تفسير ابن باديس في مجالسالجزء 1 · ص 378 - 386

هذا الخبر عند الناس

هذا الخبر عند الناس

ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من أسبابه في هذا الحديث؟

فماذا تراهم يقولون؟

1 - يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم - شفاء ما بعده من شفاء.

2 - ويقول الطبيب المستغرب: هذا محال، في التراب مكروب، وفي الريق مكروب، فأنى يشفيان مريضًا أو ينفسان عن مكروب؟!

3 - ويقول الكيماوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.

4 - ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدًا رسول الله، فقد علم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه، تشفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به، وليقرر لهم من منن الوطن منّة كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي فليس هذا الحديث إرشادًا لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم.

ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب، فإنه بباب "حب الوطن" أشبه.

وما نرى رافع العقيرة بقوله:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ أَبِيْتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيْلُ

وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيْلُ (1)

إلاّ سائرًا على شعاعه.

وما ترى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟

  • (1) هذان البيتان تمثل بها بلال ﵁. ورد في الصحاح عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وُعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
    كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
    وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول: إلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلة ... البيتن.
    رواه البخاري في فضائل المدينة باب 12 (وهذا لفظه). ومناقب الأنصار باب 46، والمرضى باب 8 و22؛ ومسلم في الحج حديث 480. وأحمد في المسند (65/ 6، 83، 222، 240، 260). وهو في موطأ الإمام مالك (كتاب الجامع، حديث 14).
378

فقال: شمة من تربة إصطخر، وشربة من ماء نهاوند، إلاّ من تلامذة هذا الدرس.

ولقد زادنا (1) إيمانًا به بعد إيمان أنه يقول: تربة أرضنا، بريقة بعضنا. ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم فليس السر في تربة وريق ومرض. ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا- فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوحدة الوطنية والقومية، لا ما يتبجح به المفتونون.

5 - ويقول الروحانيون: إن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها، وتغذى بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوها وهوائها، من ريقه منفوثة نفث الخير، من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تجلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.

6 - ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول. وهكذا، تأتي بعض المتون من كلام الله، وكلام رسوله، معجزة للعقول فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون- والعلوم حرف العقول.

والزمان من وراء الكل يصيح: أن انتظروا ....

الحاسد والحسد

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

الحاسد، الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره، وقد تلج به هذه الصفة الذميمة فتزيد له سلب النعم حتى من نفسه إذا توقف على ذلك سلبها من غيره، فهو لا يحب الخير لأحد ويتمنى ألا يبقى على وجه الأرض منعم عليه.

وإنما ينشأ الحسد من العجب وحب الذات، فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا معاداة للمنعم.

والحسد شر تلازمه شرور: العجب، والاحتقار، والكبر. وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها:

حسد آدم عجبًا بنفسه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾.

ورآه لا يستحق السجود احتقارًا له، فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾؟! [الإسراء: 62].

  • (1) لا يزال الكلام للوطنيين والقوميين.
379

ثم تكبر ولم يسجد ورضي باللعنة والخزي.

ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا!!

والحسد شر على صاحبه قبل غيره، لأنه يأكل قلبه، ويؤرق جفنه، ويقضّ مضجعه ولا يكون شرًا على غيره، إلاّ إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار، أو ساعيًا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ والمتمني للشيء لا يمنعه من إتيانه إلاّ العجز.

وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم.

وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].

وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج.

وقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج، فصلتها كتب السنة وكتب الفقه النفسي ككتاب الإحياء (1) للغزالي.

سورة الناس

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ [سورة الناس].

تمهيد

قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان)، وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الإسم لها.

أما الإسم الخاص بهذه السورة فهو (الناس) كما أن الإسم الخاص بالسورة الأولى (الفلق). والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف، وهو المعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام، ومن ثلاثة أنواع (2) منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر. وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.

  • (1) كتاب "إحياء علوم الدين".
  • (2) هي: شر ما خلق، وشر الغاسق إذا وقب، وشر النفاثات في العقد.
380

النفوس الشريرة

والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام:

1 - قسم يصدر عنه الضرر ويعمله.

2 - وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول.

3 - وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح، ومالك هديها، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله (1).

فهو يحسن له الأشياء القبيحة ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح وإرادة الخير.

ويزين للإنسان كل ما يرد به من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله قريبًا منه متصلًا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح، حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك.

ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا، وأكثر شرًا، وأخسر عاقبة، خصص التعوذ منه بسورة كاملة.

﴿رَبِّ النَّاسِ﴾ هو مربيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود وما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما مَنَّ به عليهم فيما ينفعهم: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 5].

وأصله من رَبَّهُ يَرُبُّهُ ربًّا إذا قام على نشأته وتعهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه معنى اسم الفاعل: كالعدل يراد به العادل.

و﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والآخروية.

و﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.

وبلاغة الترتيب، إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني.

فالأول: طور التربية والإعداد وهما من مظاهر الربوبية.

والثاني: طور القوة والتدبير وهما من مظاهر الملك.

والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية.

  • (1) ألا وهو القلب، كما جاء في الحديث من طريق النعمان بن بشير عن رسول الله - ﷺ - قال: «... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، واذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». رواه البخاري
    في الإيمان باب 39، ومسلم في المساقاة حديث 107، وابن ماجة في الفتن باب 14، والدارمي في البيوع باب 1.
381

المستعاذ منه

المستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه، وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته. وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها، وبما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوة الموسوسة.

مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268].

أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وبين خالقه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82].

وكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62].

وكقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119].

فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله؛ بإفساد العقيدة الصحيحة فيه أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها.

و(الرب) رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين. وإنما خص الناس بالذكر:

1 - لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته، ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجه الخطاب، وإليهم يساق التحذير.

وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما؛ فأمر الله بالاستعاذة منها هو تصليح إلهي لبني آدم، لتثبيت سنة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.

2 - ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربوبين، وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال.

وقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته:

ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين، ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدونهم بذلك عما شرع الله.

وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.

واختير لفظ الناس، من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه ينوس ويضطرب وينساق. وهي صفات يلزمها التوجه، ويسهل التوجيه، فلا غنى لصاحبها عن توفيق

382

الله للوجهة الصالحة، والتسديد فيها، ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبًا عليه، وما دامت هناك قوة مسلطة تنزع به إلى الشر.

ففي تخصيص الناس بالذكر، تنبيه إلى أنهم أحوج المربوبين إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه؛ وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.

ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه، لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جُنّة من استعباد الأقوياء.

ويجوز- إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها- أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل والأخيار منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب: فإنهم كثيرا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد، أو الأفراد الكاملين في حقيقته، وإن كان هذا من المجاز في كلامهم؛ وقد حملوا على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 13].

ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس توضيح المعنى، وإلفات النفس إليه، وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربا هو مالكهم وإلههم.

من شر الوسواس

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾.

(الوسواس) هنا صفة الموسوس، وإن خالف المعهود في أبنية الصفات أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال والزلزلة.

وأصل هذه الكملة دائر على معنى الخفاء والعرب تسمي حركة الحلي وسواسًا (1) وهذا المعنى واضح في المراد هنا؛ فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكم الحيلة في ذلك، ولا يرمي رميته إلاّ في الخلوات.

وان الناس ليعرفون عرفانًا ضروريًا من الفرق بين المصلحين والمفسدين:

أن الأولين يصدعون بكملة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية، ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق.

وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.

  • (1) ومنه قول الأعشى:
    تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْوَاسًا إِذَا انْصَرَفَتْ ... كَمَا اسْتَعَانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجِلُ
    (انظر لسان العرب: 6/ 225 - مادة وسس).
383

الخناس

﴿الْخَنَّاسِ﴾ وصف مبالغة في الخانس من الخنوس، وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس: أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقًا في الكيد، وتقصيًا في التطور، حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا، وهجومًا وانتهازًا. واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]. يرشدنا بذلك لنعد لكل حالة من حالاته عدتها، ولنضيق عليه المسالك التي يسلكها.

كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب: تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية، ثم دواليك حتى تمل أو يمل.

وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد، فهو مبالغة في التحذير منه؛ لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.

الوسوسة ومحلها

﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾.

قال: "يُوَسْوِسُ" بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها.

وقال: "فِي صُدُورِ النَّاسِ" والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستوح القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها، ومجمع المُضَغ (1) التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر، وإنما هو فيه، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا- فالحكم عليها بالشرح، والحرج، والضيق، والشفاء، والإخفاء، والإكناد- ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية، ولا أجزاءها المادية، إنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس، يوجه كيده ووسوسته دائما إلى هذه القلعة التي هي الصدر؛ لأنها مجمع القوى.

وقال: "فِي صُدُورِ النَّاسِ"، ولم يقل في قلوب الناس؛ لأن القلب مجلى العقل ومقر الإيمان، وقد يكون محصنا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يظهره ولا يستطيع له نقبًا.

﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.

﴿الْجِنَّةِ﴾ جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس، لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين (2).

  • (1) المضغ: جمع مُضْغة، وهي القطعة التي تمضغ من لحم وغيره (المعجم الوسيط: [ص:875]).
  • (2) كما قال تعالى في الآية 14 من سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾.
384

واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون، في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: 46].

ولما كان الموسوسون فريقين متعاونين على الشر، ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة، ليلتئم طرفا الكلام، ويحصل التقصي الوصفي المستعاذ به والمستعاذ منه.

وقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين:

شياطن الإنس، وشياطين الجن. وذكر بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول. وشياطن الجن ميسر للشر. فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله. ومن شياطن الإنس بطانة السوء وقرين السوء.

القرين

وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن (1). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]. وقال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [الزخرف: 67]. وهو من باب توزيع الجمع على الجمع: أي لكل واحد قرين.

فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن، ثم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدونه عن ذكر الله. فماذا يصنع؛ ما عليه إلاّ أن يلتجيء إلى الله، ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: 36]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

دقائق بلاغية

ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة، أنه يقدم أولًا الإسمين المتلازمين في آية، لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ولا يؤخر ذلك المقام في آية أخرى، لسر آخر: فيقدم السماء على الأرض في مقام، ويؤخرها عليها في مقام آخر.

ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن في آية الأنعام (2)، لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء، وهي من الإنس أظهر، ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح.

وفي آية "الناس" قدم الجنة على الناس، لأن الحديث عن الوسوسة، وهي من شياطين الجن

  • (1) في صحيح مسلم (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم 69) عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد إلاّ وقد وُكل به قرينه من الجنّ». قالوا: وإياك يا رسول الله؛ قال: «وإيَّاي، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلاّ بخير». وأخرجه أيضًا أحمد في المسند (1/ 385، 397، 401، 460) والدارمي في مسنده (كتاب الرقاق، باب 25).
  • (2) الآية 112: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾.
385

أخفى وأدق، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمر: فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد، فيربى عليه ويكون شرًا منه، لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به؛ ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جني لإنسي، ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولد منها فتن، ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل.

وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفل كان شرًا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى، وأوشك أن يكون خيرًا محضًا، لولا أن العصمة لم تكتب إلاّ لطائفة منه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فالإنسان إذا انحط يكون شرًا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك- أعني جنس الإنسان- ومن هذا الجنس، كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم - أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال.

وأخيرًا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

386