وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ 84 ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 85 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 86 وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ 87 وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ 88

تفسير سورة البقرة - الآية 87

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقࣰا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقࣰا تَقۡتُلُونَ 87

[سورة البقرة (2): آية 87]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ
أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103)
كلمة في هذه الفقرة:
1 - لقد رأينا أن مدخل هذا المقطع دعا اليهود إلى الإيمان بالقرآن:
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
ورأينا الفقرة الأولى من الفصل الثاني تيئس المسلمين من الطمع بإيمان اليهود، ثم تأتي الفقرة الثانية من الفصل الثاني فترينا أن عند اليهود خللا في إيمانهم بكتابهم أصلا، ثم تأتي هذه الفقرة لتبدأ حوارا مفتوحا مع اليهود في قضية الإيمان والأسباب الصارفة لهم عن الإيمان بالقرآن، وأنها ليست إلا الطبيعة الكافرة المستكبرة الفارة من الهدى إلى الضلال، فهي إذن استمرار للفصل الأول المبدوء بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ.. ومن ثم فهي تحدثنا عن أن عادة بني إسرائيل أن يكذبوا، ويقتلوا كل رسول لا يوافق كلامه أهواءهم، وتحدثنا عن أسباب أخرى يرفضون من أجلها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم عليهم الحجة بشكل ثم بآخر، فهي استكمال لعرض الأسباب والعوامل التي تحول بينهم وبين الإيمان بالقرآن.
2 - في الفصل الأول من هذا المقطع جاء قوله تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وتأتي هذه الفقرة فترينا تفصيلات، في قتلهم الأنبياء، وكفرهم بالآيات، وعصيانهم، واعتدائهم بعد أن وجدت الأسس اللازمة لهذه التفصيلات، ولتخدم هذه التفصيلات هنا السياق السابق، واللاحق بشكل أجدى.
3 - دعاهم مدخل هذا المقطع إلى الإيمان والتقوى:
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.
ونجد في هذه الفقرة وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
ونجد أن خاتمتها هي: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
فالفقرة هذه إذن تناقش مواقفهم من الدعوة الموجهة إليهم، ومن قبل كان عرض لمواقفهم، فهناك عرض، وهاهنا حوار مباشر.
4 - يلاحظ أن المعاني في الفقرة تتعانق ومن ثم تتكرر بدايات بعينها، فالآية الأولى في الفقرة مبدوءة بقوله تعالى وَلَقَدْ وكذلك الآية (92) وكذلك الآية (99) والآية (89) مبدوءة بكلمة وَلَمَّا وكذلك الآية (101) وفي الفقرة ورد قوله تعالى أَفَكُلَّما وبعد اثنتي عشرة آية قوله تعالى أَوَكُلَّما وهذا كله يعطينا مؤشرات على وحدة الفقرة كما سنرى.
5 - ومن خلال النقاش الطويل مع بني إسرائيل في قضية الإيمان بالقرآن والهدى المنزل من الله عزّ وجل، تتضح للمسلم مجموعة الأمور التي تصرف عن الإيمان بالقرآن، ويتعمق لديه حس المعرفة بالطبيعة اليهودية العابثة التي ستكون بينها وبين المسلمين مواجهات خلال العصور.
والفقرة مع تعانق معانيها فإنها تكاد تنقسم إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة فيها درس، بل دروس، ولنبدأ عرض المجموعة الأولى:
المجموعة الأولى:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، يقال قفاه به إذا أتبعه إياه، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، والإخبار بالمغيبات وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي بالروح المقدسة، ومعنى القدس في الأصل الطهارة. وما هي هنا؟ للمفسرين أقوال، منهم من قال: إنه جبريل؛ لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، ومنهم من قال: إنه الإنجيل؛ لأنه كالقرآن روح من عند الله وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. (سورة الشورى) ومنهم من قال: إنه اسم الله الأعظم، الذي كان يحيي به الموتى. قال ابن جرير:
وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل.. أقول ويؤيد هذا الاتجاه قول الله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ.. (سورة الشعراء) فسمى جبريل في هذه الآية روحا، ويؤيد هذا الاتجاه ما رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أيد حسان بروح القدس؛ كما نافح عن نبيك».
وفي بعض الروايات: إن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم أو هاجهم وجبريل معك».
أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ أي بما لا تحبه وتريده اسْتَكْبَرْتُمْ
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أي تعظمتم عن القبول والمتابعة، ففريقا كذبتموهم كعيسى ومحمد، وفريقا تقتلونهم كز كريا ويحيى. قال الزمخشري في قوله تعالى فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ «إنما لم يقل وفريقا قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا، لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر».
في الآية نعت بني إسرائيل بالعتو، والعناد، والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، آتى الله موسى الكتاب فحرفوه، وبدلوه، وخالفوا أوامره، وأولوها، وأرسل الرسل بعده يحكمون بشريعته، فكانوا يعاملونهم أسوأ معاملة، من التكذيب إلى القتل. ثم ختم الله أنبياء بني إسرائيل بعيسى عليه السلام، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، وأعطاه الله من المعجزات الكثير وأيده بجبريل، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وصدهم وعنادهم، وكل هذه المواقف من الأنبياء سببه أن الأنبياء يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، فالأمر بالنسبة لهم معكوس، إنهم بدلا من أي يضبطوا أهواءهم على شرع الله يريدون أن يكون شرع الله تابعا لأهوائهم، وأمة هذا شأنها لا يستغرب موقفها الكافر من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وما أشبه حال الكثيرين من أبناء عصرنا بهذا الذي عليه اليهود: إذا حدثتهم عن الإسلام بما يوافق هواهم قبلوا وإلا كذبوا؛ وإن كان لهم سلطان قتلوا، وما أكثر من يجعل الإسلام تابعا لأهواء الناس من الحاكمين والمحكومين، حتى صعب على أهل الإخلاص والعلم أن يبينوا الإسلام للناس كما هو، لكثرة مسايرة الأهواء فأين هذا من الحديث؟
«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».
همزة الاستفهام في قوله تعالى أَفَكُلَّما تفيد التوبيخ، والتعجب، وأي عجب أكبر من تكذيب الرسل، وقتلهم، والاستكبار عن متابعتهم، والسماع لهم، ومن يستحق اللوم أكثر من هؤلاء؟
بداية سورة البقرة فهرس السور