تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 11 · ص 380 - 394

سورة المجادلة (2 من 2)

﴿النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: أي: النّجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرّسول من تزيين الشّيطان لهم ووساوسه.

﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: ليوقع الذين آمنوا في الحُزن وهو الألم النّفسي النّاتج عن ضيق في الصّدر وهو مؤقّت أو محدّد بزمن وينتهي مهما طال، بعكس الحزَن - بفتح الزّاي - الذي يدوم حتّى الموت، فقد كانوا يتناجون ويوهمون المؤمنين أنّ عدوهم هو أقوى منهم ويتربص بهم الدوائر؛ ليؤدي ذلك إلى حزن المؤمنين والغمّ.

﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾: ليس: للنفي، بضارهم شيئًا: الباء للإلصاق؛ أي: النّجوى أو التّناجي أو الشّيطان ليس بضار الذين آمنوا شيئًا. ضار: من الضّر وهو ضد النّفع، شيئًا: نكرة تعني: ليس بضارهم أيّ شيء مهما كان مقداره أو نوعه، والشّيء هو أقل القليل، سواء أكان حسيًا (ماديًا)، أم معنويًا.

﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا: أداة حصر، أو استثناء، بإرادة الله أو مشيئته.

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وعلى الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر؛ أي: على الله وحده فليتوكل المؤمنون؛ أي: يقدّمون كلّ الأسباب ما بوسعهم، ويستعيذون بالله من الشّيطان الرجيم ولا يبالون، بنجوى غيرهم ويفوضون أمرهم إلى الله لمساعدتهم.

سورة المجادلة [58: 11]

: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:

نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد يتعلق بآداب المجالس.

﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾: إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث، قيل: القائل مبني للمجهول، والمهم المقولة، لكم: اللام لام

380

الاختصاص؛ أي: لكم خاصة، تفسحوا في المجالس: إذا طلب منكم التّوسع في المجالس، مجالس العلم أو المساجد وغيرها، فليوسع أحدكم للآخر، وتفسحوا فيها معنى الجهد والمشقة والتكلف، وليس مجرد الفسح؛ أي: لا يشغل أحدكم مكان اثنين أو أكثر مما يحتاجه ليوسع لأخيه حتى يصلي أو يجلس، فافسحوا: الفاء رابطة لجواب الشّرط.

﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: في الرّزق أو صدوركم؛ أي: يوسع صبركم أو في العلم وأبواب الخير، فالمكان ليس ملكًا له وإنما لكم، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ولا يترك بينه وبين جاره فسحة.

﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: وإذا: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث.

انشزوا: أي طلب من أحد أو بعض الجالسين في المجلس بأن ينهضوا من أماكنهم ليجلس أهل الفضل والدين والعلم، فليقوموا.

انشزوا: أي انهضوا من أماكنكم أو تقدّموا قليلًا أو غيّروا أماكنكم أو قوموا من أماكنكم حتى يجلس غيركم بعد انتهاء الدّرس أو الجمعة للتوسعة على الآخرين.

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: في الدّنيا بالنّصر والمنزلة والكرامة والعزة، وفي الآخرة يرفعهم درجات في الجنة، وفي الآية حث وترغيب في طلب العلم الشرعي.

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير؛ أي: عليم ببواطن الأمور وما تخفي الصّدور والنّوايا، وما تقولوا في السّر والنّجوى والعلن، وما تفعلوه في السّر والعلن من الإيمان والبرّ والإثم والعدوان.

381

سورة المجادلة [58: 12]

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:

سبب النّزول: عن ابن عباس قال: إنّ المسلمين أكثَروا الأسئلة على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية، فلما نزلت كفَّ بعض النّاس عن سؤاله. وقيل: نزلت هذه الآية في الأغنياء الذين كانوا يكثرون الأسئلة على رسول الله ويطيلون الجلوس بين يديه، وكان ﷺ يصاب بحرج من ذلك.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد هو: إذا أردتم الحديث مع رسول الله أو مسارَّته في أمر من الأمور الخاصة بكم.

﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: إذا شرطية ظرفية.

ناجيتم: ارجع إلى الآية (4) لمعرفة معنى النجوى.

﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: فقدّموا قبل المناجاة صدقة للفقراء؛ لتعظيم رسول لله ﷺ وانتفاع الفقراء والنّهي عن الإفراط في الأسئلة، ولم يُبيّن مقدار هذه الصّدقة.

383

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: ذلك: اسم إشارة، والمشار إليه أو المخاطب واحد، ولم يقل (ذلك)؛ لأنه للجمع، أو التوكيد في الحكم، كما في الظهار والطلاق في الآية (3)؛ أي تقديم الصّدقة قبل النّجوى، خير لكم: لما فيه طاعة الله وامتثال أوامره في الدّين، وأطهر: لأنّ الصدقة طهرة، أو لعل الصّدقة تطهّر مسارّاتكم أو نجواكم إذا حدث خلل أو مضايقة، وأطهر لأنفسكم من البخل والشُّحّ وحبّ المال.

﴿فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط؛ إن: تفيد الاحتمال أو القلة؛ لم: نافية؛ تجدوا صدقة.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا حرج ولا جناح عليكم وبدون صدقة؛ لأنّ المأمور بتقديم الصّدقة هو الغني القادر، ثم رفع الحكم في الآية (13) من نفس السورة، فإن: للتوكيد، غفور: لمن تاب وآمن وعمل صالحًا مهما كانت ذنوبه عددها ونوعها، رحيم: بتأخير العذاب عنه وكثير المغفرة، رحيم بعباده المؤمنين.

سورة المجادلة [58: 13]

﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:

﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام تقريري وتعجب.

الإشفاق: الخوف مع الحذر والشّعور بالعطف والتعظيم.

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، وأن تفيد الاستقبال.

﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾: أي أخِفتُم أو حذِرتُم أن تتصدّقوا قبل مناجاة الرّسول.

384

﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: إذ حرف زماني للماضي أو المستقبل وشرطية، لم: للنفي، تفعلوا: ما أمرتم به وشقَّ عليكم تقديم الصّدقات أو فعل ما أمركم الله تعالى به، وهذا يعتبر نوعًا من مخالفة الأمر ويحتاج إلى توبة.

﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: الفاء للتوكيد، أقيموا الصلاة: أي أدّوها في أوقاتها وأركانها وشروطها، وطهارتها وسننها وآدابها والمداومة عليها.

﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: الواجبة في أموالكم.

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما أمرا به أو نهيا عنه، فذلك يكفي عوضًا عن الصّدقة؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (32)، وسورة النساء آية (59) لمعرفة الفرق بين أطيعوا الله ورسوله، وبين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي يعلم بواطن الأمور ما تخفي الصّدور فيما يتعلق بالإشفاق في تقديم الصّدقات وغيرها، وخبير بما تقولون وتفعلون، وقدّم خبير على ما تعلمون؛ لأنّ السياق في تقديم الصّدقات، والإشفاق: هو عمل قلبي والله وحده يعلم به وبما تكنُّ الصّدور.

وقيل: كان بين نزول الآية (12) وهي قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، وبين نزول الآية (13) وهي: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ عشر ليال.

وقال مجاهد: لما نُهوا عن المناجاة، فلم يناجيه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه تصدّق بدينار وناجاه، ثم نزلت الرّخصة فكان عليٌّ يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولم يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة.

385

سورة المجادلة [58: 14]

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية (7) السّابقة.

﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: اسم موصول تفيد الذّم، وتعني المنافقين.

﴿تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾: قومًا: أي اليهود، تولَّوا: من الموالاة وتعني: المودة والمحبة والعون والنّصرة؛ أي: أحبوهم ومدّوا إليهم يد العون والنّصرة ونقل أسرار المؤمنين إليهم.

﴿مَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾: ما النّافية، هم: (أي المنافقين)، منكم: (من المؤمنين) ولا: للنفي، منهم؛ أي: من اليهود، وتكرار أداة النّفي (لا) يفيد التّوكيد.

﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: من خصوصيات القرآن هناك فرق بين: يحلفون بالله وأقسموا بالله، الحلف يأتي في سياق الكذب، والقسم يأتي في سياق الصّدق، أو يقسم على أمر يظنه صحيحًا وهو خطأ، ويصدق فيما يظنه، أو يحلفه أو يقوله لو كان على غير الحق. ارجع إلى سورة التوبة آية (56) لمزيد من البيان.

أي يحلفون على الكذب: أنهم مسلمون أو مؤمنون، أو أنهم معكم ولم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى اليهود.

يحلفون على الكذب: على تفيد الاستعلاء والمشقّة، فكأنهم جعلوا الكذب مطيَّة لهم فاستقروا واستووا عليها، أو الكذب أصبح من سماتهم التي تعلو على وجوههم واستمروا عليه.

386

﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

﴿يَعْلَمُونَ﴾: أنهم كاذبون في أيمانهم.

سورة المجادلة [58: 15]

﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:

﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾: هيّأ وجهّز.

﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم (لهم) يفيد الحصر، لهم تعني: المنافقين.

﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾: في الدّرك الأسفل من النّار.

﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾: إنهم للتوكيد، ساء: من أفعال الذّم والتّقبيح.

﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، ولكنها أكثر شمولًا، ساء ما كانوا في الدّنيا يعلمون: (تشمل الأقوال والأفعال).

سورة المجادلة [58: 16]

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: جعلوا، صيَّروا، أيمانهم: (جمع يمين) هو الحلف أو القسم.

جنة: وقاية وسترة على أنفسهم من المؤاخذة، أو وقاية من القتل والنَّبذ ووقاية على أموالهم وأهليهم من العقاب؛ أي: يستترون وراء أيمانهم من العقاب وأذى المسلمين.

﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، صدوا: النّاس عن الدخول في دين الله تعالى، أو الهداية إلى الصّراط المستقيم.

387

﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، لهم: خاصة، اللام لام الاختصاص والاستحقاق.

﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: توكيد آخر ووعيد ثان، في الآية (15): عذاب شديد، وفي هذه: عذاب مهين؛ أي: هو عذاب فيه ذلَّة وفضيحة على مرآى من الناس.

سورة المجادلة [58: 17]

﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:

﴿لَنْ﴾: أداة نفي للمستقبل القريب أو البعيد في الدنيا والآخرة.

﴿تُغْنِىَ عَنْهُمْ﴾: أي لن تنفعهم أو تدفع عنهم العذاب.

﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم﴾: تكرار (لا) يفيد التّوكيد، توكيد النّفي ونفي كلٍّ على حدةٍ لا الأموال وحدها ولا الأولاد ولا كلاهما معًا.

﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: من استغراقية، شيئًا: ولو أقلّ القليل، وشيئًا: نكرة، أيّ شيء مهما كان قليلًا أو كثيرًا أو مهما كان نوعه.

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد ويفيد التّحقير والذّم.

﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي ملازمون لها لا يفارقونها ولا تفارقهم. ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة.

سورة المجادلة [58: 18]

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾:

﴿يَوْمَ﴾: البعث أو القيامة، والتنكير يفيد التعظيم والتهويل.

388

﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: من قبورهم؛ أي: المنافقين ويحشرهم يوم القيامة أوّلهم وآخرهم.

﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: لله تعالى في الآخرة على أنّهم ما كانوا منافقين، أو ما ينسب إليهم من إثم وسيئات.

﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: الكاف للتشبيه، لكم أيّها المؤمنون الآن في دار الدّنيا: أنّهم لمنكم وماهم منكم، أو ما قالوا كلمة الكفر، وما كفروا بعد إسلامهم … وغيرها.

﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: من حسب: وهو الظّن الرّاجح؛ أي: يعتقدون.

﴿أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾: على شيء من الإيمان أو شيء من الحق، أو يعتقدون أن أيمانهم لكم تنفعهم عند الله تعالى كما كانت تنفعهم في الدّنيا، شيء: نكرة، تعني: أيّ شيء مهما كان نوعه، والشيء: هو أقل القليل سواء أكان حسيًا (ماديًا)، أم معنويًا.

﴿أَلَا﴾: أداة للتنبيه والتّوبيخ.

﴿إِنَّهُمْ هُمُ﴾: للتوكيد، وهم: لزيادة التّوكيد.

﴿الْكَاذِبُونَ﴾: أي صفة الكذب أصبحت ثابتة عندهم لا تتغير.

سورة المجادلة [58: 19]

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:

﴿اسْتَحْوَذَ﴾: من الحَوْذ، حاذ البعير؛ أي: ساقه سَوقًا عنيفًا.

389

﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: استولى عليهم الشيطان وأحاط بهم، وغلب على عقولهم فتركوا أوامر الله تعالى وأطاعوا الشّيطان.

﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾: أنساهم أن يذكروا الله بجميع الطّرق وشتى الوسائل، بألسنتهم وبقلوبهم وبأعمالهم، وأنساهم الصّلاة والقرآن والخوف من الله.

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم والتّحقير.

﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: الحزب يعني الجماعة من النّاس اجتمعوا على منهج أو مبدأ فيه مصلحتهم أو فائدة لهم.

﴿أَلَا﴾: ألا: للتنبيه والتّوبيخ.

﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.

﴿حِزْبَ الشَّيْطَانِ﴾: أتباعه وأولياءه وأنصاره.

﴿هُمُ﴾: للتوكيد.

﴿الْخَاسِرُونَ﴾: لأنفسهم ولأهليهم، الخاسرون في الدّنيا والآخرة. ارجع إلى سورة النساء آية (119) لمزيد من البيان.

سورة المجادلة [58: 20]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِى الْأَذَلِّينَ﴾:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ارجع إلى الآية (5) من السّورة نفسها؛ للبيان.

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم والتّحقير.

390

﴿فِى الْأَذَلِّينَ﴾: في ظرفية، الأذلِّين: جمع الأذل: وهو الأكثر ذلًا من كل ذليل، والذّل: الصَّغار والمهانة؛ أي: هم أذلُّ خلق الله.

سورة المجادلة [58: 21]

﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾:

﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: قضى وحكم، أو كتب الله في اللوح المحفوظ أو أم الكتاب.

﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾: بالحجة وبالقوة وكل أنواع الغلبة، واللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد؛ أي: لأغلبن الكفار (حذف ذكرهم استحقارًا لهم) أو لا يريد ذكرهم؛ لأنهم لا يستحقون الذكر.

﴿أَنَا وَرُسُلِى﴾: أنا: ضمير الشأن يفيد التفخيم، ورسلي: الأنبياء والرسل.

﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.

﴿قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: ارجع إلى سورة الحديد آية (25).

391

سورة المجادلة [58: 22]

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾: (هذا هو المفروض).

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (8) لمزيد من البيان. (يحبّون ويوالون).

﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: حاد؛ أي: من عادى الله ورسوله وشاقَّهما ولو كانوا أقرباءهم مثل آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهذا الزّجر والنّهي عن موالاة أعداء الله ورسوله ورد بلفظ الخبر.

﴿أُولَئِكَ﴾: تعود على الذين يؤمنون بالله ورسوله ولم يوادُّوا من حادَّ الله ورسوله، كتب في قلوبهم الإيمان: أي أثبته وأقرَّه في قلوبهم.

﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾: أي بالقرآن، وسمّاه روحًا وسمّى من نزل به الرُّوح الأمين (أي جبريل)، كما قال تعالى في سورة الشروى آية (52): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾.

﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تنبع من تحتها الأنهار.

393

﴿خَالِدِينَ فِيهَا رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: ورضوان الله عليهم أعلى درجة من دخولهم الجنات.

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، تفيد المدح والتّعظيم.

﴿حِزْبُ اللَّهِ﴾: حزب: ارجع إلى آية (19) من السّورة نفسها؛ أي: أولياء الله وأنصاره.

﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾: ألا: للتنبيه والتّوكيد.

﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، المفلحون: النّاجون من النّار والفائزون بالجنة، الفلاح: هو النّفع الباقي ونَيل الخير الدّائم. ارجع إلى سورة البقرة آية (5) لمزيد من البيان في معنى (المفلحون).

394