تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 11 · ص 396 - 412

سورة الحشر (1 من 2)

سورة الحشر

سورة الحشر [59: 1]

ترتيبها في القرآن (59) وترتيبها في النزول (101).

أسباب النّزول: بعد أن انتصر المسلمون في غزوة بدر وعادوا إلى المدينة جاء بنو النّضير (من يهود المدينة) رسولَ الله وعاهدوه على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ويبقوا على الحياد، وبعد غزوة أُحد أظهروا العداوة لرسول الله ﷺ، ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ بعد أن ذهب وفدًا من بني النّضير إلى قريش في مكة، وكان كعب بن الأشرف رئيس الوفد، واجتمع كعب بزعيم قريش أبي سفيان، وعاد كعب إلى المدينة فأخبر الله سبحانه نبيَّه بما حصل، وأمر النّبي بقتل كعب بن الأشرف، وأمر الرّسول ﷺ المؤمنين بالمسير إلى بني النّضير بعد أن قُتل كعب بن الأشرف، وأمرهم بالخروج والجلاء عن المدينة المنورة فرفضوا، وانحاز المنافقون إلى جانب بني النّضير وشجعوهم على ألَّا يخرجوا من ديارهم وعاهدوهم إن قاتلكم محمّد وأصحابُه لننصرنَّكم وإن خرجتم للقتال لنخرجنَّ معكم، وحاولوا الغدر برسول الله ﷺ برئاسة عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول.

وحاصر الرّسول ﷺ وأصحابه بني النّضير (21) يومًا خلالها قذف الله سبحانه الرّعب في قلوب بني النّضير، ويَئِسُوا من مساعدة المنافقين لهم، وسألوا رسول الله ﷺ الصّلح، فقبل على شرط جلائهم عن المدينة بلا رجعة، فنزلت هذه الآيات تصف ما حدث.

396

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:

ارجع إلى سورة الحديد الآية (1) للبيان في معنى سبح لله ما في السموات … وهناك اختلاف بين الآيتين هو تكرار (ما في) مرتين، ففي سورة الصف والحشر قال تعالى: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ بينما في سورة الحديد قال تعالى: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقد تبين من مقارنة هذه الآيات إفادة ذكر (ما في) اسم الموصول وفي الظرفية قد يكون للتوكيد، أو هذا التّكرار لوحظ أنه يصحبه عادة الكلام عن أهل الأرض كالجهاد أو القتال في سبيل الله مثلًا، أو يأتي في مقام التّفصيل في البيان والآيات والشمول والاستغراق مثل الفزع والصعق والسجود الذي يشمل أهل الأرض والسموات، وعدم إعادة (ما) اسم الموصول يكون في مواطن الإجمال، أو للتخصيص لأنَّ هناك أشياء ومخلوقات في السموات، ليست موجودة على الأرض أو بالعكس كالملائكة المقربين أو الحافين من حول العرش، حرف (ما) يشمل العاقل وغير العاقل، وهذا التحليل ينطبق للإعادة (ما في) أو إعادة (من في) في كل آيات القرآن.

سورة الحشر [59: 2]

﴿هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِى الْأَبْصَارِ﴾

﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يعود على الله سبحانه واجب الوجود.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.

﴿أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أيْ: بني النّضير (من اليهود).

﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: قرب المدينة على مسافة (2) ميل من المدينة.

﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: سُمِّيَ هذا الجلاء بأوّل حشر، أي: الحشر الأول، وأمّا

397

الحشر الثّاني فقد قيل: كان بعد غزوة خيبر، أو ربما يكون يوم القيامة، واللام في كلمة لأول للتوقيت، كقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78].

﴿مَا ظَنَنتُمْ﴾: أيها المسلمون أن بني النّضير يخرجون ويتركون ديارهم لعزتهم ومنعتهم، فقد كانوا أهل حصون ونخيل ومال.

﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾: أن للتعليل والتّوكيد.

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: وظنوا، أي: بنو النّضير أن حصونهم تحميهم أو تقيهم من الله، أيْ: من بأس الله تعالى ونقمته؛ فتقدم الخبر (مانعتهم) على المبتدأ (حصونهم) يدل على شدة اعتمادهم حماية حصونهم لهم ونصرهم على المؤمنين.

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أيْ: جاءهم بأسه أو عذابه من حيث لم يخطر على بالهم لقوتهم أن يأتيهم من جهة محمّد ﷺ وصحابته المؤمنين، وأنّهم قادرون على حصارهم لمدة (21) يومًا.

﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: القذف الإلقاء بقوة، أي: ملأ قلوبهم رُعبًا، وخاصة بعد قتل سيدهم كعب بن الأشرف؛ والرعب: الاضطراب النفسي الناشئ عن أمر لم يكن متوقع أو منتظر، ويتمثل بمزيج من الخوف والشدة، ومحاولة الفرار، وإيجاد مخرج أو ملجأ.

﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾: لما أيقنوا بالجلاء، فقد كانوا يقلعون العمد والأبواب فيأخذونها معهم لكونها ثمينة، ولكي لا يسكن ديارهم أحد من المسلمين أو المؤمنين، فحاولوا تخريب منازلهم من الدّاخل وخرب المؤمنون ما تبقى من ديار بني النّضير.

﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِى الْأَبْصَارِ﴾: اعتبروا مشتقة من العبرة، وهي الدّلالة الموصلة إلى الحق والعبرة، الحالة التي يُعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم بمقارنة

398

أو مساواة شيء مشاهد أو محسوس إلى الوصول إلى أمر لم يكن متوقع أو منتظر؛ يا أولي الأبصار، يا أصحاب العقول، أي: البصائر أو ذوي البصيرة، كيف أخرج الله سبحانه بني النضير من ديارهم وهزمهم على يد المؤمنين الذين لا زلت جراحهم تنزف دمًا من الهزيمة في معركة أُحد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (13) لمزيد من البيان في أولي الأبصار.

سورة الحشر [59: 3]

﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾:

﴿وَلَوْلَا﴾: الواو استئنافية، لولا شرطية.

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.

﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: كتب: قضى وحكم أو فرض، وكتب أبلغ من فرض عليهم الجلاء من المدينة، أي: الخروج الجماعي من المدينة مع الأهل والولد خوفًا، وهناك فرق بين الجلاء والإخراج؛ أما الإخراج: فهو الخروج الذي قد يكون لواحد أو جماعة مع بقاء الأهل والولد. والجلاء: يشمل الأهل والأولاد، والجلاء: مصدر لفعل جلا.

﴿لَعَذَّبَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد واقعة في جواب الشّرط.

﴿فِى الدُّنْيَا﴾: بالقتل والسّبي والفقر والمرض أو غيرها.

﴿وَلَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.

﴿فِى الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾: أيْ: وإن نجوا من عذاب الدّنيا بأن أجلوا من ديارهم من دون قتل وتشريد، فلن ينجوا في الآخرة من عذاب النّار بسبب نقضهم ميثاقهم وعهودهم ومحاربتهم لرسول الله ﷺ.

399

سورة الحشر [59: 4]

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:

﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، يشير إلى الجلاء الذي كتب عليهم والعذاب بأنّهم شاقوا الله ورسوله.

﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء للإلصاق والتّعليل.

﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: شاقوا من المشاقة والمشتقة من الشّق، أيْ: بني النّضير في شقٍّ ورسول الله ﷺ والمؤمنين في شقٍّ آخر،، خالفوا الله وعادوا الله ورسوله.

﴿وَمَنْ﴾: شرطية استغراقية.

﴿يُشَاقِّ اللَّهَ﴾: يعادي ويخالف الله سبحانه، يشاق ولم يقل: ورسوله؛ لأن مشاقة الرسول هي مشاقة لله، ولم يفك إدغام يشاق ويقل: يشاقق؛ لأنه سبحانه لم يذكر الرسول مرة أخرى ولو ذكره لفكَّ الإدغام. ارجع إلى الأنفال آية (13) للبيان والمقارنة.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة إن للتوكيد، العقاب: هو الجزاء على العمل عقيب فعله.

401

سورة الحشر [59: 5]

﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ﴾:

أسباب النّزول: كما أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر في أثناء حصار بني النّضير قام بعض الصّحابة بقطع بعض شجر النّخيل وإحراقه لإغاظة بني النضير، فقال بنو النّضير: كيف ينهى محمّد عن الفساد في الأرض، ثم يأمر قومه بحرق النّخيل وقطعه. فنزلت هذه الآية تُبيح عمل بعض الصّحابة، ولا إثم عليهم وكل شيء قطعوه أم لم يقطعوه كان بإذن الله.

﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ﴾: ما: النّافية، قطعتم: قطع كامل أو بعض الأغصان.

من: ابتدائية بعضية، لينة: نخلة شجرة نخل وجمعها أليان، واختيار لينة بدلًا من نخلة؛ لأن لينة تعني: كرام النّخل أو نوع من النّخل غنية بثمرها ولثمرها ألوان مختلفة واحدها لون أو لينة.

﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾: أيْ: لم تقطعوها وتركتموها قائمة على سوقها وجذورها.

﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فبأمر الله تعالى.

﴿وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: الإذن بالقطع، ليخزي: اللام للتعليل، الفاسقين على فسقهم، والخزي هو ذل لهم وفضيحة، أخبر جبريل عليه السلام رسولَ الله ﷺ بذلك الحكم، أيْ: لا إثم عليه ولا على المؤمنين. والفاسقين: جمع فاسق، وهو الخارج عن الدين، أو متعدي لحدود الله ورسوله. ارجع إلى سورة البقرة آية (26) لمزيد من البيان.

402

سورة الحشر [59: 6]

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾: وما: الواو: عاطفة على ما قطعتم من لينة؛ ما: شرطية، أفاء: أيْ: ما أعطى الله رسوله ﷺ من فيء بني النّضير (غنائم بني النّضير) هو خاص به، ولا شيء لكم منه، فالأمر لله تعالى يعطي أو يقسم الفيء، كما يشاء الله، فهذه أموال لم تأخذونها بالقتال أو الحرب.

أما الفرق بين الفيء والأنفال: فالفيء هي الغنائم التي تؤخذ من العدو من دون قتال؛ كأن يفر العدو من أرض المعركة تاركًا وراءه غنائم أو أسلحة أو أموال أو كان نتيجة عقد صلح وسلام، أما الأنفال: فهي الغنائم التي تؤخذ من العدو بقتال وحرب. ارجع إلى سورة الأنفال آية (1) للبيان.

﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد.

﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: الإيجاف الإسراع في السّير، أيْ: ما أسرعتم بالمسير إليه بالركوب، الركاب: ما يُركب من الإبل أو السّيارات أو وسائل النّقل الحديثة. أيْ: لم تقاتلوا عدوًا من أجله أو تبذلوا جهدًا للحصول عليه.

﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.

﴿اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: رسلَهُ محمّد ﷺ على من يشاء من أعدائه، ورسله قد تعني أيضًا ملائكته فيقذفون الرّعب في قلوب أعداء الله تعالى.

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أيْ: يمنح هذه الغنائم لمن يشاء تارة بحرب،

403

وتارة من دون حرب، فهو على كل شيء قدير. ارجع إلى الآية (1) من سورة التّغابن للبيان.

أيْ: هذه الغنائم من بني النّضير أخذت منهم قهرًا وعنوة، ومن دون قتال فلم يعطِ الأنصار نصيبًا منها حيث طلبوا قسمة تلك الغنائم، ولكن رسول الله ﷺ أعطى هذه الأموال للمهاجرين، وقسمها حسب ما أوحى إليه ربه، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر منهم.

سورة الحشر [59: 7]

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾: ما: اسم شرط جازم، ولم يسبقها واوًا كما في الآية السابقة (6)؛ لأن الكلام استئناف، أو هذه الآية ليس لها علاقة بما سبق؛ فهي حكم جديد في أمر الفيء؛ فقد كان البيان الأول: ما أفاء الله على رسوله منهم (هذا أمر خاص ببني النّضير).

أما البيان الثّاني: فهو بيان عام يشمل كل الكفار والأعداء وهو ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى كافة التي تفتح من دون قتال أو حرب (قرى الكفار عامة).

فهي توزع كما يلي (1/ 5) خُمس هذه الغنائم هي لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل.

404

أما الأربعة أخماس الأخرى (4/ 5) فللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم؛ تعني: المهاجرين وبعض الفقراء خاصة.

﴿فَلِلَّهِ﴾: تعني: رسول الله ﷺ، وقيل: سهم الله للتعظيم أو يعني للرسول، ويصرف سهم الرّسول بعد موته ﷺ على الإمام أو الجيش أو مصالح المسلمين، وسهم ذي القربى: يوزع على بني هاشم وبني عبد المطلب.

وسهم اليتامى: أطفال المسلمين الذين فقدوا آباءهم وهم فقراء.

وسهم المساكين: ذوي الحاجة من المسلمين.

وابن السّبيل: المنقطع في سفره من المسلمين، وليس معه مال يرده إلى بلده.

﴿كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾: دُولة: بضم الدّال وليس دَولة، دَولة: هي الحكومة أو الوطن، أما دُولة فلكيلا يتداولها الأغنياء بينهم، أي: تقع في أيديهم.

﴿كَىْ﴾: للتعليل الحقيقي.

﴿لَا﴾: النّافية.

كي لا يكون: الفيء أو الغنيمة، غنيمة للأغنياء منكم وهم ليسوا بحاجة إليه.

﴿مِنكُمْ﴾: خاصة.

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: من مال أو غنيمة أو فيء، وما أمركم به الرسول فافعلوه.

405

﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾: وما أمركم بتركه والابتعاد عنه فاجتنبوه؛ لأنه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 - 4].

وطاعته ﷺ هي طاعة لله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].

يتبيَّن أنّ رسول الله ﷺ أُعطي حق التّشريع.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: امتثلوا أوامر الله وتجنبوا نواهيه، فبذلك تتقوا سخطه وغضبه وناره.

﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إن للتوكيد، شديد العقاب: لمن عصاه وتعدَّى حدوده.

سورة الحشر [59: 8]

﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾:

﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والملكية، للفقراء المهاجرين: الأربعة أخماس الباقية من الغنائم.

وتبدو هذه الآية إجابة على سؤال حين سُئل بما أنّ الخُمس (1/ 5) يصرف لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل، فلمن تصرف الأربعة أخماس الباقية من الغنائم، فجاء الرّد الإلهي للفقراء والمهاجرين.

﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: أي: أخرجوهم كفار مكة وأخذوا أموالهم وتركوا ديارهم ومتاعهم حين خرجوا من مكة إلى المدينة مهاجرين.

﴿أُخْرِجُوا﴾: رغمًا عن إرادتهم وقسرًا وقهرًا، ولم يقل: خرجوا: أي: بإرادتهم ورغبتهم.

406

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: يطلبون أو يلتمسون فضلًا من الله: الفضل هو الزيادة عما يستحق العبد من الأجر والثواب على ما يقدِّمه من أعمال صالحة، والفضل ليس بواجب لأحد، ولكن الله يتفضل على من يشاء من دون سبب وأعظم الفضل التوفيق ورؤية وجهه الكريم في الجنة.

﴿وَرِضْوَانًا﴾: رضوان الله هو أكبر من الجنة والمساكن الطيبة والنعيم كما قال تعالى في سورة التوبة آية (72): ﴿فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. والرضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع. ارجع إلى سورة آل عمران آية (15) لمزيد من البيان في الرضوان.

﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: من النصرة، وهي تقديم المعونة الخاصة للأنبياء والرسل للنصرة على أعدائهم ولنصرة هذا الدِّين وإعلاء كلمة الله تعالى.

أما الفرق بين المعونة والنصرة، فالمعونة عامة والنصرة خاصة تكون بالجهاد والمال، وغيرها من الوسائل.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد تفيد المدح. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد.

الصادقون: في أقوالهم وأفعالهم وإيمانهم ونصرتهم لله ورسوله قرنوا الإيمان بالعمل الصالح، والصّادقون صفة ثابتة لا تتغيَّر فيهم.

وإذا قارنا هذه الآية (8) من سورة الحشر ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: والآية (273) من سورة البقرة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾.

407

نجد أن آية الحشر جاءت في سياق الفيء وتقسيم الغنيمة، وأما آية البقرة فجاءت في سياق الصدقة.

سورة الحشر [59: 9]

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الذين: أي: الأنصار الذين سكنوا المدينة من قبل المهاجرين، تبوَّءُوا الدار: سكنوا المدينة، والإيمان: الإيمان ليس بمكان يتبوَّأ فكيف عطف الإيمان على الدّار؛ لأنّ الإيمان هو اعتقاد أو عقيدة فكأنه شبه الإيمان بمنزل أو مسكن آخر لهم فأصبح لهم منزلين وفي هذا مدح للأنصار فهم سكنوا المدينة والإيمان سكن في قلوبهم بعد إسلامهم. ارجع إلى سورة يونس آية (87) لمزيد من البيان في معنى تبوأ.

﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: من مكة أو غيرها من سائر المدن، ومن هاجر إليهم من المؤمنين.

﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: ولا يجدون في صدروهم في أنفسهم حاجة، أي: حسدًا ولا غيظًا مما أُعطي المهاجرون من الفيء أو الغنيمة.

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: من الإيثار وهو تقديم مصلحة الغير على النّفس بأموالهم ومنازلهم، أي: يقدِّمون المهاجرين على أنفسهم أو يؤثرون المهاجرين على أنفسهم في المال والمتاع.

﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: الخصاصة الفقر والحاجة وسوء الحال.

408

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: من شرطية، يوق شح نفسه: يحمي نفسه من الشّح، والشّح: هو أشد البخل مع الحرص الشّديد على المال ومنع الخير وكأنه جُبل عليه.

فمن كفاه الله البخل والإفراط في الحرص على المال، فأدَّى ما أوجبه الشّرع عليه من زكاة وصدقة.

﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط.

﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: هؤلاء في طليعة المفلحين يوم القيامة، المفلحون: المدركون أمانيهم، أي: الفائزون بالجنة والنّاجون من النّار والمدركون لأمانيهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (5) لمزيد من البيان في معنى الفلاح.

409

سورة الحشر [59: 10]

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: من بعد المهاجرين والأنصار في الزمان وهم التابعون، أو قد تعني: ليس فقط التّابعون لهم في حقبة معينة من الزّمن، بل الإيمان أي: من أمن بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.

﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾: اغفر لنا ذنوبنا ويقولون تدل على التّجدُّد والتّكرار.

﴿وَلِإِخْوَانِنَا﴾: واغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (من المهاجرين والأنصار).

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: حقدًا أو حسدًا لما أتاهم الله سبحانه في المنزلة والحظ في الآخرة.

﴿رَبَّنَا﴾: تكرار ربنا يفيد التّوكيد والتقرُّب من الله تعالى.

﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد.

﴿رَءُوفٌ﴾: الرّأفة أخص من الرّحمة وأشد، وتكون للمؤمنين خاصة.

411

﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده المؤمنين - دائم الرّحمة - ويقيهم السّيئات والضّر ويجلب لهم ما يُسر.

سورة الحشر [59: 11]

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:

﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب.

﴿تَرَ﴾ رؤية قلبية فكرية.

﴿إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: من قريش، أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم وأخفوا كفرهم في قلوبهم أمثال عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول وأصحابه.

ارجع إلى سورة المنافقون آية (1) لمزيد من البيان.

﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: (اليهود من بني النّضير وقريظة).

﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن أخرجتم: من المدينة، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك.

﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾: اللام والنّون في يخرجنَّ للتوكيد، أيْ: لئن أخرجتم من المدينة لنخرجنَّ معكم.

﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾: ولا نطيع في قتالكم أحدًا أبدًا مثل رسول الله ﷺ

412