تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 11 · ص 230 - 247

سورة القمر (2 من 2)

﴿وَسُعُرٍ﴾: جنون، ومنه ناقة مسعورة أو مجنونة تسير بسرعة من دون أن تستجيب لصاحبها.

سورة القمر [54: 25]

﴿أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾:

﴿أَءُلْقِىَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب.

﴿الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾: الذّكر: الوحي أو الرّسالة، من استغراقية، بيننا: أيْ: وفينا من أحق منه للاختيار، أو كيف خُص بالذّكر بالوحي أو النّبوة وفينا من هو أفضل منه وأحق أن يُختار، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (8) في سورة ص، وهي قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ ارجع إلى سورة ص الآية (8) لمعرفة الفروق بين الآيتين.

﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾: بل للإضراب الإنكاري.

﴿كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾: كذاب: صفة مبالغة من كاذب كثير الكذب كأن حرفته الكذب، أو دائمًا يكذب، أشر: صفة أيْ: بطر متكبر والأشر: أشد من البطر فهو إنسان يسيء التصرف بالنعمة بالتبذير والكبر والعجب بنفسه والزهو، ويبالغ في ذلك.

سورة القمر [54: 26]

﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾:

﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾: السّين للاستقبال القريب، غدًا: لا يعني غدًا بالضّرورة إنما للتقريب، غدًا: عند نزول العذاب بهم في الدّنيا، أو يمكن أن يكون يوم القيامة أو كلاهما.

﴿مَنِ﴾: استفهامية.

﴿الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾: أيْ: سيعلمون أنهم هم الكاذبون الأشرون.

230

الأشر: ارجع إلى الآية السابقة (25).

سورة القمر [54: 27]

﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾:

﴿إِنَّا﴾: للتعظيم من شأن النّاقة.

﴿مُرْسِلُوا النَّاقَةِ﴾: مخرجو النّاقة لهم كما طلبوا.

﴿فِتْنَةً لَّهُمْ﴾: ابتلاء وامتحانًا لهم على كفرهم أو إيمانهم، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة وليس لغيرهم، ولمعرفة معنى الفتنة ارجع إلى سورة العنكبوت آية (2).

﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: المخاطب النّبي صالح واتباعه، والفاء عاطفة لربط المسبب بالسّبب (فاء السببية)، ارتقبهم: التّرقب الانتظار والمراقبة عن كثب حتى لا يفوته شيء.

﴿وَاصْطَبِرْ﴾: ولم يقل: اصبر، اصطبر، أيْ: داوم واستمر على الصّبر وليس مجرَّد صبر عادي.

231

سورة القمر [54: 28]

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾:

﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾: الخطاب إلى صالح عليه السلام، نبئهم نبئ قومك بخبر مهمٍّ أو أمر مهمٍّ هو ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: أن: للتعليل والتّوكيد، قسمة بينهم: أيْ: مقسوم بينهم وبين النّاقة، انتبه إلى قوله بينهم مع أن النّاقة غير عاقلة، ولكن الله سبحانه أدخلها في العقلاء، فقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155]، لها شرب يوم ولهم شرب يوم لا يشاركونها في الشّرب في يومها ولا تشاركهم في الشّرب في يومهم.

﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾: كل: التوكيد، شرب: يعني الكمية من الماء أو النّصيب من الماء، محتضر: يحضره من كان يومه أو دوره فكأن النّاقة من عظمة الله وقدرته موحى إليها أن لا تشاركهم في يومهم.

ومُحتضر: اسم مفعول من الفعل الخماسي احتضر، أيْ: مُحضَّر ومهيَّأ.

سورة القمر [54: 29]

﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾:

﴿فَنَادَوْا﴾: الفاء عاطفة للتوكيد، نادوا: صاحبهم، أيْ: نادى قوم ثمود صاحبهم، قيل: هو قدار بن سالف يحثونه على عقر النّاقة.

﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: تعاطى قيل: تعاطى معهم بالكلام على قتل الناقة، وقيل: انقاد لما طلبوا منه. ارجع إلى سورة الشعراء آية (155) لمزيد من البيان.

233

فتعاطى: من عطا يعطو، أيْ: تناول السيف، فكأنهم كانوا متردِّدين في عقر الناقة، فكل واحد يريد إعطاء غيره آلة العقر (السيف) حتى أخذه قدار بن سالف.

فعقر النّاقة: الفاء للمباشرة والتّعقيب، والعقر: هو الذّبح أو الجرح أو قطع عضو من أعضاء النّاقة؛ مما أدَّى إلى أن تنزف حتى الموت.

سورة القمر [54: 30]

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

﴿فَكَيْفَ﴾: للاستفهام والتّهويل والتّعظيم.

﴿كَانَ عَذَابِى﴾: بالصّيحة الواحدة كانوا كهشيم المحتظر.

﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر إنذار أو جمع نذير أو جمع إنذار على لسان صالح حين قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65].

سورة القمر [54: 31]

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾:

﴿إِنَّا﴾: للتعظيم ولتعظيم ما أرسله سبحانه عليهم.

﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على ثمود قوم صالح.

﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: الصّيحة عذاب من السماء، واحدة للتوكيد. ارجع إلى سورة الأعراف آية (78) لمزيد من البيان في معنى الصيحة.

﴿فَكَانُوا﴾: أيْ: ثمود، الفاء للسببية.

﴿كَهَشِيمِ﴾: الكاف للتشبيه، هشيم المحتظر: هو النبات وورق الشّجر اليابس والعشب والحشيش الذي جف ويبس وتحطم وتكسر، المتهشم: أي:

234

المتكسر المستعمل لطعام الحيوانات أو تدوس عليه الحيوانات، المحتظر: بكسر الظّاء، أي: الذي أُحضر للحظيرة لتأكله الماشية.

أو تقرأ المحتظَر: بفتح الظّاء، أي: الذي في الحظيرة، وسواء أُحضر أو كان في أرض الحظيرة من السابق.

فكانوا كهشيم المحتظر: أيْ: شبه جثث قوم ثمود بعد أن أخذتهم الصّيحة بالحشيش اليابس المتكسر الذي جمعه صاحبه في الحظيرة لماشيته.

سورة القمر [54: 32]

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.

﴿يَسَّرْنَا﴾: سهلنا وأعنّا وهيأنا.

﴿الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: للحفظ والتّلاوة (القراءة) وللتذكر والاتعاظ والتّدبر والتّعلم.

﴿فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: فهل استفهام فيه معنى الحثِّ والحضِّ على حفظ القرآن وتلاوته وتدبره، من: استغراقية، مدكر: ذاكر يذكره أو حافظ يحفظه أو قارئ يقرؤه.

ارجع إلى الآية (17) من نفس السورة لمزيد من البيان.

سورة القمر [54: 33]

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾:

كذبت قوم لوط بالنذر حين دعاهم لوط عليه السلام إلى عبادة الله وحده والكف عن الفاحشة، وهي إتيان الذّكران من العالمين، والكف عن الفساد وإتيان

235

المنكر في ناديهم، كذبوا بكل إنذار كذبت، ولم يقل: كذب قوم لوط: كذبت: تدل على كثرة التكذيب. ارجع إلى الآية (23) من نفس السورة لمزيد من البيان.

سورة القمر [54: 34]

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾:

﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.

﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: عليهم حجارة من سجيل منضود هذا كان جزءًا من العذاب. ارجع إلى سورة الحجر آية (74) لمزيد من البيان.

﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.

﴿آلَ لُوطٍ﴾: أيْ: ذريته، ابنتاه.

﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾: قيل: الجزء الأخير من الليل قبيل طلوع الفجر. (بقطع من الليل)، بسحر: الباء ظرفية زمانية، أيْ: وقت السّحر.

﴿نَّجَّيْنَاهُم﴾: ولم يقل: أنجيناهم: نجيناهم يدل على نجاتهم استغرق زمن طويل وببطء؛ أي: من قوموط، أما أنجيناهم فيدل على السّرعة.

سورة القمر [54: 35]

﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ شَكَرَ﴾:

﴿نِّعْمَةً﴾: أيْ: نجاتهم كان نعمة من الله تعالى.

﴿مِّنْ عِنْدِنَا﴾: أيْ: نعمة خاصة به (بلوط)، من عندنا: ولم يقل: منا التي تدل على نعمة عامة للكافر والمؤمن، من عندنا: تخص المؤمنين (لوط وابنتيه).

﴿كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ شَكَرَ﴾: أيْ: مثل ذلك الجزاء بالنّجاة، كما أنجينا لوط وذريته ننجي كل مؤمن شاكر لله مطيع لأوامره ومتجنب لنواهيه، ومن شكر نعمة

236

الأزواج كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: 72]، شكر نعمة السكن إلى الأزواج، والمودة، والرحمة.

من: استغراقية، شكر: نعمة ربه والشّكر يكون بالإيمان به باللسان والعمل الصّالح وطاعته وعدم جحد نِعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومنها نعمة (ما خلق لنا ربنا من أزواجنا)، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (14) في نفس السورة، نجد الآية (14) جاءت في سياق نوح الذي كفر به قومه فأنجاه الله على ذات ألواح ودسر، والآية (35) جاءت في سياق لوط الذي أنجاه الله وأهله من الحاصب؛ أي: المطر من سجيل منضود.

سورة القمر [54: 36]

﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد للتحقيق.

﴿أَنْذَرَهُمْ﴾: انظر كيف قدم ذكر نجاة لوط أولًا ثم عاد ليذكر كيف أنذرهم، وما فعلوه بعد الإنذار، وكيف أخذهم أخذ عزيز مقتدر كما أخذ آل فرعون؛ أيْ: نبيهم لوط، أنذر قومه والإنذار هو الإبلاغ مع التّحذير والتّخويف بطشتنا إضافة نون الجمع، نون العظمة للدلالة على شدتها وهولها. بطشتنا، أيْ: أنذرهم بأخذهم بالعذاب والهلاك بقوة وشدة.

﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾: الفاء على التّرتيب والتّعقيب، تماروا: جادلوا بالباطل بعد أن بيَّن لهم لوط الحق والصّواب، وكذبوا بالنّذر وشكوا بوقوعها. فتماروا: من المراء وهو الجدال بعد تبيُّن الحق وظهوره.

237

سورة القمر [54: 37]

﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: كما في الآية السّابقة وتفيد التوكيد.

﴿رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: المراودة المطالبة بالرّفق واللين، وأن لا يفضحهم، والمراودة تفضي إلى رفض الطّلب أو الاستجابة له، أيْ: طلبوا من لوط أن لا يمنعهم عن ضيفه، وضيفه: الضيف قد تأتي في سياق المفرد، والمثنى، والجمع، وهنا تعني: الجمع؛ أيْ: يمكنهم من ضيفه ليفعلوا الفاحشة بهم. ورفض لوط عليه السلام، وقال لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78].

﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: أذهبنا نور أبصارهم فلم يروا الرّسل، أيْ: أعميناهم عمًى مؤقتًا مع بقاء العين في مكانها، وأما الطّمس على الأعين كما ورد في سورة ياسين آية (66) فيختلف عن الطّمس في آية القمر، فالطمس في سورة ياسين يعني: العمى مع المسح على العين، فلا يُرى لها مكان أو أثر مع الذّهاب بالعين كاملًا والجفن والحاجب، فلا أثر لوجود العين.

﴿فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، ذوقوا عذابي ونذري الواقع وقت الشّروق وما أنذرتكم به.

سورة القمر [54: 38]

﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (36).

﴿صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾: جاءهم العذاب في الصّباح وتحديدًا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: 73]، بكرة: هنا للتوكيد والبكرة أو النّهار.

﴿عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾: أيْ: عذاب دائم لم يفارقهم أو ينفك عنهم حتى قضى

238

عليهم جميعًا، وقيل: عذاب يستمر ويدوم من ذلك الصّباح إلى أن يقذف بهم في جهنم، وبعدها خالدين فيه أبدًا.

سورة القمر [54: 39]

﴿فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:

توكيد لشدة ما حل بقوم لوط، أيْ: لا حسرة ولا أسف عليهم، وفي هذا إنذار لكفار مكة.

سورة القمر [54: 40]

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

ارجع إلى الآية (32) السّابقة للبيان.

سورة القمر [54: 41]

﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (36) للبيان.

﴿النُّذُرُ﴾: موسى وهارون والآيات التّسع ومنها العصا واليد والطّوفان والجراد والقمل والسّنين. ارجع إلى الآية (23) للبيان.

سورة القمر [54: 42]

﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾:

﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: التّسع.

﴿كُلِّهَا﴾: توكيد بالتّكذيب.

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾: الفاء: تدخل على التعقيب والمباشرة، أخذناهم: الأخذ يدل على الانتقام بشدة وقوة؛ أيْ: عقبناهم أو انتقمنا منهم بإغراقهم في اليم عن بكرة أبيهم بما فيهم فرعون الطّاغية وجنوده.

﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾: أخذ العزيز، أي: الذي لا يُقهر لا يُغلب، مقتدر: لا

239

يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو على كل شيء قدير، مقتدر صيغة مبالغة من القدرة والسيطرة كثير القدرة والقدرة صفة ثابتة له.

سورة القمر [54: 43]

﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِى الزُّبُرِ﴾:

﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري يقصد به النّفي.

﴿خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ﴾: أيْ: ما كفاركم يا أهل مكة خير أو أفضل من كفار من تقدَّمكم من الأمم السّابقة مثل قوم نوح أو عاد أو ثمود، وغيرهم الذين أهلكوا بسبب تكذيبهم برسلهم، فأنتم ليس أقل منهم كفرًا وعنادًا حتى يكون ذلك سببًا لشعوركم بالأمن من نزول العذاب بكم كما نزل بمن سبقكم من الأمم.

﴿أَمْ لَكُمْ﴾: أم للإضراب الانتقالي والهمزة همزة استفهام إنكاري.

﴿بَرَاءَةٌ فِى الزُّبُرِ﴾: في الكتب السّماوية المتقدِّمة أنه من كفر وكذب بالرّسل من أهل قريش كان آمنًا من عذاب الله.

ارجع إلى سورة النساء آية (163) لمزيد من البيان في معنى الزبر.

سورة القمر [54: 44]

﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾:

﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري وأم للإضراب الانتقالي.

﴿يَقُولُونَ﴾: أيْ: كفار مكة وجاء بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.

﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد.

﴿جَمِيعٌ﴾: للتوكيد.

240

﴿مُّنتَصِرٌ﴾: نحن جمع منتصر على محمّد وأصحابه، أيْ: لا نُغلب ولا نُقهر.

منتصر: اسم فاعل من فعل انتصر الخماسي على وزن مفتعل.

سورة القمر [54: 45]

فرد الله عليهم بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾:

﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: السّين للاستقبال القريب، وكان ذلك بعد عدة سنوات (3 - 4) بعد نزول هذه الآية في غزوة بدر الكبرى، فهذه الآية نزلت في مكة قبل الهجرة، وقبل فرض الجهاد تخبر بما سيحدث في بدر، وهي دليل على صدق القرآن، وأنه منزل من رب العالمين وصدق رسالة محمّد ﷺ، فقد قتل أكثر من (70) من صناديد كفار قريش وأسر (70).

﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: وولى هاربًا من بقي حيًا من هؤلاء الكفار.

ويولون الدبر: ولم يقل: ويولون الأدبار؛ كما جاء في سورة الأنفال آية (15) ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: يولون الدّبر بدلًا من الأدبار، أيْ: وحَّد الأدبار؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل هزيمتهم كهزيمة رجل واحد لتهويل هزيمتهم والاستخفاف بهم. ويولون الدبر أسوأ وأبشع من تولوهم الأدبار؛ لأنّ لكل واحد منهم مقاومة واعتبار وشأن.

سورة القمر [54: 46]

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾:

﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي.

﴿السَّاعَةُ﴾: أيْ: يوم تهدم النظام الكوني ويختلف عن يوم القيامة: يوم

241

القيامة: يوم البعث وقيام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. ارجع إلى الآية (1) من نفس السورة.

﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾: والساعة: الواو الحالية للتوكيد. أدهى: من الدّاهية من الفعل دهى، وأدهى اسم تفضيل على وزن أفعل. وهي الأمر الفظيع الذي لا يصدقه عقل، وأَمَر: أشد مرارة وألمًا من عذاب الدّنيا، وأصعب على النّفس من القتل والأسر في الدّنيا، تكرار لفظ السّاعة للتوكيد والإنذار والتّخويف. وأمر: اسم تفصيل من مرَّ.

سورة القمر [54: 47]

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾:

﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: إن للتوكيد، المجرمين: المشركين الكافرين وأصحاب الكبائر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (55)، وسورة الجاثية آية (31) لمزيد من البيان في معنى المجرمين.

﴿فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: في ضلال: في ضياع وبعد عن الحق في الدنيا، ويوم القيامة في هلاك، وسعر: نيران متأجِّجة مستعرة بهم.

سورة القمر [54: 48]

﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾:

﴿يَوْمَ﴾: القيامة، والتنكير للتهويل والتعظيم.

﴿يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أيْ: يُجَرُّون في النّار على وجوههم.

﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾: سقر قيل: اسم علم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها السبع، المس: أخف اللمس أو مجرد المس الخفيف، ذوقوا حرها وعذابها،

242

وسُمِّيت بسقر؛ لأنّها تذيب الأجسام، مشتقة من سقرته الشمس: أيْ: أذابته. ارجع إلى سورة الرعد آية (18) لمزيد من البيان.

سورة القمر [54: 49]

﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾:

﴿إِنَّا﴾: للتفخيم والتّعظيم.

﴿كُلَّ﴾: بالنّصب، لم يقل: (كلُّ) بالرّفع، بالنصب تعني: كل شيء خلقه الله سبحانه بقدر مهما كان نوعه وشكله ولونه وحجمه ووزنه، أو أيُّ شيء، ولو قال: كلُّ شيء خلقناه بقدر؛ لدل ذلك على أنّ الله خلق الأشياء على قسمين قسم خلقه الله بقدر، وقسم خلقه بلا قدر.

انظر الآية (52، 53) القادمة للمقارنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ خلقناه بقدر: بقياس وحجم ووزن ومساحة وطول وعرض، ومحدد بحدود، وبقدر: أيْ: بقضاء وقدر من الله سبحانه، أي: مقدَّر محكم، وكما قال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك.

243

سورة القمر [54: 50]

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾:

﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية.

﴿أَمْرُنَا﴾: إذا أردنا أيَّ أمر خلقه، مهما كان خلقه أو إحضاره أو تغييره أو تبديله أو فناؤه أو إحياؤه أو المجيء بالسّاعة وقيام القيامة. إلا كلمح البصر كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77].

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

﴿وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: واحدة، أيْ: مرة واحد كلمح بالبصر، أيْ: إذا أراد الله سبحانه شيئًا أو قضى أمرًا في الخلق قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾: كلمح البصر، أو مجيء الساعة وانهيار الكون.

سورة القمر [54: 51]

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق.

﴿أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: الأشياع: أعم من الأتباع، والأتباع: هم أنصار الرجل أو الرسول، والأتباع من كانوا معه فقط، ولا تضم المتأخرين الذين جاءوا بعده. الأشياع: كل من جاء بعد رسول الله ﷺ من غير الصحابة هم أشياعه: وهي عامة، واتباعه من كانوا معه مثل الصحابة، وقد تعني أشياعكم؛ أيْ: أمثالكم في الكفر من الأمم السّابقة أو من يشابهكم في التّكذيب والشّرك والمعاصي، وأشياع تضم المتقدِّمين والمتأخِّرين.

﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام بمعنى الأمر أو الحضِّ والحثِّ، أي: اذكروا واتعظوا وآمنوا خيرًا لكم.

245

﴿مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: من ابتدائية، مدكر: متذكر متعظ. ارجع إلى الآية (17) من نفس السورة.

انتبه: إلى الفرق بين أتباع الرّجل وأشياع الرّجل.

الأتباع: من كان معه في زمنه من أنصاره. الأشياع: هم الأتباع الذين جاؤوا بعد فترة من الزّمن، والأشياع أعم من الأتباع.

سورة القمر [54: 52]

﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ﴾:

﴿وَكُلُّ﴾: بالرفع مما يدل على أن كل أعمالهم مدونة في كتب الحفظة (أعمال العبد) يعلمها الكرام الكاتبين، وهناك أعمال أخرى لا يعلمها الحفظة (الملائكة) لكي يكتبوها، والله سبحانه يعلمها كأعمال القلوب وذوات الصدور.

بخلاف قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].

كلَّ جاءت في سياق اللوح المحفوظ فكل شيء مدون في اللوح المحفوظ. أو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: فالنّصب هنا دال على عموم الخلق فليس هناك ثمة شيء لم يخلقه الله بقدر.

﴿الزُّبُرِ﴾: جمع زبور وهو كل كتاب ذي حكمة يزبر، أيْ: يزجر عن الباطل، ويدعو إلى الحق، والزّبر قد تعني: الكتب السّماوية. ارجع إلى سورة النساء آية (163) لمزيد من البيان ..

سورة القمر [54: 53]

﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾:

﴿وَكُلُّ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (52)، وجاءت بالضم؛ لأن هناك أعمال أو نوايا لا تعلمها الملائكة الكرام الكاتبين، ولكن الله يعلمها ويحصيها لهم ليوم القيامة.

﴿صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: من الأعمال (الأقوال والأفعال).

﴿مُّسْتَطَرٌ﴾: مكتوب مستطر: اسم مفعول من استطر؛ أيْ: تكتبه الملائكة الموكلين بالعبد؛ أيْ: الكرام الكاتبين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17].

246

سورة القمر [54: 54]

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: إن للتوكيد.

﴿فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾: جمع الجنات وحدّ النّهر، بينما في الآيات الأخرى في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلماذا جمع الجنات وأفرد النهر؛ لأن:

﴿وَنَهَرٍ﴾: اسم جنس يعني: النّهر الواحد أو الاثنين أو الثّلاثة أو أكثر. وفسر ابن عباس ونهر: قد تكون مشتقة من النهار: أي: الضياء، أي: هم في جنات ونور، وقد تعني السعة: سعة المنازل، والرزق، والعيش، وقد تعني: كل ذلك؛ فهذه الكلمة نهر: قد جمعت كل تلك المعاني.

سورة القمر [54: 55]

﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾:

﴿فِى﴾: ظرفية مكانية.

﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: في مكان مرضيٍّ حقٍّ ثابت لا يزول ولا يتغيَّر، ويعني الخير: وهو الجنة؛ فهي المقام الوحيد الصدق الذي لا يزول.

﴿عِنْدَ﴾: العندية هنا لا مثيل لها، عندية القربى والزّلفى والدّرجة الرّفيعة.

﴿مَلِيكٍ﴾: أيْ: الملك العظيم الحاكم؛ بل هو: أعظم الملوك ذو الملك الواسع الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وليس ملك، مليك أبلغ من ملك على وزن فعيل، وتدل على الثّبوت عند مليك عظيم القدرة سبحانه وتعالى.

﴿مُّقْتَدِرٍ﴾: القدرة: البالغة التي لا يحدها والتي لا نهاية لها، تفيد المبالغة في القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء عظيم القدرة والعطاء والجزاء والكرم شديد القدرة، ومقتدر أبلغ من قدير.

247