وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرࣰا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطࣱ 47
﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ [الأنفال: الآية 47] أيها المؤمنون كالكفرة الفجرة أصحاب الفخر والخيلاء والرياء، فإن الفَخْرَ والخيلاء والرياء أوْصَاف ليست بأوصاف المسلمين، وليست بأوصاف المُقَاتِلِينَ النَّاجِحِينَ الظَّافِرِينَ في الميدان ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم﴾ هم كفار مكة، وهم نفير الجيش الذي الْتَقوا مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِإِجْمَاعِ المُفَسِّرِينَ خرجوا من ديارهم في مكة المكرمة -حرسها الله- ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لأجل البطر ومراءاة الناس، وقال بعضهم: هو مصدر مُنكّر بمعنى الحال. خرجوا في حال كونهم متصفين بالبطر والرياء. وكونه مفعولاً لأجله أظهر.
البطر في لغة العرب: هو التكبر عن قبول الحق مع غَمْطِ الحقوق. وتكبرهم هذا المشار إليه هنا هو الذي بَيَّنَّا في قصة أبي جهل؛ لأن الكفار لما كانوا بالعدوة القصوى من بدر، وأرسلوا عمير بن وهب الجمحي (رضي الله عنه) -وكان إذ ذاك كافرًا- وقالوا له: احزر لنا القوم. فجاء فحزرهم، فقال: القوم ثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن دعوني أنظر هل لهم كمين؟ فجال في فرسه في وادي بدر حتى أبعد، قال: ليس للقوم كمين، ولكني يا قوم رأيت البلايا تحمل المنايا، رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، والله لا يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلاً منكم، وإن مات منكم أعدادهم فلا خير في الحياة بعد ذلك، فرأيي أن تنصرفوا. فأيَّدَهُ حكيم بن حزام (رضي الله عنه)، وذهب إلى عتبة بن ربيعة وقال له: يا أبا الوليد إن عِير قريش نجت من محمد صلى الله عليه وسلم وليس لهم لديه مطلب إلا دية ابن الحضرمي -عمرو بن الحضرمي- الذي قُتل في سرية نخلة، وهو حليفك فتحمَّل ديته وخلّ الناس يرجعون فإنه لا خير لهم في لقاء محمد صلى الله عليه وسلم، فاجتمع عتبة وحكيم وعمير بن وهب على هذا الرأي، ولكن قال له عتبة: يا بن حزام اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل عمرو بن هشام قبحه الله- فقل له هذا، فلما جاءه قال له: انتفخ سحر عتبة -يعني انتفخت رئته من الخوف- فغضب عندها عتبة وقال: سيعلم مصفر استه غداً من الجبان!! ثم إن أبا جهل -لعنه الله- قال لابن الحضرمي: أنت ترى ثأرك فلا يردّنك هؤلاء عن ثأرك فتقدم واطلب ثأر أخيك، فتقدم عامر بن الحضرمي وقال: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. ينشد ثأره من أخيه عمرو الذي قتلته سرية عبد الله بن جحش (رضي الله عنه) في نخلة كما هو مشهور، فلما قالوا له: ارجع بنا.
قال -وهو محل الشاهد- قال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر -وكان بدر موسماً من مواسم العرب، وسوقاً يبيعون فيه في السنة- ونشرب الخمور، وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا!! فهذا هو فخره وخيلاؤه وبطره ورئاؤه الذي بينه بقوله:
تسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية 47] هو الذي يفعل الفعل لأجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه، ويعظمونه عليه لا لوجه الله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا﴾ أي: لأجل البطر. أو: بطرين متكبرين عن الحق، متصفين بالفخر والخيلاء.
وقال بعض العلماء: البطر: التكبر عن الحق مع غمط الناس حقوقهم.
قال بعضهم: البطر: سوء احتمال النعمة، فمَنْ أنْعَمَ الله عليه نعمة وصار يعمل فيها عمل الإسراف فيما لا يرضي فهو مِن البَطِرِينَ. وعلى كل حال فهم بطرون؛ لأنهم تكبروا عن قبول الحق، وغمطوا الناس حقوقهم، وجاءوا في فخر وخيلاء. وفي قصة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رآهم متصوِّبِينَ مِنْ كَثِيب بدر قال: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ تَحَادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ بِفَخْرِهَا وَخُيَلائِهَا - وهو محل الشاهد - تحادّك وتكذب رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ أحْنِهِمُ الغَدَاةَ» كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ هم أبو جهل وأصحابه من النفير الذين قُتل أشرافهم، وأسروا على شفير بدر كما هو معروف.
وكان بعض العلماء يقول: أفخر بيت قالته العرب بيت حسان بن ثابت (رضي الله عنه) في بدر حيث يقول:
وَفِي بِئْرِ بَدْرٍ إِذْ يَصُدُّ وجُوهَهُم... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ
صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه (صدَّ) المتعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، أي: يصدون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والسبيل في لغة العرب: الطريق، وهي تُذكّر وتُؤنَّث. وجاء في القرآن تذكير السبيل في قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: الآية 146] ولم يقل: يتخذوها. ومن تأنيثها في القرآن قوله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: الآية 108] ولم يقل: هذا سبيلي، وقوله: ﴿تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ [آل عمران: الآية 99] يعني السبيل كما هو معروف. وسبيل الله: دين الإسلام، وإنما قيل له: سبيل الله لأنه الطريق التي شرعها الله، وأصّل أصولها، وأمر بالسير عليها، ووعد من سار عليها الجنة، ومن تَجَنَّبَهَا النار. فلذلك كانت سبيله؛ لأنه الذي شَرَعَها، وأمر بسلوكها، ووعد من سلكها الخير، ومن لم يسلكها الشر؛ ولذا أضيفت إليه فقيل لها: سبيل الله، ولذا قال: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا بكل ما ﴿يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لأنه (جل وعلا) محيط بكل شيء. وفيه تهديد ووعيد لهم، فقد أحاط بهم وبأعمالهم، ومكّن منهم نبيه صلى الله عليه وسلم فقتل رؤساءهم وأَسَرَهُمْ كَمَا قَدّمْنَا إيضاحه. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: الآية 47].
البطر في لغة العرب: هو التكبر عن قبول الحق مع غَمْطِ الحقوق. وتكبرهم هذا المشار إليه هنا هو الذي بَيَّنَّا في قصة أبي جهل؛ لأن الكفار لما كانوا بالعدوة القصوى من بدر، وأرسلوا عمير بن وهب الجمحي (رضي الله عنه) -وكان إذ ذاك كافرًا- وقالوا له: احزر لنا القوم. فجاء فحزرهم، فقال: القوم ثلاثمائة يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكن دعوني أنظر هل لهم كمين؟ فجال في فرسه في وادي بدر حتى أبعد، قال: ليس للقوم كمين، ولكني يا قوم رأيت البلايا تحمل المنايا، رأيت نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، والله لا يُقتل رجل منهم حتى يَقتل رجلاً منكم، وإن مات منكم أعدادهم فلا خير في الحياة بعد ذلك، فرأيي أن تنصرفوا. فأيَّدَهُ حكيم بن حزام (رضي الله عنه)، وذهب إلى عتبة بن ربيعة وقال له: يا أبا الوليد إن عِير قريش نجت من محمد صلى الله عليه وسلم وليس لهم لديه مطلب إلا دية ابن الحضرمي -عمرو بن الحضرمي- الذي قُتل في سرية نخلة، وهو حليفك فتحمَّل ديته وخلّ الناس يرجعون فإنه لا خير لهم في لقاء محمد صلى الله عليه وسلم، فاجتمع عتبة وحكيم وعمير بن وهب على هذا الرأي، ولكن قال له عتبة: يا بن حزام اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل عمرو بن هشام قبحه الله- فقل له هذا، فلما جاءه قال له: انتفخ سحر عتبة -يعني انتفخت رئته من الخوف- فغضب عندها عتبة وقال: سيعلم مصفر استه غداً من الجبان!! ثم إن أبا جهل -لعنه الله- قال لابن الحضرمي: أنت ترى ثأرك فلا يردّنك هؤلاء عن ثأرك فتقدم واطلب ثأر أخيك، فتقدم عامر بن الحضرمي وقال: واعَمْرَاه، واعَمْرَاه. ينشد ثأره من أخيه عمرو الذي قتلته سرية عبد الله بن جحش (رضي الله عنه) في نخلة كما هو مشهور، فلما قالوا له: ارجع بنا.
قال -وهو محل الشاهد- قال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر -وكان بدر موسماً من مواسم العرب، وسوقاً يبيعون فيه في السنة- ونشرب الخمور، وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا!! فهذا هو فخره وخيلاؤه وبطره ورئاؤه الذي بينه بقوله:
تسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: الآية 47] هو الذي يفعل الفعل لأجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه، ويعظمونه عليه لا لوجه الله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا﴾ أي: لأجل البطر. أو: بطرين متكبرين عن الحق، متصفين بالفخر والخيلاء.
وقال بعض العلماء: البطر: التكبر عن الحق مع غمط الناس حقوقهم.
قال بعضهم: البطر: سوء احتمال النعمة، فمَنْ أنْعَمَ الله عليه نعمة وصار يعمل فيها عمل الإسراف فيما لا يرضي فهو مِن البَطِرِينَ. وعلى كل حال فهم بطرون؛ لأنهم تكبروا عن قبول الحق، وغمطوا الناس حقوقهم، وجاءوا في فخر وخيلاء. وفي قصة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رآهم متصوِّبِينَ مِنْ كَثِيب بدر قال: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ تَحَادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، هَذِهِ قُرَيْشٌ أَقْبَلَتْ بِفَخْرِهَا وَخُيَلائِهَا - وهو محل الشاهد - تحادّك وتكذب رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ أحْنِهِمُ الغَدَاةَ» كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ هم أبو جهل وأصحابه من النفير الذين قُتل أشرافهم، وأسروا على شفير بدر كما هو معروف.
وكان بعض العلماء يقول: أفخر بيت قالته العرب بيت حسان بن ثابت (رضي الله عنه) في بدر حيث يقول:
وَفِي بِئْرِ بَدْرٍ إِذْ يَصُدُّ وجُوهَهُم... جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ
صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه (صدَّ) المتعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، أي: يصدون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والسبيل في لغة العرب: الطريق، وهي تُذكّر وتُؤنَّث. وجاء في القرآن تذكير السبيل في قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: الآية 146] ولم يقل: يتخذوها. ومن تأنيثها في القرآن قوله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: الآية 108] ولم يقل: هذا سبيلي، وقوله: ﴿تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ [آل عمران: الآية 99] يعني السبيل كما هو معروف. وسبيل الله: دين الإسلام، وإنما قيل له: سبيل الله لأنه الطريق التي شرعها الله، وأصّل أصولها، وأمر بالسير عليها، ووعد من سار عليها الجنة، ومن تَجَنَّبَهَا النار. فلذلك كانت سبيله؛ لأنه الذي شَرَعَها، وأمر بسلوكها، ووعد من سلكها الخير، ومن لم يسلكها الشر؛ ولذا أضيفت إليه فقيل لها: سبيل الله، ولذا قال: ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾ جل وعلا بكل ما ﴿يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ لأنه (جل وعلا) محيط بكل شيء. وفيه تهديد ووعيد لهم، فقد أحاط بهم وبأعمالهم، ومكّن منهم نبيه صلى الله عليه وسلم فقتل رؤساءهم وأَسَرَهُمْ كَمَا قَدّمْنَا إيضاحه. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: الآية 47].