مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ 43 وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ 44 وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ 45 وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ 46 فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ 47 يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ 48 وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ 49 سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ 50 لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 51 هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 52

تفسير سورة ابراهيم - الآية 52

هَٰذَا بَلَٰغࣱ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 52

[سورة ابراهيم (14): آية 52]
بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (52)
التفسير:
هذا أي الذي ورد في السورة بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي كفاية في التذكير والموعظة، وبه تقوم الحجة الكاملة عليهم وَلِيُنْذَرُوا بِهِ أي بهذا البلاغ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بمجموع ما جاء في السورة وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أي ذوو العقول فيخرجون بهذا البلاغ من الظلمات إلى النور.
وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال:
(إن الشرك بالله- المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله- يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شئون الحياة خالصة لله وحده، ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله. حتى تتحقق صورة الشرك حقيقة وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة، والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته. إن العبد الذي لا يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله، ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والعادات والتقاليد والأزياء- مخالفة لشرع الله وأمره- إن هذا العبد يزاول الشرك (الخفي أو الجلي) فى أخص حقيقته ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها هذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخيص وتميع، وهم لا يحسبونه
الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان.
والأصنام.. ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصورة الأولية الساذجة..
فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتحفى وراءها لتبعيد الناس باسمها- وضمان دينونتهم له من خلالها
إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر.. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى.. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها
فاذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال... فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها!
إذا رفعت «القومية» شعارا أو رفع «الوطن» شعارا أو رفع «الشعب» شعارا أو رفعت «الطبقية» شعارا.. ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض. بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه ونفذت إرادة تلك الشعارات- أو بالتعبير الصحيح الدقيق:
إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله.. فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة. ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا
إن الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة من موكب الرسل الموصول ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب.
إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن، وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة.. ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة، وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا؟ ودينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام!
والذين يظنون أنفسهم في «دين الله» لأنهم يقولون بأفواههم «نشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمدا رسول الله» ويدينون لله فعلا في شئون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث.. بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن لغير الله- ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم- أرادوا أم لم يريدوا- ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة. فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام...
الذين يظنون أنفسهم «مسلمين» وفي «دين الله» وهذا حالهم.. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه الشرك العظيم!!!
إن دين الله ليس بهذا الهزال، إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها، والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها- فضلا على أصولها وكلياتها- هي دين الله- وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
وإن الشرك بالله لا يتمثل- فحسب- في الاعتقاد بألوهية غير الله ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه.
وإن عبادة الأصنام لا تتمثل في إقامة أحجار وأخشاب بقدر ما تتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات.
ولينظر الناس في كل بلد لمن المقام الأعلى في حياتهم؟ ولمن الدينونة الكاملة؟ ولمن الطاعة والاتباع الامتثال؟ فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله، وإن كان لغير الله- معه أو من دونه- فهم في دين الطواغيت والأصنام.. والعياذ بالله.. !
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.. )
فائدة:
لخصت هذه الآية مقاصد السورة بأنها البلاغ، والإنذار، والعلم بوحدانية الله، والتذكير، فهي بلاغ للناس بأن هذا القرآن وحده هو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهي إنذار بما تهدد الله به الكافرين في القرآن، وعلى لسان موسى عليه السلام، وبما فعل الله بالمكذبين، وبما حدثنا الله عنه من شأن الكافرين، وهي إنذار لمن يبدل نعمة الله كفرا، وهي إنذار للظالمين بما أعد لهم.
وهي كذلك لتعليم الناس الوحدانية، فالله عزّ وجل واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، فهي تعلم الناس الوحدانية من خلال ظاهرة الخلق، ومن خلال آثار الوحدانية في الحياة البشرية، ومن خلال بعثة الرسل ونصرتهم، ومن خلال دعوتهم وحالهم.
وهي تذكر أولي الألباب في الطريق إلى النور من خلال الخطاب المباشر أَلَمْ يَأْتِكُمْ* أَلَمْ تَرَ* أَلَمْ تَرَ* أَلَمْ تَرَ* وَلا تَحْسَبَنَّ* فَلا تَحْسَبَنَّ ومن خلال انفعالهم بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن خلال القدوة بالرسل، وبمجموع مقاصد السورة نعرف كيف تتم عملية الخروج من الظلمات إلى النور بالبلاغ والإنذار، والتركيز على التوحيد والتذكير.
كلمة في سورة إبراهيم:
رأينا أن محور سورة إبراهيم هو قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وسورة إبراهيم تحدد بم يكون الإخراج، فالإخراج بالقرآن، وسبب الخروج محمد صلى الله عليه وسلم، والسورة توجه، وتبين آلية الخروج وبم تتم:
فالمخرج تقول:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ....
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً....
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً..
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا...
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا....
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ....
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...
فهذه مجموعة أمور توجه عملية الإخراج من الظلمات إلى النور ولتتم به.
إن سورة إبراهيم عليه السلام تفصل في محورها، ومع ذلك فإن لها سياقها الخاص:
تبدأ بذكر الحكمة من إنزال القرآن، وتثني بأن ذلك كان هو الهدف من بعثة موسى عليه السلام، ثم تخاطب المكلفين ألا يرفضوا، ثم تلفت النظر إلى قدرة الله لتصل إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة، ثم تذكر بكلمة التوحيد، ثم تأمر بالصلاة والزكاة، ثم تذكر بحقوق الحرم، فهي بذلك تذكر بأن الطريق إلى النور هو: كلمة التوحيد، والصلاة، والإنفاق، والحج، وإذ كان الكثيرون من الناس سيرفضون دعوة الله فإن المجموعتين الأخيرتين في السورة تذكران رسول الله ﷺ بأن الله يمهل ولا يهمل، وأن وعده آت لا محالة، ثم تأتي خاتمة السورة مذكرة بأغراض السورة
وهكذا شأن كل سورة من سور القرآن، لها سياقها الخاص، ولها محورها الذي تفصل فيه، وكل سورة لها محلها في السياق القرآني العام
كلمة في المجموعة الأولى من قسم المئين:
إن التكامل واضح في سور المجموعة الأولى من قسم المئين، كما أن التكامل واضح بين هذه المجموعة وبين المجموعتين الأخيرتين من قسم المئين كما سنرى:
جاءت سورة يونس في هذه المجموعة فنفت الريب عن القرآن، وأكدت أنه هدى، ثم جاءت سورة هود فدلت على الطريق إلى الله، وعلى الطريق للاهتداء بكتابه والطريق هو العبادة لله وحده، ثم جاءت سورة يوسف فعمقت الإيمان بالقرآن وعمقت ضرورة الاهتداء به، ثم جاءت سورة الرعد فبينت أن للاهتداء وللضلال سننا، فمن تجنب سنن الضلال وتبع طرق الهداية فإنه يهتدي، وحتى لا يظن ظان أن الهداية تكون بلا هاد، وحتى يتعمق معنى السير في طريق الهداية، فقد جاءت سورة إبراهيم لتفصل في ذلك كله.
وهكذا نجد أن المجموعة الأولى من قسم المئين تشكل وحدة متكاملة فيما بينها، وتظهر لك هذه الوحدة على كمالها لو أنك وضعت محاور سور المجموعة من سور البقرة بجانب بعضها.
ونحن سنضع هذه المحاور بجانب بعضها لتتأمل الصلة بين الآيات، ثم لتدرك ما ذكرناه من تكامل، ثم لنتذكر ما قلناه من قبل إن محاور القسم- أو المجموعة في القسم- من سورة البقرة تشكل مع بعضها وحدة موضوعية.
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
هذه هي محاور سور المجموعة الأولى من قسم المئين، ولو أنك تأملتها لوجدت معاني يكمل بعضها بعضا، فكذلك سور المجموعة، إذ ترسم طريق الهداية من بدايته إلى نهايته، وهي بهذا تضع الأساس الذي ستبني عليه المجموعة الثانية من قسم المئين كما سنرى.
.............
في هذه المجموعة من قسم المئين يصل النور إلى القلب، ويزداد اليقين وتتضمن صفات الخير، ويتخلص الإنسان من صفات الشر، وبذلك يصبح عنده استعداد للتلقي
في أمور أخرى، وذلك هو موضوع المجموعة الثانية من قسم المئين.
ستأتي المجموعة الثانية في قسم المئين لتعالج موضوع الاهتداء ببعض الكتاب وإهمال بعض، ولتعالج موضوع الاستسلام المطلق لله بالاستسلام له في كل ما شرع، ولتعالج احتمالات الانحراف في هذه الأمة، ولتعالج موضوع التسليم لله في رزقه لعباده، الرزق الحسي والرزق المعنوي، ولتعالج موضوع الاختلاف في الكتاب، وكلها مواضيع مهمة في حياة الإنسان، وحياة الأمم، وإنما تأتي المجموعة الثانية لتعالج هذه المواضيع بعد أن وضعت المجموعة الأولى من قسم المئين الأساس النظري والعملي للتلقي الكامل في هذه الشئون، والأمر أوسع من ذلك بكثير ولكنا نحرص ألا يتشعب بنا البحث فيفوتنا توضيح المسرى العام للتكامل القرآني
***
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله واصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
كلمة في المجموعة الثانية من قسم المئين:
رأينا أن المجموعة الأولى من قسم المئين عمّقت اليقين ودلّت على النور وأخرجت من الظلمات، ثمّ تأتي المجموعة الثانية من قسم المئين وأولها سورة الحجر التي تفصّل في مقدمة سورة البقرة من جديد تفصيلا غير الذي فصّلته سورة يونس، ثمّ تأتي بعد ذلك سورة النحل والإسراء والكهف ومريم فتفصّل في الآيات (210، 211، 212، 213) من سورة البقرة.
سورة النحل تفصّل في الآية (210) وهي هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ولذلك فإن أول آية في سورة النحل هي: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ...
وسورة الإسراء تفصّل في الآية (211) وهي سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ولذلك تجد في سورة الإسراء قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ....
وسورة الكهف تفصّل في الآية (212) وهي زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ولذلك تجد في سورة الكهف إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وسورة مريم تفصّل في الآية (213) وهي كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ولذلك تجد في سورة مريم وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
والتدليل على ما ذكرناه هنا سيأتي بتوسع فيما بعد إن شاء الله.
إن الآيات (210، 211، 212، 213) من سورة البقرة آتية بعد قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وإذن فهي آتية في حيّز الدعوة إلى الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، ولذلك فإن السور الأربع التي جاءت تفصّل الآيات الأربع قد عمّقت معنى الدخول في الإسلام كله وترك اتباع- خطوات الشيطان- كما سنرى- وبما أن سورة الحجر كانت مقدمة لهذه السور الأربع فإنها ذكرت مثل هذا المعنى فقالت كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ* الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي أقساما، قبلوا قسما وردوا قسما، فسورة الحجر والسور الأربعة بعدها تشكل كلا متكاملا ضمن قسمها وهذا سيتضح معنا بشكل أكمل عند ما نستعرض سور المجموعة كلها.
***
بداية سورة ابراهيم فهرس السور