لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 55 وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ 56 وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ 57 وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ 58 يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ 59 لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 60 وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ 61 وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ 62 تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 63 وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 64

تفسير سورة النحل - الآية 64

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ يُؤۡمِنُونَ 64

[سورة النحل (16): آية 64]
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ أي للناس
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه وَهُدىً للقلوب والعقول وَرَحْمَةً لمن تمسك به، ومن ثم قال لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فهو هدى لقلوبهم وعقولهم وسلوكهم، ورحمة لهم في كل حال. فالقرآن فيه بيان لكل شئ، ولكن يستفيد منه المؤمنون، فهو رحمة لهم وهدى، وبهذا انتهت المجموعة السادسة، وانتهى بها المقطع الثاني. وقد دلنا على انتهائه أنه جاءت بداية جديدة تشبه بدايته. فقد بدأ المقطع بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ....
والآن يأتي قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً.... فهذه بداية المقطع الثالث.
ملاحظة حول السياق: [توضيح لمدى ترابط آيات المجموعة وصلتها بالمحور]
لاحظ أنه قد جاء في وسط هذه المجموعة قوله تعالى:
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى مما يشعرنا أنّ هذه المواقف للكافرين سببها كفرهم بالآخرة، فالكفر بالآخرة هو سبب هذه الجرأة على الله. لاحظ صلة هذا بمقدمة المقطع إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ثم لاحظ أنّ المقطع أفهمنا بآيته قبل الأخيرة أن مواقف الكافرين إنما هي من تزيين الشيطان لهم، فإذا تذكرنا أن المجموعات الستة في المقطع قد تحدثت عن مواقف للمستكبرين، وإذا تذكّرنا أن الكبر هو خلق الشيطان الأول، أدركنا أن المقطع كان حديثا عن خطوات الشيطان التي نهينا عن اتباعها، وإذا تذكّرنا الكلام الكثير عن اليوم الآخر في المقطع، وإذا تذكرنا ختم المقطع بقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أدركنا صلة المقطع بمحور السورة، وبحيز محور السورة من البقرة، إذ يأمر بالدخول في السّلم كافّة، وإذا تذكّرنا هذه الآية، وتذكّرنا الآية الثانية من سورة النحل يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أدركنا الصلة ما بين مقاطع السورة
..
ومن كل ما مرّ معنا ندرك ارتباط سلامة التصور عن الذات الإلهية بسلامة التصور عن اليوم الآخر، بموضوع الدخول في الإسلام كله، بموضوع عدم اتباع خطوات الشيطان، وعلى عكس ذلك، فإنه يترتب على فساد التصور عن الله واليوم الآخر؛
اتباع لخطوات الشيطان وعدم دخول في السلم كله.
فوائد:
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يذكر ابن كثير بعض الآثار والأحاديث التي تفيد تعدي أثر ظلم الظالم، وعدل العادل لغيرهما. قال ابن كثير: (قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل (1) أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ الآية وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وروى ابن جرير... عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه؛ قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى (2) لتموت في وكرها بظلم الظالم. وقال ابن أبي حاتم... عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (لعلهم ذكروا زيادة العمر) فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر».
ملاحظة: [العلامة على تحديد مقاطع السورة]
رأينا أن المقطع الثاني بدأ بكلمة (والله) وكذلك المقطع الثالث يبدأ بنفس الكلمة إنه من خلال هذه العلامة، ومن خلال المعاني حدّدنا مقاطع السورة.
المقطع الثالث ويمتد من الآية (65) إلى نهاية الآية (89) وهذا هو:
16/ 89 - 65
التفسير:
بداية سورة النحل فهرس السور