سورة الإسراءبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 1 وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا 2 ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا 3 وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا 4 فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا 5 ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا 6 إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا 7

تفسير سورة الإسراء - الآية 3

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدࣰا شَكُورࣰا 3

[سورة الإسراء (17): آية 3]
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي يا ذرية من حملنا مع نوح عليه السلام فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً في السراء والضراء، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم اعتقادا وقولا وحالا، والخطاب إما لبني إسرائيل أصلا وتخاطب به هذه الأمة تبعا، أو الخطاب لهذه الأمة مباشرة، فبعد أن حدّثها الله عن آية الإسراء، وعما أنزل الله من آياته على موسى عليه السلام خاطبها مطالبا إياها بالشكر.
قال ابن كثير في تفسيرها: فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلّى الله عليه وسلّم وقال النسفي: وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الافتداء بسنة الآباء إذا كانت حقا وصوابا، وقد عرفتم حال الآباء هنالك، فكونوا أيها الأبناء كذلك.
كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور]
هذه مقدمة السورة وفي الإشارة إلى ما منّ الله به على محمد صلّى الله عليه وسلّم بالإسراء، وما منّ
به على موسى عليه السلام في التوراة. وفي الإشارة إلى مقام الشكر عند نوح ما يدلنا منذ البداية على اتجاه السورة.
النعمة تقتضي شكرا فإذ يقص الله بعدها علينا ما عاقب به بني إسرائيل لكفرهم، فإنه يعرفنا بذلك على سنته فيمن لم يشكر. وفي ذلك تربية لهذه الأمة التي سيعطيها الله بيت المقدس وما حوله، والتي أنزل عليها كتابا هاديا، وأرسل لها رسولا بالآيات ألا تكفر النعمة فتسلب. وكفرانها بالنعمة إنما هو بكفرها بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وكفرها بدينه، وعدم التزامها بشريعته، ونحن الآن- سلبت منا فلسطين، وذهبت القدس- ندرك حكمة التحذير في هذه الآيات وما بعدها، ونعرف طريق الخروج مما نحن فيه.
في قوله تعالى في ابتداء السورة: سُبْحانَ... إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ما يشير إلى النعمة لتشكر، وفيها إشارة إلى النقمة إن كفرت النعمة، فالله يسمع ويبصر.
...
لاحظ صلة ذلك كله بقوله تعالى في سورة البقرة: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
ولاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
الفوائد:
1 - [بعض فوائد وتعليقات لابن كثير حول موضوع الإسراء والمعراج وتعليق المؤلف على ذلك]
في تفسير ابن كثير حوالي إحدى وعشرين صحيفة حول الإسراء والمعراج، نقل فيها مجموع الروايات الواردة في هذين الموضوعين، وكان يعلّق على بعضها عند النقل. ثم كتب تعليقا طويلا في النهاية، ونحن في هذه الفائدة سننقل قسما من تعليقه الأخير. ونختار بعض نقوله، ولنا تعليق أخير، ونلفت النظر إلى أن كتابنا (الأساس فى السنة وفقهها) سيكون محل استعراض الأحاديث حول الإسراء والمعراج.
(1) مختارات
أ- روى الإمام أحمد وأخرجاه في الصحيحين:
عن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه».
ب- أخرج البخاري عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم طبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء:«افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم (1) بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال له الأول، ففتح- قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم،ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس: فلما مرّ جبريل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم».
(2) من تعليق ابن كثير
بعد أن ذكر ابن كثير الروايات في موضوع الإسراء والمعراج ذكر فصلا ثم أعقبه بفصل وبفائدتين وهذه هي:
قال ابن كثير:
(فصل):
وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام. ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات. وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر. قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهرا، والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها- فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما صلّى الله عليه وسلّم وعليهما وعلى سائر الأنبياء. حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي:
أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سدّ الأفق. ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسندا ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه ولطفا بعباده. وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما خانت الصلاة. ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمّهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه
بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله سبحانه وتعالى أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة للقادم والله أعلم. ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه، يقظة لا مناما، ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقظة، لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ فالتشبيه إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شئ، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقد قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. رواه البخاري، وقال تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (النجم: 17) والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركاتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم. وقال آخرون بل أسري برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بروحه لا يجسده. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية ابن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولكن أسري بروحه. قال
ابن إسحاق فلم نكر ذلك من قولها لقول الحسن أن هذه الآية نزلت وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى. قال ثم مضى على ذلك
فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان». فالله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظا، كل ذلك حق وصدق. انتهى كلام ابن إسحاق وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم.
(فائدة حسنة جليلة)
روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه. وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل. ثم استدعى من بالشام من التجار، فجئ بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلّم، كما سيأتي بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ، ولا يصدقني في شئ قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم إيليا، ورجع تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر فقال بطريق إيليا: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر قيصر وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فغلبنا فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلا، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف (1) والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط لدابة قال: فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلّى الليلة في مسجدنا. وذكر تمام الحديث.
(فائدة)
قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير). وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال:
وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشدّاد بن أوس، وأبيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن قرظ، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمر، وجابر، وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.
3 - تعليقنا
أ- إن الإسراء والمعراج يذكران في باب المعجزات من كتب الحديث والسيرة والدلائل، والمعجزة ما به تقوم الحجة على الناس، وقد قامت الحجة عليهم بالإسراء من حيث إنهم امتحنوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد إخباره لهم بالإسراء امتحانات متعددة للتأكد من صدق الحادث، فكان أن وجدوا في كل امتحان ما يدلل على صدقه عليه الصلاة والسلام فيه، وقد رأينا في المختارات نموذجا، وفي مجموع الروايات الواردة في هذا الموضوع نماذج من هذه الامتحانات، وبهذا قامت الحجة على الناس بالمعجزة وحدوثها.
ب- رأينا أن الحكمة التي ذكرها القرآن للإسراء هي قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وقد كان الإسراء قبيل الهجرة- كما رأينا- فهذا الاطلاع على الآيات كان مقدمة للمرحلة الصعبة- مرحلة المجابهة العسكرية الصعبة- وهذا موسى عليه السلام أراه الله من آياته الكبرى، قبل أن يأمره بمجابهة فرعون وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى * قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى * (طه: 17 - 23).
فهذه حكمة من حكم الإسراء والمعراج
ومن حكم إراءته عليه الصلاة والسلام الآيات في الإسراء والمعراج أن يرى حقيقة ما يدعو إليه.
فهو يدعو إلى الإيمان بالله. ويقال على رأي راجح أنه رأى الله في معراجه، وهو يدعو إلى الإيمان بالرسل، وقد اجتمع بهم، وصلّى بهم، ورأى بعضهم، وهو يدعو إلى
الإيمان بالغيب، وقد رأى السموات، ورأى الجنة والنار، ورأى الملائكة والبيت المعمور وسدرة المنتهى، وغيرها من الغيوب.
ج- دلّت أحاديث الإسراء والمعراج- وهي متواترة- على وجود سماوات سبع، فوقها عرش الرحمن، وهذا القسم لا شك في كون الروايات تثبته، ومن ثم فإن من أنكر وجود السموات السبع، والعرش، متأولا أو جاحدا، فهو إما على كفر، أو ضلال.
فمن ذهب إلى أن المراد بالسماوات هذه الكواكب والنجوم والمجرات مخطئ خطأ عظيما، ونحن في هذا التفسير نحاول أن نثبت أن السموات ترد في القرآن ويراد بها هذه المجرات والنجوم، وأن السماء ترد ويراد بها جو الأرض، وأن السموات ترد ويراد بها هذه السموات التي كان إليها المعراج، والذي نرجحه أنها سماوات غيبية مغيبة، فهي من حيث الوجود موجودة، ولكن وجودا غيبيا كوجود الجن والملائكة والنار.
2 - [روايات بمناسبة قوله تعالى عن نوح عليه السلام إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً]
بمناسبة تسمية الله نوحا عليه السلام إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قال ابن كثير: وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا عليه السلام كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه؛ فلهذا سمّي عبدا شكورا.
روى الطبراني... عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمّي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله. وروى الإمام أحمد... عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها». وهكذا رواه مسلّم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به، وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال، وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة».
بطوله، وفيه «فيأتون نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك». وذكر الحديث بكماله.
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (4) إلى نهاية الآية (40) وسنعرضه على مجموعات:
المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي خمس آيات من الآية (4) إلى نهاية الآية (8) وهذه هي:
17/ 8 - 4
التفسير:
بداية سورة الإسراء فهرس السور