تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 10 · ص 176 - 197

سورة غافر (4 من 5)

سورة غافر [40: 51]

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾:

بعد أن ذكر حال آل فرعون في الدّنيا والبرزخ ويوم القيامة، وحال الّذين كفروا رسلهم، يذكر حال الّذين آمنوا، ومنهم الرّسل فيقول تعالى:

﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.

﴿لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: اللام: للتوكيد، ننصرهم في الحياة الدّنيا بالقوة والعدّة والغلبة على المكذبين والكافرين، أو ننصرهم بالحجة والبرهان أو بأيّ وسيلة بالقوة والسيف أو الحرب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (21) في سورة المجادلة وهي قوله تعالى: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: نجد أن آية غافر تشمل الرسل والذين آمنوا، وآية المجادلة خاصة برسل أمروا بالقتال.

﴿وَيَوْمَ﴾: يوم القيامة. (يوم يقوم الأشهاد) والأشهاد: هم الملائكة يشهدون للأنبياء على أنّهم بلّغوا، وعلى الأمم بالتّكذيب.

فالأشهاد: هم الرّسل والأنبياء يشهدون على أممهم وأممهم تشهد عليهم.

والمؤمنون وأولو العلم من الأشهاد.

والأشهاد قد تكون أيضًا: الجلود والألسُن والأرجل والأيدي والأعين.

وقد يكون الكل: الملائكة والأنبياء والرّسل والمؤمنون، والأشهاد: جمع شاهد، وشاهد تجمع على: شهود وأشهاد. ولتعريف الشاهد، والشهيد: ارجع إلى سورة البقرة آية (133)، وسورة المجادلة آية (6) للبيان.

176

سورة غافر [40: 52]

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾:

﴿يَوْمَ﴾: جاء نكرة للتهويل والتّعظيم؛ أي: يوم القيامة.

﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾: لا النّافية، لا ينفع الظّالمين: أي المشركين.

﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: أي إن اعتذروا لا يقبل أو ينفعهم أيُّ عذر؛ لأنّه عذر باطل أو أنّه لا يؤذن لهم أصلًا ليعتذروا كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35 - 36].

﴿وَلَهُمُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم لهم؛ أي: كأنّ اللعنة خاصة بهم.

﴿اللَّعْنَةُ﴾: الطّرد والبعد عن رحمة الله.

﴿وَلَهُمْ﴾: تكرار (ولهم) للتوكيد، وفصل اللعنة عن سوء الدّار فلهم اللعنة ولهم سوء الدّار ولهم كلاهما.

﴿سُوءُ الدَّارِ﴾: دار الآخرة؛ أي: أقبح العذاب.

لنقارن هذه الآية (52) من سورة غافر: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ مع الآية (87) من سورة آل عمران: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق؛ أي: يستحقون اللعنة.

عليهم اللعنة: على تستعمل للأفعال الشّاقة الثّقيلة الّتي يقع وبالها أو عقابها؛

177

أي: جزاء الّذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أنّ الرّسول حق وجاءتهم البينات. فالآية تتحدث عن الجزاء، والآية في سورة غافر تتحدث عن الاستحقاق.

سورة غافر [40: 53]

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: قد حدث ذلك.

﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾: آتينا من الإيتاء: وهو العطاء مع عدم التّملك. ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

﴿الْهُدَى﴾: التّوراة. والهدى: الدّلالة الموصلة إلى البغية؛ أي: بيّنّا له طريق الحق من طريق الباطل.

﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾: أورثنا التّوراة الّذين اصطفينا من بني إسرائيل (بني يعقوب)، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: 32].

سورة غافر [40: 54]

﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾:

﴿هُدًى﴾: تعود على الكتاب (التّوراة) أو هو هدى يهدي للحق ويهدي للغاية.

﴿وَذِكْرَى﴾: تعود على الكتاب (التّوراة) تذكرة أو تذكيرًا.

﴿لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: اللام لام الاختصاص، أولي الألباب: ذوي أو أصحاب العقول المستبصرة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (7) والبقرة الآيتين (179، 197) للبيان.

178

سورة غافر [40: 55]

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾:

﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء للتوكيد، اصبر: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وأمته، اصبر على طاعة الله، اصبر على ما يقولون، اصبر على أذاهم، اصبر لحكم ربك، واصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل، واصبر حتّى يحكم الله.

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إن للتوكيد، وعد الله: الوعد هو الإخبار بالخبر قبل وقوعه، والوعد يستعمل عادة في الخير إذا كان مطلقًا، والوعيد يستعمل عادة في الشّر.

حق: الحق الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل.

﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: لها معان كثيرة، والمهم ألَّا تظن أنّ رسول الله ﷺ قد خالف منهج الله سبحانه ووقع في ذنب أو معصية كما نفعل نحن، فالمخاطب رسول الله ﷺ والمقصود أمته.

فإذا كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ؛ أي: استغفر إذا وقع منك خطأٌ بغير نية أو قصد، مثل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1]، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1 - 2]، أو ما وقع منك قبل النبوة والعصمة.

والاستغفار من أنواع الذّكر للتقرب إلى الله ولو بدون وقوع صغيرة أو ذنب. وإذا كان الخطاب للمؤمنين؛ أي: استغفروا ربكم لذنوبكم وسيئاتكم مهما كان نوعها وسببها وتوبوا إلى الله عز وجل لعلكم تفلحون.

وقد يكون على ما حصل منك قبل النّبوة والعصمة.

179

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أي سبّح ربك تسبيحًا مقرونًا بالحمد، أو موصولًا بالحمد؛ لأنّ التّسبيح: هو ثناء على الله، أمّا الحمد: فهو شكر الله على نعمه الظّاهرة والباطنة، والتّسبيح: تنزيه الله تنزيهًا كاملًا مطلقًا عما لا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، تنزيهًا لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، ومن الشّريك والولد والصّاحبة والنّدّ.

وقيل: إنّ معنى سبّح: صلِّ، وسبّح بالعشي والإبكار؛ أي: صلِّ الصّلوات الخمس، وقيل: صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل: ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي قبل أن تفرض الصّلوات الخمس.

﴿بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: العشي: من صلاة الظّهر (أو الزّوال) إلى المغرب.

والإبكار: من صلاة الفجر إلى الضّحى.

وبالعشي والإبكار: معرفة، مقارنة بقوله: بكرة وعشيًا (نكرة)، بالعشي والإبكار تعني: الدّوام؛ أي كن دائمًا مسبّحًا بحمد ربك، وتعني: ليس هناك وقت محدد؛ أي سبّح في أيّ وقت، أو في أي يوم فليس هناك أيام محددة أو وقت محدد.

أما بكرة وعشيًا: تعني في وقت محدد مخصص بعينه، ويوم محدد.

وقرن الصّبر مع التّسبيح والحمد والاستغفار؛ لأنّ مما يساعد على الصّبر الصّلاة والتّسبيح والاستغفار، أو قالوا: من مقومات الصّبر الصّلاة والتّسبيح والاستغفار.

180

سورة غافر [40: 56]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (5)، والآية (35)، والآية (69) من السّورة نفسها للمقارنة.

فالآية (5) تتحدث عن الدّافع أو الغاية من جدالهم وهو إبطال الحق وردّ المؤمنين إلى الكفر.

والآية (35) تتحدث عن منزلتهم عند الله وعند الّذين آمنوا: المقت (أشد الكراهية).

الآية (56) تتحدث عن كبرهم، والآية (69) تتحدث عن تكذيبهم بالكتاب والرّسل ومصيرهم في الآخرة وما سيحلّ بهم.

إن: للتوكيد، ﴿فِى﴾: ظرفية.

﴿صُدُورِهِمْ﴾: أي قلوبهم.

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

﴿كِبْرٌ﴾: أي تكبّر عن الإيمان بالله والاستجابة لرسوله، تكبّر دفعهم إلى عدم الاستماع لآيات الله وما نزل من الحق، وعدم إيمانهم بالبعث والحساب، وأخذوا يجادلون فيها ويتجدّد ويتكرّر جدالهم.

﴿كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾: ما النّافية، هم تفيد التّوكيد؛ أي: لن يتحقق أملهم ويصلوا إلى غاياتهم، والباء للتوكيد، وهو كبرٌ كاذب وزائل وإثمه عائد عليهم. والكبر تعريفه لغويًا: إظهار عظم الشّأن ورفع النّفس فوق ما تستحق، وعدم قبول الحق. ارجع إلى الآية (87) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

181

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، استعذ بالله: أي اِلجأ إلى الله واطلب منه العون، من الكِبرْ، وكِبرْ هؤلاء وشرهم وكيدهم، واستعذ بالله. لم يذكر ما يستعيذ منه؛ ليفيد التّعميم.

﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن للتوكيد، هو لزيادة التّوكيد.

﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالهم وأسرارهم ونجواهم وما يسرون وما يعلنون.

﴿الْبَصِيرُ﴾: بأحوالهم وأفعالهم وبما تمله جوارحهم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (200) في سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: جاءت في سياق الاستعاذة من الشيطان، وآية غافر الاستعاذة من كبر الذين يجادلون في آيات الله؛ فالله سبحانه يسمع ويعلم ما ينزغه الشيطان (في الأعراف) ويعلم الله ويبصر (يرى) كبر الذين يجادلون في آيات الله.

سورة غافر [40: 57]

﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:

المناسبة: في الآية السّابقة ذكر الّذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، وجدالهم ناتج عن الكبر الّذي أدى إلى عدم إيمانهم بوحدانية الله تعالى، وعدم إيمانهم بالبعث والحساب والجزاء، فردّ الله عليهم بكثير من الآيات والأدلة والبراهين القاطعة الّتي تدل على أنّه الإله الحق واجب الوجود، وتدل على عظمته وقدرته على البعث والحساب، منها:

1 - خلق السّموات والأرض.

2 - جعل الليل ليسكنوا فيه والنّهار مبصرًا.

3 - جعل الأرض قرارًا والسّماء بناءً.

182

4 - صوّركم فأحسن صوركم.

5 - رزقكم من الطّيبات.

﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اللام لام التّوكيد، وهناك من يقول: إنّها لام القسم.

﴿أَكْبَرُ﴾: من خلق النّاس، أكبر على وزن: أفعل وتعني: أعظم.

ومن الأمثلة على ذلك مجرة التّبانة الّتي فيها حوالي (200) مليار نجم، والتي هي مجرتنا، وهناك أكثر من ألف مليون مجرة، وهذه النّجوم تدور وفي كلّ ثانية تكون في موقع جديد، والشّمس تجري بسرعة (19) كم في الثّانية نحو مستقرها؛ أي: (صولرايبكس)، وفي الوقت نفسه تجري حول مركز المجرة بسرعة (220 كم/ ثانية) لتكمل دورتها حول مركز المجرة في (250) مليون سنة، والشمس تعتبر نجمًا من هذه المليارات النجوم والكون فيه آلاف الملايين من هذه النجوم والكواكب.

والشّمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، وحرارتها تصل إلى (20) مليون درجة في مركز الشّمس، وطول ألسنة لهبها يصل أكثر من نصف مليون كم، وتبعد عن الأرض (150) مليون كم والأرض تدور حول الشّمس بسرعة (30) كم في الثّانية، ولو انطفئت الشّمس لتجمدت الأرض ووصلت درجة حرارتها إلى (270) درجة تحت الصّفر، وتدور الأرض حول نفسها بسرعة تبلغ في خط الاستواء (1600) كم بالسّاعة، ومع ذلك لا نشعر بحركتها، وتصور باقي النجوم والكواكب التي لا يعلمها إلا الله.

﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.

183

﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: آيات الله في الآفاق (والكون) ولا في أنفسهم.

سورة غافر [40: 58]

﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِاءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾:

في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن خلق السّموات والأرض أعظم من خلق الإنسان، وفي هذه الآية قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.

﴿الْأَعْمَى﴾: هو الّذي لا يعلم أنّ خلق السّموات والأرض أكبر وأعظم من خلق النّاس ولا يؤمن بالله وبالبعث وبوحدانيته، فهذا الأعمى لا يستوي مع أعمى آخر يعلم بدرجة قليلة أو بدرجة كبيرة أنّ خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس، والأعمى الّذي لا يريد أن يعلم على الإطلاق أن خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس.

أو الأعمى: الغافل الّذي لا يتفكر ولا يتأمل بآيات خلق السّموات والأرض ويبقى غير مؤمن بالله.

﴿وَالْبَصِيرُ﴾: الّذي يتفكر بخلق السّموات والأرض ويتأمّلها ويستدلّ على واجب الوجود والإيمان والوحدانية والبعث.

والنّفي قد يكون نفي الجنس. ارجع إلى سورة فاطر الآيتين (18 - 22).

وما يستوي الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات؛ أي: لا يستوي كلّ منهم مع الآخر فهناك السّابق بالخيرات وهناك المقتصد.

ولا يستوي المسيء مع المسيء، فهناك من يعمل الكبائر وهناك من يعمل

184

الصّغائر؛ ناهيك عن استواء الذي يعمل الصالحات مع المسيء، أو المؤمن والكافر فهذا أمر واضح.

﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: قليلًا: أي إما العدد؛ أي: الّذين يتذكرون عددهم قليل، أو مقدار ما يتذكرون قليل، أو الزّمن الّذي تقضونه في التّذكر في ذكر خلق السموات والأرض قليل جدًا.

ما: للتوكيد.

تتذكرون: التذكر من الذكر، وهو العلم بعد النسيان؛ أي: قليلًا ما تتذكرون؛ أي: هذه الآيات الكونية مثل خلق السّموات والأرض وغيرها، مثل خلق الإنسان تدعوا إلى الإيمان بالله وعظمته وقدرته وعلمه، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يعبد ويطاع. تتذكرون: تعني أنها تحتاج إلى زمن أطول وتفكير عميق حتّى يهتدوا بها ويؤمنوا؛ لجهلهم بها وعدم معرفتها سابقًا، ولو قال: تذكرون لدلّ ذلك على زمن أقل.

185

سورة غافر [40: 59]

﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:

جاءت هذه الآية ردًا على الّذين يجادلون في البعث والحساب والدّار الآخرة وينكرون قيام السّاعة، وبعد أن جاء بالدّليل على قدرته سبحانه في خلق السّموات والأرض الّذي هو أكبر من خلق النّاس، أخبر بوقوعها لا محالة فقال تعالى:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: إن للتوكيد، السّاعة: أو قيام السّاعة. وسميت السّاعة وهي لحظة بدء تهدّم النّظام الكوني الحالي.

﴿لَآتِيَةٌ﴾: اللام للتوكيد، الخطاب موجّه إلى منكري البعث خاصة، والكفار والذين يجادلون في آيات الله، لذلك ناسب التّوكيد بإنّ واللام.

﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: لا النّافية، الرّيب: الشّك مع التّهمة؛ أي: هم يشكون في السّاعة ويكذبون بالآيات الّتي تخبرهم بقدومها، ويتّهمون الرّسول ﷺ بالأباطيل. ارجع إلى سورة طه الآية (15) للمقارنة والبيان.

﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.

﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي لا يصدقون بالبعث وبالساعة والقلة يؤمنون بها ويعلمون أنّها الحق ولذلك يستعدون لها.

وإذا قارنّا هذه الآية (59) من سورة غافر: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ مع الآية (15) من سورة طه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ نجد أنّه في سورة

187

غافر أكد بإن واللام ولا ريب فيها: ثلاث توكيدات؛ لأنّ الخطاب موجه لمنكري البعث والسّاعة، بينما في سورة طه لم يؤكد بشيء؛ ذلك لأنّ الخطاب لموسى عليه السلام وهو رسول الله ومؤمن بالسّاعة والبعث فلا يحتاج إلى أيّ توكيد. ارجع إلى سورة طه آية (15) لمزيد من البيان ومقارنة الآيات المماثلة.

سورة غافر [40: 60]

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾:

وبعد أن أكد قيام السّاعة بيّن في هذه الآية مصير هؤلاء الّذين لا يؤمنون بالسّاعة ولا يدعون ربهم ويرجعون إليه ويستكبرون عن عبادته فقال:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾: ربكم؛ أي: الّذي خلقكم وأمدّكم وربّاكم ورزقكم.

﴿ادْعُونِى﴾: ادعوني تأتي بمعنى: اعبدوني، الدّعاء: العبادة، والدّليل هو في تتمة الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ أو تأتي بمعنى الدّعاء نفسه.

والعبادة تنطوي على الدّعاء، والدّعاء باب من أفضل أبواب العبادة، ولتعريف العبادة: ارجع إلى سورة النحل آية (73) للبيان.

﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: أعطيكم ما تسألوني أو أرزقكم، أو أعينكم على حوائجكم، وأستجب لكم: أغفر لكم وأثيبكم على عبادتكم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾: إن للتوكيد، يستكبرون عن عبادتي: أي لا يطيعون أوامري ولا يتجنبون نواهيَّ؛ ويعني الخضوع والذّلّة له وتوحيده والتّوكل عليه. ارجع إلى سورة البقرة آية (87) لبيان معنى الاستكبار والتكبر.

﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: السّين للاستقبال القريب؛ أي: مهما طالت أعمارهم فأجلهم قريب وبعدها يدخلون جهنم، وتعني: بعيدة القعر، وجهنم اسم من أسماء النّار. ارجع إلى سورة الرّعد آية (18) للبيان.

188

داخرين: صاغرين أذلّاء من دَخِر: صَغُرَ وذَلّ، وأدْخَره: أذلّه.

سورة غافر [40: 61]

﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾:

هذا دليل آخر على قدرته وعظمته سبحانه على الخلق والبعث وفضله على النّاس.

ولنعلم أنّ هذه الآية ذُكرت لأهميتها في ثلاث سور من القرآن، وتدل على عظمته وقدرته ورحمته بالناس، وتعتبر من آيات الإعجاز العلمي في القرآن بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيها والنّهار مبصرًا.

هذه السّور هي:

سورة يونس آية (67): ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.

سورة النّمل آية (86): ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.

سورة غافر آية (61) ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.

﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يكون بعد الخلق؛ أي: سبحانه خلق السّموات والأرض أولًا ثم جعل الليل والنّهار.

﴿لَكُمُ﴾: اللام لام الاختصاص، جعل لكم الليل والنّهار؛ أي: جعل لكم الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض الّتي تسمى (النّهار) وتضيء بأشعة الشّمس، ولا

189

توجد هذه الطّبقة الغازية حول أيّ كوكب إلا الأرض فهذا خاص بكم. ارجع إلى سورة يونس آية (67) لمزيد من البيان.

وجعل لكم ﴿الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام في كلمة (لتسكنوا) للتعليل، ولتسكنوا فيه: من السّكون، الانقطاع عن الحركة؛ أي: الرّاحة والنّوم والسّكينة الهدوء، و(تسكنوا) جاء بصيغة المضارع ليدل على التّجدد والتّكرار (بالنّوم) ودلالة على نعمة الرّاحة في الليل ليكون الإنسان نشيطًا في الصّباح ويزاول عمله مرة أخرى.

﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ارجع إلى الآية (67) من سورة يونس للبيان.

﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد.

﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: اللام للتوكيد، ذو: صاحب وذوا شرف من صاحب، فضل: الفضل هو الزّيادة عما يستحق العبد.

﴿عَلَى النَّاسِ﴾: على تفيد العلويّة؛ أي: فضله ينزل على النّاس.

﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.

﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يشكرون ربهم على نعمة الليل، ونعمة السكن، ونعمة الضياء، والتقلب في النهار، ولا يشكرونه على نعمه وفضله عليهم؛ بسبب انشغالهم بالنّعمة ونسيان المنعم، أو بسبب الشّيطان الّذي يُنسي الإنسان ذكر ربه، أو بسبب الظّن أنّ النّعمة تنحصر فقط بالمال وينسى نعمة الصّحة والعافية والأهل والأمن والطّمأنينة - والعلم - وغيرها.

وتكرار كلمة النّاس: للتوكيد على الكفر بنعمة الله؛ أي: سترها وجحدها، أو غفلتهم.

190

﴿لَا﴾: النّافية.

﴿يَشْكُرُونَ﴾: أي أكثر النّاس لا يشكرون والقليل يشكرون، أو كمية الشّكر الصّادرة عنهم قليلة مقابل النّعم الكثيرة.

ولا يشكرون بصيغة المضارع تدل على تجدد وتكرار عدم شكرهم المنعم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (10) لمزيد من البيان.

سورة غافر [40: 62]

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾:

﴿ذَلِكُمُ﴾: ذا اسم إشارة، ولم يقل ذلك الله ربكم، ذلكم: فيها تعظيم وتدل على الإشارة لعدّة نعم، أو دلائل على قدرة الخلق.

﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الله: الإله المعبود واجب الوجود، ربكم؛ أي: الخالق المدبر والمربي والرّزاق.

فقوله: الله ربكم: جمع صفتي الألوهية والرّبوبية معًا.

﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: خالق من الخلق: وهو التّقدير، كل: للتوكيد، شيء نكرة تعني: أيّ شيء مهما كان - وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكونه خالق كلّ شيء فهذا يدل على ربوبيته.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا النّافية، إله: معبود، إلا: أداة حصر، هو: للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (255) لمزيد من البيان في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (102) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: نجد آية الأنعام جاءت في سياق الشريك الولد والصاحبة، ولذلك نفى الشريك، وقدم كلمة التوحيد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ثم ذكر الخلق؛ أما في آية غافر الآية جاءت في سياق الخلق وليس الشرك، ولذلك قدم الخلق وأخر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.

191

وكونه لا إله إلا هو، فهذا يدل على وحدانيته.

﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: الفاء للتوكيد، أنّى: تعني كيف ومن أين، وللاستفهام والتّعجب والإنكار على إفكهم، وفيها سعة في المعنى (توسع) أكثر من كيف.

أي: كيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وجود كلّ هذه الأدلة والآيات على وحدانيته، أو كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، تؤفكون: الإفك وهو الكذب المتعمد لقلب الحقائق.

سورة غافر [40: 63]

﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾:

﴿كَذَلِكَ﴾: أي مثل إفك هؤلاء وانصرافهم عن عبادة الله وحده إلى عبادة غيره من أصنام وغيرها، كذلك يصرف: يؤفك ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: كذلك يصرف كلّ جاحد بآيات الله، والجحد إما عقائدي إنكاري؛ أي: إنكار وجود الله تعالى، أو جحود: ستر لنعمة الله وإنكار لها.

سورة غافر [40: 64]

﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:

هذا دليل آخر على قدرته وعظمته: أنّه هو المنعم الّذي يستحق العبودية.

﴿اللَّهُ﴾: اسم ذات يحمل في طياته كلّ صفات الكمال ويدل على الإله الحق واجب الوجود.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الاختصاص؛ أي: وحده الّذي.

﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: جعل (لكم) خاصة (واللام لام الاختصاص والملكية) والكاف للخطاب.

192

قرارًا: ساكنة رغم حركتها التي تقدر بـ (30 كم/ ثانية)، ولا تعني: لا تتحرك كما تفسرها كثير من كتب التّفسير، هذه الأرض التي تتركب من سبع طبقات تشمل لبّ هذه الأرض كتلة صلبة ضخمة من الحديد والنّيكل، تصل نسبة الحديد إلى أكثر من (90%) هذه الكتلة الصّلبة من الحديد هي الّتي تعين في جعل الأرض قرارًا.

وكتلة الأرض تقدر بـ (6) آلاف مليون مليون مليون طن رغم أنّها معلقة في الفضاء ولا ننسى الجبال (الرّواسي) والصّفائح تحت القارية كذلك التي تساعد على استقرار الأرض، فالأرض تدور حول نفسها مرة كلّ (24) ساعة وتدور حول الشّمس مرة كلّ (365) يومًا (سنة) سرعة دورانها حول الشّمس (30) كم/ ثانية (19) ميل بالثّانية.

وسرعة دوران الأرض حول خط الاستواء (460) مترًا بالثّانية، ولماذا لا نشعر بدورانها؟ لأنّنا كلنا ندور بنفس السّرعة كما يحدث عندما نركب سيارة ونسير بسرعة (60) كم داخل السّيارة نشعر بقرار وسكون رغم أن السّيارة متحركة بسرعة هائلة.

﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: السّماء تعني السّموات السّبع: ومنها السّماء، السّماء الدّنيا المبنية من طبقات مثل: تروبوسفير، ستراتفير، ميزوسفير، ثرموسفير، اكسَّفير وكلها يطلق عليها اتمسفير ..

سماوات سبع متماسكة كالبناء؛ لما فيها من قوى الجاذبية فهي سماوات يغلف الخارج منها الدّاخل مركزها الأرض.

﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: في المنظر والشّكل واللون؛ أي: ميّز بعضكم على بعض بالصّورة أو السّمة بحيث لا يشبه الواحد الآخر بحسب

193

الشّفرة الوراثية لكلّ فرد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (6) وسورة الأعراف آية (11) للبيان ..

﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطّيب هو ما كان طاهرًا غير نجس ولا مستقذر تعافه النّفس، وكذلك حلالًا.

والحلال ما أذن به الله تعالى.

الطّيبات: تشمل المأكل والمشرب والملبس والمنكح، وغيرها.

﴿مِنَ﴾: بعضية.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: ارجع إلى الآية (62) للبيان.

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: الفاء للتوكيد، تعالى قدرةً وتعاظم وتنّزه وتقدّس عن شبه ما سواه، وعظم خيره وعمّت بركته على خلقه ودام وثبت إنعامه وإحسانه. ارجع إلى سورة الملك آية (1) لمزيد من البيان.

سورة غافر [40: 65]

﴿هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:

﴿هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (255) للبيان.

﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي فاعبدوه وحده لا شريك له: مخلصين له الدّين؛ أي: الطّاعة الخالصة من الشّرك والرّياء. ارجع إلى الآية (14) من السّورة نفسها، وسورة الزمر آية (2) لبيان معنى الإخلاص، وسورة البقرة آية (132) لبيان معنى الدين.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي احمدوا الله على نعمه الّتي أنعم بها عليكم:

194

نعمة الخلق (الإيجاد) ونعمة الإمداد ونعمة الهداية، ارجع إلى الآية (2) من سورة الفاتحة.

سورة غافر [40: 66]

﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِىَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:

﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ، الخطاب موجّه إلى رسول الله والمقصود به أفراد أمته.

﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

﴿نُهِيتُ﴾: النّهي: المنع؛ أي مُنعت.

﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.

نهيت أن أعبد هذه الأصنام أو الآلهة الّتي تدعون: تعبدون من دون الله، من دون الله: من غير الله؛ أي: سواه.

﴿لَمَّا﴾: ظرف زماني بمعنى حين، أو منذ ذلك الزّمن: لما جاءني.

﴿جَاءَنِىَ الْبَيِّنَاتُ﴾: بالتذكير وتعني: الأحكام والأوامر من ربي، ولم يقل جاءتني البينات؛ التّأنيث التي تدل على أنّها بينات معجزات تدل على صدق نبوة الرّسول.

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وأُمرت أن: تعليلية، أسلم لرب العالمين؛ أي: إسلام الوجه، ويعني الإخلاص والتّوحيد، لرب العالمين: لام التّوكيد، ويقصد به الإسلام الّذي ارتقى إلى التّقوى والإحسان وإسلام الذّات.

195

سورة غافر [40: 67]

﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:

﴿هُوَ﴾: تعود على رب العالمين.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم والكمال.

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: وتعني خلق أباكم آدم من تراب وكلكم من ذرية آدم، وقد تعني: أنّ العناصر الّتي يتركب منها جسم الإنسان هي نفسها موجودة في التّراب حيث وجد أنّ (16) عنصرًا مثل الكالسيوم والحديد والصّوديوم والمغنيزيوم والكلوريد وغيرها هي نفسها تشكل بعض عناصر التّربة وتشكل بعض عناصر الإنسان، أو أنّ الحيوان المنوي والبويضة منشؤهما مما نأكله من الأغذية النّباتية والحيوانية (اللحوم) والنّبات والحيوان من التّراب. ارجع إلى سورة الرّوم آية (20) لمزيد من البيان.

﴿ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: أي نطفة الرّجل وهي الحيوان المنوي ونطفة البويضة.

﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: سميت علقة؛ لكونها تعلق في جدار الرّحم وتنمو. ارجع إلى سورة الحج آية (5).

﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: ولم يذكر مرحلة المضغة ونفخ الرّوح ومرحلة

197