أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا 77 أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا 78 كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا 79 وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا 80 وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا 81 كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا 82 أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا 83 فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا 84 يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا 85 وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا 86 لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا 87 وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا 88 لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا 89 تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا 90 أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا 91 وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا 92 إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا 93 لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا 94 وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا 95

تفسير سورة مريم - الآية 85

يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدࣰا 85

[سورة مريم (19): الآيات 85 الى 86]
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً. قال ابن كثير: والوفد هم القادمون ركبانا، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم يساقون عنفا إلى النار عطاشا.
قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين، وفي ذكر السوق إشارة إلى أنهم كالأنعام يساقون إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً أي عطاشا، لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش، وحقيقة الورد: المسير إلى الماء، فيسمى به الواردون فالورد جمع وارد، ذكر المتقون بأنهم يفدون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته، كما يفد الوفود على الملوك تبجيلا لهم، والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، استخفافا بهم
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ أي لا يجدون من يشفع لهم، ولا يستطيعون أن يشفعوا لغيرهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً بأن آمن وشهد ألا إله إلا الله، فهذا يملك أن يشفع بإذن الله أو يشفع له بإذن الله.
تفسير المجموعة الرابعة:
وَقالُوا أي النصارى، وكذلك من زعم أن عزيرا ابن الله، ومن زعم أن الملائكة بنات الله اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو قول لا يقوم عليه دليل، وهو في منتهى الفظاعة؛ ولذلك قال الله تعالى:
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أي عجيبا عظيما منكرا
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي من فظاعة هذا القول، تكاد تنخسف، وتنفصل أجزاؤها وَتَخِرُّ أي تسقط الْجِبالُ هَدًّا أي كسرا أو قطعا، أو هدما، أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم؛ إعظاما للرب وإجلالا، لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد، ومن ثم فإنهن يكدن يحدث لهن ما وصف لفظاعة هذا القول:
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً أي لأن سمّوا لله ولدا
وَما يَنْبَغِي أي وما يصلح وما يتأتى لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي لا يصلح له ولا يليق به؛ لجلاله وعظمته أن يتخذ ولدا، وهذا لأن اتخاذ الولد لحاجة، ومجانسة وهو منزه عنهما. قال النسفي: وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره،
لأن أصول النعم وفروعها منه، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن.
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً أي كل من في السموات والأرض من الملائكة، والناس والجن، إلا وهو يأتي الله يوم القيامة، مقرا له بالعبودية. والعبودية والبنوّة تتنافيان، حتى جعل الله من شريعته أن الأب لو ملك ابنه يعتق عليه فإذا كانت نسبة الجميع إليه العبودية فلا بنوّة
لَقَدْ أَحْصاهُمْ أي حصرهم بعلمه وأحاط بهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا بلا مال، أو بلا معين، ولا ناصر، وإذ كان هذا شأنه، وإذ كان كل الخلق هذا حالهم، فكيف ينسبون إلى الله الولد.
وهكذا عالجت السورة أهم قضايا الضلال بأسلوب التبشير والإنذار.
ثمّ تأتي آية تبشر المؤمنين ببشارة عظيمة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي مودة في قلوب العباد. قال ابن كثير: (أي يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه، ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غير وجه). وسنراها في الفوائد وبعد أن بشّر الله المؤمنين هذه البشارة، تأتي آية لتذكر أن حكمة إنزال القرآن هي التبشير والإنذار:
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي سهّلنا هذا القرآن بِلِسانِكَ أي بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ المؤمنين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا أي قوما شدادا في الخصومة بالباطل ثم أنذرهم بآية أخيرة في السورة:
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي من أمة كفروا بآيات الله وكذّبوا رسله هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أي هل تجد أو ترى أو تعلم، إذ الإحساس الإدراك بالحاسة أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي صوتا خفيا أي لمّا أتاهم عذابنا لم يبق شخص يرى، ولا صوت يسمع، يعني هلكوا كلهم: فليحذر هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك أن يصيبهم ما أصاب غيرهم. وهكذا أكّدت السورة أن هذا القرآن أنزله الله مبشرا ومنذرا، وأرتنا السورة أنواعا من التبشير، وأنواعا من الإنذار.
***
كلمة في السياق: [حول مدى تفصيل سورة مريم في محورها]
رأينا أن سورة مريم محورها آية البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ....
فلنر كيف فصلت السورة هذا المحور، وكيف خدمت حيّزه، وهو موضوع الدخول في الإسلام كله:
1 - كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أصبح الناس كفارا فبعث الله مبشرين ومنذرين. وقد أصبح الناس كفارا قبل بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم فبعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم بشيرا ونذيرا بالقرآن المبشر المنذر، فسورة مريم فصلت لنا قصص نبيين بشروا وأنذروا، ولقد بشرت وأنذرت من كفر باليوم الآخر، ومن أشرك، ومن جعل لله ولدا، ومن أضاع الصلوات واتبع الشهوات، وبشرت المتقين بكرامتهم يوم يحشرون، وبخروجهم من النار يوم يعبرون بالمودة لهم في قلوب المؤمنين، أنذرت بالنار، وبالإهانة والذلة يوم القيامة وأنذرت بعذاب الله في الدنيا.
2 - وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ. وهذا القرآن أنزله الله بالحق، ليحكم بين الناس جميعا في كل قضية حدث فيها خلاف، ومن ذلك اختلاف أهل الكتاب.
3 - فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فمن اهتدى بهذا القرآن فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم.
فسورة مريم نموذج لبعثة الله الرسل وأسبابها وأحوالها والحاجة إليها.
ملاحظة: [حول مدى تحقيق ما وقع للأمم السابقة]
إن أهم ما نلفت إليه نظر المسلم هو أن كثيرا من هذه الأمة وقع فيما وقعت فيه الأمم الأخرى، من ترك الصلوات، واتباع الشهوات فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
وهم مع ذلك يعيشون على الدعوى والادعاء والأماني. وقد فتح الله لأمثال هؤلاء باب الرحمة إذا تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات. وفي قوله تعالى بعد هذه الآيات:
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ.
ما يفيد التسليم لله في أمر الوحي مع الإقبال عليه في العبادة، فإن ذلك هو الشئ المكافئ لمواقف المشركين والكافرين والملحدين والمنحرفين.
...
والآن فلنتساءل كيف خدمت سورة مريم حيّز ما ورد فيه محورها من سورة البقرة وهو موضوع الدخول في الإسلام كافة.
إن السورة خدمت هذا الموضوع: من خلال عرض حال المنحرفين وتقويمهم، ومن خلال عرض علل الانحراف وتسفيهها ومن خلال الوعد بأن الذين يلتزمون بالإسلام سيجعل الله لهم القبول، ومن خلال التبشير والإنذار.
فوائد:
1 - [حديث قدسي بمناسبة آية وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ... ]
بمناسبة قوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا يذكر ابن كثير الحديث الصحيح القدسي وهو:
«يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد».
2 - [أحاديث وآثار حول قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها.. ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يذكر ابن كثير آثارا عن السلف في معناها وأحاديث توضحها:
ومما ذكره:
روى الإمام أحمد... عن ابن مسعود وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم». وقد رواه أسباط، عن السدي عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: «يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر
كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرّا نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من النار يخطفون بها الناس» وذكر تمام الحديث. وروى ابن جرير.. عن عبد الله قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال «الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم» ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم..
وروى الإمام أحمد... عن حفصة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني لأرجو أن لا يدخل النار- إن شاء الله- أحد شهد بدرا والحديبية» قالت: فقلت: أليس يقول:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قالت: فسمعته يقول: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا. وروى أحمد أيضا... عن أم مبشر- امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيت حفصة فقال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا أو الحديبية» قالت حفصة: أليس الله يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الآية. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسّه النار إلا تحلة القسم».
وروى عبد الرزاق... عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ومن مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم» يعني الورود. وروى أبو داود الطيالسي.. عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسّه النار إلا تحلة القسم» قال الزهري كأنه يريد هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا...
وروى الإمام أحمد... عن أنس الجهني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الله أكثر وأطيب». وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا- إن شاء الله- ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجر لم ير النار إلا تحلة القسم». قال الله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وإن الذكر في سبيل
الله يضاعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف، وفي رواية بسبعمائة ألف ضعف، وروى أبو داود... عن سهل عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الصلاة عليّ، والصيام والذكر، يضاعف النفقة في سبيل الله، بسبعمائة ضعف». وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال هو الممرّ عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها، ومرور المشركين أن يدخلوها وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة دعاؤهم يا الله سلّم سلّم».
3 - [سبب نزول قوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ.. ]
وفي سبب نزول قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا قال قتادة ومجاهد والضحاك: لما رأوا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فعرض أهل الشرك ما تسمعون أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا.
4 - [حول تفسير الباقيات الصالحات الواردة في سورة مريم عليها السلام]
مر معنا في سورة الكهف فائدة طويلة حول تفسير الباقيات الصالحات وبمناسبة قوله تعالى في سورة مريم: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا.
ذكر ابن كثير ما أخرجه عبد الرزاق قال:
روى عبد الرزاق... عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم فأخذ عودا يابسا فحط ورقه ثم قال: «إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة» قال أبو سلمة فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهلّلنّ الله، ولأكبرنّ الله، ولأسبحنّ الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء والله أعلم، وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن عمر ابن يحيى عن أبي سلمة عن أبي الدرداء فذكر نحوه.
5 - [سبب نزول قوله تعالى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ.. ]
وفي سبب نزول قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ذكر ابن كثير ما يلي:
«روى الإمام أحمد... عن خباب بن الأرتّ قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم حتى تموت، ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم
بعثت جئتني ولي ثمّ مال وولد فأعطيتك. فأنزل الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً إلى قوله وَيَأْتِينا فَرْداً أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به، وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث، وقال أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً قال: موثقا.
وروى عبد الرزاق... عن مسروق قال: قال خباب بن الأرتّ: كنت قينا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الآيات، وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فو الله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن فقال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا إلى قوله وَيَأْتِينا فَرْداً وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم إنها نزلت في العاص بن وائل».
6 - [آثار بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.. ]
وفي تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ذكر ابن كثير آثارا كثيرة: قال:
«روى ابن أبي حاتم... عن ابن مرزوق يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال:
يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟
فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن وجهك فيقول: أنا عملك الصالح وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه فذلك قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: ركبانا، وروى ابن جرير... عن أبي هريرة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: على الإبل. وقال ابن جريج على النجائب، وقال الثوري على الإبل النوق، وقال قتادة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: إلى الجنة وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه... عن النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسا عند عليّ رضي الله عنه فقرأ هذه الآية يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على
أرجلهم ولكن نوق، لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن ابن إسحاق المدني به، وزاد: عليها رحائل الذهب وأزمتها الزبرجد. والباقي مثله.
7 - [كلام ابن كثير عند آية لا
بداية سورة مريم فهرس السور