كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 69 أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 70 وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 71 وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 72
الصفحة 198

تفسير سورة التوبة - الآية 69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلࣰا وَأَوۡلَٰدࣰا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 69

﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: الآية 69].
اعْلَمْ أولاً أن تفسيرَ هذه الآيةِ الإجماليَّ قبلَ أن نشرعَ في تحليلِ ألفاظِها أن مضمونَها أن الله يُهَدِّدُ الكفرةَ والمنافقينَ في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأن الأُمَمَ التي كانت قبلَهم كانت أشدَّ منهم وأكثرَ قوةً وعتادًا وأموالاً وأولادًا لَمَّا عَتَوْا على اللَّهِ وَتَمَرَّدُوا وَكَذَّبُوا رسلَه أهلكهم اللَّهُ الإهلاكَ المستأصلَ، فكأنه يقول لهم: إذا كنا أهلكنا الأممَ قبلَكم التي هي أَقْوَى منكم وأشدُّ تَمَكُّنًا في الدنيا من جميعِ النواحِي، فعليكم أن تَخَافُوا، ولا تُكَذِّبُوا نَبِيَّنَا لئلا نُنْزِلَ بكم ما أَنْزَلْنَا بِمَنْ هو أقوى وأعظمُ منكم. والآياتُ القرآنيةُ في هذا المعنَى كثيرةٌ جِدًّا، كقولِه: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: الآية 8]، ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الدخان: الآية 37] فكيف لَا يخافونَ أن نهلكهم؟ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: الآية 9]، يعني: إن كُنَّا أهلكنا هؤلاء الذين هُمْ أقوى منكم بأضعافٍ لَمَّا كذبوا رسلَنا فعليكم أن تَحْذَرُوا لئلَاّ ننزلَ بكم ما أَنْزَلْنَا بمن هو أقوى منكم. فهذا المعنَى الإجماليُّ للآيةِ الكريمةِ والآياتِ الموضحةِ في القرآنِ كثيرةٌ جِدًّا.
وَاعْلَمْ أن علماءَ التفسيرِ اختلفوا في محلِّ الكافِ من قولِه: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هَلْ هِيَ في مَحَلِّ نَصْبٍ؟ أو مَحَلِّ رَفْعٍ؟ قال بعضُهم: هي فِي مَحَلِّ نَصْبٍ. والذين قالوا: الكافُ في مَحَلِّ نصبٍ اختلفوا على قَوْلَيْنِ: قال بعضُهم: هو يتعلقُ بقولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: الآية 68]، ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني: سَيَعِدُكُمُ اللَّهُ كما وَعَدَ الذين مِنْ قَبْلِكُمْ، وَاسْتَبْعَدَ بعضُهم هذا القولَ. وقال بعضُ العلماءِ: هو في مَحَلِّ نصبٍ على أن المعنَى: فَعَلْتُمْ ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: كفعلِ الذين مِنْ قبلِكم فسينزلُ بكم من العقوباتِ مثلُ ما نَزَلَ بهم. واختارَ بعضُ الْمُحَقِّقِينَ من العلماءِ أن الكافَ في مَحَلِّ رفعٍ. والمعنَى: أنتم أيها الكفرةُ والمنافقونَ كالذين كانوا مِنْ قبلكم، أنتم مثلُهم، كقولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: الآية 11] أنتم كالذين مِنْ قبلكم كفروا وتمتعوا بخلاقِهم في الدنيا، وَآثَرُوا الدنيا على الآخرةِ، وَتَمَرَّدُوا على اللَّهِ وَكَذَّبُوا رسلَه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بهم نِقَمَهُ في الدنيا، وَعَذَّبَهُمْ العذابَ الأبديَّ في الآخرةِ. ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهؤلاء الذين مِنْ قبلهم سيأتِي إيضاحُ إجمالِهم في قولِه بعدَ هذا: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إلى آخِرِ المذكوراتِ الآتيةِ.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ ﴿قُوَّةً﴾ تمييزٌ محولٌ عن الفاعلِ، ومعلومٌ أن فاعلَ صيغةِ التفضيلِ قد يكونُ تمييزًا كثيرًا محولاً عن الفاعلِ، أي: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً﴾ لقوةِ أبدانِهم وعتادِهم وكثرةِ أموالِهم.
﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا﴾ منكم وأكثرَ أولادًا. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَكَذَّبُوا الرسلَ وَآثَرُوا الحياةَ الدنيا على الآخرةِ فأهلكناهم.
والخلاقُ في لغةِ العربِ: النصيبُ. يعنِي: اسْتَمْتَعُوا بنصيبِهم في الدنيا مُؤْثِرِينَ الدنيا على الآخرةِ، مُغْتَرِّينَ بزخارفِ الدنيا، مُعْرِضِينَ عن اللَّهِ، مكذبينَ رسلَه صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم.
وقال بعضُ العلماءِ: الخلاقُ: الدِّينُ، قالوا: لأن كُلَّ فرقةٍ تَنْتَحِلُ دِينًا وهي تفرحُ بذلك الدينِ وتتمتعُ به وتزعمُ أنها على هُدًى، وهو الْهُدَى الذي كان عليه آباؤها في زَعْمِهَا، كما ذَكَرْنَا مِرَارًا، وكما في قولِه: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ أي: دينٍ وملةٍ ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: الآية 23] وقال (جل وعلا) في أُخْرَيَاتِ سورةِ المؤمنِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ وزعموا أنهم على دِينٍ ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: الآية 83].
فالحاصلُ أن الأظهرَ المعروفَ في اللغةِ أن معنَى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ تَمَتَّعُوا بنصيبِهم وحظِّهم الدنيويِّ الذي أعطاهم اللَّهُ إياه استدراجًا. وقال بعضٌ مِنَ الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم: ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾ أي: دينِهم كما بَيَّنَّا.
﴿فَاسْتَمْتَعْتُم﴾ أيها الكفارُ والمنافقونَ (بخلاقِكم) أي: بنصيبِكم الدنيويِّ مُؤْثِرِينَ الدنيا على الآخرةِ، أو فَرِحِينَ بما عِنْدَكُمْ مِنَ الدينِ زَاعِمِينَ أن ما كان عليه آباؤُكم حَقٌّ، كما قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: الآية 104].
﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ وخضتُم في الباطلِ والكفرِ وتكذيبِ الرسلِ.
﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قال بعضُ العلماءِ: (الذي) هنا حرفٌ مصدريٌّ، والمعنَى: كالخوضِ الذي خَاضُوهُ. وعلى هذا فَلَا إشكالَ في الآيةِ، وعليه فالتشبيهُ في نفسِ الخوضِ، لا بَيْنَ الخائضينَ والخائضينَ.
وقالت جماعةٌ من العلماءِ: التشبيهُ بَيْنَ الخائضينَ والخائضينَ، و (الذي) بمعنَى (الذين) أي: وخضتُم في الباطلِ والكفرِ وتكذيبِ الرسلِ كخوضِ الذين خَاضُوا في ذلك مِنْ قَبْلِكُمْ.
وقد تَقَرَّرَ عندَ العلماءِ أن لفظةَ (الذي) تأتِي بمعنَى (الذين)، وإتيانُ (الذي) بمعنَى (الذين) أَمْرٌ لَا شَكَّ فيه، وهو كثيرٌ في القرآنِ.
وفي كلامِ العربِ، وإيضاحُه: أن لفظَ (الذي) مُفْرَدٌ، وأن معناها جَمْعٌ؛ لأنه اسمٌ موصولٌ، والموصولاتُ صيغُ عمومٍ. تَعُمُّ كلَّ ما تشملُه صلاتُها فقد يُرَاعَى لفظُ (الذي) فيفردُ، وقد يراعى معناه، وهو شاملٌ لِكُلِّ ما تشملُه صلتُه فيعم، ويكونُ بمعنَى الجمعِ. وإتيانُ (الذي) بمعنَى (الذين) في القرآنِ العظيمِ وفي كلامِ العربِ كثيرٌ جِدًّا، فَمِنْ أمثلتِه في القرآنِ العظيمِ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: الآية 17] أي: كمثلِ الذينَ اسْتَوْقَدُوا، بدليلِ قولِه بعدَه يَلِيهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: الآية 17] وكقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: الآية 33] لأَنَّ معناه: والذين جاؤوا بالصدقِ وَصَدَّقُوا به، بدليلِ قولِه بعدَه: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وكقولِه تعالى:
﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: الآية 264] أي: كالذين ينفقون أموالَهم رئاءَ الناسِ بدليلِ قولِه في آخِرِ الآيةِ: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: الآية 264] فَدَلَّ قولُه: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ﴾ أن (الذي) بمعنَى (الذين) ونحو هذا من الآياتِ. وورودُ هذا في كلامِ العربِ معروفٌ، وأنشدَ له سيبويه قولَ الأشهبِ بنِ رميلةَ:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِد
فقولُه: (الذي حَانَتْ) يعنِي: الذين حَانَتْ دماؤُهم. ومنه قولُ عديلِ بنِ الفرخِ العجليِّ:
وَبِتُّ أُسَاقِي الْمَوْتَ إِخْوَتِي الَّذِي... غَوَايَتُهُمْ غَيِّي وَرُشْدُهُمْ رُشْدِي
وقولُ الراجزِ:
يَا رَبِّ عَبْسٍ لَا تُبَارِكْ فِي أَحَدْ... فِي قَائِمٍ مِنْهُمْ وَلَا فِي مَنْ قَعَدْ
إِلَاّ الَّذِي قَامُوا بِأَطْرَافِ الْمَسَدْ
يعنِي: إلَاّ الذين قاموا.
والخوضُ لا تكادُ العربُ تُطْلِقُهُ إلَاّ على الخوضِ في الباطلِ. وأصلُه الخوضُ في الماءِ؛ لأن الخائضَ في الماءِ يتخبطُ فيه بغيرِ انتظامٍ، ليس كالماشِي على الأرضِ.
ثم قال: ﴿أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أَيْ: بَطَلَتْ وَاضْمَحَلَّتْ في الدنيا حيثُ لم يكن مُعْتَدًّا بها عند الله، وكذلك هي باطلةٌ في الآخرةِ، وعكسُ هذا قولُه في إبراهيمَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: الآية 27].
وقد قَدَّمْنَا انتفاعَ الكفارِ بأعمالِهم فِي الدنيا خاصةً، وأن ذلك مُقَيَّدٌ بمشيئةِ اللَّهِ كما دَلَّ عليه قولُه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: الآية 18].
وقولُه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بَطَلَتْ وَاضْمَحَلَّتْ حتى لَا يظهرَ لها أثرٌ ينتفعون به يومَ القيامةِ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ اشتقاقِ ﴿حَبِطَتْ﴾ من الْحَبَطِ بفتحتينِ، وهو نَبْتٌ في الباديةِ إذا أَكَلَتْهُ الدوابُّ انتفخت بطونُها فماتت، كانوا يقولون: «حبطت الماشيةُ» إذا أَكَلَتِ الحَبَطَ فَهَلَكَتْ، وصارت العربُ تستعملُه في الهلاكِ حتى كان أغلبُ استعمالِه في هلاكِ الأعمالِ واضمحلالِها وعدمِ الاعتدادِ بها.
﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: المغبونون حظوظُهم من الله (جل وعلا). وَمَنْ غُبِنَ في حظِّه مِنْ خالقِه فهو الذي خَسِرَ الخسرانَ المبينَ - والعياذُ بالله (جل وعلا) - وهذا الخسرانُ أَقْسَمَ اللَّهُ في آياتٍ من كتابِه أنه لا ينجو منه إنسان إلَاّ بالإيمانِ بالعملِ الصالحِ، والتواصِي بالحقِّ والتواصِي بالصبرِ، حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ معناه: أن كُلَّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان لَفِي خُسْرٍ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: الآيات 1_ 3].
وقد قدَّمنا أن بعضَ العلماءِ ضربوا لهذا الخسرانِ المذكورِ في القرآنِ بكثرةٍ، ضربوا له مَثَلَيْنِ:
أحدُهما: أنكم تعلمون أولاً أن الخسرانَ نقصانُ مالِ التاجرِ الذي يُحَرِّكُهُ لإرادةِ الربحِ، سواءً كان النقصُ في الربحِ أو في رأسِ المالِ، وَاللَّهُ (جل وعلا) أَعْطَى كُلَّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان أعطاه رأسَ مالٍ، وَأَمَرَهُ بالتجارةِ مع الله فيه، ورأسُ المالِ هذا هو الجواهرُ النفيسةُ التي لا مثيلَ لها في الدنيا يشبُهها ألبتةَ، ألا وهي ساعاتُ العمرِ، فالجواهرُ العظيمةُ هي أصلُ مالِ كُلِّ إنسانٍ هي دقائقُ عمرِه وثوانيه وساعاتُه، هذا رأسُ المالِ، أعطاه كُلَّ معمَّر، أعطاه عمرًا في الدنيا وَأَمَرَهُ أن يحركَ رأسَ هذا المالِ مع عظيمٍ كريمٍ شديدِ الوفاءِ، وَسَمَّى معاملةَ العبدِ لربِّه بالتجارةِ معه برأسِ هذا المالِ الذي هو ساعاتُ العمرِ وأيامُه سَمَّاهَا بَيْعًا، وَسَمَّاهَا شراءً، وسماها تجارةً، وسماها قَرْضًا، أما تسميتُها بيعًا وشراءً فقد نَصَّ اللَّهُ عليه في هذه السورةِ الكريمةِ -سورةِ براءة - في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: الآية111] وسماه تجارةً في قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ...﴾ الآية [الصف: الآيتان10، 11] ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: الآية 29]، وَسَمَّاهُ قَرْضًا في آياتٍ كثيرةٍ ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: الآية 245] ونحوها من الآيات.
فإذا كان الإنسانُ عاقلاً لَبِقًا كَيِّسًا، يفهمُ عن اللَّهِ استعملَ رأسَ هذا المالِ وَحَرَّكَهُ تحريكًا سديدًا بانتظامٍ على ضوءِ ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم فإذا اتَّجَرَ مع اللَّهِ في ساعاتِ عمرِه وأيامِه ولياليه ودقائقِه وثوانيه، نَظَرَ في الأوقاتِ التي تتوجَّه إليه فيها أوامرُ من السماءِ من رَبِّ العالمينَ فاشترى نفسَه وما عند اللَّهِ من الجزاءِ بامتثالِ تلك الأوامرِ وتلك النواهِي، وَنَظَرَ في الأوقاتِ التي لم تَجِبْ فيها أوامرُ معينةٌ فاستكثرَ من الخيرِ بحسبِ استطاعتِه، وَكَفَّ أَذَاهُ وشرَّه، وَكَفَّ جوارحَه عن معاصِي اللَّهِ، فإذا حَرَّكَ رأسَ هذا المالِ وهي ساعاتُ هذا العمرِ وأيامُه تحريكًا سديدًا فيما يُرْضِي اللَّهَ ربح من رأسِ هذا المالِ مجاورةَ رَبٍّ غيرِ غضبانَ، والحورَ والجنان، ونعيمًا لا ينفدُ، ومجاورةَ ربٍّ غيرِ غضبانَ، والنظرَ إلى وجهِ اللَّهِ الكريمِ، فهذا هو الرابحُ حقًّا، فهي التجارةُ الرابحةُ، وإذا كان المسكينُ سَفِيهًا لا يدري ما قيمةُ رأسِ هذا المالِ الذي عندَه كالجاهلِ الذي يجدُ الياقوتةَ فَيُلْقِيهَا في المزبلةِ لَا يُلْقِي لَهَا بالاً، وَضَيَّعَ رأسَ هذا المالِ، وَضَيَّعَ أوقاتَه وقيل وقال، وألعاب وملاهي، وربما كان في معصيةِ اللَّهِ، حتى انتهى رأسُ المالِ والساعاتُ المقررةُ له، وَفَاتَتِ الفرصةُ، وَضَاعَ الأوانُ، جاء الندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ، وجُرَّ إلى القبرِ وقد ضَيَّعَ رأسَ المالِ، وَمَنْ ضَيَّعَ رأسَ المالِ فالتجارةُ أضيعُ، وهذا هو الخاسرُ الخسرانَ المبينَ تَمَامًا؛ لأن الآخرةَ دارٌ لا تصلحُ للفقراءِ ولا للمفاليسِ من الحسناتِ؛ لأنها دارٌ لا إرفاقَ فيها ولا خُلَّةَ ولا شفاعةَ ولا بيعَ، ليس للإنسانِ فيها إلَاّ ما قَدَّمَ، فالمضيعُ لرأسِ هذا المالِ - أيامَ الدنيا في إمكانِ الفرصةِ - هو الخاسرُ كُلَّ الخسرانِ - والعياذُ بالله - ولا سيما الذي يُضَيِّعُهَا ويفنيها في معاصِي اللَّهِ (جل وعلا) وفي محادَّة خالقِه، ويستعملُ نِعَمَهُ في ما يُسْخِطُهُ ويغضبه (جل وعلا).
هذا أحدُ الْمَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَرَبَهُمَا العلماءُ للخسرانِ المذكورِ بالقرآنِ.
الثاني: قال بعضُ العلماءِ: إنه جاء حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم [أن لكلِّ إنسانٍ] منزلاً بالجنةِ ومنزلاً بالنارِ، فإذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ أَطْلَعَ أهلَ الجنةِ على مساكنِهم في النارِ لو كانوا كَفَرُوا وَعَصَوُا اللَّهَ ليزدادَ بذلك سرورُهم وغبطتُهم، وعند ذلك يقولُ الواحدُ منهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: الآية 43]. ويطلع الكفارُ على مساكنِهم في الجنةِ لو أنهم أَطَاعُوا اللَّهَ وآمنوا بالله ورسولِه لتزدادَ ندامتُهم وحسرتُهم - والعياذُ بِاللَّهِ - وبعدَ ذلك تصيرُ منازلُ أهلِ الجنةِ في النارِ لأهلِ النارِ، ومنازلُ أهلِ النارِ في الجنةِ لأهلِ الجنةِ، وَمَنِ اسْتُبْدِلَ منزلُه في الجنةِ بمنزلِ غيرِه في النارِ فصفقتُه خاسرةٌ كما ترى، قال هذا بعضُ العلماءِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: الآية 69].
فهرس الكتاب