هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 33
[سورة النحل (16): آية 33]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقبل أن نفسرهما نحب أن نذكر كلمة حول السياق.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة النحل هو قوله تعالى من سورة البقرة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. الآتي في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ....
وقد رأينا أن المجموعة التي بين أيدينا حدثتنا عن مآل الذين يرفضون الدخول في السلم في الدنيا، وعن مآل الذين يدخلون فيه بقبولهم كتابه. ورأينا أن الذين يرفضون كتاب الله هم المستكبرون الذين يتبعون خطوات الشيطان، ثم تأتي هاتان الآيتان وفي الآية الأولى منهما شبه بآية البقرة لدرجة اتحاد بعض الألفاظ لتختم بهما هذه المجموعة، فهذا دليل كذلك على أن اتجاهنا في فهمنا للوحدة القرآنية، والسياق العام صحيح والحمد لله.
فلنفسر الآيتين: هَلْ يَنْظُرُونَ أي هؤلاء المستكبرون المشركون، نلاحظ أن الخطاب عاد كما بدأ في أول المجموعة فكما بدأت المجموعة بخطاب المستكبرين، بضمير الغائب:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا... فالآن يتجه الخطاب إليهم بضمير الغائب إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي هل ينتظر هؤلاء المستكبرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فيكون حالهم كما وصف الله منذ قليل الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ... ومن ثم ندرك أن ما ورد من قبل إنما هو تفصيل يخدم هذه الآية.
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ قال ابن كثير في تفسيرها: أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال، ويشهد له أول آية في السورة أَتى أَمْرُ اللَّهِ كَذلِكَ أي مثل ذلك الفعل فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فتمادوا في الشرك والاستكبار والمكر حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ أي فيما أذاقهم لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم وَحاقَ بِهِمْ ما
كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي وأحاط بهم جزاء استهزائهم.
كلمة في السياق:
رأينا أن مقدمة هذا المقطع هي امتداد في معانيها للمقطع الأول، ورأينا ما بين المقدمة والمجموعة الأولى من ترابط. والآن لنرى ما بين المجموعة التي مرت معنا، وما بين المقطع الأول من ترابط:
لا شك أنك لحظت الصلة بين قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ... وبين قوله تعالى في نفس المجموعة الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ...
والآن تذكر الصلة بين أول السورة التي هي بداية المقطع الأول: أَتى أَمْرُ اللَّهِ وبين آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ. فإذا تذكرت هذه الصلة تعرف الارتباط بين المجموعة الثانية، والمقطع الأول، ثم إذا تذكرت أن قوله تعالى فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فيه إشارة إلى استعجالهم العذاب من باب الاستهزاء، وختم هذه المجموعة بقوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ تدرك الصلة بشكل أعمق بين هذه المجموعة والمقطع الذي سبقها، وكل ذلك ضمن السياق القرآني العام.
فوائد:
1 - [حول التعريف بكلمتي الإحسان والتقوى وسبب ذكرهما معرفتين غالبا في القرآن]
بمناسبة قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ أقول: إن كلمات الإحسان والتقوى معرّفتان كثيرا في القرآن الكريم. وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا). تعريف دقيق من خلال النصوص القرآنية والحديثية لموضوعي التقوى والإحسان، ولكون هذين المقامين قد علّق الله على التحقق فيهما ما علّق، فإنه من المستحسن أن يرجع الإنسان إلى ذلك الكتاب، وباختصار فإن الإحسان: فعل الأحسن في مصطلح الشرع، مع الإخلاص لله فيه، في حالة شعورية عليا يراقب فيها الإنسان الله عزّ وجل. قال عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وأما التقوى: فهي ملكة في القلب تتكوّن من سلوك طريق معين، وتنتج إذا وجدت آثار معينة، وعلامتها معاني محددة، وقد جمعنا في موضوعها صفحات كثيرة في كتابنا المشار إليه.
2 - [حول المعارك التي تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات]
هناك معارك عنيفة تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات ما بين المعتزلة
والأشاعرة، وما بين الأشاعرة وبعض الحنابلة والمحدثين، وهناك معارك عنيفة جدا بين كل المسلمين وفرق الباطنية في التأويل الذي يشتطون فيه حتى لا يبقوا كلمة قرآنية في محلها.
والملاحظ أن أشد الناس حربا للتأويل يضطرون لتأويل بعض النصوص بصرفها عن ظاهرها الحرفي إلى غيره بسبب من الأسباب، وإذن فلا بد من تأويل ولكن إذا توفرت شروط معينة، كأن يكون هناك ضرورة للتأويل، وكأن يكون المتأول من الراسخين في العلم، وكأن يكون التأويل بما لا يجعل النصوص تتناقض، وكأن يكون ضمن ما تتحمله لغة العرب، نقول هذا بمناسبة مرور آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ فهذه الآية وسورتها تفصلان قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ فالأشاعرة يؤولون قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بتقدير كلمة الأمر هنا، أي إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقد أخذوا ذلك من آية النحل التي ذكرت كلمة الأمر هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ غير أن الآخرين يردون بأنّ سورة البقرة استعملت حرف العطف الواو الذي يقتضي الجمع وهاهنا استعمل حرف العطف (أو) الذي يفيد مجئ أحد المذكورين، مما يشير إلى أن المقامين بينهما شئ من الاختلاف، وأنا
أميل في هذه الأمور إلى ترك التأويل احتياطا، مع مراعاة جانب التنزيه كفريضة واجبة.
ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية في هذا المقطع الذي هو المقطع الثاني: ولنقدم لها بكلمة
رأينا أن مقدمة هذا المقطع قد انتهت بقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. ثم رأينا المجموعة الأولى تقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للمستكبرين ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
والآن تأتي المجموعة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي المستكبرون أنفسهم. وسنرى أن كل مجموعة من مجموعات هذا المقطع مبدوءة إما بقوله للمستكبرين أو بموقف. فالصلة إذن بين مقدمة المقطع، وبين كل مجموعات المقطع على غاية الوضوح، وعلامة البداية لكل مجموعة واضحة، وعلامة البداية والنهاية للمقطع كله واضحة كما سنرى، وهكذا فإن المجموعة الثانية المؤلفة من ثلاث آيات تتضمن قولا للمشركين وردا عليه:
المجموعة الثانية من مجموعات المقطع الثاني وتمتد من الآية (35) إلى نهاية الآية (37) وهذه هي:
16/ 37 - 35
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ممّا لم ينزل به سلطانا، وهذا الكلام يقوله واحد من ثلاثة: إما إنسان يريد أن يحمل الله مسئولية أفعاله ليبرئ نفسه من أي فعل؛ أو إنسان يريد أن يحتج بمشيئة الله على جواز ما يفعله، فكون الله شاء يعني عنده أنّه أباح، أو إنسان يقول هذا الكلام استهزاء بالمؤمنين الذين يؤمنون بأن كل شئ بمشيئة الله فهؤلاء يستهزءون بالمؤمنين، مدّعين أن ما يفعلونه صحيح لأنه مشيئة الله، وهي اتجاهات خاطئة لأن مشيئة الله لا تنافي مسئولية الإنسان، ولأن هناك فارقا بين مشيئة الله ورضاه، فكل شئ بمشيئته، ولكن ليس كل شئ بأمره، وهو موضوع سنتحدث عنه في الفوائد، وقد ردّ الله عليهم أبلغ ردّ بأكثر من حجة:
«الرّدّ الأول: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذّبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل هذه الأقوال فماذا حدث لهم؟ لقد عذّبهم الله غير ظالم لهم، كما قال تعالى في الآيتين السابقتين: وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ*
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقبل أن نفسرهما نحب أن نذكر كلمة حول السياق.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة النحل هو قوله تعالى من سورة البقرة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. الآتي في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ....
وقد رأينا أن المجموعة التي بين أيدينا حدثتنا عن مآل الذين يرفضون الدخول في السلم في الدنيا، وعن مآل الذين يدخلون فيه بقبولهم كتابه. ورأينا أن الذين يرفضون كتاب الله هم المستكبرون الذين يتبعون خطوات الشيطان، ثم تأتي هاتان الآيتان وفي الآية الأولى منهما شبه بآية البقرة لدرجة اتحاد بعض الألفاظ لتختم بهما هذه المجموعة، فهذا دليل كذلك على أن اتجاهنا في فهمنا للوحدة القرآنية، والسياق العام صحيح والحمد لله.
فلنفسر الآيتين: هَلْ يَنْظُرُونَ أي هؤلاء المستكبرون المشركون، نلاحظ أن الخطاب عاد كما بدأ في أول المجموعة فكما بدأت المجموعة بخطاب المستكبرين، بضمير الغائب:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا... فالآن يتجه الخطاب إليهم بضمير الغائب إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي هل ينتظر هؤلاء المستكبرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فيكون حالهم كما وصف الله منذ قليل الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ... ومن ثم ندرك أن ما ورد من قبل إنما هو تفصيل يخدم هذه الآية.
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ قال ابن كثير في تفسيرها: أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال، ويشهد له أول آية في السورة أَتى أَمْرُ اللَّهِ كَذلِكَ أي مثل ذلك الفعل فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فتمادوا في الشرك والاستكبار والمكر حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ أي فيما أذاقهم لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم وَحاقَ بِهِمْ ما
كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي وأحاط بهم جزاء استهزائهم.
كلمة في السياق:
رأينا أن مقدمة هذا المقطع هي امتداد في معانيها للمقطع الأول، ورأينا ما بين المقدمة والمجموعة الأولى من ترابط. والآن لنرى ما بين المجموعة التي مرت معنا، وما بين المقطع الأول من ترابط:
لا شك أنك لحظت الصلة بين قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ... وبين قوله تعالى في نفس المجموعة الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ...
والآن تذكر الصلة بين أول السورة التي هي بداية المقطع الأول: أَتى أَمْرُ اللَّهِ وبين آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ. فإذا تذكرت هذه الصلة تعرف الارتباط بين المجموعة الثانية، والمقطع الأول، ثم إذا تذكرت أن قوله تعالى فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فيه إشارة إلى استعجالهم العذاب من باب الاستهزاء، وختم هذه المجموعة بقوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ تدرك الصلة بشكل أعمق بين هذه المجموعة والمقطع الذي سبقها، وكل ذلك ضمن السياق القرآني العام.
فوائد:
1 - [حول التعريف بكلمتي الإحسان والتقوى وسبب ذكرهما معرفتين غالبا في القرآن]
بمناسبة قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ أقول: إن كلمات الإحسان والتقوى معرّفتان كثيرا في القرآن الكريم. وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا). تعريف دقيق من خلال النصوص القرآنية والحديثية لموضوعي التقوى والإحسان، ولكون هذين المقامين قد علّق الله على التحقق فيهما ما علّق، فإنه من المستحسن أن يرجع الإنسان إلى ذلك الكتاب، وباختصار فإن الإحسان: فعل الأحسن في مصطلح الشرع، مع الإخلاص لله فيه، في حالة شعورية عليا يراقب فيها الإنسان الله عزّ وجل. قال عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وأما التقوى: فهي ملكة في القلب تتكوّن من سلوك طريق معين، وتنتج إذا وجدت آثار معينة، وعلامتها معاني محددة، وقد جمعنا في موضوعها صفحات كثيرة في كتابنا المشار إليه.
2 - [حول المعارك التي تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات]
هناك معارك عنيفة تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات ما بين المعتزلة
والأشاعرة، وما بين الأشاعرة وبعض الحنابلة والمحدثين، وهناك معارك عنيفة جدا بين كل المسلمين وفرق الباطنية في التأويل الذي يشتطون فيه حتى لا يبقوا كلمة قرآنية في محلها.
والملاحظ أن أشد الناس حربا للتأويل يضطرون لتأويل بعض النصوص بصرفها عن ظاهرها الحرفي إلى غيره بسبب من الأسباب، وإذن فلا بد من تأويل ولكن إذا توفرت شروط معينة، كأن يكون هناك ضرورة للتأويل، وكأن يكون المتأول من الراسخين في العلم، وكأن يكون التأويل بما لا يجعل النصوص تتناقض، وكأن يكون ضمن ما تتحمله لغة العرب، نقول هذا بمناسبة مرور آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ فهذه الآية وسورتها تفصلان قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ فالأشاعرة يؤولون قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بتقدير كلمة الأمر هنا، أي إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقد أخذوا ذلك من آية النحل التي ذكرت كلمة الأمر هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ غير أن الآخرين يردون بأنّ سورة البقرة استعملت حرف العطف الواو الذي يقتضي الجمع وهاهنا استعمل حرف العطف (أو) الذي يفيد مجئ أحد المذكورين، مما يشير إلى أن المقامين بينهما شئ من الاختلاف، وأنا
أميل في هذه الأمور إلى ترك التأويل احتياطا، مع مراعاة جانب التنزيه كفريضة واجبة.
ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية في هذا المقطع الذي هو المقطع الثاني: ولنقدم لها بكلمة
رأينا أن مقدمة هذا المقطع قد انتهت بقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. ثم رأينا المجموعة الأولى تقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للمستكبرين ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
والآن تأتي المجموعة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي المستكبرون أنفسهم. وسنرى أن كل مجموعة من مجموعات هذا المقطع مبدوءة إما بقوله للمستكبرين أو بموقف. فالصلة إذن بين مقدمة المقطع، وبين كل مجموعات المقطع على غاية الوضوح، وعلامة البداية لكل مجموعة واضحة، وعلامة البداية والنهاية للمقطع كله واضحة كما سنرى، وهكذا فإن المجموعة الثانية المؤلفة من ثلاث آيات تتضمن قولا للمشركين وردا عليه:
المجموعة الثانية من مجموعات المقطع الثاني وتمتد من الآية (35) إلى نهاية الآية (37) وهذه هي:
16/ 37 - 35
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ممّا لم ينزل به سلطانا، وهذا الكلام يقوله واحد من ثلاثة: إما إنسان يريد أن يحمل الله مسئولية أفعاله ليبرئ نفسه من أي فعل؛ أو إنسان يريد أن يحتج بمشيئة الله على جواز ما يفعله، فكون الله شاء يعني عنده أنّه أباح، أو إنسان يقول هذا الكلام استهزاء بالمؤمنين الذين يؤمنون بأن كل شئ بمشيئة الله فهؤلاء يستهزءون بالمؤمنين، مدّعين أن ما يفعلونه صحيح لأنه مشيئة الله، وهي اتجاهات خاطئة لأن مشيئة الله لا تنافي مسئولية الإنسان، ولأن هناك فارقا بين مشيئة الله ورضاه، فكل شئ بمشيئته، ولكن ليس كل شئ بأمره، وهو موضوع سنتحدث عنه في الفوائد، وقد ردّ الله عليهم أبلغ ردّ بأكثر من حجة:
«الرّدّ الأول: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذّبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل هذه الأقوال فماذا حدث لهم؟ لقد عذّبهم الله غير ظالم لهم، كما قال تعالى في الآيتين السابقتين: وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ*