أي: كفروا مباشرة بالرّسل ولم ينتظروا ويفكروا.

﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، أخذهم الله: أي عاقبهم بشدة فعذّبهم وأهلكهم. والأخذ فيه معنى الشّدة والقوة.

﴿إِنَّهُ﴾: إن للتوكيد.

﴿قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: قوي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء.

شديد العقاب: العقاب ارجع إلى الآية (3) من السّورة نفسها؛ لمزيد من البيان. قوي شديد العقاب فيها مبالغة في التّحذير والإنذار.

وإذا قارنّا هاتين الآيتين (21 - 22) من سورة غافر مع آيات أخرى مماثلة مثل:

الآية (69) من سورة التّوبة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

والآية (9) من سورة الرّوم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾

139

﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

والآية (44) من سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.

نجد أنّ هاتين الآيتين من سورة غافر: فيهما الكثير من التّوكيدات مثل زيادة (هم) وتكرار (فأخذهم الله) (مرتين) ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾، ﴿إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذه التّوكيدات تدل على شدة الإنذار والتّحذير والعاقبة أكثر من الآيات الأخرى.

سورة غافر [40: 23]

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:

المناسبة: بعد ذكر أحوال المكذبين برسلهم من الأمم الماضية وما نزل بهم من الهلاك، يذكّرنا أيضًا بما فعل فرعون وجنوده بموسى عليه السلام.

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: قد تحقّق ما سنذكره في الآيات القادمة.

﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: ولم يقل بعثنا. ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة للبيان.

الباء للإلصاق، آياتنا: التّسع ومنها: العصا واليد. وقوله: آياتنا، نسب الآيات إليه سبحانه؛ لأهميتها ولم يقل ولقد أرسلنا موسى بالآيات.

﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: سلطان عطف على (آياتنا) ومبين: نعت للسلطان، وسلطان مبين: هو الحجة القوية الّتي لا تدحض؛ لقوة دلالتها والدّليل القاطع

140

الّذي تأكد بالحس والإدراك بالحواس فهو يشبه عين اليقين، والسّلطان نوعان: إما سلطان القوة والغلبة والقهر، أو سلطان البرهان والحجة.

وسلطان مبين: عطف الخاص على العام؛ للتوكيد على أهميته.

﴿مُبِينٍ﴾: الواضح لكلّ فرد يطّلع عليه وظاهر بنفسه لا يحتاج إلى دليل أو توضيح.

سورة غافر [40: 24]

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾:

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: ملك مصر، ذكر في القرآن (74) مرة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (103) لمعرفة من هو فرعون.

﴿وَهَامَانَ﴾: وزير فرعون ذكر في القرآن (6) مرات. ارجع إلى الآية (36) من السّورة نفسها، وسورة القصص آية (6) للبيان المفصل.

﴿وَقَارُونَ﴾: ارجع إلى سورة القصص آية (76) للبيان، وذكر في القرآن (4) مرات. قدم فرعون في هذه الآية؛ لأن موسى عليه السلام أرسل إلى فرعون أولًا، بينما في سورة العنكبوت آية (39): قدم قارون على فرعون وهامان؛ لأن قارون كان من قوم موسى، وعنده علم بالتوراة فهو مقارنة بفرعون وهامان يُعد من المستبصرين الذين جاء ذكرهم في الآية (38) من سورة العنكبوت فيكون الترتيب: وكانوا من المستبصرين وقارون، أو ربما لأن الآيات في سورة العنكبوت جاءت في سياق العذاب؛ أي: الخسف الذي أصاب قارون قبل فرعون وهامان الذين أغرقوا في اليم.

﴿فَقَالُوا﴾: الفاء تدل على المباشرة؛ أي: مجرد ما جاءهم موسى كذّبوه ولم يصدقوا بما جاء به من الآيات: المعجزات.

﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: ساحر: اسم فاعل؛ أي: الذي يعمل السحر، أو

141

يزاوله، أو يجيء به، ولمعرفة معنى السّحر ارجع إلى الآية (58) من سورة طه. واتّهموه بالسّحر؛ لأنّ ما جاء به من آية العصا واليد أشياء خارقة للعادة وأثّرت في نفوسهم فقالوا: إنّها سحر.

كذاب: ساحر كثير الكذب، وكذاب: صيغة مبالغة من كذب؛ أي: كأن حرفته الكذاب، أو دائمًا يكذب.

سورة غافر [40: 25]

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾:

﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب العددي أو الذّكري، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.

﴿جَاءَهُمْ﴾: لم يقل أتاهم؛ المجيء فيه مشقة وصعوبة مقارنة بالإتيان، وجاءهم أي: موسى، جاء فرعون وهامان وقارون.

﴿بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: الباء للإلصاق والاستمرار، بالحق: بالصّدق، والحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل، وبالحق (قد تعني بالمعجزات الّتي تدل على صدق نبوته).

﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (49)، والأعراف آية (141) للبيان. ويجب الانتباه إلى اختلاف الزّمن بين هذه الآية من سورة غافر والآية (4) من سورة القصص:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

فآية القصص زمنها عند ولادة موسى، وآية غافر زمنها عندما أصبح موسى نبيًا ورسولًا؛ أي: بعد عودته من مدين.

142

ففرعون أمر بالذّبح وقتل الذّكور من بني إسرائيل مرتين:

المرة الأولى: قبل ولادة موسى كما ورد في آية القصص.

والمرة الثّانية: في هذه الآية آية غافر، ففرعون يأمر بذبح أبناء الّذين آمنوا مع موسى (بالله رب العالمين).

﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾: أي أبقوا نساءهم أحياء للخدمة والإذلال.

﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: وما: الواو حرف عطف، ما: النّافية.

كيد فرعون: الكيد هو أقوى من المكر، والكيد: هو إيقاع الضّرر أو المكروه بالغير قهرًا سواء علم الخصم أم لا يعلم.

وكيد فرعون سواء كان بقتل أبناء الّذين آمنوا مع موسى واستحياء نسائهم، أو إذاقة بني إسرائيل سوء العذاب وغيره من القهر والذّل.

﴿إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: وما كيد فرعون بموسى والذّين آمنوا معه، إلا: أداة حصر، في ضلال: في ظرفية، ضلال: في خسران وضياع وباطل لا جدوى منه ولا فائدة؛ لأنّ الله سبحانه أعظم كيدًا وهو القوي العزيز.

143

سورة غافر [40: 26]

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى﴾: أي دعوني اتركوني، قال ذلك لأنّه كان يريد قتل موسى من قبل حين كان موسى وليدًا وفرعون كان يخاف من موسى حيث قذف الله في قلبه الرّعب من موسى، والآن يبدو أنّه أشد تصميمًا على تنفيذ القتل ويبدو أن فرعون بدأ يشعر بتهديد موسى ويخاف على ملكه وهلاكه.

﴿وَلْيَدْعُ﴾: الواو عاطفة، ليدع: اللام لام التّوكيد.

﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: ليدع موسى ربه الّذي يزعم أنّه أرسله إلينا؛ ليمنعه من القتل أو يدفع عنه القتل.

﴿إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: إني: للتوكيد، أخاف: أخشى إن لم أقتله، أن: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.

يبدل دينكم: أن يُغيّر دينكم؛ أي: ما أنتم عليه من عبادتكم لآلهتكم لكي تعبدوا إلهه وحده. أو أن يظهر في الأرض الفساد: أو هنا ليست للتخيير وإنما جاءت بمعنى الواو؛ أي: إني أخاف أن يبدّل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد؛ أي: يوقع الفتنة والخلاف بين النّاس من وجود فريق يؤمن بفرعون إلهًا وفريق يؤمن بموسى وربه فيكثر الفساد في الأرض فتكثر الخلافات والخصومات والقتل والخراب.

145

سورة غافر [40: 27]

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾:

﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: حين سمع ما قاله فرعون: ذروني أقتل موسى، وأبناء الّذين آمنوا معه.

﴿إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ﴾: إني للتوكيد، عُذت: استجرت بربي وربكم أو لجأت إلى ربي وربكم من شر فرعون وشر أمثاله، فهو القادر على نصرتي وحمايتي وحماية كلّ مؤمن.

﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: من استغراقية، تستغرق كلّ متكبر مكذّب بالجزاء والحساب؛ ويعني فرعون وأمثاله.

ولكن لم يذكر اسم فرعون حتّى لا يجعل فرعون ندًّا ومثيلًا لله سبحانه، أو لكونه تربّى في بيت فرعون فراعى موسى حق التّربية والرّعاية فلم يذكر اسم فرعون.

جمع بين الاستكبار والتّكذيب بيوم الحساب (الجزاء).

ولم يكتفِ بالقول (ربي) وإنما أضاف إلى ذلك (ربكم) للتوكيد على ربوبية الله تعالى للكل، وبذلك يخرج فرعون من دائرة الرّبوبية؛ لأنّ فرعون قال: أنا ربكم الأعلى.

سورة غافر [40: 28]

﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَّبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾:

المناسبة: بعد أن دعا موسى ربه بقوله: إني عُذت بربي وربكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، استجاب له ربه فقيّض له من بين الأسباب لمساعدته

146

رجلًا مؤمنًا من آل فرعون، قيل: هو ابن عم فرعون من آل فرعون؛ أي: حاشية فرعون.

﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: يخفي إيمانه؛ لأنّ قوة طغيان وقهر فرعون وملئه أكبر بكثير من موسى والذّين آمنوا معه؛ أي: يكتم إيمانه خوفًا من بطش فرعون.

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ﴾: قام الرّجل مدافعًا عن موسى بعد أن سمع بتهديد فرعون لقتل موسى فقال بجرأة أمام فرعون وملئه: أتقتلون: الهمزة همزة استفهام إنكاري.

رجلًا أن يقول ربي الله: رجلًا؛ أي: موسى، أن يقول: أن تفيد التّعليل، ربي الله.

(ربي الله جمع الرّبوبية والألوهية معًا).

أتقتلون رجلًا لا ذنب له ولا يستحق القتل بسبب قوله: ربي الله ويجهر بها أمام فرعون الّذي قال لقومه: ما علمت لكم من إله غيري؟ ولا شك أن فرعون يستمع ولا تصدق أذناه ما يسمع من قول هذا الرّجل.

﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: الواو الحالية تفيد التّوكيد، قد للتحقيق؛ أي: تحقق مجيئه بالبينات من ربكم؛ أي: المعجزات أو الآيات التّسع وها هو يعيد ويكرر لتسمع آذانهم مرة بعد المرة قول: جاءكم بالبينات ﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾، يقول: ﴿رَبِّىَ اللَّهُ﴾ ..

جاءكم: المجيء يكون عادة شاقًا صعبًا.

بالبينات: من عند ربكم فيها حث على الإيمان بطريقة غير مباشرة.

147

﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك.

يك: ولم يقل يكن، لتدل على: إن يك كاذبًا أدنى الكذب أو أقل الكذب.

فعليه كذبه: أي جزاء أو وبال كذبه سيقع عليه فلا حاجة لقتله أو لا يضركم كذبه.

﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾: مثل وإن يك كاذبًا.

وإن يك صادقًا أقل وأدنى الصّدق.

﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾: أي يصبكم بعض العذاب في الدّنيا، الّذي يعدكم به على كفركم، أو النّجاة إن آمنتم به أو ببعض الّذي يعدكم من الصّدق؛ أي: النّجاة وقيل: ذكر البعض ليوجب الكل؛ لأنّ الجزء يدل على الكل.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: إن الله للتوكيد (هذه تتمة لقول الرّجل المؤمن).

لا يهدي: لا النّافية، يهدي إلى الحق أو إلى سبيله.

من: استغراقية.

هو: للتوكيد.

مسرف: المفرط في فعل أو قول ما لا خير فيه؛ أي: متجاوز حدود الله ويقيم على المعاصي أو المكثر فيها.

كذاب: صيغة مبالغة كثير الكذب.

وإذا نظرنا إلى ما قاله الرّجل المؤمن في هذه الآية وما سيقوله في الآيات التّالية: نجد أنّه قد استخدم الكثير من أساليب الدّعوة إلى الله رغم أنّه يكتم إيمانه،

148

فكيف به لو كان يجهر بالدّعوة إلى الله، فقد استخدم أسلوب المنطق والعقل حين قال: أتقتلون رجلًا؛ أن يقول: ربي الله، وإن يك كاذبًا … أو يك صادقًا … إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (34) في نفس السورة، وهي قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: نجد في الآية (28) مسرف كذاب سبقها القول فعليه كذبه، وفي الآية (34) مسرف مرتاب سبقها القول: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ناسبها مسرف مرتاب.

سورة غافر [40: 29]

﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾:

ينتقل الرّجل المؤمن في دعوته إلى أسلوب العاطفة والحنان وأسلوب الإنذار والتّحذير في هذه الآية.

﴿يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه العطف والرّحمة على قومه.

﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: اللام في لكم للاختصاص، الملك: لكم ملك مصر الواسع، اليوم؛ أي: في الدّنيا أو في هذا الزّمن.

﴿ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: غالبين في الأرض منتصرين على غيركم، يقال: فلان ظاهر على فلان؛ أي: غالب عليه.

﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾: فمن: الفاء للتوكيد، من استئنافية.

ينصرنا من بأس الله: من عذاب الله، أو يدفع عنا عذاب الله.

إن جاءنا: إن جاءنا بعد قتل هذا الرّجل، أو جاءنا بأس الله بسبب قتله فمن سيدفع عنا العذاب؟ أو إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، وجواب الشّرط محذوف؛ أي: لا أحد ينصرنا أو ينجينا.

149

إن جاءنا: أدرج نفسه معهم فلن ينجو أحد منا، فهو يشعرهم أنّه معهم وليس مع موسى وهو يخاطبهم مباشرة.

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: ردّ فرعون على سؤال الّذي آمن من آل فرعون، حين سأل: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، فقال فرعون: ما أريكم: ما أشير عليكم إلا ما أرى: أي نقتله ونتخلص منه …

﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: وما النّافية، أدلكم عليه هو سبيل الرّشاد؛ أي: سبيل الصّواب والصّلاح، إلا أداة حصر؛ أي: هو الوحيد والسّبيل للصلاح؛ أي: تكذيب موسى وقتله وتصديقي هو سبيل الصّلاح أو الصواب.

الرّشاد من الرَّشد بفتح الرّاء، ويختلف عن الرُّشد بضم الرّاء:

الرَّشد: يستعمل في الأمور الأخروية فقط.

الرُّشد: يستعمل في الأمور الدّنيوية والأخروية، والرُّشد أعم من الرَّشد.

سورة غافر [40: 30]

﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾:

يستمر الرّجل المؤمن في دعوته ويحذر قومه مرة أخرى ولم يُبالِ بما قاله فرعون ولم يخف من فرعون.

﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ﴾: نادى الّذي آمن قومه نداء فيه نوع من الحنان والعطف عليهم.

﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

﴿أَخَافُ عَلَيْكُم﴾: إن كذبتم موسى ولم تؤمنوا به أو قتلتموه.

﴿مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: أي أن ينزل بكم العذاب ويحلّ عليكم كما نزل

150

وحلّ بالأمم المكذبة لرسلها؛ أي: الأحزاب، وهم قوم: نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم.

وقال تعالى: (يوم) (مفرد). ولم يقل أيام: أي وقائع أو ما حدث في تلك الأيام من دمار وخراب. فهو جمع الأحزاب وأفرد اليوم ولم يقل مثل أيام الأحزاب أيام هلاكهم وعذابهم؛ أي: رغم كونهم أحزابًا مختلفة؛ أي: أممًا أو أقوامًا مختلفة متعددة، كذبوا برسلهم ولم يصدقوا بهم ورفضوا الإيمان فما وقع لكلّ حزب من هلاك ودمار هو نفسه تكرر وتجدد ولذلك وحّد كلمة (يوم) فقال: يوم الأحزاب (لأنّهم أحزاب متعددة) فمن يكذّب برسوله كأنّه يكذّب بكل المرسلين عامة؛ لأنّ رسالتهم واحدة.

سورة غافر [40: 31]

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾:

الدّأب: العادة والشأن، دأب على الأمر: اعتاد عليه وأقام عليه ولم يتركه.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: أي أخاف عليكم أن تقيموا على كفركم وعدم تصديقكم بموسى، كما دأب قوم نوح حين أقاموا على كفرهم وعدم تصديقهم بنوح فحلّ بهم الطّوفان، أو دأب قوم عاد حين كذبوا أخاهم هودًا، أو دأب قوم ثمود حين كذبوا نبيهم صالحًا، والذّين من بعدهم؛ أي: مثل قوم لوط.

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾: ما النّافية، الله: قدّم الفاعل للاهتمام، يريد ظلمًا للعباد: أي وما يريد الله تعالى أن يعذّبهم بذنب لم يفعلوه ولا يترك الظّالم منهم بغير انتقام، للعباد: اللام لام الاختصاص، العباد كافة.

سورة غافر [40: 32]

﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾:

﴿وَيَاقَوْمِ﴾: ارجع إلى الآية (30).

﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إني للتوكيد، أخاف عليكم يوم التّناد (في الآخرة)

151

بينما أخاف عليكم يوم الأحزاب (في الدّنيا) فهو يحذرهم أن يحلّ عليهم عذاب أو هلاك في الدّنيا أو في الآخرة أو كلاهما معًا.

﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: له معنيان: يوم المناداة. ينادي كلّ إنسان للحساب والجزاء أو ينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار، وأصحاب الأعراف أصحاب الجنة. وأصحاب النّار أصحاب الجنة، والنّداء هو الدّعاء والطّلب أو الحضور أو للاستغاثة.

ولم يقل يوم التّنادي، قال: يوم التّناد حذف الياء؛ لأنّ النّداء لا يطول فيه زمنًا طويلًا.

ويوم التّناد قد يعني: يوم التّشرد والبُعد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34 - 36]. أي: يوم الفرار والهرب.

التّناد هنا مشتق من فعل: ندَّ؛ أي: بعُد وشرد ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37].

سورة غافر [40: 33]

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:

﴿يَوْمَ﴾: يوم نكرة للتهويل والتّرويع يوم القيامة.

1 - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: منصرفين من الموقف (المحشر) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: 71].

2 - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: تولون: فارّين هاربين حين يؤمر بهم إلى النّار …

﴿مَا لَكُمْ﴾: ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص.

﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من ابتدائية.

﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من استغراقية تشمل أيّ عاصم؛ أي: يعصمكم من عذاب الله؛ أي: يمنعكم أو يدفع عنكم عذابه، يقال: عَصَمه الطّعام؛ أي: منعه من الجوع، أو ينجيكم منه.

152