وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرࣱ لِّلصَّٰبِرِينَ 126
[سورة النحل (16): آية 126]
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي إن صنع بكم صنيع سوء: من قتل، أو نحوه، فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فالمماثلة في استيفاء الحق عدل، والصبر إحسان،
ثم قال لرسوله صلّى الله عليه وسلّم الذي مقامه دائما الإحسان وَاصْبِرْ هذا عزم من الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالصبر ليدلل أن مقام الصبر هو الأرقى وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بتوفيقه وتثبيته، هذا إخبار منه تعالى بأن الصبر لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته وقوّته وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكفار إن لم يؤمنوا، أو على من خالفك؛ فإن الله قدّر ذلك، أو على المؤمنين وما فعل بهم، فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي في غمّ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي من مكرهم.
والمعنى: ولا يضيقن صدرك من مكرهم، فإنه لا ينفذ عليك مهما أجهدوا أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك ومظهرك، ومظفرك بهم. وهذا كله مفهوم من الآية الأخيرة
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ أي معهم بتأييده ونصره، ومعونته وهديه، وهذه معيّة خاصة، والذين اتقوا: هم الذين يجتنبون المحرمات. والمحسنون: هم الذين يفعلون الطاعات، فهؤلاء الله وليّهم، فهو ولي من اجتنب السيئات، وفعل الطاعات، وقد قالوا: من اتقى في أفعاله، وأحسن في أعماله، كان الله معه في أحواله. ومعيته: نصرته في المأمور، وعصمته من المحظور.
وواضح أن الآيات الأخيرة قد وضعت دستورا للدعوة والدعاة، وقد تحدث صاحب الظلال في أجواء هذا الدستور فقال:
(إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه. فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة. ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدال بالتي هي أحسن. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له ولا تقبيح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما يختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها.
والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر.
ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للّجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله.
هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل
بالحجة. فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق، ودفعا لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.
فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في أنفس الناس. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله، والعزة لله جميعا. ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!.
ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان، في الحالات التي قد يكون العفو فيها الصبر أعمق أثرا، وأكثر فائدة للدعوة. فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها، فالقاعدة الأولى هي الأولى.
ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.
فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره.
ويوصي القرآن الرسول صلّى الله عليه وسلّم- وهي وصية لكل داعية من بعده- ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال. وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه).
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الخامسة بمقدمة القسم الثاني وبالمحور]
صلة هذه المجموعة بمقدمة هذا القسم واضحة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وما أمر الله به في هذه المجموعة من اتباع إبراهيم عليه السلام، ومن طرق الدعوة إلى الله، والمماثلة بالعقوبة أو الصبر، والحض على الصبر، كلها من نوع الأمر بالعدل والإحسان.
وصلة هذه المجموعة بمحور السورة من البقرة واضحة ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإبراهيم عليه السلام هو قدوة الداخلين في الإسلام كله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، ونحن مأمورون باتباعه، وليس السبت جزءا من الإسلام.
والدعوة إلى الإسلام لها طريقها الخاص بها، ومقابلة الاعتداء بمثله جائزة، والصبر أجود، ومع الصبر لا ينبغي أن يكون حزن أو ضيق من مواقف الآخرين وعليهم، هذه كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بموضوع الدخول في الإسلام كله، إن في وعد الله بتأييد المتقين المحسنين ونصرتهم، أو بالبشارة بمعيته لمن يدخل في دينه الذي هو عدل وإحسان وإيتاء ذي القربى، والذي هو ترك للفحشاء والمنكر والبغي.
وهكذا نلاحظ من خلال المجموعات الخمس التي مرت معنا، وارتباطها بمقدمة القسم الثاني، ونهاية القسم الأول، وصلة القسم الثاني كله بمحور السورة من سورة البقرة، نلاحظ من خلال هذا كله كيف أن الإنسان إذا لم يدرك السياق الخاص للسورة، وارتباط السورة بمحورها، لا يستطيع أن يعرف محلّ الآية، أو المجموعة في الوحدة العامة للسورة، وضمن الوحدة القرآنية العامة. وإن حرصنا على إبراز هذا المعنى جعلنا نؤخّر الكلام عن بعض فوائد ما مرّ معنا حتى لا ينقطع الكلام عن السياق، وقد آن الأوان لنتكلم عن فوائد حول القسم الذي مرّ معنا:
الفوائد:
1 - [حديث بمناسبة الآية وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى يروي ابن كثير الحديث «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي، وقطيعة الرحم».
2 - [أجمع آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.. ]
الكلام عن آية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ... كثير، إذ هي أجمع
آية في القرآن، ولهذا يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر خطبته لتكون عظة جامعة، وقد نقل ابن كثير في هذا المقام أحاديث وآثارا ننقلها مع حذف الأسانيد:
روى الشعبي عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. وقال سعيد عن قتادة قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية ليس من خلق حسن- كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه- إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ، كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، إنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها (قلت) القائل ابن كثير ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها» وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة)... عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه! قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما من أنا، فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله». قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. قالوا: ردّد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألناه عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر- أي شريفا- وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذنابا. وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد... عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر (1) إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا تجلس؟» فقال:
بلى. قال: فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستقبله، فبينما يحدثه إذ شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى
في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الاولى. فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة: فقال: «وما رأيتني فعلت؟» قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال: قال: «وفطنت لذلك؟» فقال عثمان: نعم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني رسول الله (يعني جبريل) آنفا وأنت جالس». قال: رسول الله؟؟ قال: «نعم» قال: فما قال لك؟ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية. قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلّى الله عليه وسلّم. وروى الإمام أحمد... عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسا إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية».
أقول: والرواية الأخيرة تدل على أن ترتيب القرآن توقيفي، فالله عزّ وجل هو الذي أمر بترتيبه على ما هو عليه.
3 - [حديث بمناسبة الآية وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها نذكر ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
«من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة». أي مثل المورط جاره إلى موقف ليس له فيه حماية.
4 - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً قال ابن كثير: قال عبد الله بن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.
5 - [أقوال في تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا]
تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا في الحياة الدنيا، فيه أكثر من قول. قال ابن كثير: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: إنها هي السعادة، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة، وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة
في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به. وروى الترمذي والنسائي... عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به». وروى الإمام أحمد... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعمه بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» انفرد بإخراجه مسلم. وقال النسفي: المؤمن مع العمل الصالح- موسرا كان أو معسرا- يعيش عيشا طيبا، إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه- وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى- وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يهنأ بعيشه. وقيل الحياة الطيبة القناعة، أو حلاوة الطاعة، أو المعرفة بالله، وصدق المقام مع الله وصدق الوقوف على أمر الله، والإعراض عما سوى الله»
6 - [كلام ابن كثير حول معنى الاستعاذة في الآية فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ]
بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ... قال ابن كثير: والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر. ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا، ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة والله أعلم.
7 - [سبب نزول الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.. ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ قال ابن إسحاق في السيرة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما بلغني- كثيرا ما كان يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي فأنزل الله وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وروى ابن جرير... عن ابن عباس
قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلم فينا بمكة، وكان اسمه (بلعام) وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا:
إنما يعلّمه بلعام فأنزل الله هذه الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان صلّى الله عليه وسلّم يمرّ بهما، فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب:
الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فارتد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة قبّحه الله.
8 - [روايات حول قضية الإكراه على الكفر بمناسبة الآية.. إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ... ]
عند قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ قال ابن كثير: «وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأنزلت هذه الآية. وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك.وروى ابن جرير... عن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن عادوا فعد».
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله: ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان فقال: «إن عادوا فعد» وفي ذلك أنزل الله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي؛ إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد.
ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه
إربا وهو ثابت على ذلك. وروى الإمام أحمد.. عن أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق ناسا ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس. فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار. إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس. رواه البخاري.
وروى الإمام أحمد أيضا... عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهوّد، ونحن نريده على الإسلام منذ- قال: أحسبه- شهرين فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال:
«من بدّل دينه فاقتلوه» وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر. والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله. كما ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله ابن حذافة السهمي- أحد الصحابة-: أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصّر وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلّى الله عليه وسلّم طرفة عين ما فعلت، فقال: إذا أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموا قريبا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر- وفي رواية- ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، وطمع فيه ودعاه، فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال:
ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك فيّ، فقال له الملك:
فقبّل رأسي وأنا أطلقك فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه رضي الله عنهما.».
9 - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً ذكر ابن كثير ما قاله ابن
مسعود. إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا- قال الراوي-: فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً فقال: تدري ما الأمة؟ وما القانت؟ قلت: الله أعلم. فقال: الأمة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ. معلم الخير، وكان مطيعا لله ورسوله، فهذا تفسير ابن مسعود للأمة.
10 - [روايات بمناسبة الآية إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ...
ننقل حديثين:
1 - ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنصارى بعد غد». لفظ البخاري.
2 - روى الإمام مسلم عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق».
11 - [حول القصاص بالمثل في الآية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ]
عند قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ قال ابن كثير:
«يأمر تعالى بالعدل في القصاص، والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ
بِهِ
إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا منه مثله. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذو منعة فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حيث قتل حمزة رضي الله عنه ومثّل به. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم». فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل فقد روى الحافظ أبو بكر البزار... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه- أو قال لقلبه- فنظر إليه وقد مثل به فقال:
«رحمة الله عليك إن كنت- ما علمتك- إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك» فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلّى الله عليه وسلّم بهذه السورة وقرأ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر الآية، فكفّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- يعني عن يمينه- وأمسك عن ذلك. وإسناد هذا الحديث فيه ضعف لأن فيه صالحا هو ابن بشير المري- ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم، فأنزل الله فيهم ذلك. وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه... عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين (1). فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا- ناسا سماهم- فأنزل الله تبارك وتعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نصبر ولا نعاقب». وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ثم قال: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الآية (الشورى: 40). وقال: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ثم قال: فَمَنْ
تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (المائدة: 45) وقال في هذه الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ثم قال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وقوله تعالى
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي إن صنع بكم صنيع سوء: من قتل، أو نحوه، فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فالمماثلة في استيفاء الحق عدل، والصبر إحسان،
ثم قال لرسوله صلّى الله عليه وسلّم الذي مقامه دائما الإحسان وَاصْبِرْ هذا عزم من الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالصبر ليدلل أن مقام الصبر هو الأرقى وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بتوفيقه وتثبيته، هذا إخبار منه تعالى بأن الصبر لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته وقوّته وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكفار إن لم يؤمنوا، أو على من خالفك؛ فإن الله قدّر ذلك، أو على المؤمنين وما فعل بهم، فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي في غمّ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي من مكرهم.
والمعنى: ولا يضيقن صدرك من مكرهم، فإنه لا ينفذ عليك مهما أجهدوا أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك ومظهرك، ومظفرك بهم. وهذا كله مفهوم من الآية الأخيرة
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ أي معهم بتأييده ونصره، ومعونته وهديه، وهذه معيّة خاصة، والذين اتقوا: هم الذين يجتنبون المحرمات. والمحسنون: هم الذين يفعلون الطاعات، فهؤلاء الله وليّهم، فهو ولي من اجتنب السيئات، وفعل الطاعات، وقد قالوا: من اتقى في أفعاله، وأحسن في أعماله، كان الله معه في أحواله. ومعيته: نصرته في المأمور، وعصمته من المحظور.
وواضح أن الآيات الأخيرة قد وضعت دستورا للدعوة والدعاة، وقد تحدث صاحب الظلال في أجواء هذا الدستور فقال:
(إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه. فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة. ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدال بالتي هي أحسن. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له ولا تقبيح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما يختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها.
والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر.
ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للّجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله.
هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل
بالحجة. فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق، ودفعا لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.
فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في أنفس الناس. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله، والعزة لله جميعا. ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!.
ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان، في الحالات التي قد يكون العفو فيها الصبر أعمق أثرا، وأكثر فائدة للدعوة. فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها، فالقاعدة الأولى هي الأولى.
ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.
فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره.
ويوصي القرآن الرسول صلّى الله عليه وسلّم- وهي وصية لكل داعية من بعده- ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال. وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه).
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الخامسة بمقدمة القسم الثاني وبالمحور]
صلة هذه المجموعة بمقدمة هذا القسم واضحة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وما أمر الله به في هذه المجموعة من اتباع إبراهيم عليه السلام، ومن طرق الدعوة إلى الله، والمماثلة بالعقوبة أو الصبر، والحض على الصبر، كلها من نوع الأمر بالعدل والإحسان.
وصلة هذه المجموعة بمحور السورة من البقرة واضحة ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإبراهيم عليه السلام هو قدوة الداخلين في الإسلام كله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، ونحن مأمورون باتباعه، وليس السبت جزءا من الإسلام.
والدعوة إلى الإسلام لها طريقها الخاص بها، ومقابلة الاعتداء بمثله جائزة، والصبر أجود، ومع الصبر لا ينبغي أن يكون حزن أو ضيق من مواقف الآخرين وعليهم، هذه كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بموضوع الدخول في الإسلام كله، إن في وعد الله بتأييد المتقين المحسنين ونصرتهم، أو بالبشارة بمعيته لمن يدخل في دينه الذي هو عدل وإحسان وإيتاء ذي القربى، والذي هو ترك للفحشاء والمنكر والبغي.
وهكذا نلاحظ من خلال المجموعات الخمس التي مرت معنا، وارتباطها بمقدمة القسم الثاني، ونهاية القسم الأول، وصلة القسم الثاني كله بمحور السورة من سورة البقرة، نلاحظ من خلال هذا كله كيف أن الإنسان إذا لم يدرك السياق الخاص للسورة، وارتباط السورة بمحورها، لا يستطيع أن يعرف محلّ الآية، أو المجموعة في الوحدة العامة للسورة، وضمن الوحدة القرآنية العامة. وإن حرصنا على إبراز هذا المعنى جعلنا نؤخّر الكلام عن بعض فوائد ما مرّ معنا حتى لا ينقطع الكلام عن السياق، وقد آن الأوان لنتكلم عن فوائد حول القسم الذي مرّ معنا:
الفوائد:
1 - [حديث بمناسبة الآية وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى يروي ابن كثير الحديث «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي، وقطيعة الرحم».
2 - [أجمع آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.. ]
الكلام عن آية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ... كثير، إذ هي أجمع
آية في القرآن، ولهذا يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر خطبته لتكون عظة جامعة، وقد نقل ابن كثير في هذا المقام أحاديث وآثارا ننقلها مع حذف الأسانيد:
روى الشعبي عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. وقال سعيد عن قتادة قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية ليس من خلق حسن- كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه- إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ، كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، إنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها (قلت) القائل ابن كثير ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها» وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة)... عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلّى الله عليه وسلّم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه! قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما من أنا، فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله». قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. قالوا: ردّد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألناه عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر- أي شريفا- وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذنابا. وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد... عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر (1) إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا تجلس؟» فقال:
بلى. قال: فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستقبله، فبينما يحدثه إذ شخص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى
في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الاولى. فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة: فقال: «وما رأيتني فعلت؟» قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال: قال: «وفطنت لذلك؟» فقال عثمان: نعم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني رسول الله (يعني جبريل) آنفا وأنت جالس». قال: رسول الله؟؟ قال: «نعم» قال: فما قال لك؟ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية. قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلّى الله عليه وسلّم. وروى الإمام أحمد... عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسا إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية».
أقول: والرواية الأخيرة تدل على أن ترتيب القرآن توقيفي، فالله عزّ وجل هو الذي أمر بترتيبه على ما هو عليه.
3 - [حديث بمناسبة الآية وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها نذكر ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
«من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة». أي مثل المورط جاره إلى موقف ليس له فيه حماية.
4 - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً قال ابن كثير: قال عبد الله بن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.
5 - [أقوال في تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا]
تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا في الحياة الدنيا، فيه أكثر من قول. قال ابن كثير: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: إنها هي السعادة، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة، وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة
في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به. وروى الترمذي والنسائي... عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به». وروى الإمام أحمد... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعمه بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» انفرد بإخراجه مسلم. وقال النسفي: المؤمن مع العمل الصالح- موسرا كان أو معسرا- يعيش عيشا طيبا، إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه- وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى- وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يهنأ بعيشه. وقيل الحياة الطيبة القناعة، أو حلاوة الطاعة، أو المعرفة بالله، وصدق المقام مع الله وصدق الوقوف على أمر الله، والإعراض عما سوى الله»
6 - [كلام ابن كثير حول معنى الاستعاذة في الآية فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ]
بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ... قال ابن كثير: والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر. ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا، ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة والله أعلم.
7 - [سبب نزول الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.. ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ قال ابن إسحاق في السيرة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما بلغني- كثيرا ما كان يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي فأنزل الله وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وروى ابن جرير... عن ابن عباس
قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلم فينا بمكة، وكان اسمه (بلعام) وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا:
إنما يعلّمه بلعام فأنزل الله هذه الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان صلّى الله عليه وسلّم يمرّ بهما، فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب:
الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فارتد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة قبّحه الله.
8 - [روايات حول قضية الإكراه على الكفر بمناسبة الآية.. إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ... ]
عند قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ قال ابن كثير: «وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأنزلت هذه الآية. وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك.وروى ابن جرير... عن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن عادوا فعد».
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله: ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان فقال: «إن عادوا فعد» وفي ذلك أنزل الله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي؛ إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد.
ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه
إربا وهو ثابت على ذلك. وروى الإمام أحمد.. عن أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق ناسا ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس. فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار. إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس. رواه البخاري.
وروى الإمام أحمد أيضا... عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهوّد، ونحن نريده على الإسلام منذ- قال: أحسبه- شهرين فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال:
«من بدّل دينه فاقتلوه» وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر. والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله. كما ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله ابن حذافة السهمي- أحد الصحابة-: أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصّر وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلّى الله عليه وسلّم طرفة عين ما فعلت، فقال: إذا أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموا قريبا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر- وفي رواية- ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، وطمع فيه ودعاه، فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال:
ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك فيّ، فقال له الملك:
فقبّل رأسي وأنا أطلقك فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه رضي الله عنهما.».
9 - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً ذكر ابن كثير ما قاله ابن
مسعود. إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا- قال الراوي-: فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً فقال: تدري ما الأمة؟ وما القانت؟ قلت: الله أعلم. فقال: الأمة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ. معلم الخير، وكان مطيعا لله ورسوله، فهذا تفسير ابن مسعود للأمة.
10 - [روايات بمناسبة الآية إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ...
ننقل حديثين:
1 - ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنصارى بعد غد». لفظ البخاري.
2 - روى الإمام مسلم عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق».
11 - [حول القصاص بالمثل في الآية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ]
عند قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ قال ابن كثير:
«يأمر تعالى بالعدل في القصاص، والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ
بِهِ
إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا منه مثله. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذو منعة فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حيث قتل حمزة رضي الله عنه ومثّل به. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم». فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل فقد روى الحافظ أبو بكر البزار... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه- أو قال لقلبه- فنظر إليه وقد مثل به فقال:
«رحمة الله عليك إن كنت- ما علمتك- إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك» فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلّى الله عليه وسلّم بهذه السورة وقرأ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر الآية، فكفّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- يعني عن يمينه- وأمسك عن ذلك. وإسناد هذا الحديث فيه ضعف لأن فيه صالحا هو ابن بشير المري- ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم، فأنزل الله فيهم ذلك. وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه... عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين (1). فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا- ناسا سماهم- فأنزل الله تبارك وتعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نصبر ولا نعاقب». وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ثم قال: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الآية (الشورى: 40). وقال: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ثم قال: فَمَنْ
تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (المائدة: 45) وقال في هذه الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ثم قال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وقوله تعالى