۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتࣲ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامࣰاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ 124
[سورة البقرة (2): آية 124]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ... وينتهي بقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
يبدأ المقطع بالكلام عن إبراهيم، وينتهي بالكلام عن إبراهيم، ومن أدنى تأمل للمقطع يرى أن المقطع يتألف من ثلاث فقرات واضحة المعالم تضمها وحدة جامعة، والفقرتان الثانية والثالثة تنتهيان بآية واحدة هي قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ* وهذا هو المقطع في فقراته الثلاث.
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (2)، الآيات 124 الى 129]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
الفقرة الثانية:
[سورة البقرة (2)، الآيات 130 الى 134]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134)
الفقرة الثالثة:
[سورة البقرة (2)، الآيات 135 الى 141]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141)
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
1 - ختمت قصة آدم عليه الصلاة والسلام بالقاعدة:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
وجاء مقطع بني إسرائيل ليعرض علينا نموذجا لأمة أنزل عليها هدى فانحرفت عنه، ويأتي الآن مقطع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ليقص علينا قصة النموذج الكامل لإنسان أنزل عليه هدى فقام به قياما كاملا وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال البيضاوي: فأداهن كملا وقام بهن حق القيام لقوله تعالى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (سورة النجم) لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى في أول آية في مقطع آدم عليه السلام: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وبين قوله تعالى في أول آية من مقطع إبراهيم عليه السلام: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. فالذي جعل آدم خليفة، جعل إبراهيم إماما فهو النموذج الكامل على الخليفة الكامل.
2 - وقبل مقطع آدم في سورة البقرة يأتي مقطع الدعوة إلى التوحيد يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ.... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي مقطع إبراهيم نرى النموذج الأعلى على التوحيد متمثلا بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.... أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فمقطع إبراهيم يعمق سياقه المعاني التي وردت في مقطع الدعوة إلى العبادة والتوحيد.
3 - ومن قبل المقطع الأول في هذا القسم جاءت مقدمة سورة البقرة وفيها: قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وفي مقطع إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأتي الأمر المفصل: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
4 - ومن قبل جاءت الفاتحة وكانت الفقرة الخاتمة فيها: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ* غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. وقد رأينا في مقطع بني إسرائيل بعض صراط المغضوب عليهم والضالين، وفي مقطع إبراهيم نرى صراط الذين أنعم الله عليهم. ومع ذلك كله الحوار مع المغضوب عليهم والضالين وإقامة الحجة.
5 - وكما أن مقطع إبراهيم عليه السلام يخدم في سياقه ما مر من السورة، فإنه الأساس والمقدمة للمقطع اللاحق من السورة، وهو مقطع القبلة، إن القبلة التي هي مرتكز من مرتكزات العبادة لله ستتحدد في المقطع اللاحق، ولكن مقطع إبراهيم جاء بمثابة الترشيح للكلام في شأنها، وجاء بمثابة المقدمة لتقريرها أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ.. وَأَرِنا مَناسِكَنا....
وهكذا نرى أن مقطع إبراهيم عليه السلام في محله يخدم سياق الفاتحة، ومقدمة سورة البقرة، ومقطع التوحيد، ومقطع آدم، والمقطع اللاحق، فما صلته بالمقطع السابق عليه مباشرة مقطع بني إسرائيل؟
6 - قلنا من قبل: إن الحوار مع بني إسرائيل لا زال مفتوحا، وإن ختم مقطع بني إسرائيل، ذلك لأنه لا زال لليهود. كلام يقولونه، متكئين عليه في رفض الإيمان بالإسلام، وفي مقطع إبراهيم يستكمل جزء من الحوار، إذ الإمامة في ذرية إبراهيم مشروطة، وقد أخل اليهود بالشرط فلا حجة لهم في أن تستمر الإمامة فيهم، ولذلك تنتقل الإمامة إلى أمة تقوم بحق الله، وذلك مقتضى دعوة إبراهيم وإسماعيل وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ... وبعثة محمد ﷺ مقتضى دعوة إبراهيم عليه السلام لأبناء إسماعيل وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ... والمقطع يقرر أن دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب هو الإسلام، فإن يرغب بنو إسرائيل عن الإسلام فذلك سفه فيهم.
وكما أنه في مقطع بني إسرائيل أعطيت أمتنا دروسا، فكذلك في مقطع إبراهيم، وكما أن أمتنا قد علمت كيف ترد على الدعوات الباطلة في المقطع السابق فكذلك الحال هنا في هذا المقطع.
7 - في مدخل الكلام عن بني إسرائيل رأينا أنه وجهت لبني إسرائيل أوامر ونواه، وأن المقطع جاء بعد ذلك بمثابة تعليل لتوجيه هذه الأوامر والنواهي، ورأينا أن الفصل الثاني من مقطع بني إسرائيل مرتبط بقوله تعالى في المدخل وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وأن الحوار في الفقرتين الأخيرتين من الفصل الثاني انصب على هذه المعاني، وقلنا في هذه الكلمة إن مقطع إبراهيم عليه السلام يكمل الحوار في هذا الشأن، والآن نقول إن مقطع إبراهيم زيادة على تكملة الحوار فإنه يضع أساسا لنقطة تعرض لها مدخل مقطع بني
إسرائيل، وهي القضية المذكورة بعد الآية التي ذكرناها آنفا، إن الآية اللاحقة لهذه الآية هي قوله تعالى وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إذ الملاحظ أن مقطع إبراهيم يرد فيه قبل الآية الأخيرة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وسنرى أن مقاطع لاحقه ستتعرض بشكل أوسع لموضوع كتمان ما أنزل الله
إن تعانق المقطع مع ما قبله ومع ما بعده كثير كبير شديد، وتعانق فقراته مع بعضها كثير شديد كما سنرى.
ولنطرز هذه المقدمة عن سياق المقطع بخاتمة ما قدم سيد قطب لهذا المقطع. يقول:
وفي ثنايا هذا العرض التاريخي (الذي عرضه النص وتحدث عنه سيد) يبرز السياق أن الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله وحده، كان هو الرسالة الأولى وكان هو الرسالة الأخيرة، هكذا اعتقد إبراهيم، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى، ثم آلت أخيرا إلى ورثه إبراهيم من المسلمين، فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها ووريث عهودها وبشاراتها، ومن فسق عنها ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم، فقد فسق عن عهد الله، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشارته. عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته، وهم ورثته وخلفاؤه، لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة، وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثه باني هذا البيت ورافع قواعده؛ بانحرافهم عن عقيدته، ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون، فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم، كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب حافل بالإشارات الموحية، والوقفات العميقة الدلالة، والإيضاح القوي التأثير».
ولنبدأ عرض وتفسير المقطع:
الفقرة الأولى وتفسيرها:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي: واذكر إذ اختبر إبراهيم ربه بأوامر ونواه فَأَتَمَّهُنَّ أي: قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط ولا توان، والابتلاء: هو الاختبار والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد
علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى، وللمفسرين في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام كلام
كثير، وكل أقوالهم استنباط، إما من خلال السياق، أو من خلال قصة إبراهيم في القرآن، أو من خلال ما قصه رسول الله ﷺ عن أبينا إبراهيم وهو كلام مفيد ولذلك سنعقد له فصلا. أما هاهنا فنقول: «لقد وردت كلمة (بكلمات) منكرة للإشعار بأن الهدف من السياق هو تبيان قيام إبراهيم بما كلف به لا تبيان التكليف، على أنه من الفقرة، سنرى نموذجا على قيام إبراهيم بما يكلف به من خلال قيامه ببناء البيت قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً الإمام هو: من يؤتم به ويقتدى، وإمامة إبراهيم مؤبدة يجمع عليها حتى المختلفون من أبناء الديانات الكتابية، والظاهر أن إتمام إبراهيم عليه الصلاة والسلام الكلمات سبب الإمامة، فكأنه كان نبيا ثم بإتمامه الكلمات أعطي منصب الرسالة مكافأة، فالقيام بأمر الله كاملا هو الذي يرشح لمنصب الإمامة في دين الله، فما أكثر خطأ الذين يتصدرون للإمامة عن غير طريقها. قالَ إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم، وذرية الرجل: أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ اختلف المفسرون في تفسير العهد والظلم في هذه الآية، فقد فسر الظلم: هنا بالكفر والشرك، وفسر:بالظلم الذي هو مخالفة الشريعة، فعلى الأول يكون المعنى لا ينال عهدي كافر. وعلى الثاني: لا ينال عهدي فاسق، وفسر العهد: بالنبوة والدين والأمر والطاعة والنجاة في الآخرة، كما فسر بالوعد بالإمامة وهو أحقها بالاعتماد. فالمعنى: أنه لا ينال الإمامة فى الدين ظالم، والظلم نوعان: ظلم يتعدى الإنسان إلى غيره، وظلم لنفسه، وسنعقد من أجل إبراز ما يدخل في هذا النص أو من أجل رد الفهوم الخاطئة فيه فصولا.قال ابن كثير: وقال ابن خويزمنداد المالكي: «الظالم لا يصلح أن يكون خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا شاهدا، ولا راويا».
فالمعنى العام للآية كما يفهم من مجموع كلام ابن كثير:
واذكر لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، واذكر لهؤلاء وتذكر ابتلاء الله إبراهيم أي: اختباره بما كلفه به من الأوامر والنواهي، فأتمهن: أي: قام بهن كلهن؛ فاستحق بذلك منصب الإمامة جزاء على ما فعل، فكما قام بالأوامر وترك الزواجر؛ جعله الله قدوة وإماما يقتدى به في الخير،
فرغب إلى الله أن تكون الإمامة في بعض ذريته كذلك فأجيب لذلك، لكنه أخبر بأنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة؛ فلا يقتدى بهم.
وبعد الآية الأولى تأتي في الفقرة هذه الآية:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ... وينتهي بقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
يبدأ المقطع بالكلام عن إبراهيم، وينتهي بالكلام عن إبراهيم، ومن أدنى تأمل للمقطع يرى أن المقطع يتألف من ثلاث فقرات واضحة المعالم تضمها وحدة جامعة، والفقرتان الثانية والثالثة تنتهيان بآية واحدة هي قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ* وهذا هو المقطع في فقراته الثلاث.
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (2)، الآيات 124 الى 129]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
الفقرة الثانية:
[سورة البقرة (2)، الآيات 130 الى 134]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134)
الفقرة الثالثة:
[سورة البقرة (2)، الآيات 135 الى 141]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141)
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
1 - ختمت قصة آدم عليه الصلاة والسلام بالقاعدة:
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
وجاء مقطع بني إسرائيل ليعرض علينا نموذجا لأمة أنزل عليها هدى فانحرفت عنه، ويأتي الآن مقطع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ليقص علينا قصة النموذج الكامل لإنسان أنزل عليه هدى فقام به قياما كاملا وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال البيضاوي: فأداهن كملا وقام بهن حق القيام لقوله تعالى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (سورة النجم) لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى في أول آية في مقطع آدم عليه السلام: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وبين قوله تعالى في أول آية من مقطع إبراهيم عليه السلام: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. فالذي جعل آدم خليفة، جعل إبراهيم إماما فهو النموذج الكامل على الخليفة الكامل.
2 - وقبل مقطع آدم في سورة البقرة يأتي مقطع الدعوة إلى التوحيد يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ.... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي مقطع إبراهيم نرى النموذج الأعلى على التوحيد متمثلا بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.... أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فمقطع إبراهيم يعمق سياقه المعاني التي وردت في مقطع الدعوة إلى العبادة والتوحيد.
3 - ومن قبل المقطع الأول في هذا القسم جاءت مقدمة سورة البقرة وفيها: قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وفي مقطع إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأتي الأمر المفصل: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
4 - ومن قبل جاءت الفاتحة وكانت الفقرة الخاتمة فيها: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ* غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. وقد رأينا في مقطع بني إسرائيل بعض صراط المغضوب عليهم والضالين، وفي مقطع إبراهيم نرى صراط الذين أنعم الله عليهم. ومع ذلك كله الحوار مع المغضوب عليهم والضالين وإقامة الحجة.
5 - وكما أن مقطع إبراهيم عليه السلام يخدم في سياقه ما مر من السورة، فإنه الأساس والمقدمة للمقطع اللاحق من السورة، وهو مقطع القبلة، إن القبلة التي هي مرتكز من مرتكزات العبادة لله ستتحدد في المقطع اللاحق، ولكن مقطع إبراهيم جاء بمثابة الترشيح للكلام في شأنها، وجاء بمثابة المقدمة لتقريرها أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ.. وَأَرِنا مَناسِكَنا....
وهكذا نرى أن مقطع إبراهيم عليه السلام في محله يخدم سياق الفاتحة، ومقدمة سورة البقرة، ومقطع التوحيد، ومقطع آدم، والمقطع اللاحق، فما صلته بالمقطع السابق عليه مباشرة مقطع بني إسرائيل؟
6 - قلنا من قبل: إن الحوار مع بني إسرائيل لا زال مفتوحا، وإن ختم مقطع بني إسرائيل، ذلك لأنه لا زال لليهود. كلام يقولونه، متكئين عليه في رفض الإيمان بالإسلام، وفي مقطع إبراهيم يستكمل جزء من الحوار، إذ الإمامة في ذرية إبراهيم مشروطة، وقد أخل اليهود بالشرط فلا حجة لهم في أن تستمر الإمامة فيهم، ولذلك تنتقل الإمامة إلى أمة تقوم بحق الله، وذلك مقتضى دعوة إبراهيم وإسماعيل وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ... وبعثة محمد ﷺ مقتضى دعوة إبراهيم عليه السلام لأبناء إسماعيل وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ... والمقطع يقرر أن دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب هو الإسلام، فإن يرغب بنو إسرائيل عن الإسلام فذلك سفه فيهم.
وكما أنه في مقطع بني إسرائيل أعطيت أمتنا دروسا، فكذلك في مقطع إبراهيم، وكما أن أمتنا قد علمت كيف ترد على الدعوات الباطلة في المقطع السابق فكذلك الحال هنا في هذا المقطع.
7 - في مدخل الكلام عن بني إسرائيل رأينا أنه وجهت لبني إسرائيل أوامر ونواه، وأن المقطع جاء بعد ذلك بمثابة تعليل لتوجيه هذه الأوامر والنواهي، ورأينا أن الفصل الثاني من مقطع بني إسرائيل مرتبط بقوله تعالى في المدخل وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وأن الحوار في الفقرتين الأخيرتين من الفصل الثاني انصب على هذه المعاني، وقلنا في هذه الكلمة إن مقطع إبراهيم عليه السلام يكمل الحوار في هذا الشأن، والآن نقول إن مقطع إبراهيم زيادة على تكملة الحوار فإنه يضع أساسا لنقطة تعرض لها مدخل مقطع بني
إسرائيل، وهي القضية المذكورة بعد الآية التي ذكرناها آنفا، إن الآية اللاحقة لهذه الآية هي قوله تعالى وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إذ الملاحظ أن مقطع إبراهيم يرد فيه قبل الآية الأخيرة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وسنرى أن مقاطع لاحقه ستتعرض بشكل أوسع لموضوع كتمان ما أنزل الله
إن تعانق المقطع مع ما قبله ومع ما بعده كثير كبير شديد، وتعانق فقراته مع بعضها كثير شديد كما سنرى.
ولنطرز هذه المقدمة عن سياق المقطع بخاتمة ما قدم سيد قطب لهذا المقطع. يقول:
وفي ثنايا هذا العرض التاريخي (الذي عرضه النص وتحدث عنه سيد) يبرز السياق أن الإسلام بمعنى إسلام الوجه لله وحده، كان هو الرسالة الأولى وكان هو الرسالة الأخيرة، هكذا اعتقد إبراهيم، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى، ثم آلت أخيرا إلى ورثه إبراهيم من المسلمين، فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها ووريث عهودها وبشاراتها، ومن فسق عنها ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم، فقد فسق عن عهد الله، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشارته. عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته، وهم ورثته وخلفاؤه، لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة، وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثه باني هذا البيت ورافع قواعده؛ بانحرافهم عن عقيدته، ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون، فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم، كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب حافل بالإشارات الموحية، والوقفات العميقة الدلالة، والإيضاح القوي التأثير».
ولنبدأ عرض وتفسير المقطع:
الفقرة الأولى وتفسيرها:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي: واذكر إذ اختبر إبراهيم ربه بأوامر ونواه فَأَتَمَّهُنَّ أي: قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط ولا توان، والابتلاء: هو الاختبار والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد
علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى، وللمفسرين في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام كلام
كثير، وكل أقوالهم استنباط، إما من خلال السياق، أو من خلال قصة إبراهيم في القرآن، أو من خلال ما قصه رسول الله ﷺ عن أبينا إبراهيم وهو كلام مفيد ولذلك سنعقد له فصلا. أما هاهنا فنقول: «لقد وردت كلمة (بكلمات) منكرة للإشعار بأن الهدف من السياق هو تبيان قيام إبراهيم بما كلف به لا تبيان التكليف، على أنه من الفقرة، سنرى نموذجا على قيام إبراهيم بما يكلف به من خلال قيامه ببناء البيت قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً الإمام هو: من يؤتم به ويقتدى، وإمامة إبراهيم مؤبدة يجمع عليها حتى المختلفون من أبناء الديانات الكتابية، والظاهر أن إتمام إبراهيم عليه الصلاة والسلام الكلمات سبب الإمامة، فكأنه كان نبيا ثم بإتمامه الكلمات أعطي منصب الرسالة مكافأة، فالقيام بأمر الله كاملا هو الذي يرشح لمنصب الإمامة في دين الله، فما أكثر خطأ الذين يتصدرون للإمامة عن غير طريقها. قالَ إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم، وذرية الرجل: أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ اختلف المفسرون في تفسير العهد والظلم في هذه الآية، فقد فسر الظلم: هنا بالكفر والشرك، وفسر:بالظلم الذي هو مخالفة الشريعة، فعلى الأول يكون المعنى لا ينال عهدي كافر. وعلى الثاني: لا ينال عهدي فاسق، وفسر العهد: بالنبوة والدين والأمر والطاعة والنجاة في الآخرة، كما فسر بالوعد بالإمامة وهو أحقها بالاعتماد. فالمعنى: أنه لا ينال الإمامة فى الدين ظالم، والظلم نوعان: ظلم يتعدى الإنسان إلى غيره، وظلم لنفسه، وسنعقد من أجل إبراز ما يدخل في هذا النص أو من أجل رد الفهوم الخاطئة فيه فصولا.قال ابن كثير: وقال ابن خويزمنداد المالكي: «الظالم لا يصلح أن يكون خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا شاهدا، ولا راويا».
فالمعنى العام للآية كما يفهم من مجموع كلام ابن كثير:
واذكر لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، واذكر لهؤلاء وتذكر ابتلاء الله إبراهيم أي: اختباره بما كلفه به من الأوامر والنواهي، فأتمهن: أي: قام بهن كلهن؛ فاستحق بذلك منصب الإمامة جزاء على ما فعل، فكما قام بالأوامر وترك الزواجر؛ جعله الله قدوة وإماما يقتدى به في الخير،
فرغب إلى الله أن تكون الإمامة في بعض ذريته كذلك فأجيب لذلك، لكنه أخبر بأنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة؛ فلا يقتدى بهم.
وبعد الآية الأولى تأتي في الفقرة هذه الآية: