كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلࣰّا وَلَا ذِمَّةࣰۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ 8
هذا تأكيدٌ بعد تأكيد؛ لأن حكم الله بنبذ العهود إلى الكفار أمرٌ في غاية الإحكام والصواب واقعٌ في موقعه، موضوعٌ في موضعه، والفعل هنا محذوف دلَّ ما قبله عليه. أي: كيف يكون لهم عهدٌ عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: إن يغلبوكم ويقهروكم ويجدوا فرصة يهينونكم بها لا يراعون فيكم العهود ولا الذمم، ولا يراعون شيئاً، بل يقتلونكم، فمن كانوا بهذه المثابة مِنَ الغَدْرِ والمَكْرِ والخِيَانَةِ وسوء الطوايا والنيات، نَبْذ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ هو أمْرٌ في غاية الحكمة والإصابة. وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا﴾ كيف يكون لهم -للمشركين- عهد والحال أنهم إن يظهروا، وقد عُلِمَ من اللغة العربية أن العرب رُبَّما تحذف الفعل بعد (كيف) إذا تقدم ما يدلّ عليه؛ لأن (كيف) هنا حُذف بعدها قوله: ﴿كَيْفَ﴾ يكون لهم عهدٌ عند الله وعند رسوله والحال أنهم وغِرَةٌ صدورهم، حرب أضداد ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ونظير هذا من كلام العرب في حذف الفعل بعد كيف إذا دَلَّ المَقَام عليه قول الشاعر:
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموْتُ بالقُرَى... فَكَيْفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
ويُروى: «فكيف وهاتا هضبة وكثيب»، هذا قاله بدويّ أعرابي قال له قوم: إن القرى والمدن والحضر فيها الوباء، يموت الناس فيها غالباً. والصحة أجود في الصحاري؛ لأن أهلها أقلّ موتاً!! فخرج إلى الصحراء، فلما خرج إلى الصحراء فإذا قَبْرٌ في الصحراء بجنب كثيب وهضبة فقال:
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموتُ بالقُرى... فكيفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
أي: فكيف مات هذا وهو في البادية وليس في القرى؟ وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ معناه: يغلبوكم وينتصروا عليكم، تقول العرب: ظهروا عليهم: إذا غلبوهم وانتصروا عليهم. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: آية 14] أي غالبين منتصرين؛ لأن أصل (ظَهَره): علاه فطلع على ظهره، والغالب كأنه يعلو المغلوب حتى يقف على ظهره، ومنه قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوا ظهره ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: آية 97]. كيف يكون لهم عهد وهم بهذه المثابة من خبث النيّات والطويّات، وشدة العداوة، وغِرَةٌ صدورهم، والحال ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يغلبوكم ويقهروكم وينتصروا عليكم ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يراعوا فيكم.
﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ولا يحفظوا لكم ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ اعلموا أن المراد بـ (الإلّ) هنا فيه لعلماء التفسير أقوالٌ متقاربة:
قال بعض العلماء: (الإلُّ) اسم الله بالعبرانية. واستأنسوا لهذا ببعض القراءات الشاذة: (لا يرقبوا فيكم إِيْلاً ولا ذمة) والإيل من أسماء الله بالعبرية. فجبرائيل معناه: عبد الله، وإسرافيل: عبد الله، وإسرائيل: عبد الله. وهذا القول قال به جماعة من العلماء، أن (الإيل والإلّ) تطلق على الله، ومعروفٌ في قصة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أنه لما جاءه قوم من أصحاب مسيلمة الكذَّاب وقال لهم: اقرؤوا علي مما يدّعي أنه ينزل عليه. فقرءوا عليه شيئاً مِنْ تُرَّهَاتٍ مسيلمة الكذَّاب، فقال: أنتم تعلمون أن هذا لم يخرج من إلّ، أن هذا كلام لم يصدر من الله. وعلى هذا القول فالمراد: إن يظهروا عليكم ويغلبوكم لا يراقبوا فيكم الله، ولا يراعوا فيكم الله، ولا العهود. هذا قال به قوم.
وقالت جماعات من العلماء: (الإلّ) هنا المراد به القرابة، أي: لا يراعون فيكم قرابة، بل يقتلونكم وإن كنتم من قراباتهم. وبهذا قال جماعات من علماء التفسير، وإطلاق الإلِّ على القرابة معنى معروف في كلام العرب مشهور، ومنه قول تميم بن مقبل:
أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا... قَطَّعُوا الإِلَّ وأَعْرَاقَ الرَّحِمْ
أي: قطعوا القرابات ولم يصلوها، ومنه بهذا المعنى قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لََعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ في قُرَيْشٍ... كَإِلِّ السَّقْبِ مِنْ رأْلِ النَّعَامِ
يعني: إنّ قرابتك في قريش كذب كقرابة السقب الذي هو الحوار -أعني ولد الناقة- من رألِ النعام، ولا قرابة بين أولاد الإبل وأولاد النعام، ومن هذا المعنى قول يزيد بن مفرغ الحميري في شعره الذي ينفي به نسب زياد بن أبيه عن قريش، ويعاتب معاوية في استلحاقه له؛ لما كان بينه وبين عبّاد بن زياد من العداوة، وما أهانه به عبّاد بن زياد كما هو معروف، قال يزيد بن مفرّغ الحميريُّ في ذلك أبياته المشهورة التي يقول فيها:
ألَا أبْلِغْ معاويةَ بْنَ حَرْبٍ... مُغَلْغَلَة مِنَ الرَّجُلِ اليَمَانِي...
أَتَغْضَب أن يُقالَ أَبُوكَ عَفٌّ... وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِي
إلى أن قال في ابن زياد:
فَأَشْهَدُ أَنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ... كَإِلِّ الجِلِّ مِنْ وَلَدِ الأَتَانِ
أَيْ: إِنَّ قَرَابَتَكَ فِي قُرَيْش، وهذا معنى معروف في كلام العرب، وعلى هذا القول ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يُرَاعُون ولا يحْفَظُون فيكم ﴿إِلَّا﴾ أي: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: لا قرابة ولا عهداً، وقال بعض العلماء: الإلّ هو الحِلْفُ، فالعَرَبُ تقول: بَيْنِي وبين فلانٌ إِلٌّ: إذا كان بَيْنَكُمَا حِلْفٌ. قالوا: واشتقاق (الإِلُّ) أنهم كانوا إذا تَحَالَفُوا وتَمَاسَحُوا بالأَيْدِي عند الحلف رفعوا أصواتهم، والعرب تقول: «ألَّ، يَؤُلُّ» إِذَا صَرَخَ ورَفَعَ صوته، ومنه: أَلِيلُ المَرِيضِ؛ أي: أَنِينُ المَرِيضِ المُرْتَفِع، والعرب تقول: «دعت الجارية أَلَلَيْهَا» إذا وَلْوَلَتْ؛ لأن الأليل صراخٌ وصوت. ومنه قولهم: دَعَتِ الجارية ألليها: إذا وَلْوَلَتْ قَول الكميت:
وأنتَ ما أنت في غَبْراءَ مُظْلمةٍ... إذا دَعَتْ أَلَلَيْها الكَاعِبُ الفُضُلُ
وقال قومٌ آخرون: إن (الإلّ) معناه العهد. وعلى هذا القول فهو شيءٌ معطوف على نفسه باختلاف اللفظين، وقد قدّمنا في هذه الدروس مراراً أن عطف الشيء على نفسه بلفظين مختلفين أنه أسلوبٌ عربي معروف؛ لأن المغايرة في اللفظ ربما نزلتها العرب كمغايرة المعنى. وهذا الأسلوب في اللغة العربية وفي القرآن، فمن أشهر أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: الآيات 1 - 4] لأن (الذي) و (الذي) كلها واقعة على شيء واحد هو الله (جلّ وعلا)، إلا أنه لما اختلفت الألفاظ صار العطف بسبب اختلافها، وهو أسلوب معروف في العربية، ومن شواهده المشهورة قول الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم
وهو كثير في كلام العرب، ومما أنشده له صاحب اللسان قول الشاعر:
إِنِّي لأعظم في صدر الكَميِّ على... ما كان في زَمَنِ التَّجْدِيرِ والقِصَرِ
وقول عنترة في معلقته:
حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ... أَقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الهَيْثَمِ
لأن (الإقواء) و (الإقفار) معناهما واحد. و (التجدير) و (القصر) معناهما واحد.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري -رحمه الله- أن هذه المعاني كلها يجب حمل (الإلِّ) عليها؛ لأنه شاملٌ لِلْعَهْدِ والقرابة، والحلف؛ أي: لا يُرَاعُونَ فِيكُمْ عَهْداً، ولا قرابة، ولا حلفاً، ولا يُرَاعُونَ اللهَ فِيكُمْ. وهَذَا الذي ذهب إليه هو مِنْ حَمْلِ المُشْتَركِ على مَعَانيه، وحمل المشترك على معنييه أو معانيه مما اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماء الأصُول، والذي حَرَّرَهُ المحققون من أصوليي أصحاب المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على مَعْنَيَيْهِ أو معانيه، فيجوز أن تقول مثلاً: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. تعني: أنه عَوَّروا عَيْنَهُ الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسَرقوا عينه التي هي ذهبه وفِضَّتُه فتحمله على الجميع إذا قَصَدْتَ ذَلِكَ، وكان في كلامه ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.
﴿يَرْقُبُوا﴾ معناه: يَحْفَظُوا ويُرَاقِبُوا ويُرَاعُوا. والذمَّةُ: مَعْنَاهُ العَهْدُ، وكل ما تجب المحافظة عليه ويؤاخذ بِنَكْثِهِ تسميه العرب (ذِمَّة). وهو هنا: العَهْدُ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: يبذلون لكم الكلام الطيب الحلو باللسان دون ما في القلوب؛ لأن ما في قلوبهم من البغض وإضمار العداوة والشحناء لا يساعد وما تجري به ألسنتهم، فالألسنة تقول شيئاً وما تنطوي عليه الصدور شيءٌ آخر. وهذا معنى قوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تُوَافِقُ مَا يَنْطِقُونَ بِهِ بِأَفْوَاهِهِمْ لما هي منطوية عليه من الكفر والبغض وشدة العَدَاوَةِ لَكُمْ. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ والقلوب هنا جمع قَلْب. وهذه الآيات وأمثالها تدلُّ على أن الذي يدرك ويقع فيه الإباء والانْقِيَاد وجميع أنواع الإدْرَاك كلّه القلب. وذلك أمرٌ لا شك فيه؛ لأن الذي خلق العقل ومنَّ بالعَقْلِ أعْلَم حيث وَضَعَ العَقْل، فالله (جلّ وعلا) في آيات كتابه يبين دائماً أنه جعله في القلب كقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية 179] وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية 46] ولم يقل الله يوماً ما: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس. ولم يقل: فإنها لا تعمى الأدمغة. أبداً؛ لأن العَقْلَ محلُّه القَلْب هذا جاء به الوحي الصحيح وكلام مَنْ خَلَقَ القَلْبَ وتَفَضَّلَ بالقَلْبِ، فلَمْ يَأْتِ فِي آيَةٍ واحِدَة ولا في حديثٍ واحد أن مَرْكَزَ العَقْلِ فِي الدِّمَاغِ أَبَداً، لم يقل الله: لهم أدمغة يفقهون بها. أبداً، ولكن يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾، و ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ ولم يقل: وتأبى أدمغتهم.
أبداً، والذي خَلَقَ القَلْبَ وَمَنَّ به ووضعه لا شكّ أنه أعلم بالمحل الَّذِي وَضَعَ به مِنْ فَلْسَفَاتِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ الجَهَلَةِ وأذْنَابِهِمْ، وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الفسق: الخروج عن طاعة الله، فكل خارجٌ عن طاعة الله فَهُو فَاسِق، ومنه قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية 50] أيْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، والعَرَبُ تقول: فسق عن الطريق: إذا خرج منها. ومنه قول الرَّاجِزِ:
يَهْوَينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِراً... فَوَاسِقاً عن قَصْدِهَا جَوَائِرَا
فواسقاً؛ أي: خارجات عن طريقهن.
والمراد بالفسق شرعاً: هو الخروج عن طاعة الله. والخروج عن طاعة الله قد يعظم، وقد يكون بعضه أعظم من بعض، فالخروج الأكبر هو الكفر بالله، والمعاصي والكبائر خروج دون خروج؛ ولذا سُمّي الكافر فاسقاً؛ لأنه خارج عن طاعة الله الخروج الأعظم، كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية 26] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج، كالمرتكب لبعض الذنوب، كقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: آية 6].
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يُقال: لِمَ قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم جميعهم فاسقون، أكثرهم وأقلهم، كلهم فاسقون، فما وجه التعبير بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾؟
أجاب جماعة من العلماء عن هذا السؤال بأن المراد بالفسق هنا فسق خاص، وهو فسق نقض العهود وعدم الوفاء بها، أي: وأكثرهم ناكثون، ناقضون للعهود، فاسقون هذا النوع الخاص من الفسق، وإن كان الجميع مشتركين في أنواع الفسق والكفر. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموْتُ بالقُرَى... فَكَيْفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
ويُروى: «فكيف وهاتا هضبة وكثيب»، هذا قاله بدويّ أعرابي قال له قوم: إن القرى والمدن والحضر فيها الوباء، يموت الناس فيها غالباً. والصحة أجود في الصحاري؛ لأن أهلها أقلّ موتاً!! فخرج إلى الصحراء، فلما خرج إلى الصحراء فإذا قَبْرٌ في الصحراء بجنب كثيب وهضبة فقال:
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموتُ بالقُرى... فكيفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
أي: فكيف مات هذا وهو في البادية وليس في القرى؟ وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ معناه: يغلبوكم وينتصروا عليكم، تقول العرب: ظهروا عليهم: إذا غلبوهم وانتصروا عليهم. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: آية 14] أي غالبين منتصرين؛ لأن أصل (ظَهَره): علاه فطلع على ظهره، والغالب كأنه يعلو المغلوب حتى يقف على ظهره، ومنه قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوا ظهره ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: آية 97]. كيف يكون لهم عهد وهم بهذه المثابة من خبث النيّات والطويّات، وشدة العداوة، وغِرَةٌ صدورهم، والحال ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يغلبوكم ويقهروكم وينتصروا عليكم ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يراعوا فيكم.
﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ولا يحفظوا لكم ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ اعلموا أن المراد بـ (الإلّ) هنا فيه لعلماء التفسير أقوالٌ متقاربة:
قال بعض العلماء: (الإلُّ) اسم الله بالعبرانية. واستأنسوا لهذا ببعض القراءات الشاذة: (لا يرقبوا فيكم إِيْلاً ولا ذمة) والإيل من أسماء الله بالعبرية. فجبرائيل معناه: عبد الله، وإسرافيل: عبد الله، وإسرائيل: عبد الله. وهذا القول قال به جماعة من العلماء، أن (الإيل والإلّ) تطلق على الله، ومعروفٌ في قصة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أنه لما جاءه قوم من أصحاب مسيلمة الكذَّاب وقال لهم: اقرؤوا علي مما يدّعي أنه ينزل عليه. فقرءوا عليه شيئاً مِنْ تُرَّهَاتٍ مسيلمة الكذَّاب، فقال: أنتم تعلمون أن هذا لم يخرج من إلّ، أن هذا كلام لم يصدر من الله. وعلى هذا القول فالمراد: إن يظهروا عليكم ويغلبوكم لا يراقبوا فيكم الله، ولا يراعوا فيكم الله، ولا العهود. هذا قال به قوم.
وقالت جماعات من العلماء: (الإلّ) هنا المراد به القرابة، أي: لا يراعون فيكم قرابة، بل يقتلونكم وإن كنتم من قراباتهم. وبهذا قال جماعات من علماء التفسير، وإطلاق الإلِّ على القرابة معنى معروف في كلام العرب مشهور، ومنه قول تميم بن مقبل:
أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا... قَطَّعُوا الإِلَّ وأَعْرَاقَ الرَّحِمْ
أي: قطعوا القرابات ولم يصلوها، ومنه بهذا المعنى قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لََعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ في قُرَيْشٍ... كَإِلِّ السَّقْبِ مِنْ رأْلِ النَّعَامِ
يعني: إنّ قرابتك في قريش كذب كقرابة السقب الذي هو الحوار -أعني ولد الناقة- من رألِ النعام، ولا قرابة بين أولاد الإبل وأولاد النعام، ومن هذا المعنى قول يزيد بن مفرغ الحميري في شعره الذي ينفي به نسب زياد بن أبيه عن قريش، ويعاتب معاوية في استلحاقه له؛ لما كان بينه وبين عبّاد بن زياد من العداوة، وما أهانه به عبّاد بن زياد كما هو معروف، قال يزيد بن مفرّغ الحميريُّ في ذلك أبياته المشهورة التي يقول فيها:
ألَا أبْلِغْ معاويةَ بْنَ حَرْبٍ... مُغَلْغَلَة مِنَ الرَّجُلِ اليَمَانِي...
أَتَغْضَب أن يُقالَ أَبُوكَ عَفٌّ... وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِي
إلى أن قال في ابن زياد:
فَأَشْهَدُ أَنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ... كَإِلِّ الجِلِّ مِنْ وَلَدِ الأَتَانِ
أَيْ: إِنَّ قَرَابَتَكَ فِي قُرَيْش، وهذا معنى معروف في كلام العرب، وعلى هذا القول ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يُرَاعُون ولا يحْفَظُون فيكم ﴿إِلَّا﴾ أي: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: لا قرابة ولا عهداً، وقال بعض العلماء: الإلّ هو الحِلْفُ، فالعَرَبُ تقول: بَيْنِي وبين فلانٌ إِلٌّ: إذا كان بَيْنَكُمَا حِلْفٌ. قالوا: واشتقاق (الإِلُّ) أنهم كانوا إذا تَحَالَفُوا وتَمَاسَحُوا بالأَيْدِي عند الحلف رفعوا أصواتهم، والعرب تقول: «ألَّ، يَؤُلُّ» إِذَا صَرَخَ ورَفَعَ صوته، ومنه: أَلِيلُ المَرِيضِ؛ أي: أَنِينُ المَرِيضِ المُرْتَفِع، والعرب تقول: «دعت الجارية أَلَلَيْهَا» إذا وَلْوَلَتْ؛ لأن الأليل صراخٌ وصوت. ومنه قولهم: دَعَتِ الجارية ألليها: إذا وَلْوَلَتْ قَول الكميت:
وأنتَ ما أنت في غَبْراءَ مُظْلمةٍ... إذا دَعَتْ أَلَلَيْها الكَاعِبُ الفُضُلُ
وقال قومٌ آخرون: إن (الإلّ) معناه العهد. وعلى هذا القول فهو شيءٌ معطوف على نفسه باختلاف اللفظين، وقد قدّمنا في هذه الدروس مراراً أن عطف الشيء على نفسه بلفظين مختلفين أنه أسلوبٌ عربي معروف؛ لأن المغايرة في اللفظ ربما نزلتها العرب كمغايرة المعنى. وهذا الأسلوب في اللغة العربية وفي القرآن، فمن أشهر أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: الآيات 1 - 4] لأن (الذي) و (الذي) كلها واقعة على شيء واحد هو الله (جلّ وعلا)، إلا أنه لما اختلفت الألفاظ صار العطف بسبب اختلافها، وهو أسلوب معروف في العربية، ومن شواهده المشهورة قول الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم
وهو كثير في كلام العرب، ومما أنشده له صاحب اللسان قول الشاعر:
إِنِّي لأعظم في صدر الكَميِّ على... ما كان في زَمَنِ التَّجْدِيرِ والقِصَرِ
وقول عنترة في معلقته:
حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ... أَقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الهَيْثَمِ
لأن (الإقواء) و (الإقفار) معناهما واحد. و (التجدير) و (القصر) معناهما واحد.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري -رحمه الله- أن هذه المعاني كلها يجب حمل (الإلِّ) عليها؛ لأنه شاملٌ لِلْعَهْدِ والقرابة، والحلف؛ أي: لا يُرَاعُونَ فِيكُمْ عَهْداً، ولا قرابة، ولا حلفاً، ولا يُرَاعُونَ اللهَ فِيكُمْ. وهَذَا الذي ذهب إليه هو مِنْ حَمْلِ المُشْتَركِ على مَعَانيه، وحمل المشترك على معنييه أو معانيه مما اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماء الأصُول، والذي حَرَّرَهُ المحققون من أصوليي أصحاب المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على مَعْنَيَيْهِ أو معانيه، فيجوز أن تقول مثلاً: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. تعني: أنه عَوَّروا عَيْنَهُ الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسَرقوا عينه التي هي ذهبه وفِضَّتُه فتحمله على الجميع إذا قَصَدْتَ ذَلِكَ، وكان في كلامه ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.
﴿يَرْقُبُوا﴾ معناه: يَحْفَظُوا ويُرَاقِبُوا ويُرَاعُوا. والذمَّةُ: مَعْنَاهُ العَهْدُ، وكل ما تجب المحافظة عليه ويؤاخذ بِنَكْثِهِ تسميه العرب (ذِمَّة). وهو هنا: العَهْدُ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: يبذلون لكم الكلام الطيب الحلو باللسان دون ما في القلوب؛ لأن ما في قلوبهم من البغض وإضمار العداوة والشحناء لا يساعد وما تجري به ألسنتهم، فالألسنة تقول شيئاً وما تنطوي عليه الصدور شيءٌ آخر. وهذا معنى قوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تُوَافِقُ مَا يَنْطِقُونَ بِهِ بِأَفْوَاهِهِمْ لما هي منطوية عليه من الكفر والبغض وشدة العَدَاوَةِ لَكُمْ. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ والقلوب هنا جمع قَلْب. وهذه الآيات وأمثالها تدلُّ على أن الذي يدرك ويقع فيه الإباء والانْقِيَاد وجميع أنواع الإدْرَاك كلّه القلب. وذلك أمرٌ لا شك فيه؛ لأن الذي خلق العقل ومنَّ بالعَقْلِ أعْلَم حيث وَضَعَ العَقْل، فالله (جلّ وعلا) في آيات كتابه يبين دائماً أنه جعله في القلب كقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية 179] وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية 46] ولم يقل الله يوماً ما: ولكن تعمى الأدمغة التي في الرؤوس. ولم يقل: فإنها لا تعمى الأدمغة. أبداً؛ لأن العَقْلَ محلُّه القَلْب هذا جاء به الوحي الصحيح وكلام مَنْ خَلَقَ القَلْبَ وتَفَضَّلَ بالقَلْبِ، فلَمْ يَأْتِ فِي آيَةٍ واحِدَة ولا في حديثٍ واحد أن مَرْكَزَ العَقْلِ فِي الدِّمَاغِ أَبَداً، لم يقل الله: لهم أدمغة يفقهون بها. أبداً، ولكن يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾، و ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾ ولم يقل: وتأبى أدمغتهم.
أبداً، والذي خَلَقَ القَلْبَ وَمَنَّ به ووضعه لا شكّ أنه أعلم بالمحل الَّذِي وَضَعَ به مِنْ فَلْسَفَاتِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ الجَهَلَةِ وأذْنَابِهِمْ، وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الفسق: الخروج عن طاعة الله، فكل خارجٌ عن طاعة الله فَهُو فَاسِق، ومنه قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية 50] أيْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، والعَرَبُ تقول: فسق عن الطريق: إذا خرج منها. ومنه قول الرَّاجِزِ:
يَهْوَينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِراً... فَوَاسِقاً عن قَصْدِهَا جَوَائِرَا
فواسقاً؛ أي: خارجات عن طريقهن.
والمراد بالفسق شرعاً: هو الخروج عن طاعة الله. والخروج عن طاعة الله قد يعظم، وقد يكون بعضه أعظم من بعض، فالخروج الأكبر هو الكفر بالله، والمعاصي والكبائر خروج دون خروج؛ ولذا سُمّي الكافر فاسقاً؛ لأنه خارج عن طاعة الله الخروج الأعظم، كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية 26] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج، كالمرتكب لبعض الذنوب، كقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: آية 6].
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يُقال: لِمَ قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم جميعهم فاسقون، أكثرهم وأقلهم، كلهم فاسقون، فما وجه التعبير بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾؟
أجاب جماعة من العلماء عن هذا السؤال بأن المراد بالفسق هنا فسق خاص، وهو فسق نقض العهود وعدم الوفاء بها، أي: وأكثرهم ناكثون، ناقضون للعهود، فاسقون هذا النوع الخاص من الفسق، وإن كان الجميع مشتركين في أنواع الفسق والكفر. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.