تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 11 · ص 213 - 229

سورة القمر (1 من 2)

سورة القمر

سورة القمر [54: 1]

ترتيبها في القرآن (54) وترتيبها في النزول (37).

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾:

سبب النّزول: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أنّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية تدل على صدق نبوته فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حراء بينهما.

وفي رواية ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله ﷺ: إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يُعطيه ما قالوا فانشق القمر شقين أو نصفين، ورسول الله ﷺ ينادي: يا فلان ويا فلان اشهدوا. وذلك بمكة قبل الهجرة. رواه البخاري، وذكره السيوطي في الدر.

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: الساعة تعني: ساعة: هي لحظة تهدم ودمار النظام الكوني الحالي وزوال السموات والأرض، والذي يعقبه البعث، والحشر للحساب، والجزاء، وقد عدها الإمام الغزالي والقرطبي فبلغت حوالي خمسين اسمًا، كما قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري منها: الحاقة، الطامة، الصاخة، الواقعة، الحسرة، الغاشية، الأزفة .... وغيرها.

213

﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: ارجع إلى سورة إبراهيم آية (33) وسورة يونس آية (5) للتعريف بالقمر. وبما أنّ القمر انشق على زمن الرّسول ﷺ فقد اكتشفت الدّراسات الجيولوجية الحديثة أنّ هناك شقوق على سطح القمر يبلغ طولها أحيانًا (125) كم، وعمقها (400) متر على شكل قنوات لا زالت الأبحاث تدرس هذه الآيات الكونية التي تدل على عظمة الله وقدرته وصدق نبوة محمّد ﷺ، فانشقاق القمر من أهم معجزات الرسول ﷺ، وكذلك من أشراط الساعة أو (الأمارات أو العلامات) والدالة على قرب وقوعها رغم مضي أكثر من ألف وأربعمئة عام، والجواب على ذلك لأن الباقي من أمر الدنيا قليل بالنسبة لما مضى فيها واقتراب الساعة بتقدير علم الله سبحانه وليس بتقدير البشر.

سورة القمر [54: 2]

﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾:

﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الشك والاحتمال.

﴿يَرَوْا آيَةً﴾: أيْ: معجزة دالة على صدق نبوة الرّسول ﷺ مثل انشقاق القمر.

﴿يُعْرِضُوا﴾: هذا هو جواب الشّرط، يعرضوا عن الإيمان والتّصديق بالآيات.

﴿وَيَقُولُوا﴾: معطوفة على يعرضوا ويقولوا عن الآيات أو المعجزات سحر مستمر.

﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾: سحر دائم، سحرنا به محمد وسحرنا غيره من قبل لما رأوا تتابع الآيات، أي: المعجزات، أو سحر زائل ذاهب أو سحر شديد قوي. مستمر: من مر الشيء: أيْ: ذهب.

214

ويقولوا سحر مستمر؛ ويقولوا: بصيغة المضارع لتدل على تجدُّد أقوالهم وتكرارها. أو حكاية الحال التي تدل على شناعة كذبهم، ولتعريف السحر ارجع إلى سورة طه الآية (58) للبيان.

سورة القمر [54: 3]

﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾:

﴿وَكَذَّبُوا﴾: رسول الله ﷺ أو كذبوا بالآيات.

﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: أهواءَهم جمع هوى. ارجع إلى سورة النجم آية (3)، وسورة النساء الآية (135) لبيان معنى الهوى.

﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾: أيْ: إلى الآن هذا الأمر لم يبلغ غايته (أيْ: أمر الدّين والإسلام) لا زال في بدايته، ولا بُدَّ لكل أمر يريده الله أن يبلغ غايته ومنتهاه ويتحقق.

كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].

ولكل أمر حقيقة وبداية ونهاية، وبما أنّ (كلُّ) جاءت بالضم وليس بالفتح، ولم يقل: وكلَّ، فتدل على أنّ هناك أمورًا لها مستقر وأمورًا ليس لها مستقر، أيْ: مستمرة، ولو قال: كلَّ أمر بالفتح لدل ذلك على كل أمر له مستقر.

سورة القمر [54: 4]

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية واللام للتوكيد، قد للتحقيق.

﴿جَاءَهُمْ﴾: أيْ: قريش أو أهل مكة والمجيء فيه معنى المشقة.

﴿مِنَ﴾: بعضية.

215

﴿الْأَنبَاءِ﴾: جمع نبأ، النّبأ هو الخبر العظيم أو المهم. أيْ: أنباء الأمم السّابقة المكذبة رسلها وما أصابها من الهلاك والدمار.

﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: ما فيه: الكفاية والموعظة والنّهي لكي يزجرهم، أيْ: ينهاهم أو يكفهم ويمنعهم عن غيِّهم وضلالهم وكفرهم وشركهم.

﴿مُزْدَجَرٌ﴾: مصدر للفعل ازدجر أو زجر، أيْ: نَهره (من الانتهار) أو محاولة المنع.

سورة القمر [54: 5]

﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾:

﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: أيْ: هذا القرآن حكمة تامة بما فيه من الأنباء والمواعظ والهداية.

﴿بَالِغَةٌ﴾: كاملة تامة بلغت منتهى البيان ليس فيها نقص أو خلل بلغت الغاية التّامة في الزّجر والرّدع، وما فيه الكفاية لتزجر الكافر والضّال، حكمة بالغة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].

﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما: نافية أو استفهامية.

﴿تُغْنِ النُّذُرُ﴾: أيْ: من لم ينزجر ويرتدع ويكفَّ عن غيِّه وضلاله بما في هذا القرآن من إنذار، وبما جاء به الرسول ﷺ، فلن ينفعه أيُّ إنذار بعده أو غيره.

﴿النُّذُرُ﴾: جمع نذير أو منذر أو الإنذارات.

سورة القمر [54: 6]

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ﴾:

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: ابتعد عنهم، عن هؤلاء الكفار والمشركين والمكذبين؛ لأنّ الإنذار لا ينفع معهم، واستمر في دعوتك إلى الله تعالى، وانتظر يوم يدعُ

216

الداعي وهو إسرافيل عليه السلام يوم ينفخ في الصّور نفخة البعث يسمعها كل حي، يسمعها من في القبور بعد النشر (الإحياء).

﴿إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ﴾: شيء: عظيم مروع لا تصدقه؛ أيْ: العقول وتكرهه النّفوس لم يروا مثله في حياتهم قط، وهو يوم القيامة والبعث والحساب، وهناك فرق بين نُكُر ونُكْر كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: 74].

نُكُر: بضم الكاف أبلغ وأشد في الإنكار نُكْرًا بتسكين الكاف، وهناك فرق بين المنادي والدّاعي.

المنادي: ينادي برفع الصّوت فقط والمنادي ليس بالضّرورة يطلب شيئًا.

الدَّاعي: إما أن يرفع صوته أو يخفضه، والدَّاعي يطلب شيئًا.

وهناك فرق بين الدّعاء والنّداء والرّجاء.

الدّعاء: يكون من الأدنى إلى الأعلى، أي: الأعلى شأنًا أو عظمة وقدرة.

النّداء: يكون من أعلى إلى أسفل.

الرّجاء: يكون مساوٍ للمرجو منه.

217

سورة القمر [54: 7]

﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾:

﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾: جمع خاشع اسم فاعل من فعل خشع، والخشوع هو الانكسار والذّلة، ويظهر ذلك في عينيه، وصوته أو وجهه، وقلبه.

﴿خُشَّعًا﴾: على وزن فُعل يفيد التكثير والمبالغة والعدد الكبير، فحين يخرجون من الأحداث يخرجون خُشعًا أبصارهم، ثم من طول الموقف يوم الحساب تخف شدة الخشوع، وتصبح أبصارهم خاشعة، كما في قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: 43]. ليس فيها مبالغة ولا تكثير كما كان سابقًا، فهناك فرق بين خُشعًا أبصارهم وخاشعة أبصارهم، والخضوع: يظهر أثره في البدن.

﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: الأجداث جمع جدث وهو القبر، والقبر يسمَّى جدثًا، أو يتحول إلى جدث بعد أن يُبعث الميت من جديد، ويتحرك ليخرج من القبر، فهذه الحركة والانتفاض يحول القبر من قبر هادئ لا حركة فيه إلى قبر فيه حياة ونشاط للخروج منه، وحينئذ يسمَّى القبر جدثًا؛ أي: في مرحلة أو زمن الخروج.

﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾: يخرج الأموات، أيْ: يبعث الأموات من أجداثهم للذهاب إلى أرض المحشر.

كأنّهم جراد منتشر: أيْ: جماعات جماعات في الكثرة والانتشار، ويبلغ عدد سرب الجراد عشرات الملايين، وهكذا سيكون الناس يوم خروجهم من

219

الأجداث جماعات جماعات عشرات الملايين والجراد يطير عاريًا إلا من غطاء على قرنه، وهكذا يكون الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلًا لا تغطيهم إلا جلودهم.

وبعد الوصول إلى أرض المحشر تحدث فوضى واختلاط وحيرة وتنقلب حالهم فيصبحون كالفراش المبثوث، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: 4].

سورة القمر [54: 8]

﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾:

﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: مسرعين بخوف إلى الداعي مع مدِّ أعناقهم إلى الأمام.

الإهطاع، أهطع: أسرع في مشيه مع مدِّ العنق إلى الأمام لكي يحاول أن يرى ما الخطب أو الأمر.

﴿إِلَى الدَّاعِ﴾: وهو إسرافيل: يحاولون تلبية دعوته ويسرعون إلى إجابته.

ارجع إلى سورة إبراهيم آية (43) لمزيد من البيان في مهطعين، وكلمة الإهطاع كما وردت في القرآن في ثلاث سور، هذه الآية، وإبراهيم آية (43): والمعارج آية (36).

﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: حين يرون أهوال يوم البعث والحشر ويتوقعون سوء العاقبة.

﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى يوم القيامة.

﴿يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: صعب شديد.

والسّؤال: لماذا قالوا يوم عسر وليس يوم عسير، الجواب: يوم عسر: لأنه

220

عسر على طائفة معينة وهم الكفار، أما يوم عسير: فيوم شديد صعب على المؤمن والكافر والكبير والصّغير على (الكل) وليس على فئة معينة.

كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: 8 - 9].

أيْ: عسير على الكل، ولذلك أتبع ذلك بقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 10] أما على المؤمنين فهو يسير.

سورة القمر [54: 9]

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾:

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أيْ: قبل كفار مكة، كذبت قوم نوح.

﴿فَكَذَّبُوا﴾: الفاء تدل على المباشرة، أيْ: كذبوه مباشرة بعد أن أبلغهم أنّه رسول من رب العالمين، وتكرار كذبوا للتوكيد، كذبوه لما دعاهم إلى التّوحيد وعبادة الله وحده كذبوا تكذيبًا بعد تكذيب؛ أي: مستمرًا دام (950 سنة).

﴿عَبْدَنَا﴾: نوح وإضافة (نا) الجمع للتشريف.

﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: فاقد العقل، لا يعلم ما يقول؛ أي: هو مجنون.

﴿وَازْدُجِرَ﴾: أيْ: قومه زجروه ومنعوه عن تبليغ رسالة ربه أو زجره قومه بالشتم والوعيد، وبالقول البذيء، وأنذروه بالرجم، حين قالوا له ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: 116].

سورة القمر [54: 10]

﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾:

﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾: دعا نوح ربه.

﴿أَنِّى﴾: للتوكيد بدلًا من أنا.

221

﴿مَغْلُوبٌ﴾: غلبني قومي، أي: لم يصدقوني أو يؤمنوا لي، مغلوب: اسم مفعول من الفعل الثّلاثي، غلب ومغلوب يدل على صفة الغلب ثابتة لن تتغير.

دعا ربه بعد أن أوحي إليه ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36]، دعا ربه حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26].

﴿فَانتَصِرْ﴾ انتصر لدينك وانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، والفاء تدل على التّعقيب والمباشر انتصر الآن، ولا تؤخر عذابهم.

سورة القمر [54: 11]

﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾:

﴿فَفَتَحْنَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب والسرعة لإجابة دعاء نوح.

﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾: المنهمر: الهمر الصب المنصب كالوابل استعارة تمثيلية شبه تدفق المطر (الوابل) من السماء بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السّماء، ولم يذكر منهمر من السحاب؛ أي: بدون رؤية؛ أي: سحاب، وقيل: استمر أيامًا عديدة، حتى أصبح ﴿مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: 42].

سورة القمر [54: 12]

﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾:

﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: تدل على الكثرة والمبالغة ولم يقل وفجرنا عيون الأرض، بل الأرض كلها صارت عيونًا، جمع عين وعين تجمع على عيون، أي: عيون للماء أو أعين، أيْ: أعين نبصر بها، كما تأتي في سياق القرآن الكريم.

﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: أي: اختلط ماء السّماء وماء الأرض التقيا على أمر قد قدره الله سبحانه لإهلاك قوم نوح بالطّوفان.

﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: أي: على مقدار معيَّن أحدهما نازل من السماء، والأخر متفجر من الأرض، وإلا ما استطاع نوح ومن آمن معه أن يركبوا في الفلك وتعني

222

أيضًا: من القضاء والقدر، أي: امرٌ قدره الله على قوم نوح وقضاه أزلًا في سابق علمه.

سورة القمر [54: 13]

﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾:

﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: أي: نوح ومن أمن معه.

﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: الفلك المصنوعة من ألوح خشبية عريضة، ودسر: جمع دسار وهو المسمار ودسره: دق المسمار ودفعه، وأصل الدّسر: الدّفع الشديد بقهر فالمسمار يدق ويدفع بقوة، ولم يقل: وحملناه على الفلك أو السّفينة وإنما استعمل الصّفات التي تقوم مقام المواصفات، أيْ: إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأنّ الجو مخيف ومُرعب، وأنّ الله سبحانه هو المنجي، فالسّفينة مركبة من ألواح خشبية عديدة ومسامير.

وشبَّه الأمواج كالجبال فهي تجري بقدرة الله تعالى تجري بأعيننا بمرأى منا، وهذه هي المعجزة وهي صمود هذه السّفينة المكونة من ألواح ودسر وعدم تسرب الماء إليها وغرقها، والتي صنعت من قبل نوح الذي لم يصنع سفينة قط في حياته ولأول مرة، ولم يركب سفينة قط فسبحان من سيرها وحفظها من الغرق في هذه الأمواج التي كالجبال.

سورة القمر [54: 14]

﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾:

﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأى منا أو تجري برعايتنا وحفظنا وحراستنا، وهذه هي المعجزة الحقة، وليست المواد المصنوعة منها سواء كانت من خشب أو من حديد، وسواء كانت هناك آلات تحركها وتديرها أم لا.

﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ثوابًا أو فعلنا ذلك جزاءً لنوح عليه السلام. لمن:

223

اللام للتوكيد. من: اسم موصول بمعنى الذي، كفر: وهو نوح عليه السلام وجاء بصيغة المبني للمجهول.

كُفِرَ: جُحِدَ به، وكأن نوحًا أرسل إليهم كنعمة فكفروا بها أو لنوح الذي كفره قومُه ولم يؤمنوا له.

سورة القمر [54: 15]

﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، اللام للتوكيد، قد: للتحقيق.

﴿تَّرَكْنَاهَا﴾: أي: السّفينة ذات الألواح والدّسر أبقيناها.

﴿آيَةً﴾: علامة ودليلًا أو عبرة وعظة للأجيال القادمة على كمال قدرة الله وعظمته وعنايته برسله وبالمؤمنين. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (15) لبيان معنى آية للعالمين.

﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام يفيد الأمر، أي: احفظوه عن ظهر قلب.

﴿مِنْ﴾: استغراقية.

﴿مُّدَّكِرٍ﴾: متعظ أو معتبر أصلها مُذتكر: حدث فيها إبدلان الأول: إبدال التاء دالًا، والثاني: إبدال الذال دالًا، ثم أدغمت الدالان فأصبحت مدّكر، من الذّكر. ومدكر: اسم فاعل من الفعل الخماسي ادّكر. مدكر: متذكر بعد النّسيان للآيات. وجملة (من مدّكر) هي جواب شرط مقدر، أيْ: إذا كان القرآن ميسرًا فهل من مدّكر.

224

سورة القمر [54: 16]

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء للتوكيد، كيف: للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب.

﴿كَانَ عَذَابِى﴾: بالطّوفان والغرق.

﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر الفعل أنذر أو جمع نذير على لسان نوح المرات العديدة بمعنى أليس هذا ما يستحقونه.

سورة القمر [54: 17]

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (15).

﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: سهلنا القرآن للحفظ والقراءة، أو يسرنا تلاوتَه ومعناه وتدبرَه، للذكر اللام لام الاختصاص.

﴿فَهَلْ﴾: استفهام فيه معنى الحثِّ والحضِّ على حفظ القرآن وتلاوته وتدبر معانيه.

﴿مِنْ﴾: استغراقية.

﴿مُّدَّكِرٍ﴾: ذاكر يذكره أو قارئ يقرؤه أو يرتِّله. ارجع إلى الآية (15) لبيان كيف اشتقت مدكر.

سورة القمر [54: 18]

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

﴿كَذَّبَتْ﴾: من قبلهم عاد، أيْ: قوم عاد كذبوا نبيَّهم هودًا عليه السلام، ولم يؤمنوا بالله ووحدانيَّته وبما دعاهم إليه هود.

225

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: فكيف الفاء للتوكيد، فكيف للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب والتّعظيم.

كان عذابي لهم: وصف هذا العذاب في الآية التّالية آية (19) هو الريح الصّرصر العاتية.

نذر: مصدر أنذر ونذر جمع على لسان هود أنذرهم المرات العديدة، وإذا نظرنا في الآية (21) في نفس السورة نجد مرة ثانية يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ فالأولى: قد تعني قبل أن يجعلهم كأنهم أعجاز منقعر (قبل وقوع العذاب)، والآية (21) بعد وقوع العذاب، وقيل: الأولى لتحذيرهم وما أصابهم، والآية (21) لتحذير غيرهم والاتعاظ بما أصاب قوم عاد، وقد تكون للتهويل، والتوريع، والترهيب أيضًا، وكذلك زمن تقديم العذاب على النذر.

سورة القمر [54: 19]

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾:

﴿إِنَّا﴾: للتعظيم عظمة ما أرسل إليهم.

﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: الرّيح الصّرصر العاتية، أيْ: على قوم عاد.

﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: ريح في القرآن تحمل معنى العذاب والشّر بشكل عام إلا مع سليمان عليه السلام؛ فقد سخرها الله تعالى له ليتصرف بها كيف يشاء في الخير أو الشر بعكس الرّياح تحمل معنى الخير والمنفعة، وهذه من خصوصيات القرآن.

ريحًا صرصرًا: ريح شديدة البرودة المهلكة، ولها صوت الصّرير من الصّر وهو شدة البرد الذي يصر الجلد، أيْ: يُقبض أوعية الجلد الدّموية الدقيقة؛ مما يؤدِّي إلى نقص تروية الجلد والآلام الشّديدة، وبالتّالي موت الجلد وبتر الأصابع

226

والأطراف أو هبوط درجة حرارة الجسم؛ مما يؤدِّي إلى الإضرار بالقلب، ثم توقُّفه.

﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾: في يوم: وفي سورة الحاقة، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: 7]؛ لأن العرب تعبر باليوم عن الأيام؛ أي: في يوم شؤم مستمر دام شؤمه سبع ليال وثمانية أيام حسومًا يوم استمر عليهم ودام حتى أهلكهم وقضى عليهم. ارجع إلى سورة الحاقة آية (7) للبيان.

سورة القمر [54: 20]

﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾:

﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: أيْ: تقلع النّاس فيسقطون على الأرض، كما تنقلع النّخلة من جذورها من شدة الريح الصرصر، وقيل: تنزع النّاس من البيوت أو الخيام أو من أماكنهم.

يقال: قعر النّخلة: قلعها من أصولها، أيْ: جذورها فتسقط على الأرض.

﴿أَعْجَازُ﴾: جمع عجز اسم المؤخر كل شيء وعجز النّخل أصولها، أي: من الجذر.

﴿مُّنقَعِرٍ﴾: منقطع من جذوره أو مغارسه.

فقد كانت الرّيح الصّرصر الشّديدة الهبوب ترفعهم عن الأرض وتهوي به أمواتًا، وكانوا طوال القامة فكانوا حين يسقطون على الأرض كانت جثثهم بعد هلاكهم تشبه سقوط إعجاز النّخل المنقعر، أي: المقطوع بسبب الرّيح الصّرصر التي كانت تؤدِّي إلى سقوط إعجاز النّخل على الأرض بسبب برودتها وقطع التّغذية عنها كما كان النّاس الذين يسقطون على الأرض في نفس الزّمن فترى النّاس والنّخل كلاهما ساقط على الأرض.

227

لنقارن هذه الآية (20) من سورة القمر، وهي قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ والآية (7) من سورة الحاقة، وهي قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: شبه قوم عاد في سورة القمر بالنّخل المنقعر، وفي سورة الحاقة بالنّخل الخاوية، أي: الفارغة من داخلها، ولنعلم أن كل منقعر خاوي، والخاوي: أعم يشمل المنقعر وغير المنقعر، وكلاهما يؤدي إلى موت وسقوط النخلة. ارجع إلى سورة الحاقة لمزيد من البيان.

سورة القمر [54: 21]

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام فيه معنى التّهويل والتّعظيم.

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى﴾: بالرّيح الصّرصر العاتية.

﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر، أو جمع نذير، أو جمع إنذار؛ أي: النذر العديدة على لسان هود حين قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: 50].

﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 52].

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 126].

﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 135]. ارجع إلى الآية (18) في نفس السورة للبيان ومقارنة الآيتين.

سورة القمر [54: 22]

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

ارجع إلى الآية (17) في نفس السورة. وتكرار هذه الآية 4 مرات للتوكيد، والحث، والحض على حفظ القرآن، وتدبره، والعمل به، والاتعاظ.

228

سورة القمر [54: 23]

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾:

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾: قبيلة ثمود قوم صالح عليه السلام بالنّذر وهم الذين سكنوا الحجر، وأرسل الله إليهم رسوله صالحًا عليه السلام فدعاهم إلى التّوحيد فكذبوه، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين.

﴿بِالنُّذُرِ﴾: أي: الرّسل جمع نذير أو جمع أنذار واحدهم منذر والباء للإلصاق والملازمة، كذبوا بالرّسل، أيْ: برسولهم صالح، وجاءت بصيغة الجمع؛ لأنّ من يكذب رسولًا إنما يكذب كل الرّسل أو النّذر؛ لأنّ الكل يحملون نفس الرّسالة: لا إله إلا لله، أو النذر هي واحدة.

سورة القمر [54: 24]

﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾:

﴿فَقَالُوا﴾: الفاء للتوكيد، قالوا: أيْ: قوم ثمود قال بعضهم لبعض:

﴿أَبَشَرًا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب.

﴿مِنَّا﴾: من جنسنا من بيئتنا ليس بأشرفنا وأفضلنا هم يريدون من جنس الملائكة.

﴿وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أيْ: نحن جمع أو عدد كبير من النّاس وهو واحد، فليس من المعقول أن يتبعه الكل فإذا فعلنا ذلك إنا لفي ضلال وسعر.

﴿وَاحِدًا﴾: تفيد التوكيد.

﴿لَّفِى ضَلَالٍ﴾: اللام للتوكيد، أيْ: ظرفية. ضلال: أيْ: في خطأ وبُعد عن الصّواب أو أشقياء، أو نكون منغمسين في الضلال أو سيحيط الضلال بنا من كل جانب، أو ستقع في الضلال.

229