تفسير القرآن الثري الجامعالجزء 11 · ص 413 - 427

سورة الحشر (2 من 2)

والمسلمين، أو لا نطيع في خذلانكم أحدًا أو مخالفة ما وعدناكم من الولاء والنّصرة.

﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾: إن شرطية، تفيد ندرة الحدوث، أو الاحتمال، أو الشّك، قوتلتم: قاتلكم أحد لننصرنكم، واللام والنّون في لننصرنكم للتوكيد.

﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: إنّ واللام في لكاذبون للتوكيد، إنهم لكاذبون في وعودهم لبني النّضير بالخروج معهم أو القتال معهم ونصرتهم.

سورة الحشر [59: 12]

﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾:

﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال.

﴿أُخْرِجُوا﴾: من ديارهم أو أُجلُوا عن المدينة أو غيرها من المدن، أو القرى.

﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾: لا النّافية يخرجون معهم كما وعدوهم.

﴿وَلَئِنْ﴾: مثل السّابقة.

﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا﴾: من قبل المسلمين أو غيرهم لا ينصرونهم كما وعدوهم.

﴿وَلَئِنْ نَّصَرُوهُمْ﴾: يعني: ولئن نصروا بني النّضير.

﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ ليفرُّون هاربين مهزومين معهم، وتكرار لئن للتوكيد ولفصل كل واحد من هذه الاحتمالات على حِدَةٍ.

413

﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ثم للتراخي من الزّمن، أي: لا ينصرون الآن، ولا في المستقبل مهما طال، وفي هذا وعد للمؤمنين بالنّصر على الكافرين والمنافقين.

سورة الحشر [59: 13]

﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾:

﴿لَأَنتُمْ﴾: اللام لام الاختصاص للتوكيد، أنتم أيها المؤمنون.

﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أشد رهبة في صدورهم (أي: في قلوب المنافقين) من الله، والرّهبة: هي الخوف والحذر، أي: يخافونكم ويخشونكم ويحذرونكم أكثر مما يخافون الله ويحذرونه ويخشونه.

﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الرّهبة.

﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للإلصاق والملازمة.

﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الفقه: الفهم لا يفهمون. والفقه اصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية، وإدراك المعاني والأسرار الخفية في كلام الله تعالى؛ فهم لا يفقهون؛ لأنهم خافوا منكم لشعورهم بالضعف، ولم يخافوا الله سبحانه القهار والجبار؛ أي: خافوا الظاهر، ولم يخافوا ما وراءه وهو الله سبحانه؛ ارجع إلى سورة النساء آية (78) لمزيد من البيان في يفقهون.

ووصفهم في الآية (11) ﴿لَكَاذِبُونَ﴾.

ووصفهم في الآية (14) ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾.

فهم لا يفقهون ولا يعقلون إضافة إلى كونهم يكذبون.

414

سورة الحشر [59: 14]

﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾:

﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: لا: النّافية، يقاتلونكم: أضاف النّون للتوكيد أصلها لا يقاتلوكم، أي: اليهود والمنافقون.

﴿جَمِيعًا﴾: أيْ: لا يقاتلونكم حين تكونون مجتمعين موحَّدين تحت راية واحدة، ولكن يقاتلونكم حين تكونون متفرقين.

﴿إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: إلا: أداة حصر، في قرى محصنة: أي: حين يكونوا قد تحصنوا في حصونهم وقلاعهم وخنادقهم، أو قرى محصنة بنوع جديد من التّحصن، وهو زرع البطاريات المضادة للصواريخ أو القبة الحديدية.

﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: ببناء الجدر العازلة بين المدن أو على الحدود.

﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: البأس الحرب بينهم، شديد: أي: إذا قاتلوا بعضم بعضًا يقاتلون بشدة.

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾: تحسبهم من الحسب، وهو الظّن الرّاجح، تظنون ظنًا راجحًا أنهم موحَّدون متفقون في الظاهر.

﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: قلوبهم متفرقة لاختلاف عقائدهم ونواياهم ومقاصدهم، أي: في الباطن متفرقون ومختلفون، وفي الظّاهر أو العلن موحدون.

﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى تفرقهم وبأسهم بينهم شديد.

415

﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الباء: للإلصاق والملازمة، لا يعقلون: لا يفكرون فيما فيه صلاحهم وعاقبة أمرهم ولا يدركون الحق؛ لا يعقلون: لأن قلوبهم متفرقة (شتى)، ولو عقلوا وأدركوا الحق لما قاتلوكم، وأصابهم ما أصابهم.

سورة الحشر [59: 15]

﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:

﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الكاف للتشبيه، الذين: اسم موصول، من قبلهم: من تدل على الزّمن القريب (أي: من زمن قريب).

أي: مثل بني النّضير والمنافقين كمثل الذين من قبلهم قد يكونون بني قريظة أو بني قينقاع أو كفار قريش يوم بدر في خيانة العهود ومحاربة الرّسول ﷺ والغدر وعدم الإيمان.

﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: ذاقوا سوء عاقبة كفرهم وتخاذلهم وعدم الوفاء بعهودهم، والوبال: في الأصل: من البول، ويعني: الشّدة والثّقل والوخامة، ثم استعير ليمثل سوء عاقبتهم ووَبل المرتع وبالًا: كثر فيه البول ووَخْم فيه الرّائحة الوسخة. وذكرت كلمة وَبَال في القرآن في (4) سور: المائدة آية (95) والحشر آية (15) والتغابن آية (5) والطلاق آية (9).

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الآخرة.

416

سورة الحشر [59: 16]

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِاءٌ مِنْكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾:

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: الكاف للتشبيه، كمثل الشيطان: أي: مثل المنافقين فيما صنعوا، مع بني النّضير في إغرائهم على القتال معهم ونصرتهم والخروج معهم.

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ﴾: أي: أغراه ووسوس إليه وزين له الكفر.

﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾: أي: استجاب للشيطان.

﴿قَالَ إِنِّى بَرِاءٌ مِنْكَ﴾: تبرؤ الشّيطان فيه مخافة أن يشاركه في العذاب.

﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: جمع خوفين خوف من الألوهية، وخوف من الرّبوبية. ارجع إلى سورة الأنفال آية (48) لمزيد من البيان.

417

سورة الحشر [59: 17]

﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾:

﴿فَكَانَ﴾ الفاء استئنافية، كان: تشمل كل الأزمنة ومنها المستقبل.

﴿عَاقِبَتَهُمَا﴾: الشّيطان والإنسان.

﴿أَنَّهُمَا﴾: للتوكيد.

﴿فِى﴾: ظرفية.

﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾: خلود يبدأ من زمن دخولهم إليها وبلا نهاية.

﴿وَذَلِكَ﴾: الواو للتوكيد، ذلك: اسم إشارة يشير إلى العذاب والخلود في النّار.

﴿جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: الجزاء على العمل والجزاء يكون في الخير والشّر وأما الأجر يكون عادة في الخير، الظالمين: الكافرين والمشركين.

سورة الحشر [59: 18]

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:

نداء جديد للذين آمنوا بتكليف وأمر جديد بتقوى الله.

﴿يَاأَيُّهَا﴾: الياء النداء وللبعد والهاء للتنبيه.

419

﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: التّقوى هي امتثال أوامر الله وطاعته، وتجنب نواهيه؛ لكي نتقي سخطه وغضبه وناره.

﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر أو التّوكيد.

﴿نَفْسٌ﴾: 1 - جاءت بصيغة التّنكير تعني: أيَّ نفس مثقلة بالذّنوب أو زكية أو مطمئنة أو غيرها.

ونفس تشير إلى القلة، أي: الأنفس النّواظر لغد قلة.

﴿مَا قَدَّمَتْ﴾: ما بمعنى الذي أو مصدرية، (وما) أوسع شمولًا من الذي. قدَّمت: أحضرت أو عملت من الأعمال الصّالحة ليوم حسابها.

﴿لِغَدٍ﴾: اللام لام التّوقيت وغد يعني: يوم القيامة وجاء بصيغة التّنكير للتهويل والتّعظيم، ولقرب يوم القيامة، وتحقق وقوعه اعتبره الغد، أي: اليوم الذي يلي اليوم الذي نحن فيه، أو أي: يوم في المستقبل قريبًا أو بعيدًا.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تكرار ذلك يعني: التّوكيدَ والحضَّ على التّقوى والاستقامة عليها.

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إن للتوكيد، خبير: ببواطن الأمور، ومخفيات الصّدور، وقدَّم خبير على ما تعملون؛ لأنّ السّياق في التّقوى والتّقوى عمل قلبي لا يعلمه إلا الله تعالى. ولم يقل: إن الله بما تعملون خبير.

سورة الحشر [59: 19]

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:

﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف، لا: النّاهية.

420

﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: نسوا طاعة الله وذكر الله، ونسوا الصلاة أو عبادة الله أو نسوا امتثال أوامره وتجنب نواهيه، أو نسوا حق الله عليهم.

﴿فَأَنسَاهُمْ﴾: الفاء فاء السّببية، أيْ: أنساهم أن يقدِّموا خيرًا لأنفسهم وتركهم في شهواتهم وغيهم وضلالهم يعمهون، كما نسوا الله سبحانه وتعالى أنساهم أنفسهم باللهو واللعب وإضاعة الزمن والانشغال بتوافه الأمور والجدال أحيانًا مع الناس من دون علم والتمتع والأكل كما تأكل الأنعام.

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الذين نسوا الله.

﴿هُمُ﴾: للتوكيد.

﴿الْفَاسِقُونَ﴾: أيْ: إذا كان هناك فاسقون فهم في المقدِّمة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله.

ارجع إلى الآية (26) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

سورة الحشر [59: 20]

﴿لَا يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:

﴿لَا﴾: النّافية.

﴿يَسْتَوِى﴾: في المنزلة والدّرجة والفضل كلٌّ من أصحاب النّار وأصحاب الجنة.

والآية تعني: لا يستوي أصحاب النّار فهم في درجات مختلفة قيل: سبع دركات والدّرك الأسفل للمنافقين، وقيل: هي جحيم وجهنم ولظى وسعير وسقر والحطمة والهاوية.

421

وأصحاب الجنة هم درجات، فقد قيل: إنّ الجنة (100) درجة وبين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض بُعدًا.

﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: إعادة كلمة أصحاب الجنة للتوكيد، وكلمة أصحاب مشتقة من الصّحبة: الملازمة وعدم الفرقة والصّداقة والمودة.

وقدَّم أصحاب النّار على أصحاب الجنة؛ لأنّ سياق الآيات في الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أو قدَّمها للتنبيه والتّحذير، أو لكثرة عددهم.

سورة الحشر [59: 21]

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾:

﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع، امتنع نزول القرآن على جبل لامتناع رؤية الجبل خاشعًا متصدعًا.

﴿أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: ولو أُنزل هذا القرآن على جبل وحصل ذلك لرأيته خاشعًا؛ الخشوع: الخضوع والذل والانكسار، وتظهر آثاره في القلب والسمع والبصر والصوت متصدعًا من خشية الله تعالى، أو من خشية القرآن، والخشية: هي الخوف المقرون بالتعظيم، والعلم فيمن تخشاه؛ لأنّ القرآن كلام الله تعالى أو يتصدع من كلام الله فإذا تصدع من كلام الله، فكيف إذا تجلى الرّب سبحانه للجبل، كما حصل حين طلب موسى ذلك، فقد جعله دكًا وخرَّ موسى صعقًا؟

وأنت أيها الإنسان أنزل إليك القرآن، فلا يخشع له قلبك، ولا يقشعر له جلدك، ولا تتأثر به حين يُتلى عليك أو تتلوه بنفسك.

422

فلو أنزل هذا القرآن على الجبل الجامد الذي يزن ملايين الأطنان يلين ويتصدع وأنت هجرته وراء ظهرك وهذا توبيخ لهؤلاء الذين لا يقرؤون ولا يتأثرون به؛ مما يدل على أن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.

﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.

﴿الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: مثل إنزال القرآن على جبل.

﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل.

﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون في الآيات والدّلائل، فإذا تفكروا وتدبروا فسوف يصلون إلى النتيجة أنّ الله هو الإله الحق واجب الوجود المستحق للعبادة وحده. وقيل: ضرب الأمثال لإزالة الغموض.

سورة الحشر [59: 22]

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾:

﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.

﴿اللَّهُ﴾: هو علم على الذات الواجب الوجود، الإله الحق لا إله إلا هو المستحق العبودية وحده، لا شريك له في الملك، والخلق، فهو مالك الملك وإليه يرجع الأمر كله في الأولى والآخرة، والله: الاسم الجامع لجميع صفات الكمال والجامع للأسماء الحسنى تفرَّد به سبحانه واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء لا مثيل ولا نظير ولا صاحبة ولا ولد ولا شريك.

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الكمال والتّعظيم.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا إله: تفيد النّفي، إلا هو: تفيد الإثبات أو توكيد النّفي.

423

ارجع إلى سورة البقرة آية (255) لمزيد من البيان.

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الغيب: أيْ: عالم ما غاب عن المدركات والحواس واستتر، عنده علم السّاعة ويعلم ما في السموات والأرض والبر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، وما يعزب عنه من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يعلم ما في الأرحام وما تخفي الصّدور ويعلم ما تكسب كل نفس وبأي أرض تموت والسّر والنّجوى.

﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم ما يشاهد بالمدركات والحواس، وما يجري في كونه وما يعلمه خلقه وهو اللطيف الخبير.

﴿هُوَ﴾: تكرار هو للتوكيد والحصر.

﴿الرَّحْمَنُ﴾: هو من شملت رحمته جميع الكائنات في الدّنيا بما في ذلك المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والحيوان والنّبات، صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعلان تفيد التّجدُّد والتّكرار.

﴿الرَّحِيمُ﴾: رحيم بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة، على وزن فعيل تفيد الثّبوت، فالله سبحانه جمع بين الصّفتين حتى يظن أحد أنّ رحمته قد تزول أو تنقطع، فهي رحمة ثابتة ومتجدِّدة ومتكرِّرة في الدّنيا.

ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (2) لمزيد من البيان.

424

سورة الحشر [59: 23]

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة.

﴿الْمَلِكُ﴾: الحاكم ومشتقة من التّملك، أي: المالك فهو يملك السموات والأرض، ومن فيهن، وهو ملك الملوك فهو الملك الحقيقي؛ لأنه مالك الملك له ما في السموات وما في الأرض، له وحده، وما يملكه البشر وغيرهم هو استخلاف ومُلك مؤقت زائل.

﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطّاهر المنزه من العيوب وكل ما لا يليق به، المبالغ في التّنزيه والكمال، منزه عن كل ما تحيط به العقول أو يتصوره الخيال ومنزه عن كل وصف يدركه الحس، وتقدس في اللغة تطهَّر، والتّقديس هو التّطهير والقدس الطّهر، ويعني: التّطهير والبركة وأعظم تقديس قدس الله سبحانه ذاته عن اتخاذ الصّاحبة والولد والشّريك والنّد والتّقديس يتم بطريقتين: تنزيه الله عما لا يليق به، ومدح الله تعالى بما هو أهله، ولم ترد القدوس إلا مع الملك وذكرت في سورة الحشر وسورة الجمعة.

﴿السَّلَامُ﴾: من العيوب والنّقائص، السّلام: من السّلامة والأمن، السّلامة من الظّلم وهو مصدر السّلام والأمن في الدّنيا والآخرة والسّلامة في الوجود والوقاية من الآفات والمصائب والشّر والضّر وكل مكروه.

﴿الْمُؤْمِنُ﴾: واهب الأمن والطّمأنينة، أمَّن عبادَه الظّلمَ أو الجورَ، وأمَّن أولياءَه عذابَه وسخطه، والمصدِّق لنفسه ورسله.

425

والشّاهد على أنّه لا إله إلا هو، شهد لنفسه بالوحدانية قبل شهادة خلقه وإليه يُعزى الأمن والأمان.

﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: القوي الخاضع لسلطانه كل شيء والمسيطر والمدبر لكل شيء الرّقيب والقائم والشّاهد على أعمال خلقه ورزقهم وآجالهم، والهيمنة تعني كذلك: الرّعاية، أيْ: راعي كل شيء في كونه وخلقه.

﴿الْعَزِيزُ﴾: العزيز القوي عظيم القدرة له العزة جميعًا، عزة القوة وعزة القهر والغلبة وعزة الامتناع، فهو الغني عن خلقه لا يحتاج إلى أحد من خلقه ولا يضره أحد من خلقه، وورد هذا الاسم (88) مرة في القرآن الكريم.

﴿الْجَبَّارُ﴾: قهر خلقه وكونه ونفذت مشيئته وإرادته في عبيده إذا بطش إن بطش ربك لشديد، وإذا أخذ إن أخذه أليم شديد والجبار صفة تعظيم وتعني: القدرة مع كل شيء، صيغة مبالغة من جبر، ورغم أنه هو الجبار لكن لم يجبر عباده على عبادته وطاعته وترك لهم الخيار.

﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: ذو الكبرياء والعظمة، عن كل من سواه والمتعالي عن صفات الخلق والغني عن خلقه.

وذكر هذا الاسم مرة واحدة في هذه الآية فقط.

﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ارجع إلى سورة النحل آية (1) للبيان.

سورة الحشر [59: 24]

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:

﴿هُوَ اللَّهُ﴾: ارجع الآية (22).

426

﴿الْخَالِقُ﴾: أصل الخلق هو التّقدير وإيجاد الشّيء من العدم.

﴿الْبَارِئُ﴾: المظهر والقادر على إيجاد أو إظهار ما خلق إلى الوجود.

﴿الْمُصَوِّرُ﴾: أعطى لكل مخلوق أو شيء حقيبته الوراثية؛ صورته وشكله ولونه وأبعاده وهيئته ليتميَّز بها عن غيره رغم كثرتها وتعدُّدها وصور خلقه كيف يشاء وأحسن صورهم.

﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: تقديم له تفيد الحصر، الأسماء الحسنى: ارجع إلى سورة الأعراف آية (180) للبيان في الأسماء الحسنى.

﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (1) من نفس السورة، وإلى سورة الجمعة آية (1).

وانظر كيف بدأت سورة الحشر بقوله: سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، وكيف انتهت بقوله: يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم؛ مما يدل على توافق بداية السورة مع نهايتها.

427