وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمࣱ 22
[سورة ابراهيم (14): الآيات 22 الى 23]
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي لما حكم بالجنة والنار لأهليهما، ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وهو البعث والجزاء على الأعمال على ألسنة رسله الذين جعل في اتباعهم النجاة والسلامة، وعدا حقا وفى الله به وَوَعَدْتُكُمْ أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء فَأَخْلَفْتُكُمْ أي كذبتكم وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي من تسلط واقتدار ولا دليل ولا حجة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي فأسرعتم إلى جانبي أي بمجرد الدعوة، هذا
وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فَلا تَلُومُونِي لأنني عدوكم فكيف ألام إذا دعوتكم إلى أمر قبيح وقد حذركم الله مني؟ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان، فإن الذنب ذنبكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي بمغيثي أي: فلا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه، ما أن بنافعكم ومنقذكم مما أنتم فيه، وما أنتم بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه، واستنكاره له، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة غير الله إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هل هذا من تتمة كلام إبليس يحكيه الله لنا، أو هو كلام مستأنف؟ قولان للمفسرين.
ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، عطف بمآل السعداء فقال: وَأُدْخِلَ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا خالِدِينَ فِيها أي ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الإدخال من الملائكة، والإذن من الله تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ المراد به إما تسليم بعضهم على بعض في الجنة، أو تسليم الملائكة عليهم.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قال صاحب الظلال:
(والضعفاء هم الضعفاء هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به. والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية- التي هي ميزته. ومناط تكريمه- أو ينزل كارها. والقوة المادية- كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية فقصارى
ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد تؤذيه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال:
من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة وفي التفكير وفي السلوك؟ من ذا الذي يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مكانا.. كلا إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء، إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص
خصائص الإنسان.
إن المستضعفين كثرة. والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة، وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان!
إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان!
إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء.. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة.)
كلمة في السياق:
بدأت السورة بتبيان الحكمة من إنزال الكتاب وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم جاء كلام عن موسى عليه السلام، وتكليفه بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وتذكيرهم بأيام الله، وما قاله لهم، وبذلك عرفنا أن مهمة الرسل الإخراج من الظلمات إلى النور، والتذكير بأيام الله، ثم يتوجه الخطاب إلى هذه الأمة بتذكيرها بأيام الله، وفعل الله للرسل، وفعله بالمكذبين بالرسل في الدنيا والآخرة.
وفي المجموعة الثالثة رأينا خطاب الرسل لأقوامهم في عملية الإخراج من الظلمات إلى النور، وموقف أقوامهم منهم، كما رأينا في المجموعة الرابعة عملية الإخراج من النور إلى الظلمات التي يقوم بها الشيطان، كما عرضها هو وقبيله في النار. وقد عرفنا من السياق أن الشك في الله من الظلمات، وأن الإيمان من النور، وأن التوكل على الله من النور،
وأن الصبر من النور، وأن إيذاء الرسل من الظلمات، وأن معرفة أن الله خلق السموات والأرض بالحق طريق إلى النور، وأن معرفة أن الله قادر على استبدال الخلق بخلق آخر طريق إلى النور، وأن طريق الشيطان إلى الظلمات مجرد الوسوسة المزخرفة الكاذبة، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق إلى النور والجنة.
فوائد:
1 - ذكر الشيخ أحمد الزروق في كتابه (قواعد التصوف) أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
وكنت أتسأل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم فلاحظت أن مجئ هاتين الآيتين آت في سياق دعوة الرسل وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك ودواء من الوسوسة، ثم هما آتيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان
2 - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن أهل النار سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ينقل ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عزّ وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة بالصبر تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا الآية.
3 - هل الخطبة التي ألقاها إبليس تكون قبل دخول الكافرين النار أو بعد ذلك؟
يرجح ابن كثير وغيره أنها بعد دخول النار، مستشهدا بكثير من الآيات، وبقوله تعالى في الآيات وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي بدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، إلا أنه لرفع العهدة فيما يبدو يذكر اتجاها آخر وهو أن هذه الخطبة كانت بعد فصل القضاء وقبل دخول النار قال:
(ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء قال المؤمنون قد
قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى أظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون:
قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).
4 - يلاحظ النسفي ملاحظة وهي أن الله عزّ وجل إذا خاطب الكفار واعدا إياهم بالتوبة من ذنوبهم إذا آمنوا يذكر كلمة (من) قبل الذنب، كما ورد في هذه السورة لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة نوح وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة الأحقاف يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بينما لا تذكر كلمة (من) في نفس المقام في خطاب المؤمنين، فمثلا في سورة الصف بعد قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.... يأتي قوله تعالى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ قال: وغير ذلك مما يعلم بالاستقراء، وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد)
مر معنا حتى الآن من هذه السورة أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: مقدمة السورة.
والمجموعة الثانية: الكلام عن موسى عليه السلام.
والمجموعة الثالثة: المبدوءة ب أَلَمْ يَأْتِكُمْ.... المنتهية بقوله تعالى ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
والمجموعة الرابعة: المبدوءة بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.... وكل من المجموعة الثالثة والرابعة مبدوءة بخطاب أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَلَمْ تَرَ والآن يأتي خطاب ثالث مبدوء ب أَلَمْ تَرَ.... وفيه ذكر لطريق من طرق الخروج من الظلمات إلى النور تضمنه المجموعة الخامسة.
***
المجموعة الخامسة
وتمتد من الآية (24) إلى نهاية الآية (27) وهذه هي:
[سورة إبراهيم (14)، الآيات 24 الى 27]
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي لما حكم بالجنة والنار لأهليهما، ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وهو البعث والجزاء على الأعمال على ألسنة رسله الذين جعل في اتباعهم النجاة والسلامة، وعدا حقا وفى الله به وَوَعَدْتُكُمْ أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء فَأَخْلَفْتُكُمْ أي كذبتكم وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي من تسلط واقتدار ولا دليل ولا حجة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي فأسرعتم إلى جانبي أي بمجرد الدعوة، هذا
وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فَلا تَلُومُونِي لأنني عدوكم فكيف ألام إذا دعوتكم إلى أمر قبيح وقد حذركم الله مني؟ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان، فإن الذنب ذنبكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أي بمغيثي أي: فلا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه، ما أن بنافعكم ومنقذكم مما أنتم فيه، وما أنتم بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه، واستنكاره له، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة غير الله إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هل هذا من تتمة كلام إبليس يحكيه الله لنا، أو هو كلام مستأنف؟ قولان للمفسرين.
ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، عطف بمآل السعداء فقال: وَأُدْخِلَ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا خالِدِينَ فِيها أي ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الإدخال من الملائكة، والإذن من الله تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ المراد به إما تسليم بعضهم على بعض في الجنة، أو تسليم الملائكة عليهم.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قال صاحب الظلال:
(والضعفاء هم الضعفاء هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به. والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية- التي هي ميزته. ومناط تكريمه- أو ينزل كارها. والقوة المادية- كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية فقصارى
ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد تؤذيه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال:
من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة وفي التفكير وفي السلوك؟ من ذا الذي يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مكانا.. كلا إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء، إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص
خصائص الإنسان.
إن المستضعفين كثرة. والطواغيت قلة. فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة، وماذا الذي يخضعها؟ إنما يخضعها ضعف الروح، وسقوط الهمة وقلة النخوة، والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان!
إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان!
إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء.. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة.)
كلمة في السياق:
بدأت السورة بتبيان الحكمة من إنزال الكتاب وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم جاء كلام عن موسى عليه السلام، وتكليفه بإخراج قومه من الظلمات إلى النور، وتذكيرهم بأيام الله، وما قاله لهم، وبذلك عرفنا أن مهمة الرسل الإخراج من الظلمات إلى النور، والتذكير بأيام الله، ثم يتوجه الخطاب إلى هذه الأمة بتذكيرها بأيام الله، وفعل الله للرسل، وفعله بالمكذبين بالرسل في الدنيا والآخرة.
وفي المجموعة الثالثة رأينا خطاب الرسل لأقوامهم في عملية الإخراج من الظلمات إلى النور، وموقف أقوامهم منهم، كما رأينا في المجموعة الرابعة عملية الإخراج من النور إلى الظلمات التي يقوم بها الشيطان، كما عرضها هو وقبيله في النار. وقد عرفنا من السياق أن الشك في الله من الظلمات، وأن الإيمان من النور، وأن التوكل على الله من النور،
وأن الصبر من النور، وأن إيذاء الرسل من الظلمات، وأن معرفة أن الله خلق السموات والأرض بالحق طريق إلى النور، وأن معرفة أن الله قادر على استبدال الخلق بخلق آخر طريق إلى النور، وأن طريق الشيطان إلى الظلمات مجرد الوسوسة المزخرفة الكاذبة، وأن الإيمان والعمل الصالح طريق إلى النور والجنة.
فوائد:
1 - ذكر الشيخ أحمد الزروق في كتابه (قواعد التصوف) أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
وكنت أتسأل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم فلاحظت أن مجئ هاتين الآيتين آت في سياق دعوة الرسل وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك ودواء من الوسوسة، ثم هما آتيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان
2 - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن أهل النار سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ينقل ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عزّ وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة بالصبر تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا الآية.
3 - هل الخطبة التي ألقاها إبليس تكون قبل دخول الكافرين النار أو بعد ذلك؟
يرجح ابن كثير وغيره أنها بعد دخول النار، مستشهدا بكثير من الآيات، وبقوله تعالى في الآيات وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي بدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، إلا أنه لرفع العهدة فيما يبدو يذكر اتجاها آخر وهو أن هذه الخطبة كانت بعد فصل القضاء وقبل دخول النار قال:
(ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد: حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم، ففرغ من القضاء قال المؤمنون قد
قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى أظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون:
قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).
4 - يلاحظ النسفي ملاحظة وهي أن الله عزّ وجل إذا خاطب الكفار واعدا إياهم بالتوبة من ذنوبهم إذا آمنوا يذكر كلمة (من) قبل الذنب، كما ورد في هذه السورة لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة نوح وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وكما ورد في سورة الأحقاف يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بينما لا تذكر كلمة (من) في نفس المقام في خطاب المؤمنين، فمثلا في سورة الصف بعد قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.... يأتي قوله تعالى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ قال: وغير ذلك مما يعلم بالاستقراء، وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد)
مر معنا حتى الآن من هذه السورة أربع مجموعات:
المجموعة الأولى: مقدمة السورة.
والمجموعة الثانية: الكلام عن موسى عليه السلام.
والمجموعة الثالثة: المبدوءة ب أَلَمْ يَأْتِكُمْ.... المنتهية بقوله تعالى ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
والمجموعة الرابعة: المبدوءة بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.... وكل من المجموعة الثالثة والرابعة مبدوءة بخطاب أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَلَمْ تَرَ والآن يأتي خطاب ثالث مبدوء ب أَلَمْ تَرَ.... وفيه ذكر لطريق من طرق الخروج من الظلمات إلى النور تضمنه المجموعة الخامسة.
***
المجموعة الخامسة
وتمتد من الآية (24) إلى نهاية الآية (27) وهذه هي:
[سورة إبراهيم (14)، الآيات 24 الى 27]