أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 64
[سورة النمل (27): آية 64]
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشؤه ثُمَّ يُعِيدُهُ قال النسفي:
وإنما قيل لهم ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم منكرون للإعادة لأنه أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ قال النسفي:
المطر وَالْأَرْضِ قال النسفي النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على إشراككم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أن مع الله إلها آخر، وبهذا انتهت المجموعة الأولى.
...
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال: (فالمضطر
في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى.. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه.
يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق.
والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة. يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة. فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين.
والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل. حقائق خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل الأرض قرارا، والجبال رواسي، وإجراء الأنهار، والحاجز بين البحرين. فالتجاء المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء.
ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ..
فمن يجعل الناس خلفاء الأرض؟ أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا.
ثم جعلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء؟
أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى. النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا؛ والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة.
ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه
لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا.
وأخيرا أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة؛ واستخلف جيلا بعد جيل؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات، وتجدد أنماط الحياة، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور. فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الإمام!
إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق. فمن الذي حقق وجودها وأنشأها؟ من؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟..
إنهم لينسون ويغفلون. وهذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس، مشهودة في واقع الحياة: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا بالله صلة الفطرة الأولى. ولما غفل عن ربه، ولا أشرك به أحدا).
كلمة في السياق:
نلاحظ أنه قد ورد في الآية الأولى من هذه المجموعة قوله تعالى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ بعد قوله تعالى قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ومن محض العقل، ومن السياق نعرف الجواب: أن الله خير، بدليل ما قبل الآية مما يفعل الله لرسله وأوليائه بينما لا تنفع الآلهة المزعومة أصحابها، وبدليل ما ذكر في بقية المجموعة من كون الله خالقا ومنعما ومجيبا وهاديا ومبدئا ومعيدا ورازقا، وغيره لا يخلق ولا ينعم ولا يجيب ولا يهدي ولا يبدئ ولا يعيد ولا يرزق. وهكذا نجد الآية الأولى في المجموعة جسرا بين ما قبلها وما بعدها، ويلاحظ أنه حيث ورد قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يكون التقدير: أإله مع الله يعبد، أو أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا يدل على أن المجموعة كلها مسوقة لتوكيد التوحيد الذي دعا إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما رأينا ذلك في المقطع الأول، وفي الآيات كذلك تعليل للأمر الذي ورد في أول المجموعة قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فالله الذي هذا فعله يستحق الحمد، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالاته يستأهلون السلام ونلاحظ أن الآية الثانية في المجموعة ختمت بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ والثالثة بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ والرابعة بقوله: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ والخامسة بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ والسادسة بقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فدل ذلك على أن أسباب الشرك تعود إلى مساواة الله بغيره. وإلى الجهل وعدم التذكر، وعدم معرفة عظمة الله، وإلى الجهل بالدليل، فإذا اتضحت هذه المعاني الكبرى في المجموعة.
فقد آن لنا أن نقول:
بدأت السورة بقوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ وبعد آيات قررت أن مصدر هذا القرآن هو الله عزّ وجل وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وبعد أن ضرب الله عزّ وجل أمثلة على إلقائه الوحي، وإنعامه على الرسل، أمر رسوله ﷺ أن يحمده، ثم أقام الدليل على عظمته وتوحيده واستحقاقه الحمد جل جلاله فعرفنا على ذاته العظيمة من خلال خلقه وعرفنا على حكمته وعلمه من خلال تعريفنا على أفعاله، وعرفنا على استحقاق رسله عليهم الصلاة والسلام للسلام، كيف لا وهم الذين بعثوا بالآيات والهداية، لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ولاحظ كيف تكمل مجموعات السورة ومقاطعها بعضها بعضا؛ فالمجموعة الأخيرة عرفتنا على الله منزل القرآن وناصر الرسل.
والمجموعات الأربع التي سبقتها أرتنا نماذج على وحي الله ونصرة الرسل، وكل ذلك بعد المقدمة التي قررت أن هذا القرآن مصدره الله عزّ وجل، وأنه هو الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، والآن تأتي مجموعة جديدة لتخدم السياق الخاص للسورة، والسياق العام للقرآن بشكل معجز، ككل ما في هذا القرآن. إن المجموعة الجديدة تبدأ بالأمر قُلْ كما بدأت المجموعة الأولى، وهي تبني علي المجموعة الأولى وتناقش من لا يؤمنون بالآخرة، لأن عدم الإيقان بالآخرة علة لرفض القرآن، وتقيم الحجة على اليوم الآخر، وعلى كون هذا القرآن من عند الله، ومن خلال دراستها سنرى كيف أن مجموعات المقطع الثاني تخدم كل منها ما ورد في المقدمة بشكل من الأشكال، وكل ذلك يأتي بما يخدم محور السورة، وبما يحدد التكاليف المترتبة على ما تقرر في محور السورة، وكلها قضايا سنرى تفصيلاتها فيما يأتي. فلنر الآن المجموعة الثانية من المقطع الثاني.
المجموعة الثانية
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشؤه ثُمَّ يُعِيدُهُ قال النسفي:
وإنما قيل لهم ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم منكرون للإعادة لأنه أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ قال النسفي:
المطر وَالْأَرْضِ قال النسفي النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على إشراككم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أن مع الله إلها آخر، وبهذا انتهت المجموعة الأولى.
...
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال: (فالمضطر
في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى.. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه.
يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق.
والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة. يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة. فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين.
والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل. حقائق خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل الأرض قرارا، والجبال رواسي، وإجراء الأنهار، والحاجز بين البحرين. فالتجاء المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء.
ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ..
فمن يجعل الناس خلفاء الأرض؟ أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا.
ثم جعلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء؟
أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى. النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا؛ والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة.
ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه
لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا.
وأخيرا أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة؛ واستخلف جيلا بعد جيل؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات، وتجدد أنماط الحياة، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور. فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الإمام!
إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق. فمن الذي حقق وجودها وأنشأها؟ من؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟..
إنهم لينسون ويغفلون. وهذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس، مشهودة في واقع الحياة: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا بالله صلة الفطرة الأولى. ولما غفل عن ربه، ولا أشرك به أحدا).
كلمة في السياق:
نلاحظ أنه قد ورد في الآية الأولى من هذه المجموعة قوله تعالى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ بعد قوله تعالى قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ومن محض العقل، ومن السياق نعرف الجواب: أن الله خير، بدليل ما قبل الآية مما يفعل الله لرسله وأوليائه بينما لا تنفع الآلهة المزعومة أصحابها، وبدليل ما ذكر في بقية المجموعة من كون الله خالقا ومنعما ومجيبا وهاديا ومبدئا ومعيدا ورازقا، وغيره لا يخلق ولا ينعم ولا يجيب ولا يهدي ولا يبدئ ولا يعيد ولا يرزق. وهكذا نجد الآية الأولى في المجموعة جسرا بين ما قبلها وما بعدها، ويلاحظ أنه حيث ورد قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يكون التقدير: أإله مع الله يعبد، أو أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا يدل على أن المجموعة كلها مسوقة لتوكيد التوحيد الذي دعا إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما رأينا ذلك في المقطع الأول، وفي الآيات كذلك تعليل للأمر الذي ورد في أول المجموعة قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فالله الذي هذا فعله يستحق الحمد، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالاته يستأهلون السلام ونلاحظ أن الآية الثانية في المجموعة ختمت بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ والثالثة بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ والرابعة بقوله: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ والخامسة بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ والسادسة بقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فدل ذلك على أن أسباب الشرك تعود إلى مساواة الله بغيره. وإلى الجهل وعدم التذكر، وعدم معرفة عظمة الله، وإلى الجهل بالدليل، فإذا اتضحت هذه المعاني الكبرى في المجموعة.
فقد آن لنا أن نقول:
بدأت السورة بقوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ وبعد آيات قررت أن مصدر هذا القرآن هو الله عزّ وجل وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وبعد أن ضرب الله عزّ وجل أمثلة على إلقائه الوحي، وإنعامه على الرسل، أمر رسوله ﷺ أن يحمده، ثم أقام الدليل على عظمته وتوحيده واستحقاقه الحمد جل جلاله فعرفنا على ذاته العظيمة من خلال خلقه وعرفنا على حكمته وعلمه من خلال تعريفنا على أفعاله، وعرفنا على استحقاق رسله عليهم الصلاة والسلام للسلام، كيف لا وهم الذين بعثوا بالآيات والهداية، لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ولاحظ كيف تكمل مجموعات السورة ومقاطعها بعضها بعضا؛ فالمجموعة الأخيرة عرفتنا على الله منزل القرآن وناصر الرسل.
والمجموعات الأربع التي سبقتها أرتنا نماذج على وحي الله ونصرة الرسل، وكل ذلك بعد المقدمة التي قررت أن هذا القرآن مصدره الله عزّ وجل، وأنه هو الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، والآن تأتي مجموعة جديدة لتخدم السياق الخاص للسورة، والسياق العام للقرآن بشكل معجز، ككل ما في هذا القرآن. إن المجموعة الجديدة تبدأ بالأمر قُلْ كما بدأت المجموعة الأولى، وهي تبني علي المجموعة الأولى وتناقش من لا يؤمنون بالآخرة، لأن عدم الإيقان بالآخرة علة لرفض القرآن، وتقيم الحجة على اليوم الآخر، وعلى كون هذا القرآن من عند الله، ومن خلال دراستها سنرى كيف أن مجموعات المقطع الثاني تخدم كل منها ما ورد في المقدمة بشكل من الأشكال، وكل ذلك يأتي بما يخدم محور السورة، وبما يحدد التكاليف المترتبة على ما تقرر في محور السورة، وكلها قضايا سنرى تفصيلاتها فيما يأتي. فلنر الآن المجموعة الثانية من المقطع الثاني.
المجموعة الثانية