۞ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمࣰا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 101
[سورة يوسف (12): آية 101]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي السلطان وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا، أو تفسير كتب الله، واستعماله للفظ (من) في الحالين وهي تفيد التبعيض إشارة إلى أنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يا خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أنت تتولاني بالنعمة في الدارين، بوصل الملك الفاني بالملك الباقي، تَوَفَّنِي مُسْلِماً طلب الوفاة على حال الإسلام مع أنه رسول معصوم ليقتدي به قومه، ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي أو على العموم. وهكذا انتهت القصة ولم يبق من السورة إلا خاتمتها.
فوائد:
1 - هذا المشهد الطويل الأخير موجود في التوراة الحالية من الإصحاح (42) إلى الإصحاح (47) من سفر التكوين وتحريف النساخ والرواة في هذه الإصحاحات ظاهر، فمثلا تذكر رواية التوراة الحالية أن يوسف عليه السلام في الرحلة الأولى احتجز أحد إخوته وهو شمعون، ويعتمد هذا بعض المفسرين. يذكر هذا في الإصحاح الثاني والأربعين ولكنا نلاحظ بعد ذلك أن الإصحاح الثالث والأربعين يذكر كيف أن الجوع عض يعقوب وأهله حتى أمرهم بالعودة إلى مصر فرفضوا إلا أن يأخذوا بنيامين، وليس في هذا التباطؤ ما يشير إلى أن هناك أخا يحتاج إلى إنقاذ. وفي هذا الإصحاح نجد هذا
النص (وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم) فما معنى أن يقول: حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. مع أن بنيامين على حسب هذه الرواية لم يبرح بعد. والإصحاحات هذه لا تذكر إلا رحلتين ثم الجلاء العام إلى مصر. فهذا النقل الذي نقلناه يدل على التحريف الواقع، وهو أن رحلة من الرحلات قد أغفلت.
وهي الرحلة الثانية التي أخذ فيها بنيامين. فبقى بسبب ذلك أحد إخوته في مصر
من أجله، وخلط موضوع الرحلة الثانية في موضوع الرحلة الأولى والثالثة، إذ الإصحاحات تذكر أنه بعد اكتشاف سرقة بنيامين مباشرة كشف يوسف نفسه، فليس بين الإعلان عن عبودية بنيامين وكلام يهوذا له، ثم كشفه لهم أنفسهم إلا دقائق فما الفائدة إذن من كل العملية التي عملها يوسف في وضع الصاع في رحل أخيه إذا كان الأمر كذلك؟ ثم لا نجد إطلاقا أي كلام عن شمعون الذي احتجزه يوسف في المرة الأولى على زعم رواية التوراة الحالية بعد العودة. كل هذا يدل على أن الزمن قد عمل في تحريف الرواية، وأن أقلام النساخ الكاذبة قد عملت عملها، والله عزّ وجل في القرآن قد صحح الخطأ وبين لنا الحقيقة. وهذا النص الذي نقلناه وحده كاف ليرينا نوعا من أنواع الإعجاز في هذا القرآن، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نأخذ من هذه الإصحاحات شيئا يعتد به، بل على العكس نقول إن هذه الإصحاحات فيها من النقص
والتحريف والإجمال ما أكمله القرآن وسدده وفصله، فمثلا تذكر الإصحاحات أنه بعد اكتشاف الصاع في رحل بنيامين (وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة) فلا تذكر الجمال مع أن النص القرآني يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فهل من المعقول في رحلة كهذه أن يكون الحمار هو أداة الحمل، الظاهر أن الحمار لركوبهم ولا بد أن يكون معهم جمال، وفي الإصحاحات كما رأينا في النقل عن خطاب يهوذا ليوسف اقتراح من يهوذا أن يحل محل بنيامين في العبودية، والقرآن يذكر أن كبيرهم هو الذي بقي في مصر من أجل بنيامين، وكبيرهم هو رأوبين، مع أن التوراة تذكر أن الذي احتجز أول مرة هو شمعون، ومع أن المفسرين المسلمين يحتملون أن يكون المراد بكلمة كبيرهم، كبيرهم في الرأي، أو رئيسهم في رحلتهم، إلا أننا نؤثر ألا نجزم في هذا الموضوع برأي ونبقي النص القرآني على ظاهره. حتى إن ابن كثير يرفض رواية التوراة جملة في كون أم يوسف راحيل كانت ميتة عند ما ورد يعقوب عليه السلام إلى مصر، أخذا بظاهر النص القرآني وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ إلا أن مفسرين آخرين لا
يستبعدون أن يكون المراد هنا خالته زوجة أبيه لأن حكمها حكم الوالدة.
وخلال الكلام عن يوسف هنا يذكر بعض المفسرين روايات كثيرة مرجعها كلام أهل الكتاب وليس في ذكرها كبير طائل ما دام الأصل الأكبر لروايات أهل الكتاب لا يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع.
2 - تذكر الإصحاحات المذكورة أن عدد بيت يعقوب عند ما سكنوا مصر كان سبعين نفسا، كما تذكر أن المجئ إلى مصر بعد سنتين من سني الجوع، وأنهم سكنوا في أرض جاسان وهي تقع شمالي القاهرة الحالية، وإلى الغرب من قناة السويس الحالية، وفيها أن يعقوب عاش بعد دخولهم مصر سبع عشرة سنة، فكانت أيام يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأنه أوصى ألا يدفن في مصر بل يدفن في أرض آبائه، وقد فعل يوسف ما أوصاه به أبوه، وأما يوسف فقد دفن في أرض مصر، ولكنه أوصى أن يحمل إذا خرج بنو إسرائيل من مصر.
3 - يلاحظ أن سفر التكوين الذي هو السفر الأول من أسفار التوراة ينتهي بكلام عن يوسف، وإذا استعرضناه فإننا لا نجد أمرا فيه ذا شأن إلا وهو موجود في القرآن بشكل أصح وأدق، حتى إنك لا تجد شيئا غريبا عنك إلا بعض تفصيلات لا تفيد ذكرا ولا عظة ولا تشريعا ولا شيئا، وما من شئ فيه قد ذكره القرآن إلا وقد ذكره في السياق المناسب والمكان الذي يكون فيه أكثر عطاء. فمثلا في الإصحاح التاسع والأربعين نجد وصية يعقوب لأولاده عند موته، وقد قص القرآن علينا هذه الوصية في سورة البقرة، وهي الوصية الحقيقية التي تتفق مع منطق الأنبياء، أما في هذا الإصحاح فلا نجد مثل هذه الوصية الجامعة للجميع، وإنما نجد كلاما عن كل ولد من الأولاد وبهذه المناسبة نقول إنه يوجد في هذا الإصحاح هذا النص (لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب) وفي كتابنا (الرسول صلى الله عليه وسلم) بينا في الفصل الخامس كيف أن أصل هذا النص لا يمكن أن يحمل إلا على أنه بشارة برسولنا عليه الصلاة والسلام، فإذا اتضح ما أسلفنا علمنا كيف أن هذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وفي قصة يوسف نموذج على ذلك، ومن ثم جاءت في السياق الكلي للقرآن في محور التدليل على أن هذا القرآن من عند الله لا ريب في ذلك.
4 - بمناسبة قوله تعالى: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، قال:
فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال:
إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
5 - بمناسبة قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة- وكان سلمان حديث عهد بالإسلام- فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت». والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، لهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الأعراف: 53) أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.
6 - يذكر ابن كثير روايات متعددة عن المفسرين في الزمن الذي كان بين إلقاء يوسف في الجب وبين لقائه بأبيه، ومرجع هذه الروايات كلها روايات أهل الكتاب.
وإذا رجعنا إلى التوراة الحالية فإن المدة التي يمكن استخلاصها هي اثنان وعشرون عاما، إذ ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة عاما، وخرج من السجن وهو ابن ثلاثين.
وكانت سنو الشبع سبعا، وجاء يعقوب إلى مصر بعد سنتين من الجوع.
7 - بمناسبة قوله تعالى على لسان يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال ابن كثير: (وهذا الدعاء يحتمل أن يكون يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى»، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم
كما قال قتادة: قوله (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، وكما أن نوحا أول من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (نوح: 28) ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله... عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وأخرجاه في الصحيحين. وعندهما: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل:اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وروى الإمام أحمد... عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد ابن أبي وقاص. فأكثر البكاء، وقال يا ليتني مت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» وردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك». وروى الإمام أحمد... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا». وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا (الأعراف:
126) وقالت مريم لما أجاءها المخاض- إلى جذع النخلة يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: 23) لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم: 27، 28) فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء، الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني
إليك غير مفتون». وروى الإمام أحمد... عن محمود بن لبيد مرفوعا: أن النبي ﷺ قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى. قال: اللهم توفني إليك، وفي الحديث: «إن الرجل ليمر بالقبر- أي في زمان الدجال- فيقول يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون).
8 - أكثر المفسرين على أن السبب الذي دعا يعقوب إلى توصية أبنائه في الدخول من أبواب متفرقة هو خشيته عليهم من العين وليس في ذلك نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام إلا أن النصوص كثيرة في إثبات أن العين حق وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها نجد تفصيل ذلك.
9 - لا يوجد شئ في التوراة الحالية يشير إلى ماهية السرقة التي اتهم بها يوسف والتي أشار إليها إخوته بقولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وليس عن رسولنا عليه الصلاة والسلام كلام في هذا الموضوع، إلا أن ابن كثير ينقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد القصة التالية- والله أعلم بصحتها ولا ندري من أين نقلها مجاهد:- قال مجاهد:
«كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة (1) إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام فأتاها فقال: يا أخية سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه- أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟.
فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت:
والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه
يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
10 - بمناسبة الكلام عن يوسف عليه السلام تكثر الروايات الإسرائيلية التي ينقلها بعضهم على أنها أحاديث وهي ليست كذلك وابن كثير نقل الكثير منها ورده ولم نشأ أن نعرج عليه
11 - من استعطاف إخوة يوسف ليوسف من أجل أخيهم وهم لا يعرفون أنه يوسف ندرك أن الشفاعة إلى الحاكم في محلها جائزة، إلا أنها في الإسلام خصت بما دون الحدود، أما الحدود إذا وصلت إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها مزيد بيان.
12 - من قصة يوسف عليه السلام ندرك طرفا من حكمة الله في أفعاله، فما من فعل لله إلا وهو عين الحكمة، ولكن قصور النظر وسوء الفهم وعمى القلب تبعد عن رؤية حكمة الله في أفعاله، فمن رأى المحن المتوالية التي أصابت يوسف عليه السلام وآله، وما ترتب على ذلك من دخول يعقوب إلى مصر لتنشأ أمة جديدة في ظروف مواتية، ومن رأى كيف أن هذا كان عبرة للخلق جميعا، حتى قصة الله في توراته وقرآنه، أدرك كثرة الحكم.
13 - إن دروس قصة يوسف عليه السلام كثيرة، ومن أهمها أنه لا عاقبة لكيد الظالمين ولا لخيانتهم، وأن العاقبة للاستقامة في كل حال، فليستقم العبد على أمر الله لتكون له العاقبة في الدنيا والآخرة.
14 - من خلال قصة يوسف عليه السلام ندرك كثيرا من الخصائص العالية والنازلة للنفس البشرية عامة
15 - بعض المفسرين ظن- كأثر عن تسمية يوسف بالعزيز- أنه حل محل سيده في منصبه، إلا أننا نلاحظ أن المنصبين مختلفان. ورواية التوراة الحالية تذكر أن منصب سيد يوسف كان رئيس الشرطة، بينما منصب يوسف كان شيئا آخر يمكن أن يسمى أنه نائب الملك المفوض، أو الوزير المفوض، ومن ثم فإننا نرجح أن كلمة العزيز كانت لقبا لكل ذي منصب خطير كلقب الباشا مثلا في مصر قديما.
16 - في كتاب مالك بن نبي (الظاهرة القرآنية) كلام عن قصة يوسف في القرآن مقارنة مع قصة يوسف في التوراة الحالية، وتعليق عليها، وكانت له ملاحظات قيمة، ولكنه وقع في عدة أخطاء في هذا الفصل فاقتضى التنوية، ومن ملاحظاته في هذا الفصل بعد أن قارن بين فقرات من الرواية التوراتية الحالية لقصة يوسف وبين آيات من القرآن: (إن سوق التاريخ واحد تماما في كلتا الروايتين، ومع ذلك فإن التأمل السريع يكشف لنا عن عناصر خاصة تميز كلتيهما على حدة، فرواية القرآن تنغمر في مسحة روحانية نشعر بها في صفات الشخصيات وكلماتها التي يتحرك بها المشهد القرآني، فهناك قدر كبير من حرارة الروح في كلمات يعقوب ومشاعره في القرآن، فهو نبي أكثر منه أبا، وتبرز هذه الصفة على الأخص في طريقته في التعبير عن يأسه عند ما يعلم باختفاء يوسف، كما تتجلى في طريقته في تصوير أمله حين يدفع بنيه إلى أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، وامرأة العزيز نفسها تتحدث في الرواية القرآنية بلغة تليق بضمير إنساني وخزه الندم، وأرغمته طهارة الضحية ونزاهتها على الاستسلام، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها، وتقر بخطيئتها، وفي السجن يتحدث يوسف بلغة روحية محلقة، سواء مع صاحبيه، أم مع السجان، فهو يتحدث كنبي يؤدي رسالته إلى كل نفس يرجو صلاحها) (1).
مختارات من تعليقات صاحب الظلال على قصة يوسف:
إن القصة تعرض شخصية يوسف- عليه السلام- وهي الشخصية الرئيسية في القصة- عرضا كاملا في كل مجالات حياتها، بكل جوانب هذه الحياة، وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات. وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة، وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها.. ابتلاءات الشدة وابتلاءات الرخاء. وابتلاءات الفتنة بالشهوة، والفتنة بالسلطان. وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات، ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة، متجها إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع كما أسلفنا في نهاية الفقرة السابقة.
وإلى جانب عرض الشخصية الرئيسية في القصة تعرض الشخصيات المحيطة بدرجات متفاوتة من التركيز. وفى مساحات متناسبة من رقعة العرض، ومن أبعاد متفاوتة من مركز الرؤية، وفي أوضاع خاصة من الأضواء والظلال.. وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في نماذج متنوعة: نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول.. ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة، ومواجهة آثار الجريمة، والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة، متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها. ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية، كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك، إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها ووضوح انطباعات البيئة.. ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية والأضواء التي تلقيها على البيئة، ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها، في إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا.
وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها، كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة.. ونموذج «العزيز» وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه. ونموذج «الملك» في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق وتبرز الملامح البشرية
واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات، وهذا الحشد من المواقف والمشاهد. وهذا الحشد من الحركات والمشاعر. وظلت القصة صورة نظيفة للأداء الواقعي الكامل مع تنوع الشخصيات وتنوع المواقف:
إخوة يوسف والأحقاد الصغيرة في قلوبهم تكبر وتتضخم حتى تحجب عن ضمائرهم هول الجريمة وبشاعتها ونكارتها وضخامتها. ثم تزين لهم «المحلل الشرعي» الذي يخرجون به من تلك الجريمة. ملاحظا في هذا واقعيتهم في بيئتهم الدينية- وهم أولاد نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم صلوات الله وسلامه وانطباعات هذه البيئة في تفكيرهم ومشاعرهم وتقاليدهم، وحاجتهم النفسية- من ثم- إلى مبرر للجريمة، وإلى طريقة للتحلل من نكارتها وبشاعتها.
.... وامرأة العزيز في صراع الشهوة التي تعمي عن كل شئ في اندفاعها الهائج الكاسح، فلا تحفل حياء أنثويا ولا كبرياء ذاتيا، كما لا تحفل مركزا اجتماعيا ولا فضيحة عائلية. والتي تستخدم- مع ذلك- كل مكر الأنثى وكيدها، سواء في تبرئة نفسها
أو حماية من تهوى من جرائر التهمة التي ألصقتها به، وتحديد عقوبة لا تؤدي بحياته. أو رد الكيد للنسوة من ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها، أو التبجح بشهوانيتها أمام انكشاف ضعف عزيمتها وكبريائها أمام من تهوى، ووقوف نسوتها معها على أرض واحدة، حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة وحيائها، الأنثى التي لا تحس في إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا. ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيتها. وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعتها.
-... يوسف العبد الصالح- الإنسان-...... وهو يواجه الفتنة بكل بشريته- مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه- وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه يمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها.. لقد ضعف حين همت به.... ، ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه من السقوط فعلا. ولقد شعر بضعفه إزاء كيد النسوة. ومنطق البيئة، وجو القصور، ونسوة القصور أيضا. ولكنه تمسك بالعروة الوثقى..
ليست هنالك لمحة واحدة مزورة في واقعية الشخصية وطبيعتها، وليس هنالك رائحة من مستنقعات الجاهلية ووحلها الفني. ذلك أن هذا هو الواقع السليم بكل جوانبه.
والعزيز. وشخصيته بطبيعتها الخاصة. وبطبيعة سمت الإمارة، ثم بضعف النخوة، وغلبة الرياء الاجتماعي وستر الظواهر وإنقاذها وفيه تتم كل خصائص بيئته.
والنسوة. نسوة هذا المجتمع بكل ملامحه.. اللغط بسيرة امرأة العزيز وفتاها الذي راودته عن نفسه، بعد ما شغفها حبا والاستنكار الذي تبدو فيه غيرة النسوة من امرأة العزيز أكثر مما يبدو فيه استنكار الفعلة، ثم وهلتهن أمام طلعة يوسف. ثم إقرارهن الأنثوي العميق بموقف المرأة التي كن يلغطن به ويستنكرن موقفها، وإحساس هذه المرأة بهذا الإقرار الذي يشجعها على الاعتراف الكامل، وهي آمنة في ظل استسلامهن لأنوثتهن كما تصنعها بيئتهن الخاصة وتوجهها. ثم ميلهن كلهن على يوسف بالإغراء والإغواء، رغم ما أنطقتهن به الوهلة الأولى من نظافته وطهارته البادية من قولهن:
حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نأخذ ذلك من قولة يوسف عليه السلام: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ.. فلم تعد امرأة العزيز وحدها تراوده، ولكن عادت نسوة تلك الطبقة بجملتها تطارده.
والبيئة التي تتجلى سماتها من خلال ذلك كله. ثم من خلال ذلك التصرف في أمر
يوسف، على الرغم مما بدا من براءته. ذلك التصرف المقصود به مواراة الفضيحة ودفن معالمها؛ ولا يهم أن يذهب برئ كيوسف ضحيتها: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
- فإذا تابعنا شخصية يوسف- عليه السلام- فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة ملامح هذه الشخصية، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئية الواقعية، المتمثلة في كونه «العبد الصالح- الإنسان- بكل بشريته، مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه»..
فهو في السجن وظلماته- مع الظلم وظلماته- لا يغفل عن الدعوة لدينه، في كياسة وتلطف- مع الحزم والفصل- وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها..
كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصيته وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه. وهو- مع هذا كله- بشر، فيه ضعف البشر فهو يتطلب الخلاص من سجنه، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن المظلم. وإن كان الله- سبحانه- شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ...
ثم تطالعنا ملامح هذه الشخصية كذلك بعد بضع سنين، وقد رأى الملك رؤياه، فحار في تأويلها الكهنة والسدنة، حتى تذكر صاحب السجن يوسف- بعد ما تمت التربية الربانية للعبد الصالح. فاطمأن إلى قدر الله به واطمأن إلى مصيره- حتى إذا ما طلب الملك- بعد تأويله لرؤياه- أن يأتوه به، أجاب في هدوء المطمئن الواثق؛ وتمنع عن مغادرة سجنه إلا بعد تحقيق تهمته وتبرئة سمعته:
.....................
ومنذ هذه اللحظة التي تجلت فيها شخصية يوسف مكتملة ناضجة واعية، مطمئنة ساكنة واثقة، نجد هذه الشخصية تتفرد على مسرح الأحداث وتتوارى تماما شخصيات الملك والعزيز والنسوة والبيئة.
........................
ومنذ هذه اللحظة نجد هذه الشخصية تواجه ألوانا أخرى من الابتلاءات، تختلف في طبيعتها عن الألوان الأولى، وتواجهها بذلك الاكتمال الناضج الواعي، وبتلك الطمأنينة الساكنة الواثقة.
نجد يوسف وهو يواجه- للمرة الأولى- إخوته بعد ما فعلوا به تلك الفعلة القديمة؛ وهو في الموقف الأعلى- بالقياس إليهم- والأقوى.. ولكننا نجد سمة الضبط واضحة في انفعالاته وتصرفاته.
ونجده وهو يدبر- بتدبير الله له- كيف يأخذ أخاه. فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة، الضابطة الصابرة.
ثم نلتقي به وقد استوفت المحنة بيعقوب أجلها، وقدر الله أن تنقضي الابتلاءات التي نزلت به وببنيه، وحن يوسف إلى أبويه وأهله، ورق لإخوته والضر باد بهم، فكشف لهم عن نفسه في عتاب رقيق، وفي عفو كريم، يجئ في أوانه، وكل الملابسات توحي به، وتتوقعه من هذه الشخصية بسماتها تلك.
........................
وفي النهاية يجئ ذلك الموقف الجليل الرائع.... موقف اللقاء الجامع ويوسف في أوج سلطانه، وأوج تأويل رؤياه وتحقق أحلامه.. وإذا به ينسلخ من هذا كله وينتحي جانبا ينفرد بربه، ويناجيه خالصا له، وذلك كله مطروح وراءه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ إنها شخصية موحدة متكاملة، بكل واقعيتها الممثلة لمقوماتها الواقعية في نشأتها وبيئتها.
........................
ويعقوب.. الوالد المحب الملهوف، والنبي المطمئن الموصول، وهو يواجه بالاستبشار والخوف معا تلك الرؤيا الواعدة التي رآها يوسف، وهو يرى فيها بشائر مستقبل مرموق، بينما هو يتوجس خيفة من الشيطان وفعله في نفوس بنيه. فتتجلى شخصيته بواقعيتها الكاملة في كل جوانبها.
... ثم نجد هذه الشخصية كذلك بكل واقعيتها البشرية النبوية، وبنوه يراودونه عن يوسف ثم وهم يفاجئونه بالفجيعة.
.... ثم نلتقي بهذه الشخصية- بكل واقعيتها تلك- وبنوه يراودونه مرة أخرى على السلوة الباقية له.. أخي يوسف.. وقد طلبه منهم عزيز مصر- يوسف- الذي لا يعرفونه في مقابل أن يعطيهم كيلا يقتاتون به في السنوات العجاف.
.... ثم نلتقي به في فجيعته الثانية، والدا ملهوفا ونبيا موصولا.. ذلك بعد أن دبر الله
ليوسف كيف يأخذ أخاه. فيختلف أحد أبناء يعقوب- صاحب الشخصية الخاصة فيهم- متوافيا مع سماته التي صاحبت مواقفه كلها في القصة. مشفقا أن يقابل أباه بعد الموثق الذي آتاه إياه، إلا أن يأذن له أبوه أو يحكم له الله.
وفي آخر مواقف المحنة الطويلة للشيخ المبتلى نجد ذات الملامح وذات الواقعية وهو يشم ريح يوسف في قميصه، ويواجه غيظ بنيه وتبكيتهم فلا يشك في صدق ظنه بربه
.........................
إنها الشخصية الموحدة الخصائص والملامح، الواقعية المشاعر والتصرفات، الممثلة لكل واقعية ذاتها وظروفها وبيئتها بلا تزوير ولا نقص ولا تحريف.
.......................
والواقعية الصادقة الأمينة النظيفة السليمة في الوقت نفسه، لا تقف عند واقعية الشخصيات الإنسانية التي تحفل بها القصة في هذا المجال الواسع، فى هذا المستوى الرائع. ولكنها تتجلى كذلك في واقعية الأحداث والسرد والعرض وصدقها وطبيعتها في مكانها وزمانها، وفي بيئتها وملابساتها. فكل حركة وكل خالجة وكل كلمة تجئ في أوانها؛ وتجئ في الصورة المتوقعة لها. وتجئ في مكانها من مسرح العرض. متراوحة بين منطقة الظل ومنطقة الضوء بحسب أهميتها ودورها وطبيعة جريان الحياة بها.. الأمر الملحوظ في الشخصيات أيضا كما قررنا من قبل هذا..
حتى لحظات الجنس في القصة ومواقفه أخذت مساحتها كاملة- في حدود المنهج النظيف اللائق «بالإنسان» - في غير تزوير ولا نقص ولا تحريف للواقعية البشرية في شمولها وصدقها وتكاملها- ولكن استيفاء تلك اللحظات لمساحتها المتناسقة مع بقية الأحداث والمواقف- لم يكن معناه الوقوف أمامها كما لو كانت هي كل واقعية الكائن البشري؛ وكما لو كانت هي محور حياته كلها، وهي كل أهداف حياته التي تستغرقها.
كما تحاول الجاهلية أن تفهمنا أن هذا وحده هو الفن الصادق.
إن الجاهلية إنما تمسح الكائن البشري باسم الصدق الفني. وهي تقف أمام لحظة الجنس كما لو كانت هي كل وجهة الحياة البشرية بجملتها، فتنشئ منها مستنقعا واسعا عميقا، مزينا في الوقت ذاته بالأزهار الشيطانية.
وهي لا تفعل هذا لأن هذا هو الواقع، ولا لأنها هي مخلصة في تصوير هذا.
الواقع. إنما تفعله لأن «بروتوكولات صهيون» تريد هذا تريد تجريد «الإنسان» إلا
من حيوانيته حتى لا يوصم اليهود وحدهم بأنهم هم الذين يتجردون من كل القيم غير المادية، وتريد أن تغرق البشرية كلها في وحل المستنقع كي تنحصر فيه كل
اهتماماتها، وتستغرق فيه كل طاقاتها؛ فهذه أضمن سبيل لتدمير البشرية حتى تجثو على ركبتيها خاضعة لملك صهيون المرتقب الملعون. ثم تتخذ من الفن وسيلة إلى هذا الشر كله، إلى جانب ما تتخذه من نشر المذاهب «العلمية» المؤدية إلى ذات الهدف. تارة باسم «الداروينية» وتارة باسم «الفرويدية» وتارة باسم «الماركسية» أو «الاشتراكية العلمية» وكلها سواء في تحقيق المخططات الصهيونية الرهيبة.
والقصة بعد ذلك تتجاوز الشخصيات والأحداث لترسم ظلال الفترة التاريخية التي تجري فيها أحداث القصة، وتتحرك فيها شخصياتها الكثيرة، وتسجل سماتها العامة، فترسم مسرح الأحداث بأبعاده العالمية في تلك الفترة التاريخية. ونكتفي ببعض اللمحات والسهام التي ترسم تلك الأبعاد:
إن مصر في هذه الفترة لم يكن يحكمها الفراعنة من الأسر المصرية؛ إنما كان يحكمها «الرعاة» الذين عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قريبا منهم، فعرفوا شيئا عن دين الله منهم: نأخذ هذا من ذكر القرآن للملك بلقب «الملك» في حين يسمى الملك الذي جاء على عهد موسى- عليه السلام- من بعده بلقبه المعروف «فرعون» ومن هذا يتحدد زمن وجود يوسف- عليه السلام- في مصر. فهو كان ما بين عهد الأسرة الثالثة عشرة والأسرة السابعة عشرة، وهي أسر «الرعاة» الذين سماهم المصريون «الهكسوس» كراهية لهم، إذ يقال: إن معنى الكلمة في اللغة المصرية القديمة: «الخنازير» أو «رعاة الخنازير» وهي فترة تستغرق نحو قرن ونصف قرن.
إن رسالة يوسف عليه السلام كانت في هذه الفترة. وهو كان قد بدأ الدعوة إلى الإسلام.. ديانة التوحيد الخالص.. وهو في السجن وقرر أنها دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقررها في صورة واضحة كاملة دقيقة شاملة) اهـ.
كلمة في السياق
عند ما تقرأ قصة يوسف- عليه السلام في القرآن، وتقرؤها في التوراة الحالية المحرفة، تجد نفسك أمام كلام في القرآن هو القمة في البلاغة والعذوبة، وتجد كلاما تدلك معانيه على أنه كلام الله من خلال ما يعطيك من عبر ومن عظات ومن دروس
ترفع النفس البشرية إلى درجات رفيعة، بينما لا تحس هذا الإحساس أثناء قراءتك للتوراة الحالية المحرفة بسبب ما طرأ على هذه التوراة من تحريف، ولأن الله جعل للقرآن الهيمنة على كل كتاب سابق، فإذا وجد الإنسان مثل هذا الكمال في العرض، ومثل هذه الدقة في تفصيل حق ضاعت تفصيلاته حتى عند أهله، ندرك كيف أنه بهذه السورة تقوم الحجة على الخلق في أن هذا القرآن من عند الله، وهذا يؤكد ما لاحظناه أن محور سورة يوسف هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ... وقد لاحظنا كيف أن السورة بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ..... فقصة يوسف في هذه السورة دليل على أن هذا القرآن منزل من عند الله على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه السورة- لمن تأملها- تقطع دابر كل ريب في أي قلب راغب بالحق، حريص عليه، ويتكامل هذا المعنى في أذهاننا بعد استعراضنا لخاتمة السورة.
***
خاتمة السورة
وتمتد من الآية (102) إلى نهاية الآية (111) وهذه هي:
[سورة يوسف (12)، الآيات 102 الى 111]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي السلطان وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي تعبير الرؤيا، أو تفسير كتب الله، واستعماله للفظ (من) في الحالين وهي تفيد التبعيض إشارة إلى أنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يا خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أنت تتولاني بالنعمة في الدارين، بوصل الملك الفاني بالملك الباقي، تَوَفَّنِي مُسْلِماً طلب الوفاة على حال الإسلام مع أنه رسول معصوم ليقتدي به قومه، ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي أو على العموم. وهكذا انتهت القصة ولم يبق من السورة إلا خاتمتها.
فوائد:
1 - هذا المشهد الطويل الأخير موجود في التوراة الحالية من الإصحاح (42) إلى الإصحاح (47) من سفر التكوين وتحريف النساخ والرواة في هذه الإصحاحات ظاهر، فمثلا تذكر رواية التوراة الحالية أن يوسف عليه السلام في الرحلة الأولى احتجز أحد إخوته وهو شمعون، ويعتمد هذا بعض المفسرين. يذكر هذا في الإصحاح الثاني والأربعين ولكنا نلاحظ بعد ذلك أن الإصحاح الثالث والأربعين يذكر كيف أن الجوع عض يعقوب وأهله حتى أمرهم بالعودة إلى مصر فرفضوا إلا أن يأخذوا بنيامين، وليس في هذا التباطؤ ما يشير إلى أن هناك أخا يحتاج إلى إنقاذ. وفي هذا الإصحاح نجد هذا
النص (وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم) فما معنى أن يقول: حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. مع أن بنيامين على حسب هذه الرواية لم يبرح بعد. والإصحاحات هذه لا تذكر إلا رحلتين ثم الجلاء العام إلى مصر. فهذا النقل الذي نقلناه يدل على التحريف الواقع، وهو أن رحلة من الرحلات قد أغفلت.
وهي الرحلة الثانية التي أخذ فيها بنيامين. فبقى بسبب ذلك أحد إخوته في مصر
من أجله، وخلط موضوع الرحلة الثانية في موضوع الرحلة الأولى والثالثة، إذ الإصحاحات تذكر أنه بعد اكتشاف سرقة بنيامين مباشرة كشف يوسف نفسه، فليس بين الإعلان عن عبودية بنيامين وكلام يهوذا له، ثم كشفه لهم أنفسهم إلا دقائق فما الفائدة إذن من كل العملية التي عملها يوسف في وضع الصاع في رحل أخيه إذا كان الأمر كذلك؟ ثم لا نجد إطلاقا أي كلام عن شمعون الذي احتجزه يوسف في المرة الأولى على زعم رواية التوراة الحالية بعد العودة. كل هذا يدل على أن الزمن قد عمل في تحريف الرواية، وأن أقلام النساخ الكاذبة قد عملت عملها، والله عزّ وجل في القرآن قد صحح الخطأ وبين لنا الحقيقة. وهذا النص الذي نقلناه وحده كاف ليرينا نوعا من أنواع الإعجاز في هذا القرآن، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نأخذ من هذه الإصحاحات شيئا يعتد به، بل على العكس نقول إن هذه الإصحاحات فيها من النقص
والتحريف والإجمال ما أكمله القرآن وسدده وفصله، فمثلا تذكر الإصحاحات أنه بعد اكتشاف الصاع في رحل بنيامين (وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة) فلا تذكر الجمال مع أن النص القرآني يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فهل من المعقول في رحلة كهذه أن يكون الحمار هو أداة الحمل، الظاهر أن الحمار لركوبهم ولا بد أن يكون معهم جمال، وفي الإصحاحات كما رأينا في النقل عن خطاب يهوذا ليوسف اقتراح من يهوذا أن يحل محل بنيامين في العبودية، والقرآن يذكر أن كبيرهم هو الذي بقي في مصر من أجل بنيامين، وكبيرهم هو رأوبين، مع أن التوراة تذكر أن الذي احتجز أول مرة هو شمعون، ومع أن المفسرين المسلمين يحتملون أن يكون المراد بكلمة كبيرهم، كبيرهم في الرأي، أو رئيسهم في رحلتهم، إلا أننا نؤثر ألا نجزم في هذا الموضوع برأي ونبقي النص القرآني على ظاهره. حتى إن ابن كثير يرفض رواية التوراة جملة في كون أم يوسف راحيل كانت ميتة عند ما ورد يعقوب عليه السلام إلى مصر، أخذا بظاهر النص القرآني وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ إلا أن مفسرين آخرين لا
يستبعدون أن يكون المراد هنا خالته زوجة أبيه لأن حكمها حكم الوالدة.
وخلال الكلام عن يوسف هنا يذكر بعض المفسرين روايات كثيرة مرجعها كلام أهل الكتاب وليس في ذكرها كبير طائل ما دام الأصل الأكبر لروايات أهل الكتاب لا يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضوع.
2 - تذكر الإصحاحات المذكورة أن عدد بيت يعقوب عند ما سكنوا مصر كان سبعين نفسا، كما تذكر أن المجئ إلى مصر بعد سنتين من سني الجوع، وأنهم سكنوا في أرض جاسان وهي تقع شمالي القاهرة الحالية، وإلى الغرب من قناة السويس الحالية، وفيها أن يعقوب عاش بعد دخولهم مصر سبع عشرة سنة، فكانت أيام يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وأنه أوصى ألا يدفن في مصر بل يدفن في أرض آبائه، وقد فعل يوسف ما أوصاه به أبوه، وأما يوسف فقد دفن في أرض مصر، ولكنه أوصى أن يحمل إذا خرج بنو إسرائيل من مصر.
3 - يلاحظ أن سفر التكوين الذي هو السفر الأول من أسفار التوراة ينتهي بكلام عن يوسف، وإذا استعرضناه فإننا لا نجد أمرا فيه ذا شأن إلا وهو موجود في القرآن بشكل أصح وأدق، حتى إنك لا تجد شيئا غريبا عنك إلا بعض تفصيلات لا تفيد ذكرا ولا عظة ولا تشريعا ولا شيئا، وما من شئ فيه قد ذكره القرآن إلا وقد ذكره في السياق المناسب والمكان الذي يكون فيه أكثر عطاء. فمثلا في الإصحاح التاسع والأربعين نجد وصية يعقوب لأولاده عند موته، وقد قص القرآن علينا هذه الوصية في سورة البقرة، وهي الوصية الحقيقية التي تتفق مع منطق الأنبياء، أما في هذا الإصحاح فلا نجد مثل هذه الوصية الجامعة للجميع، وإنما نجد كلاما عن كل ولد من الأولاد وبهذه المناسبة نقول إنه يوجد في هذا الإصحاح هذا النص (لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب) وفي كتابنا (الرسول صلى الله عليه وسلم) بينا في الفصل الخامس كيف أن أصل هذا النص لا يمكن أن يحمل إلا على أنه بشارة برسولنا عليه الصلاة والسلام، فإذا اتضح ما أسلفنا علمنا كيف أن هذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وفي قصة يوسف نموذج على ذلك، ومن ثم جاءت في السياق الكلي للقرآن في محور التدليل على أن هذا القرآن من عند الله لا ريب في ذلك.
4 - بمناسبة قوله تعالى: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي، قال:
فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال:
إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
5 - بمناسبة قوله تعالى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ﷺ في بعض طرق المدينة- وكان سلمان حديث عهد بالإسلام- فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت». والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، لهذا خروا له سجدا، فعندها قال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (الأعراف: 53) أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر.
6 - يذكر ابن كثير روايات متعددة عن المفسرين في الزمن الذي كان بين إلقاء يوسف في الجب وبين لقائه بأبيه، ومرجع هذه الروايات كلها روايات أهل الكتاب.
وإذا رجعنا إلى التوراة الحالية فإن المدة التي يمكن استخلاصها هي اثنان وعشرون عاما، إذ ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة عاما، وخرج من السجن وهو ابن ثلاثين.
وكانت سنو الشبع سبعا، وجاء يعقوب إلى مصر بعد سنتين من الجوع.
7 - بمناسبة قوله تعالى على لسان يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال ابن كثير: (وهذا الدعاء يحتمل أن يكون يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: «اللهم في الرفيق الأعلى»، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا، وكان ذلك سائغا في ملتهم
كما قال قتادة: قوله (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) لما جمع الله شمله، وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام، وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، وكما أن نوحا أول من قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً (نوح: 28) ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله... عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وأخرجاه في الصحيحين. وعندهما: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. ولكن ليقل:اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». وروى الإمام أحمد... عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد ابن أبي وقاص. فأكثر البكاء، وقال يا ليتني مت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» وردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك». وروى الإمام أحمد... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا». وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا (الأعراف:
126) وقالت مريم لما أجاءها المخاض- إلى جذع النخلة يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (مريم: 23) لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم: 27، 28) فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء، الذي فيه «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني
إليك غير مفتون». وروى الإمام أحمد... عن محمود بن لبيد مرفوعا: أن النبي ﷺ قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب» فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني. وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى. قال: اللهم توفني إليك، وفي الحديث: «إن الرجل ليمر بالقبر- أي في زمان الدجال- فيقول يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون).
8 - أكثر المفسرين على أن السبب الذي دعا يعقوب إلى توصية أبنائه في الدخول من أبواب متفرقة هو خشيته عليهم من العين وليس في ذلك نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام إلا أن النصوص كثيرة في إثبات أن العين حق وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها نجد تفصيل ذلك.
9 - لا يوجد شئ في التوراة الحالية يشير إلى ماهية السرقة التي اتهم بها يوسف والتي أشار إليها إخوته بقولهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وليس عن رسولنا عليه الصلاة والسلام كلام في هذا الموضوع، إلا أن ابن كثير ينقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد القصة التالية- والله أعلم بصحتها ولا ندري من أين نقلها مجاهد:- قال مجاهد:
«كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها منطقة (1) إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام فأتاها فقال: يا أخية سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه- أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟.
فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت:
والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه
يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
10 - بمناسبة الكلام عن يوسف عليه السلام تكثر الروايات الإسرائيلية التي ينقلها بعضهم على أنها أحاديث وهي ليست كذلك وابن كثير نقل الكثير منها ورده ولم نشأ أن نعرج عليه
11 - من استعطاف إخوة يوسف ليوسف من أجل أخيهم وهم لا يعرفون أنه يوسف ندرك أن الشفاعة إلى الحاكم في محلها جائزة، إلا أنها في الإسلام خصت بما دون الحدود، أما الحدود إذا وصلت إلى السلطان فلا يجوز لأحد أن يشفع فيها وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها مزيد بيان.
12 - من قصة يوسف عليه السلام ندرك طرفا من حكمة الله في أفعاله، فما من فعل لله إلا وهو عين الحكمة، ولكن قصور النظر وسوء الفهم وعمى القلب تبعد عن رؤية حكمة الله في أفعاله، فمن رأى المحن المتوالية التي أصابت يوسف عليه السلام وآله، وما ترتب على ذلك من دخول يعقوب إلى مصر لتنشأ أمة جديدة في ظروف مواتية، ومن رأى كيف أن هذا كان عبرة للخلق جميعا، حتى قصة الله في توراته وقرآنه، أدرك كثرة الحكم.
13 - إن دروس قصة يوسف عليه السلام كثيرة، ومن أهمها أنه لا عاقبة لكيد الظالمين ولا لخيانتهم، وأن العاقبة للاستقامة في كل حال، فليستقم العبد على أمر الله لتكون له العاقبة في الدنيا والآخرة.
14 - من خلال قصة يوسف عليه السلام ندرك كثيرا من الخصائص العالية والنازلة للنفس البشرية عامة
15 - بعض المفسرين ظن- كأثر عن تسمية يوسف بالعزيز- أنه حل محل سيده في منصبه، إلا أننا نلاحظ أن المنصبين مختلفان. ورواية التوراة الحالية تذكر أن منصب سيد يوسف كان رئيس الشرطة، بينما منصب يوسف كان شيئا آخر يمكن أن يسمى أنه نائب الملك المفوض، أو الوزير المفوض، ومن ثم فإننا نرجح أن كلمة العزيز كانت لقبا لكل ذي منصب خطير كلقب الباشا مثلا في مصر قديما.
16 - في كتاب مالك بن نبي (الظاهرة القرآنية) كلام عن قصة يوسف في القرآن مقارنة مع قصة يوسف في التوراة الحالية، وتعليق عليها، وكانت له ملاحظات قيمة، ولكنه وقع في عدة أخطاء في هذا الفصل فاقتضى التنوية، ومن ملاحظاته في هذا الفصل بعد أن قارن بين فقرات من الرواية التوراتية الحالية لقصة يوسف وبين آيات من القرآن: (إن سوق التاريخ واحد تماما في كلتا الروايتين، ومع ذلك فإن التأمل السريع يكشف لنا عن عناصر خاصة تميز كلتيهما على حدة، فرواية القرآن تنغمر في مسحة روحانية نشعر بها في صفات الشخصيات وكلماتها التي يتحرك بها المشهد القرآني، فهناك قدر كبير من حرارة الروح في كلمات يعقوب ومشاعره في القرآن، فهو نبي أكثر منه أبا، وتبرز هذه الصفة على الأخص في طريقته في التعبير عن يأسه عند ما يعلم باختفاء يوسف، كما تتجلى في طريقته في تصوير أمله حين يدفع بنيه إلى أن يتحسسوا من يوسف وأخيه، وامرأة العزيز نفسها تتحدث في الرواية القرآنية بلغة تليق بضمير إنساني وخزه الندم، وأرغمته طهارة الضحية ونزاهتها على الاستسلام، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها، وتقر بخطيئتها، وفي السجن يتحدث يوسف بلغة روحية محلقة، سواء مع صاحبيه، أم مع السجان، فهو يتحدث كنبي يؤدي رسالته إلى كل نفس يرجو صلاحها) (1).
مختارات من تعليقات صاحب الظلال على قصة يوسف:
إن القصة تعرض شخصية يوسف- عليه السلام- وهي الشخصية الرئيسية في القصة- عرضا كاملا في كل مجالات حياتها، بكل جوانب هذه الحياة، وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات. وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة، وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها.. ابتلاءات الشدة وابتلاءات الرخاء. وابتلاءات الفتنة بالشهوة، والفتنة بالسلطان. وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات، ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة، متجها إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع كما أسلفنا في نهاية الفقرة السابقة.
وإلى جانب عرض الشخصية الرئيسية في القصة تعرض الشخصيات المحيطة بدرجات متفاوتة من التركيز. وفى مساحات متناسبة من رقعة العرض، ومن أبعاد متفاوتة من مركز الرؤية، وفي أوضاع خاصة من الأضواء والظلال.. وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في نماذج متنوعة: نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول.. ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة، ومواجهة آثار الجريمة، والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة، متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها. ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية، كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك، إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها ووضوح انطباعات البيئة.. ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية والأضواء التي تلقيها على البيئة، ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها، في إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا.
وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها، كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة.. ونموذج «العزيز» وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه. ونموذج «الملك» في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق وتبرز الملامح البشرية
واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات، وهذا الحشد من المواقف والمشاهد. وهذا الحشد من الحركات والمشاعر. وظلت القصة صورة نظيفة للأداء الواقعي الكامل مع تنوع الشخصيات وتنوع المواقف:
إخوة يوسف والأحقاد الصغيرة في قلوبهم تكبر وتتضخم حتى تحجب عن ضمائرهم هول الجريمة وبشاعتها ونكارتها وضخامتها. ثم تزين لهم «المحلل الشرعي» الذي يخرجون به من تلك الجريمة. ملاحظا في هذا واقعيتهم في بيئتهم الدينية- وهم أولاد نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم صلوات الله وسلامه وانطباعات هذه البيئة في تفكيرهم ومشاعرهم وتقاليدهم، وحاجتهم النفسية- من ثم- إلى مبرر للجريمة، وإلى طريقة للتحلل من نكارتها وبشاعتها.
.... وامرأة العزيز في صراع الشهوة التي تعمي عن كل شئ في اندفاعها الهائج الكاسح، فلا تحفل حياء أنثويا ولا كبرياء ذاتيا، كما لا تحفل مركزا اجتماعيا ولا فضيحة عائلية. والتي تستخدم- مع ذلك- كل مكر الأنثى وكيدها، سواء في تبرئة نفسها
أو حماية من تهوى من جرائر التهمة التي ألصقتها به، وتحديد عقوبة لا تؤدي بحياته. أو رد الكيد للنسوة من ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها، أو التبجح بشهوانيتها أمام انكشاف ضعف عزيمتها وكبريائها أمام من تهوى، ووقوف نسوتها معها على أرض واحدة، حيث تبدو فيها الأنثى متجردة من كل تجمل المرأة وحيائها، الأنثى التي لا تحس في إرواء هواتفها الأنثوية أمرا يعاب أصلا. ومع صدق التصوير والتعبير عن هذا النموذج البشري الخاص بكل واقعيتها. وعن هذه اللحظة الخاصة بكل طبيعتها.
-... يوسف العبد الصالح- الإنسان-...... وهو يواجه الفتنة بكل بشريته- مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه- وبشريته مع نشأته وتربيته ودينه يمثل بمجموعها واقعيته بكل جوانبها.. لقد ضعف حين همت به.... ، ولكن الخيط الآخر شده وأنقذه من السقوط فعلا. ولقد شعر بضعفه إزاء كيد النسوة. ومنطق البيئة، وجو القصور، ونسوة القصور أيضا. ولكنه تمسك بالعروة الوثقى..
ليست هنالك لمحة واحدة مزورة في واقعية الشخصية وطبيعتها، وليس هنالك رائحة من مستنقعات الجاهلية ووحلها الفني. ذلك أن هذا هو الواقع السليم بكل جوانبه.
والعزيز. وشخصيته بطبيعتها الخاصة. وبطبيعة سمت الإمارة، ثم بضعف النخوة، وغلبة الرياء الاجتماعي وستر الظواهر وإنقاذها وفيه تتم كل خصائص بيئته.
والنسوة. نسوة هذا المجتمع بكل ملامحه.. اللغط بسيرة امرأة العزيز وفتاها الذي راودته عن نفسه، بعد ما شغفها حبا والاستنكار الذي تبدو فيه غيرة النسوة من امرأة العزيز أكثر مما يبدو فيه استنكار الفعلة، ثم وهلتهن أمام طلعة يوسف. ثم إقرارهن الأنثوي العميق بموقف المرأة التي كن يلغطن به ويستنكرن موقفها، وإحساس هذه المرأة بهذا الإقرار الذي يشجعها على الاعتراف الكامل، وهي آمنة في ظل استسلامهن لأنوثتهن كما تصنعها بيئتهن الخاصة وتوجهها. ثم ميلهن كلهن على يوسف بالإغراء والإغواء، رغم ما أنطقتهن به الوهلة الأولى من نظافته وطهارته البادية من قولهن:
حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نأخذ ذلك من قولة يوسف عليه السلام: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ.. فلم تعد امرأة العزيز وحدها تراوده، ولكن عادت نسوة تلك الطبقة بجملتها تطارده.
والبيئة التي تتجلى سماتها من خلال ذلك كله. ثم من خلال ذلك التصرف في أمر
يوسف، على الرغم مما بدا من براءته. ذلك التصرف المقصود به مواراة الفضيحة ودفن معالمها؛ ولا يهم أن يذهب برئ كيوسف ضحيتها: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
- فإذا تابعنا شخصية يوسف- عليه السلام- فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة ملامح هذه الشخصية، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئية الواقعية، المتمثلة في كونه «العبد الصالح- الإنسان- بكل بشريته، مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه»..
فهو في السجن وظلماته- مع الظلم وظلماته- لا يغفل عن الدعوة لدينه، في كياسة وتلطف- مع الحزم والفصل- وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها..
كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصيته وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه. وهو- مع هذا كله- بشر، فيه ضعف البشر فهو يتطلب الخلاص من سجنه، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن المظلم. وإن كان الله- سبحانه- شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ...
ثم تطالعنا ملامح هذه الشخصية كذلك بعد بضع سنين، وقد رأى الملك رؤياه، فحار في تأويلها الكهنة والسدنة، حتى تذكر صاحب السجن يوسف- بعد ما تمت التربية الربانية للعبد الصالح. فاطمأن إلى قدر الله به واطمأن إلى مصيره- حتى إذا ما طلب الملك- بعد تأويله لرؤياه- أن يأتوه به، أجاب في هدوء المطمئن الواثق؛ وتمنع عن مغادرة سجنه إلا بعد تحقيق تهمته وتبرئة سمعته:
.....................
ومنذ هذه اللحظة التي تجلت فيها شخصية يوسف مكتملة ناضجة واعية، مطمئنة ساكنة واثقة، نجد هذه الشخصية تتفرد على مسرح الأحداث وتتوارى تماما شخصيات الملك والعزيز والنسوة والبيئة.
........................
ومنذ هذه اللحظة نجد هذه الشخصية تواجه ألوانا أخرى من الابتلاءات، تختلف في طبيعتها عن الألوان الأولى، وتواجهها بذلك الاكتمال الناضج الواعي، وبتلك الطمأنينة الساكنة الواثقة.
نجد يوسف وهو يواجه- للمرة الأولى- إخوته بعد ما فعلوا به تلك الفعلة القديمة؛ وهو في الموقف الأعلى- بالقياس إليهم- والأقوى.. ولكننا نجد سمة الضبط واضحة في انفعالاته وتصرفاته.
ونجده وهو يدبر- بتدبير الله له- كيف يأخذ أخاه. فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة، الضابطة الصابرة.
ثم نلتقي به وقد استوفت المحنة بيعقوب أجلها، وقدر الله أن تنقضي الابتلاءات التي نزلت به وببنيه، وحن يوسف إلى أبويه وأهله، ورق لإخوته والضر باد بهم، فكشف لهم عن نفسه في عتاب رقيق، وفي عفو كريم، يجئ في أوانه، وكل الملابسات توحي به، وتتوقعه من هذه الشخصية بسماتها تلك.
........................
وفي النهاية يجئ ذلك الموقف الجليل الرائع.... موقف اللقاء الجامع ويوسف في أوج سلطانه، وأوج تأويل رؤياه وتحقق أحلامه.. وإذا به ينسلخ من هذا كله وينتحي جانبا ينفرد بربه، ويناجيه خالصا له، وذلك كله مطروح وراءه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ إنها شخصية موحدة متكاملة، بكل واقعيتها الممثلة لمقوماتها الواقعية في نشأتها وبيئتها.
........................
ويعقوب.. الوالد المحب الملهوف، والنبي المطمئن الموصول، وهو يواجه بالاستبشار والخوف معا تلك الرؤيا الواعدة التي رآها يوسف، وهو يرى فيها بشائر مستقبل مرموق، بينما هو يتوجس خيفة من الشيطان وفعله في نفوس بنيه. فتتجلى شخصيته بواقعيتها الكاملة في كل جوانبها.
... ثم نجد هذه الشخصية كذلك بكل واقعيتها البشرية النبوية، وبنوه يراودونه عن يوسف ثم وهم يفاجئونه بالفجيعة.
.... ثم نلتقي بهذه الشخصية- بكل واقعيتها تلك- وبنوه يراودونه مرة أخرى على السلوة الباقية له.. أخي يوسف.. وقد طلبه منهم عزيز مصر- يوسف- الذي لا يعرفونه في مقابل أن يعطيهم كيلا يقتاتون به في السنوات العجاف.
.... ثم نلتقي به في فجيعته الثانية، والدا ملهوفا ونبيا موصولا.. ذلك بعد أن دبر الله
ليوسف كيف يأخذ أخاه. فيختلف أحد أبناء يعقوب- صاحب الشخصية الخاصة فيهم- متوافيا مع سماته التي صاحبت مواقفه كلها في القصة. مشفقا أن يقابل أباه بعد الموثق الذي آتاه إياه، إلا أن يأذن له أبوه أو يحكم له الله.
وفي آخر مواقف المحنة الطويلة للشيخ المبتلى نجد ذات الملامح وذات الواقعية وهو يشم ريح يوسف في قميصه، ويواجه غيظ بنيه وتبكيتهم فلا يشك في صدق ظنه بربه
.........................
إنها الشخصية الموحدة الخصائص والملامح، الواقعية المشاعر والتصرفات، الممثلة لكل واقعية ذاتها وظروفها وبيئتها بلا تزوير ولا نقص ولا تحريف.
.......................
والواقعية الصادقة الأمينة النظيفة السليمة في الوقت نفسه، لا تقف عند واقعية الشخصيات الإنسانية التي تحفل بها القصة في هذا المجال الواسع، فى هذا المستوى الرائع. ولكنها تتجلى كذلك في واقعية الأحداث والسرد والعرض وصدقها وطبيعتها في مكانها وزمانها، وفي بيئتها وملابساتها. فكل حركة وكل خالجة وكل كلمة تجئ في أوانها؛ وتجئ في الصورة المتوقعة لها. وتجئ في مكانها من مسرح العرض. متراوحة بين منطقة الظل ومنطقة الضوء بحسب أهميتها ودورها وطبيعة جريان الحياة بها.. الأمر الملحوظ في الشخصيات أيضا كما قررنا من قبل هذا..
حتى لحظات الجنس في القصة ومواقفه أخذت مساحتها كاملة- في حدود المنهج النظيف اللائق «بالإنسان» - في غير تزوير ولا نقص ولا تحريف للواقعية البشرية في شمولها وصدقها وتكاملها- ولكن استيفاء تلك اللحظات لمساحتها المتناسقة مع بقية الأحداث والمواقف- لم يكن معناه الوقوف أمامها كما لو كانت هي كل واقعية الكائن البشري؛ وكما لو كانت هي محور حياته كلها، وهي كل أهداف حياته التي تستغرقها.
كما تحاول الجاهلية أن تفهمنا أن هذا وحده هو الفن الصادق.
إن الجاهلية إنما تمسح الكائن البشري باسم الصدق الفني. وهي تقف أمام لحظة الجنس كما لو كانت هي كل وجهة الحياة البشرية بجملتها، فتنشئ منها مستنقعا واسعا عميقا، مزينا في الوقت ذاته بالأزهار الشيطانية.
وهي لا تفعل هذا لأن هذا هو الواقع، ولا لأنها هي مخلصة في تصوير هذا.
الواقع. إنما تفعله لأن «بروتوكولات صهيون» تريد هذا تريد تجريد «الإنسان» إلا
من حيوانيته حتى لا يوصم اليهود وحدهم بأنهم هم الذين يتجردون من كل القيم غير المادية، وتريد أن تغرق البشرية كلها في وحل المستنقع كي تنحصر فيه كل
اهتماماتها، وتستغرق فيه كل طاقاتها؛ فهذه أضمن سبيل لتدمير البشرية حتى تجثو على ركبتيها خاضعة لملك صهيون المرتقب الملعون. ثم تتخذ من الفن وسيلة إلى هذا الشر كله، إلى جانب ما تتخذه من نشر المذاهب «العلمية» المؤدية إلى ذات الهدف. تارة باسم «الداروينية» وتارة باسم «الفرويدية» وتارة باسم «الماركسية» أو «الاشتراكية العلمية» وكلها سواء في تحقيق المخططات الصهيونية الرهيبة.
والقصة بعد ذلك تتجاوز الشخصيات والأحداث لترسم ظلال الفترة التاريخية التي تجري فيها أحداث القصة، وتتحرك فيها شخصياتها الكثيرة، وتسجل سماتها العامة، فترسم مسرح الأحداث بأبعاده العالمية في تلك الفترة التاريخية. ونكتفي ببعض اللمحات والسهام التي ترسم تلك الأبعاد:
إن مصر في هذه الفترة لم يكن يحكمها الفراعنة من الأسر المصرية؛ إنما كان يحكمها «الرعاة» الذين عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قريبا منهم، فعرفوا شيئا عن دين الله منهم: نأخذ هذا من ذكر القرآن للملك بلقب «الملك» في حين يسمى الملك الذي جاء على عهد موسى- عليه السلام- من بعده بلقبه المعروف «فرعون» ومن هذا يتحدد زمن وجود يوسف- عليه السلام- في مصر. فهو كان ما بين عهد الأسرة الثالثة عشرة والأسرة السابعة عشرة، وهي أسر «الرعاة» الذين سماهم المصريون «الهكسوس» كراهية لهم، إذ يقال: إن معنى الكلمة في اللغة المصرية القديمة: «الخنازير» أو «رعاة الخنازير» وهي فترة تستغرق نحو قرن ونصف قرن.
إن رسالة يوسف عليه السلام كانت في هذه الفترة. وهو كان قد بدأ الدعوة إلى الإسلام.. ديانة التوحيد الخالص.. وهو في السجن وقرر أنها دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقررها في صورة واضحة كاملة دقيقة شاملة) اهـ.
كلمة في السياق
عند ما تقرأ قصة يوسف- عليه السلام في القرآن، وتقرؤها في التوراة الحالية المحرفة، تجد نفسك أمام كلام في القرآن هو القمة في البلاغة والعذوبة، وتجد كلاما تدلك معانيه على أنه كلام الله من خلال ما يعطيك من عبر ومن عظات ومن دروس
ترفع النفس البشرية إلى درجات رفيعة، بينما لا تحس هذا الإحساس أثناء قراءتك للتوراة الحالية المحرفة بسبب ما طرأ على هذه التوراة من تحريف، ولأن الله جعل للقرآن الهيمنة على كل كتاب سابق، فإذا وجد الإنسان مثل هذا الكمال في العرض، ومثل هذه الدقة في تفصيل حق ضاعت تفصيلاته حتى عند أهله، ندرك كيف أنه بهذه السورة تقوم الحجة على الخلق في أن هذا القرآن من عند الله، وهذا يؤكد ما لاحظناه أن محور سورة يوسف هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ... وقد لاحظنا كيف أن السورة بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ..... فقصة يوسف في هذه السورة دليل على أن هذا القرآن منزل من عند الله على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه السورة- لمن تأملها- تقطع دابر كل ريب في أي قلب راغب بالحق، حريص عليه، ويتكامل هذا المعنى في أذهاننا بعد استعراضنا لخاتمة السورة.
***
خاتمة السورة
وتمتد من الآية (102) إلى نهاية الآية (111) وهذه هي:
[سورة يوسف (12)، الآيات 102 الى 111]