تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 198 - 215

سورة غافر (5 من 5)

العظام والإكساء باللحم كما بينها في سورة المؤمنون الآيات (12 - 14) والحج آية (5).

﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي أو الذّكري، وقد تكون للترتيب والتّراخي في الزّمن.

﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: اللام لام التّوكيد، الأشد: قيل ما بين (18 - 30) سنة.

﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾: سن الشّيخوخة ما بين (50 - 80) سنة، أو من تجاوز الـ (60) سنة.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾: أي قبل أن يصل إلى مرحلة الشّيخوخة أو مرحلة (أشدكم) أو مرحلة الطّفولة.

﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾: هو الموت، أو أجلًا مسمى في اللوح المحفوظ، معلومًا، بعد نفخ الرّوح يؤمر الملك بكتب أجله، وقد يكون أيامًا أو شهورًا أو سنين.

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعل: للتعليل، أو لمطلق التّوقّع.

تعقلون: من عقل الشيء؛ أي: بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه إن الله قادر على بعثكم وإحيائكم بعد الموت، أو أنّ الله هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ولا يُشرك به.

سورة غافر [40: 68]

﴿هُوَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:

﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر: هو المتفرد بذلك.

﴿الَّذِى﴾: للتعظيم.

198

﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: بشكل متجدّد ومتكرر على مرّ الزّمن.

﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتوكيد، إذا ظرفية زمانية شرطية تفيد حتمية الحدوث.

﴿قَضَى أَمْرًا﴾: أراد أو حكم.

﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: فإنما: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

يقول له: كن فيكون. ارجع إلى سورة النّحل آية (40) للبيان.

وردت هذه الآية في ست سور هي:

البقرة آية (117)، آل عمران آية (47)، النّحل آية (40)، مريم آية (35)، يس آية (82)، غافر آية (68).

سورة غافر [40: 69]

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾:

بعد إيراد الأدلة والآيات الكثيرة على قدرة الله وعظمته، وقدرته على الخلق والإحياء والبعث والآيات الدّالة على وحدانيته، وأنّه هو الإله الحق الّذي يستحق العبادة.

عاد مرة رابعة في السّورة نفسها لذكر الّذين يجادلون في آيات الله. ارجع إلى الآية (56) من السّورة نفسها.

﴿تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع وضوح الأدلة، ويكذبون بالرّسل والكتب السّماوية وما أنزل الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم.

﴿أَلَمْ﴾: الهمزة استفهام إنكاري.

﴿تَرَ﴾: ترَ قلبية، أو رؤية فكرية.

199

﴿إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (35).

﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنّى: كيف ومن أين، واستفهام إنكاري فيه تعجب. يصرفون: عن توحيد الله إلى الشّرك به، عن الحق إلى الباطل، عن الإيمان بالله وحده إلى الجحود به.

سورة غافر [40: 70]

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾:

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم، يعود على الّذين يجادلون في آيات الله.

﴿كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾: بالقرآن، الباء للإلصاق، ويدل على الدّوام.

﴿وَبِمَا﴾: ما: اسم موصول تعني الّذي، وما أوسع شمولًا من الذي، أو مصدرية.

﴿أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: الرّسل يعني الأنبياء والرّسل، وبعضهم أرسلوا إلى أقوامهم بدون كتب يدعون إلى الإيمان بالله وتوحيده والإيمان بالبعث والحساب والجزاء كالأنبياء.

﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف للاستقبال البعيد؛ أي: يوم القيامة، فسوف يعلمون عاقبة تكذيبهم أو وبال كفرهم.

سورة غافر [40: 71]

﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾:

﴿إِذِ﴾: ظرف للزمن المستقبل حلّت محل إذا، أو إذ الفجائية، يفاجؤون بوضع الأغلال في أعناقهم والسّلاسل في أرجلهم.

﴿الْأَغْلَالُ﴾: جمع غل؛ وهي قيود توضع في الأيدي وتشد إلى الأعناق.

﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾: من حديد تقيّد بها الأرجل.

﴿يُسْحَبُونَ﴾: يجرّون بالسّلاسل.

200

سورة غافر [40: 72]

﴿فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾:

﴿فِى﴾: ظرفية؛ أي: هم داخل النّار أو النّار محيطة بهم من كلّ جانب.

﴿الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: تملأ بهم النّار؛ أي: تصبح مكتظة بهم ثم تسعّر بهم النّار، أو توقد بهم النّار.

في الحميم: أي يشربون. الحميم: الماء المتناهي في الحرارة في غاية الحرارة، ثم تسعّر بهم النّار فيصبحون وقودًا لجهنم. وقيل: سجر التّنور؛ أي: ملأه وقودًا.

يسجرون: بصيغة المضارع يدل على التّكرار والاستمرار.

سورة غافر [40: 73]

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾:

﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي.

﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: القائل مبني للمجهول.

﴿أَيْنَ﴾: استفهام توبيخي.

﴿مَا﴾: لغير العاقل أو العاقل.

﴿كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾: أين الأصنام الّتي كنتم تعبدون في الدّنيا، أين شركاؤكم؛ أي لمَ لا يحضرون لإنقاذكم؟!

سورة غافر [40: 74]

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾:

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.

﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي لا نراهم، تاهوا عنا أو غابوا عنا، أو لم يهتدوا إلينا.

201

﴿بَلْ لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾: بل للإضراب الإبطالي، لم نافية؛ أي: لم نكن نعبدهم أو ندعوهم أصلًا من قبل في الحياة الدّنيا؛ فهم ينكرون أنّهم أشركوا بالله أبدًا.

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم وضلالهم عن آلهتهم.

يضل الله الكافرين: في الحياة الدّنيا عن الهداية للحق؛ لأنّهم اختاروا لأنفسهم طريق الضّلال واستمروا عليه وابتعدوا كثيرًا فلم يعد يؤمل توبتهم فطبع الله على قلوبهم.

سورة غافر [40: 75]

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾:

﴿ذَلِكُمْ﴾: ذا اسم إشارة، واللام للبعد والكاف للخطاب، ويشير إلى ما وقع من أنواع العذاب (السّلاسل والأغلال والحميم).

واستعمل (ذلكم) بدلًا من (ذلك) للتوكيد؛ ولأنّها تشير إلى عدة أمور وليس أمرًا واحدًا.

﴿بِمَا﴾: الباء السّببية أو البدلية.

﴿كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: كنتم: للتوكيد، تفرحون في الأرض: الفرح نوعان: بالحق وبغير الحق.

الفرح بالحق أو الفرح المحمود: الفرح بمغفرة الله أو رحمة الله، أو الاهتداء للإسلام وإنجاز طاعة الله مثل: صيام رمضان والفرح بالعيد أو إتمام شعيرة الحج، فرح محمود.

الفرح بغير الحق: الفرح المذموم فرح النّفس بالمعصية كالزّنى وكسب

202

المال الحرام أو الشّرك. ارجع إلى سورة آل عمران آية (170) لمزيد من البيان في معنى الفرح وأنواعه.

﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: تكرار (بما) مرتين يفيد التّوكيد، وفصل الفرح عن المرح أو كلاهما معًا، تمرحون: المرح لا يكون إلا بالباطل، قيّد الأول (الفرح) بغير الحق وأطلق المرح، والمرح: شدة الفرح مثل: الغناء والطّرب والرّقص.

سورة غافر [40: 76]

﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾:

هذه الآية تشبه آية (72) من سورة الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ارجع إلى سورة الزمر للبيان.

﴿ادْخُلُوا﴾: تعود على الّذين كذّبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رُسُلنا، والذين يجادلون في آيات الله.

﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: لها سبعة أبواب كما ورد في الآية (44) من سورة الحجر وهي قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ وقيل: سبعة أبواب؛ لأنّ لها سبع دركات وهي:

جهنم، لظى، الحُطمة، السّعير، سقر، الجحيم، الهاوية، اسم جهنم مشتق من الجهنَّام: القعر البعيد. ارجع إلى سورة الرعد آية (18) لمزيد من البيان.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود يبدأ من زمن دخولهم جهنم، والخلود يعني البقاء على حالهم إلى ما لا نهاية.

﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: من أفعال الذّم والتّحقير.

﴿مَثْوَى﴾: تشمل معانٍ عدةً: الإقامة والاستقرار ومكان الإقامة الجبرية

203

(الحبس) والإقامة الدّائمة، وأنّها مكان ضيق غير متسع مطبِق عليهم وهم عاجزون عن القيام بأيّ عمل. ارجع إلى سورة آل عمران آية (155) لبيان معنى المثوى والمأوى.

﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: عن الإيمان بالله وحده وآياته ورسله، والمتكبر عن قبول الحق. ارجع إلى سورة البقرة آية (87) لمزيد من البيان.

سورة غافر [40: 77]

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ارجع إلى الآية (55) من السّورة نفسها وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، والآية (46) من سورة يونس وهي قوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾.

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ﴾: فاصبر: الفاء للتوكيد، اصبر: حث على الصّبر، والصّبر في هذه الآية على أذى المشركين، والدّعوة وإظهار الدّين والغلبة على الكافرين والمشركين.

وأما الصّبر في الآية (55) على طاعة الله واجتناب نواهيه والصّلاة والتّسبيح وعلى ما أصابك.

أو الآية (77) توكيد للآية (55) على الصّبر بكل أنواعه، والخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ والمقصود به أيضًا أمته.

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ثابت وقادم لا محالة، بالنّصر والغلبة لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين.

﴿فَإِمَّا﴾: حرف تفصيل وتوكيد، ومركبة من إن الشّرطية مدغمة بـ ما للتوكيد، وجواب الشّرط محذوف.

204

﴿نُرِيَنَّكَ﴾: النّون في (نرينّك) للتوكيد أيضًا، نرينّك يا رسول الله ﷺ، وأنت حي؛ أي: في حياتك.

﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: قسم أو جزء من الّذي نعدهم؛ أي: من العذاب في الدّنيا بالقتل والهزيمة والخسارة والفقر والتّشريد والعذاب.

﴿أَوْ﴾: للتقسيم والتّخيير.

﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: النّون في (نتوفينك) للتوكيد، والخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ، نتوفينك قبل أن نرينك عذابهم في الدّنيا.

﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي يوم القيامة، الفاء للتوكيد، (إلينا) تقديمها يدل على الحصر؛ أي: إلينا وحدنا يُرجعون: بضم الياء، أي قسرًا وبدون إرادتهم، يرجعون للحساب أو للثواب أو للعقاب، ولو قال يَرجعون بفتح الياء هذا الرّجوع يكون بإرادتهم وليس قسرًا.

205

سورة غافر [40: 78]

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: تحقق إرسال الرّسل وتمّ، وقد تفيد التكثير في هذه الآية.

﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل بعثنا، هناك فرق بين الإرسال والبعث. ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة لمعرفة الفرق.

﴿رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: الخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ، قيل: عددهم كما أخرج الإمام أحمد عن أبي ذرّ أن رسول الله قال: عدد الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، والرّسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر.

﴿مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾: أي في القرآن حيث ذكر الله سبحانه بعض الرّسل وعددهم (25) رسولًا ونبيًا.

﴿وَمِنْهُم مَنْ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾: قصصنا: من قصّ والقَصَص.

ليس فيها خيال بل هي حق، وليس فيها افتراء أو اختلاق كما هو الحال في القِصص بكسر القاف الّتي قد يخالطها كذب وافتراء.

﴿وَمَا كَانَ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، كان: يجوز أو يحق أو يصح، وكان تشمل جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.

207

﴿لِرَسُولٍ﴾: اللام لام الاختصاص.

﴿أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ﴾: أن للتعليل والتّوكيد، يأتي بآية: دلالة أو بينة أو آية معجزة دالة على نبوته، أو أيّ آية مهما كانت.

﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر، بإذن الله: بأمر الله وإرادته. والإذن: اسم للكلام الذي يفيد بأخذ فعل أو قول، والإذن: يأتي في سياق العمل الذي ليس لنا تدخل فيه؛ أي: هو خارج عن إرادتنا بينما القول إن شاء الله تستعمل في سياق الأمور التي لنا شأن فيها، أو تدخل، أو نقوم بها.

﴿فَإِذَا﴾: إذا شرطية ظرفية تفيد الحتمية.

﴿جَاءَ﴾: أي وقع الحدث.

﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: قد يكون: واحد من الأمور الشؤون، أو واحد من الأوامر مثل:

1 - إنزال العذاب والهلاك في الدّنيا.

2 - يوم القيامة.

3 - قضاءه.

4 - الفصل بين الرّسل وأعدائهم (المكذبين).

﴿قُضِىَ بِالْحَقِّ﴾: حكم الله بالحق بين الرّسل وأقوامهم، بين عباده وبين الأمم. بالحق: الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: الملازم للحق، والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير، والذي ليس هناك غيره.

﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾: المبطلون: جمع مبطل: هو المصرّ على الباطل ومات مصرًّا على الباطل، والباطل: هو ما لم يأتِ به الشّرع، والباطل لغةً: هو الزائل الذاهب.

208

والباطل قد يطلق على الكذب والظّلم والشّرك والإحباط؛ أي: (حبطت أعمالهم). وخسر المبطلون أنفسهم وأهليهم.

سورة غافر [40: 79]

﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:

﴿اللَّهُ﴾: اسم ذات واجب الوجود يحمل في طياته كلّ صفات الكمال المطوية في بقية أسمائه الحسنى.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.

﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: لكم خاصة وليس لغيركم، والجعل مرحلة تتبع الخلق، أو اللام لام التّعليل.

﴿الْأَنْعَامَ﴾: وهي ثمانية أزواج: من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ومن الإبل اثنين.

﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾: اللام لام التّعليل، تركبوا منها: منها هنا بعضية؛ أي: لتركبوا بعضها مثل الإبل، ولا نركب البقر والغنم والمعز.

﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: منها: استغراقية بعكس الأولى البعضية، تستغرق كلّ الأنعام؛ أي: تشمل الكل، ومنها تأكلون: نأكل اللحم لحم الغنم والبقر والمعز والإبل، ونأكل من ألبانها.

سورة غافر [40: 80]

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾:

﴿وَلَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص أو التّعليل.

﴿فِيهَا﴾: تعود على الأنعام.

209

﴿فِيهَا مَنَافِعُ﴾: غير الرّكوب والأكل مثل: الوبر والصّوف والشّعر وصناعة الملابس والأثاث والمتاع، استعمال جلودها لأغراض مختلفة.

﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ﴾: اللام لام التّعليل، عليها: تفيد العلويّة والمشقة.

والحاجة هو الأمر المهم الّذي نحتاجه للسفر للحج والتّجارة، وحمل الأثقال من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس؛ أي: بالتّعب والجهد والمشقة.

﴿وَعَلَيْهَا﴾: أي الإبل.

﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: السّفن وتطلق على الواحدة والجمع.

﴿تُحْمَلُونَ﴾: تركبون في البر والبحر أنتم وأمتعتكم.

ولنقارن هذه الآية (80) من سورة غافر وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، والآية (40) من سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

ففي آية غافر استعمل (عليها) واستعمل فيها للركب على الفلك أو في الفلك؛ لأنّ السّفن لها طوابق مختلفة، يركب فيها أو يركب عليها؛ على ظهرها.

انتبه إلى قوله تعالى: لتركبوا منها ولتبلغوا عليها حاجة، أدخل لام التّوكيد، وتأكلون وتحملون بدون لام التّوكيد؛ لأنّ الأكل والانتفاع منها أقل أهمية من الرّكوب عليها في الصّحارى وبلوغ الحاجة.

سورة غافر [40: 81]

﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَىَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾:

بعد أن ذكر الله خلق السّموات والأرض والليل والنّهار، وجعل الأرض

210

قرارًا والسّماء بناء، وصوركم وأحسن صوركم، فهو سبحانه قادر على أن يريكم آيات أخرى دالة على قدرته وعظمته وإلوهيته وربوبيته.

﴿فَأَىَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: استفهام إنكاري للتوبيخ والتّعجب؛ أي: هذه الآيات الدّالة على كمال قدرته وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد وحده، وأنتم تنكرون.

أي: ولم يقل أية، جاء بصيغة الكثرة مع أنّ الآيات مؤنثة؛ لأنّ (أي) تدل على الكثرة، وأية تدل على القلة؛ أي قلة آيات الله.

﴿تُنْكِرُونَ﴾: الإنكار: يكون عادة للأشياء الظّاهرة والباطنة، ويكون مع العلم وغير العلم به.

أي: كلّ الآيات واضحة وظاهرة لا يجوز لكم إنكارها لا بشكل ظاهر وعلني؛ أي: بألسنتكم وأفعالكم، ولا بشكل باطني؛ أي: بقلوبكم وصدوركم.

ولمعرفة الفرق بين الإنكار والجحد ارجع إلى الآية (14) من سورة النّمل.

سورة غافر [40: 82]

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:

﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والحث والإنكار على هؤلاء المجادلين في آيات الله والكافرين، والذين يكذبون بالكتاب وبما جاء به الرّسل، لمَ لا يسيرون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ومصير الأمم السّابقة الّتي كذبت وعصت رسلها أمثال قوم عاد وصالح ولوط وفرعون. ارجع إلى الآية (21) من السّورة نفسها للبيان.

﴿يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾: عددًا؛ أي: كانوا أكثر عددًا من مشركي قريش وأشد قوة: قوة الأجسام

211

وقوة العدة والعتاد، وآثارًا في الأرض؛ أي: عمروا الأرض أكثر مما عمرها مشركو قريش؛ أي: بإقامة الحصون والقصور والمصانع والمدن والحضارات والسّدود ومظاهر العمران والحضارة والغنى.

﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فما: الفاء للتوكيد، ما: النّافية أو قد تكون استئنافية.

أغنى عنهم: أي لم ينفعهم أو يفدهم ما كانوا يكسبون حين حل بهم العذاب في الدّنيا من مال وحضارة وحصون وقوة وجاه، ومُلك وجنات وزروع ومقام كريم.

ما كانوا: ما هذه مصدرية، أو بمعنى الّذي اسم موصول؛ أي: ما نفعهم كسبهم أو نفعهم الّذي كسبوه.

سورة غافر [40: 83]

﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:

﴿فَلَمَّا﴾: ظرف للزمان الماضي بمعنى حين.

﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: تعود على الّذين من قبلهم من الأمم جاءتهم رسلهم (أمثال هود وصالح ولوط وموسى) بالبينات: بالآيات الواضحة الدّالة على أنّ الله هو الإله الحق الواحد، والدّالة على وحدانيته وعلى وجوب الإيمان وتصديق الرّسل، والدّالة على البعث والحساب والجزاء.

﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: فرحوا: ارجع إلى سورة آل عمران آية (170) لبيان معنى الفرح وأنواعه؛ فرحوا بما عندهم من العقائد الباطلة وتقليد الآباء، وما عندهم من علوم الدّنيا كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

212

[الرّوم: 7] فقالوا: لسنا بحاجة إلى رسل ولا كتب، وقالوا: نحن نعلم أنّا لن نبعث ولن نعذب ﴿وَقَالُوا مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24].

أي: علومنا تكفينا واستهزؤوا بعلوم الدّين وبالرّسل، وسموا ذلك علمًا؛ لجهلهم، أو سُمي علمًا تهكمًا بهم وتقريعًا.

﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أحاط بهم ونزل بهم؛ أي: بالّذين كذبوا بالرّسل وكذبوا بوقوع العذاب. ارجع إلى الآية (45) من نفس السورة لمزيد من البيان، والفرق بين حاق ونزل.

﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: أي عاقبة ما كانوا به يستهزؤون، ما: بمعنى الّذي؛ أي: حاق بهم استهزاؤهم ولم ينفعهم كسبهم أو قوتهم أو عددهم، أو يمنع أو يدفع عنهم العذاب. ارجع إلى سورة الزمر آية (48) لبيان معنى يستهزؤون.

سورة غافر [40: 84]

﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾:

﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتوكيد، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.

﴿رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: عاينوا بأسنا: عذابنا سيحل بهم أو واقع بهم.

﴿قَالُوا﴾: في تلك السّاعة آمنّا بالله وحده.

﴿وَكَفَرْنَا بِمَا﴾: جحدنا بما: بما الباء للإلصاق، ما: تعني الّذي، أو مصدرية، كفرنا بشركنا؛ أي: تبرّأنا وتُبنا.

﴿بِهِ﴾: تعود على الأصنام والآلهة والطّاغوت وغيرها من المعبودات.

﴿مُشْرِكِينَ﴾: في الدّنيا، مشركين: جمع مشرك، وجاءت بصيغة الثّبوت؛ أي: كان الشّرك صفة ثابتة لهم طوال حياتهم.

213

سورة غافر [40: 85]

﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾:

﴿فَلَمْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لم: للنفي.

﴿يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾: يك ولم يقل يكن؛ أي: لم ينفعهم إيمانهم أدنى أو أقل منفعة يمكن تصورها.

ولو قال فلم ينفعهم إيمانهم، لكان يعني: مهما كان حجم إيمانهم ونوعه وشدته، لم ينفعهم.

﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: تكرار هذه في الآيتين (84، 85) ليدل على التّوكيد؛ أي: حين ينزل العذاب بقرية أو بقوم فلن ينفعها إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.

﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾: السّنة العادة والطّريقة الّتي سنّها الله تعالى، وهي من تاب عند معاينة العذاب توبته لا تقبل، كما حدث لفرعون حين أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْئَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 90 - 91].

ولابد من ذكر أن الله سبحانه (وله الأمر كله) استثنى من هذه السّنة قوم يونس فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98].

﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾: وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]. ارجع إلى سورة فاطر للبيان.

وفي هذه الآية تحذير وإنذار لكلّ كافر ومشرك ولمن يؤخّرون توبتهم.

214

﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: خسر: بمعنى هلك، خسر نفسه.

هنالك: اسم إشارة للمكان البعيد، وقد تعني الزّمان؛ أي: خسروا وقت رؤيتهم العذاب، أو خسروا في ذلك المكان.

وكأنّهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك؛ لكونهم كانوا قادرين على التّوبة والإنابة قبل رؤية بأسنا.

﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: الكافرون؛ لأنّ الآيات في سياق الإيمان والكفر لقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ فقال: ﴿هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.

ولو قارنّا هذه الآية (85) بالآية (78) السّابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لوجدنا أنّ هذه الآية جاءت في سياق أو بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فالحق يقابله الباطل فاختار (المبطلون).

والآية (85) جاءت في سياق الإيمان والكفر، وبما أن إيمانهم جاء متأخرًا، وربما جاء قسرًا وليس بإرادتهم كإيمان فرعون، ولذلك جاء بقوله تعالى ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.

215