سورة الحجبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ 1 يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ 2 وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ 3 كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ 4 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ 5

تفسير سورة الحج - الآية 2

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدࣱ 2

[سورة الحج (22): الآيات 2 الى 4]
كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، وعمن هي أشفق الناس عليه، ألا وهو رضيعها، إنها تدهش عنه في حال إرضاعها، وقوله تعالى مُرْضِعَةٍ يشير إلى أن ذلك الهول إذا حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة، فالمرضعة هي التي تمارس الإرضاع وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ أي كل حبلى حَمْلَها أي قبل تمامه لشدة الهول، قال الحسن البصري: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام وَتَرَى أي الناظر النَّاسَ سُكارى أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه، قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى وَما هُمْ بِسُكارى على التحقيق وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه،
وبعد أن أمر الله بالتقوى، وعلل لهذا الأمر، وهيج عليه، يذكر الآن الصارف الرئيسي عنها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي علم صحيح كحال أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة، الدعاة إلى الكفر والبدع بالأهواء والآراء وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ أي عات مستمر في الشر
كُتِبَ عَلَيْهِ أي قضي على الشيطان أَنَّهُ أي أن الأمر والشأن مَنْ تَوَلَّاهُ أي اتبعه وقلده فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ أي فإن الشيطان يضله عن سواء السبيل وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي إلى النار والمعنى: كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته إلى النار.
والسعير: هو الحار المؤلم المقلق المزعج.
كلمة في السياق:
أمرت الآيات بالتقوى، وعللت لضرورة إقامتها، وذكرت ما يصرف الناس عنها، وهو الجهل في الله واتباع الشيطان، والذي دلنا على أن الجهل في الله هو الصارف هو قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ دل ذلك على أن هذا المجادل جاهل في
الله، وأن من آثار هذا الجهل اتباع الشيطان في طرق الضلال، الموصلة إلى النار، فإذا تذكرنا محور السورة من البقرة وهو يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عرفنا أنه لا تقوى إلا بعبادة، ولا عبادة إلا بمعرفة صحيحة لله، وعلم صحيح به جل جلاله، فمن لم يعرف أسماءه وصفاته وأفعاله ومن يعرف أن الأمر له، وأن له الحكم وأن له الطاعة، وأن شرعه واجب الاتباع، وأنه وحده الذي يخاف، ويستعان ويدعى، ويتوكل عليه، وغير ذلك مما هو من حقوقه جل جلاله، إن من لم يعرف الله حق المعرفة لا يعبده حق العبادة، وبالتالي فلا يتحقق بالتقوى، وبالتالي فإنه يكون متبعا للشيطان، وعلى هذا فما من نقص في التقوى إلا وسببه نقص في معرفة الله عزّ وجل.
الفوائد:
- ما المراد بزلزلة الساعة؟ هل المراد بها زلزلة حسية أو زلزلة نفسية بسبب موقف من مواقف الهول؟ وهل هذا قبل يوم القيامة أو في مشهد من مشاهد يوم القيامة وإذا كان في مشهد من مشاهد يوم القيامة فهل يكون في ذلك الموقف نساء حوامل ومرضعات، أو التقدير أنه لو كان هناك حوامل ومرضعات لحدث مثل هذا لهول الموقف؟ الخلاف بين المفسرين في هذا المقام كثير، والذي تقوم عليه الأدلة ما رجحه ابن جرير، وقد عرضه ابن كثير، وهو الذي نختاره:
قال ابن كثير: (وقال آخرون بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيامة من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث:
الحديث الأول: روى الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تقارب من أصحاب السير: رفع بهاتين الآيتين صوته يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: «أتدرون أي يوم ذاك؟ ذاك يوم ينادي آدم عليه السلام فيناديه ربه عزّ وجل فيقول يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة» قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة فلما رأى ذلك قال: «أبشروا واعملوا؛ فو الذي نفس محمد بيده إنكم
لمع خليقتين ما كانتا مع شئ قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبنى إبليس» قال: فسرى عنهم ثم قال: «اعملوا وأبشروا؛ فو الذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة في ذراع الدابة».
الحديث الثاني: روى ابن أبي حاتم عن أنس قال: نزلت إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وذكر يعني سياق الحسن عن عمران غير أنه قال: ومن هلك من كفرة الجن والإنس».
الحديث الثالث: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فذكر نحوه، وقال فيه: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» ثم قال: «إني لأرجو أن تكون شطر أهل الجنة، ففرحوا وزاد أيضا:«إنما أنتم جزء من ألف جزء».
الحديث الرابع: ذكر البخاري عند تفسير هذه الآية: عن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك- فينادى بصوت- إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف- أراه قال:- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة- فكبرنا ثم قال:- شطر أهل الجنة» فكبرنا.
الحديث الخامس: روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا رب من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون» فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: «هل تدرون؟ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير»
الحديث السادس: روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ «إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قالت عائشة: يا رسول الله
الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» أخرجاه في الصحيحين.
الحديث السابع: روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت:
يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: «يا عائشة أما عند ثلاث فلا؛ أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فيطوي عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، قال: فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالبرق، وكالطرف، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: يا رب سلم سلم فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه».
من هذه النقول نستطيع أن نقول:
1 - إن قوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يمكن أن يراد به الزلزلة التي بها تقوم الساعة، ويمكن أن يراد به زلزلة أخرى لها صلة بالساعة؛ ولقد جاءت النصوص فحددت المعنى الثاني، وهو أن المراد بهذه الزلزلة ما يحدث للناس في موقف من مواقف الهول يوم القيامة.
2 - إن قوله تعالى تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها يمكن أن يحمل على الظاهر، فهناك نساء يمتن وهن حوامل، ونساء يمتن هن وأولادهن الرضع في وقت واحد، فيحشر الجميع على ما ماتوا عليه، ويمكن أن يكون المعنى على الظاهر في حق الحامل، وأن كل مرضع تذهل عمن أرضعته في الماضي.
3 - في سبب نزول قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال ابن كثير: وقد قال السدي عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وكذلك قال ابن جريج: روى ابن أبي حاتم عن أبي كعب المكي: قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فتقعقعت السماء قعقعة- والقعقعة في كلام العرب الرعد- فإذا قحف رأسه
ساقط بين يديه، وقال ليث بن سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شئ هو من در، أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته. أقول:
وأيا كان سبب النزول فإن العبرة لعموم اللفظ، ولننتقل إلى المقطع الثاني.
المقطع الثاني
ويمتد من الآية (5) إلى نهاية الآية (48)، وقد اعتمدنا عرضه كمجموعات لطوله، ولذلك فسنذكر المجموعة وتفسيرها، ومحلها في السياق الخاص والعام، ثم ننتقل إلى غيرها حتى ينتهي المقطع.
يتألف المقطع الثاني من سبع مجموعات وها نحن نبدأ بعرض المجموعة الأولى.
المجموعة الأولى
وتمتد من الآية (5) إلى نهاية الآية (7) وهذه هي:
[سورة الحج (22)، الآيات 5 الى 7]
يا
بداية سورة الحج فهرس السور