إعجاز القرآنالجزء 1 · ص 145 - 150

* * / خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه

لم يكن لأحد (1) فيك مغمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز، حتى تأخذ / له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل، حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله شأنك الحق والصدق والرفق (2) وقولك حكم وحتم (3)، وأمرك حلم (4) وحزم، ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من بعدك اتعابًا شديدًا وفزت بالخير فوزا عظيما (5)، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الايام فإنّا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدا، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك.

وسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم.

* * / خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه

* * * / خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغدًا السباق.

ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام مهله (6) فقد فاز، ومن قصر في أيام مهله (7)، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضرّه أملُه.

ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة.

ألا وإني لم أرَ كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها.

  • (1) ا " لاحدهم "
  • (2) سقطت هذه الكلمة من م (3، 4) مكان هاتين الكلمتين بياض في ك، س
  • (5) س، ك: " بالحد فوزا مبينا " (6، 7) س، ك: " أمله ... أمله إعجاز القرآن (*)
145

ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره (1) الباطل، ومن لم يستقم (2) به الهدى يجر به الضلال.

ألا وإنكم قد أُمرتم بالظعن، ودللتم على (3) الزاد.

ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع (4) الهوى، وطول الامل (5) .

* * * / وخطب رضي الله عنه، فقال بعد حمد الله:

أيها الناس، اتقوا الله، فما خُلِقَ امرؤ عبثًا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو، ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه، وما الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته (6)، كالآخر الذى ذهب (7) من الآخرة من سهمته (8) .

* * * وكتب علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس: رحمة الله عليهما، وهو بالبصرة: أما بعد، فإن المرء يسر (9) بدرك ما لم يكن ليحرمه، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما قدمت، من أجر أو منطق، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك.

وانظر ما فاتك من الدنيا: فلا تكثر عليه جزعًا، وما نلته: فلا تنعم به فرحًا، وليكن همك لما بعد الموت (10) .

/ كلام لابن عباس رضي الله عنه

/ كلام لابن عباس رضي الله عنه قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبى موسى، يوم الحكمين؟

  • (1) س، ك: " يضربه "
  • (2) ك: " ومن لا يستقيم "
  • (3) م: " عن "
  • (4) سقطت من س، ك
  • (5) الخطبة من عيون الاخبار 2 / 235 والبيان والتبيين 2 / 52 ونهج البلاغة 1 / 66
  • (6) م: " همية "
  • (7) س، ك: " الذى ظفر به من الآخرة "
  • (8) م: " من سهميه " والسهمة: النصيب كما في اللسان 15 / 200
  • (9) م: " ليسر "
  • (10) نهج البلاغة 3 / 23 - 24 والامالي لابي على القالى 2 / 94 (*)
146

قال: منعه - والله - من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء.

أما والله، لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضًا لما أبرم، ومُبرمًا لما نقض، أسفّ إذا طار، وأطير إذا أسفَ، ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع يومنا غد، والآخرة خير لأمير المؤمنين، من الأولى.

* * خطبة لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه

* * * خطبة لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، خير الملل ملة إبراهيم، وأحسن السنن سنة النبي محمد ﷺ، خير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها، ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقي في القلب اليقين، الخمر جماع الاثم، النساء حبالة (1) الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حب الكفاية مفتاح المعجزة.

من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرًا، ولا يذكر الله إلا هجرًا، أعظم الخطايا اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتألَّ على الله يكذبه (2)، من يَغفر يُغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه.

الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها.

ملاك العمل خواتيمه (3)، أشرف الموت الشهادة، من يعرف

البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.


  • (1) م " حبائل "
  • (2) في اللسان 18 / 43 " من يتأل على الله يكذبه " أي من حكم عليه وحلف، كقولك: والله ليدخلن الله فلانا النار وينجحن الله سعى فلان "
  • (3) م " خواتمه " وفى البيان والتبيين 1 / 57 بعد ذلك: " أحسن الهدى هدى الانبياء.
    أقبح الضلالة بعد الهدى " (*)
147

خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه

خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه قال الراوي: لما حضرته الوفاة قال لولى له: من بالباب؟ فقال: نفر من قريش يتباشرون بموتك! فقال: ويحك، ولمَ؟ ثم أذن للناس، فحمد الله وأثنى عليه (1) فأوجز، ثم قال: / أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنُود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئًا، ويزداد الظالم فيه عُتُوًّا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف (2) قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم: من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض (3) وفره.

ومنهم: المصلت (4) لسيفه، والمجلب برجله (5)، والمعلن (6) بشره، قد أشرط نفسه (7)، وأوبق دينه، لحطام (8) ينتهزه، أو مقنب (9) يقوده، أو منبر يفرعه (10) وبئس المتجرأن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك

عند الله عوضًا.

/ ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف

  • (1) س، ك: " فحمد الله فأوجز "
  • (2) س، ك: " من قارعة "
  • (3) م: " وقصيص "
  • (4) س، ك: " المسلط " وفى اللسان 2 / 358 " وأصلت السيف: جرد من غمده فهو مصلت "
  • (5) في اللسان 1 / 265 " وأجلب الرجل الرجل إذا توعده بشره وجمع الجمع عليه، وكذلك جلب يجلب جلبا، وفى التنزيل: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) أي أجمع عليهم وتوعدهم بالشر "
  • (6) ك: " والمعلق بشره "
  • (7) م: " قد أشرك " ومعنى " أشرط نفسه ": أي هيأها
  • (8) م: " بحطام "
  • (9) وفى اللسان 2 / 184 " المقنب بالكسر: جماعة الخيل والفرسان "
  • (10) س، ك: " يقرعه "، ومعنى " يفرعه ": يعلوه (*)
148

نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية.

ومنهم: من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال عن حال (1)، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى.

وبقي رجال أغضُّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد (2) ناد، وخائف منقمع (3)، وساكت مكعوم (4)

وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، في بحر أجاج، أفواههم دامية (5)، وقلوبهم قرحة (6)، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا.

/ فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ (7)، وقراضة الجلم (8)، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم (9)

  • (1) كذا في م والعقد الفريد 4 / 89 وا " الحال على ماله " وعيون الاخبار 2 / 238 " على حاله " والبيان والتبيين 2 / 60 " الحال عن أمله " وفى ك، س " فقصرته الحال فتحلى باسم القناعة "
  • (2) س، ك: " شديد ناد " وفى العقد وم " شريد باد " والناد: النافر الذاهب على وجهه
  • (3) س: " متقمع " وفى اللسان 10 / 168 " قمع الرجل في بيته وانقمع دخله مستخفيا "
  • (4) في اللسان 15 / 426 " مكعوم: وقد سد الخوف فمه فمنعه من الكلام "
  • (5) في البيان والتبيين 2 / 60 " ضامزة " وفى م " أقدامهم دامية "
  • (6) س، ك: " قريحة "
  • (7) م: " حثاثة " وفى اللسان 2 / 326 " حتات كل شئ: ما تحات منه، أي تناثر " وفى 13 / 150 " وحثالة القرظ: نفايته، ومنه قول معاوية في خطبته: فأنا في مثل حثالة القرظ " يعنى الزمان وأهله "
  • (8) في اللسان 9 / 82 " والقراضة: ما سقط بالقرض.
    وقراضات الثوب: الفضالة التى يقطعها الخياط وينفيها الجلم " والجلم: المقص.
  • (9) عقب الجاحظ على هذه الخطبة بقوله 2 / 61 " وفى هذه الخطبة - أبقاك الله - ضروب من العجب: منها أن الكلام لا يشبه الذى من أجله دعاهم معاوية، ومنها أن هذا المذهب في تصنيف الناس، وفى الاخبار عما هم عليه من القهر والاذلال، ومن التقية والخوف، أشبه بكلام على ﵁ ومعانيه وحاله - منه بحال معاوية.
    ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه
    مسلك الزهاد، ولا يذهب مذاهب العباد.
    وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه، والله أعلم بأصحاب الاخبار وبكثير منهم " وقد قال الرضى في نهج البلاغة 1 / 76 إنها من كلام على الذى لا يشك فيه، وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 1 / 172 (*)
149

خطبة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه

خطبة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري: لئن كنتم صادقين، لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين، لقد هلكتم.

يا أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض / أرض - يأته، فأجملوا في الطلب (1) .

خطبة للحجاج بن يوسف

خطبة للحجاج بن يوسف حمد الله، وأثنى عليه (2)، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوى الأخلاق، وبني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفقع بالقرقر (3)، إني سمعت تكبيرًا لا يراد به الله، وإنما يراد به الشيطان، وإنما مثلي ومثلكم،، ما قاله ابن براقة الهمداني (4): وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا، يا لهمدانَ، ظالمُ متى تجمع القلب الذكى وصار ما * وأنفًا حميًا، تجتنبك المظالم (5) أما والله لا تقرع عصا عصا، إلا جعلتها (6) كأمس الدابر.

  • (1) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص 198
  • (2) في البيان والتبيين 2 / 137 عن الهيثم بن عدى قال " أنبأني ابن عياش، عن أبيه قال: خرج الحجاج يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق فراعه ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال "
  • (3) في اللسان 10 / 126 " الفقع والفقع بالفتح والكسر: الابيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها ... ويشبه به الرجل الذليل فيقال: هو فقع قرقر، ويقال أيضا: أذل من فقع بقرقر، لان الدواب تنجله بأرجلها " والقرقر: الارض المنخفضة
  • (4) هو عمرو بن براقة، وهو ابن منبه بن شهر الهمذانى، شاعر فاتك، جاهلي إسلامى.
    نسب إلى أمه براقة، راجع المؤتلف والمختلف للآمدي ص 66 - 67 والاغانى 21 / 175
  • (5) ا: " القلب الكمى "
  • (6) ك: " إلا جعلها " وفى ا، م " كالامس ".
    (*)
150