قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ 144
[سورة البقرة (2): آية 144]
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وأول آية في الفقرة الثانية فيها قوله تعالى:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وخاتمتها هي وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
وهكذا يأتي مقطع القبلة من فقرات ثلاث واضحة المعالم: الأولى منها بمثابة التعليل للتغيير، والثانية فيها أمر بالتغيير، والثالثة فيها تأكيد للأمر. وفي كل من الفقرات الثلاث تعليم حجة أو إقامة حجة. وفي الفقرة الأولى والثالثة تبيان النعمة في شأن الأمر الناسخ. وفي الفقرة الثانية تهديد لمن خالف أو ناقش أو تردد، وفي ثنايا ذلك ومع ذلك معان لا يحاط بها. وذلك كله أوسع من أن يستطيع البشر بعضه لمن عقل. وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز.
تفسير الفقرة الثانية في مقطع القبلة:
آثار:
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود. فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا وكان يحب قبلة إبراهيم. فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء. فأنزل الله قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ إلى قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
وقال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وقال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمرو عن داود بن الحصين.... عن ابن عباس قال:
«كان النبي- ﷺ إذ سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل عليه السلام» وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة...
عن يحيى بن قطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب فتلا هذه الآية فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها قال: نحو ميزاب الكعبة. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي ذكر ميزاب الكعبة في هذا النص والذي قبله إشارة إلى قبلة أهل المدينة ومن وراءهم. فميزاب الكعبة في الجهة الشمالية منها. وأهل المدينة في تلك الجهة بالنسبة للكعبة.
التفسير:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء إذ كان رسول الله ﷺ كما رأينا يحب أن يحول إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود. ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومطافهم.
قال الألوسي: والظاهر أنه ﷺ لم يسأل ذلك من ربه. بل كان ينتظر فقط..
وذلك دلالة على كمال أدبه ﷺ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنعطينك ولنمكننك من استقبال هذه القبلة التي تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته. والفعل (ولى) هنا يحتمل التولية. فإن كان من باب الولاية يكون المعنى ما ذكرنا. وإن كان من باب التولية يكون المعنى فلنجعلنك تتوجه سمت القبلة التي تحبها وتميل إليها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: نحوه.
فصار المعنى: «اجعل تولية وجهك تلقاء المسجد الحرام. وهل المراد إصابة عين الكعبة أو المراد الجهة؟ قولان للأئمة في ذلك. والأكثر على أن المراد الجهة وهو أحد قولين للشافعي. ومما استدل به الحنفية وغيرهم على أن المراد إرادة الجهة لا عين القبلة من الآية، أن الآية ذكرت المسجد الحرام ولم تذكر الكعبة بالذات. فدل ذلك على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. واستدلوا كذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ما بين
المشرق والمغرب قبلة وهذا لمن كان في جهة الشمال أو الجنوب من الحرم. واستدلوا كذلك بالحديث «البيت قبلة لأهل المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي». أخرج ابن جريج عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «أي حيثما كنتم من الأرض وأردتم الصلاة فولوا وجوهكم نحوه». قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شئ سوى النافلة في حالة السفر. فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليها الشافعي وأحمد وأبو حنيفة
قال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه، فإلى موضع قدميه. وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي ليعلمون أن التحويل أو التوجه إلى الكعبة هو الحق من الله عزّ وجل، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب بشقيهم من يهود ونصارى يعلمون أن النبوة القادمة المبشر بها قبلتها كعبة إبراهيم، وهذا واضح لكل من تأمل موضوع البشارات بالنبوة القادمة في كتب العهد القديم التي هي محل اعتماد اليهود والنصارى. إذ في هذه البشارات كما نقلنا نصوصها في كتابنا «الرسول» ﷺ الفصل الخامس، كلام عن مكة، وإشارات إلى الكعبة بالذات.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ هذا وعيد للكافرين بالعقاب والعذاب على الجحود وإنكار الحق وكتمانه وإبائه.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وأول آية في الفقرة الثانية فيها قوله تعالى:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وخاتمتها هي وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
وهكذا يأتي مقطع القبلة من فقرات ثلاث واضحة المعالم: الأولى منها بمثابة التعليل للتغيير، والثانية فيها أمر بالتغيير، والثالثة فيها تأكيد للأمر. وفي كل من الفقرات الثلاث تعليم حجة أو إقامة حجة. وفي الفقرة الأولى والثالثة تبيان النعمة في شأن الأمر الناسخ. وفي الفقرة الثانية تهديد لمن خالف أو ناقش أو تردد، وفي ثنايا ذلك ومع ذلك معان لا يحاط بها. وذلك كله أوسع من أن يستطيع البشر بعضه لمن عقل. وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز.
تفسير الفقرة الثانية في مقطع القبلة:
آثار:
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود. فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا وكان يحب قبلة إبراهيم. فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء. فأنزل الله قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ إلى قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها. قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
وقال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وقال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمرو عن داود بن الحصين.... عن ابن عباس قال:
«كان النبي- ﷺ إذ سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل عليه السلام» وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة...
عن يحيى بن قطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب فتلا هذه الآية فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها قال: نحو ميزاب الكعبة. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي ذكر ميزاب الكعبة في هذا النص والذي قبله إشارة إلى قبلة أهل المدينة ومن وراءهم. فميزاب الكعبة في الجهة الشمالية منها. وأهل المدينة في تلك الجهة بالنسبة للكعبة.
التفسير:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء إذ كان رسول الله ﷺ كما رأينا يحب أن يحول إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود. ولأنها أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومطافهم.
قال الألوسي: والظاهر أنه ﷺ لم يسأل ذلك من ربه. بل كان ينتظر فقط..
وذلك دلالة على كمال أدبه ﷺ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنعطينك ولنمكننك من استقبال هذه القبلة التي تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته. والفعل (ولى) هنا يحتمل التولية. فإن كان من باب الولاية يكون المعنى ما ذكرنا. وإن كان من باب التولية يكون المعنى فلنجعلنك تتوجه سمت القبلة التي تحبها وتميل إليها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: نحوه.
فصار المعنى: «اجعل تولية وجهك تلقاء المسجد الحرام. وهل المراد إصابة عين الكعبة أو المراد الجهة؟ قولان للأئمة في ذلك. والأكثر على أن المراد الجهة وهو أحد قولين للشافعي. ومما استدل به الحنفية وغيرهم على أن المراد إرادة الجهة لا عين القبلة من الآية، أن الآية ذكرت المسجد الحرام ولم تذكر الكعبة بالذات. فدل ذلك على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. واستدلوا كذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ما بين
المشرق والمغرب قبلة وهذا لمن كان في جهة الشمال أو الجنوب من الحرم. واستدلوا كذلك بالحديث «البيت قبلة لأهل المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي». أخرج ابن جريج عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «أي حيثما كنتم من الأرض وأردتم الصلاة فولوا وجوهكم نحوه». قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شئ سوى النافلة في حالة السفر. فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة. وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليها الشافعي وأحمد وأبو حنيفة
قال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه، فإلى موضع قدميه. وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي ليعلمون أن التحويل أو التوجه إلى الكعبة هو الحق من الله عزّ وجل، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب بشقيهم من يهود ونصارى يعلمون أن النبوة القادمة المبشر بها قبلتها كعبة إبراهيم، وهذا واضح لكل من تأمل موضوع البشارات بالنبوة القادمة في كتب العهد القديم التي هي محل اعتماد اليهود والنصارى. إذ في هذه البشارات كما نقلنا نصوصها في كتابنا «الرسول» ﷺ الفصل الخامس، كلام عن مكة، وإشارات إلى الكعبة بالذات.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ هذا وعيد للكافرين بالعقاب والعذاب على الجحود وإنكار الحق وكتمانه وإبائه.