يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ 149
[سورة آل عمران (3): آية 149]
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. وينتهي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ويتألف من أربعة مقاطع:
المقطع الأول: وفيه نهي عن طاعة الكافرين، ووعد من الله بأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب. وينصرنا عليهم، ثم تعليل لما حدث يوم أحد مما ظاهره يتعارض مع هذا الوعد. وفي هذا المقطع يرد عرض لصور مما حدث يوم أحد.
المقطع الثاني: وفيه نهي عن أن يقول المؤمنون عن إخوانهم الذين قتلوا. لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا. وفي المقطع كذلك دروس من غزوة أحد.
المقطع الثالث: وفيه تصحيح للتصورات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.
المقطع الرابع: وفيه تعليمات وتوجيهات وتربية لأهل الإيمان.
وفي هذا القسم، تبرز بشكل واضح طريقة التربية من خلال الواقع، ومن خلال المحاسبة على الخطأ. ففي سياق المعاني التي تشكل مسرى السورة تعرض صور مما حدث يوم أحد، ليأخذ المسلمون دروسها.
وسنرى ما في القسم من تسلسل ومعان أثناء عرض مقاطعه، وهاهنا نذكر بما يذكر بصلة هذا القسم ببقية سورة آل عمران، وبمقدمة سورة البقرة.
في القسم السابق على هذا القسم نهينا عن طاعة أهل الكتاب، وفى هذا القسم، نهينا عن طاعة الكافرين مطلقا، مع وعد من الله- عزّ وجل- بالنصر على الكافرين، وبهذه المناسبة قد يتساءل متسائل: وماذا حدث يوم أحد؟ وهاهنا يأتي السياق ليحدثنا عن دروس أحد، وهو بذلك يعرض علينا شروط النصر الرباني.
ويأتي المقطع الثاني لينهانا عن خلق من أخلاق الكافرين، ويحررنا من تصوراتهم.
ويأتي المقطع الثالث ليصحح تصوراتنا عن كثير من القضايا.
ثم يأتي المقطع الرابع ليدفع الهمم إلى كمالات عليا.
فالقسم الخامس امتداد للمقطع الرابع، وإذا كان القسم الرابع قد بني على الأقسام الثلاثة السابقة عليه، فإن القسم الخامس قد بني على الأقسام الأربعة السابقة عليه.
وإذا كانت مقدمة سورة البقرة قد ذكرت المتقين، والكافرين، والمنافقين، فإن هذا القسم يفصل في أخلاق المتقين، والكافرين، والمنافقين، ويحذر من أخلاق الكافرين، والمنافقين، ويفصل في صفات المتقين، ويحظر على المسلم أن يتابع الكافرين أو يوافقهم في أقوال أو تصرفات، ويحدد العلاقات بين أهل الإيمان، وأهل الكفر.
وسنرى بالتفصيل أثناء عرض المقاطع كيف أن القسم فصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها ولنبدأ عرض المقطع الأول في القسم.
المقطع الأول
يبدأ المقطع الأول بالنهي عن طاعة الكافرين، ويعد المسلمين بالنصر على الكافرين.
فهو إذن يحدد العلاقات بين المؤمنين والكافرين، وتبين مقدمة المقطع أن طاعة الكافرين توصل إلى الردة عن الإسلام. فالصلة بين مقدمة المقطع وبين المجموعة السابقة عليه واضحة، إذ المجموعة السابقة تقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فالآيات تنبهنا على كل ما يؤدي إلى الردة، وفيها وعد بالنصر، ثم تبين تتمة المقطع شروط النصر من خلال ما حدث يوم أحد، فيوم أحد صدق الله وعده، فنصر المسلمين ولكن ماذا فعل المسلمون؟ لقد ارتكبوا مجموعة أخطاء أدت بهم إلى الفشل، وإذن فالوعد بالنصر على الكافرين مشروط بشروط، ولذلك ختم المقطع بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
يبدأ المقطع بالآية (149) وينتهي بنهاية الآية (155). وهو يتألف من مقدمة وفقرة وهذا هو المقطع:-
«المقدمة»
[سورة آل عمران (3)، الآيات 149 الى 151]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
«الفقرة»
[سورة آل عمران (3)، آية 155]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
[سورة آل عمران (3)، الآيات 152 الى 155]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
*** كلمة في السياق:
في هذه الآيات حذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الخسران في الدنيا والآخرة، ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم، والذلة لهم بسبب كفرهم، وشركهم مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال. ثم ذكر
الله- عزّ وجل- بعض ما حدث يوم أحد، وبعض دروس معركته. والمناسبة بين هذه الدروس، وبين هذه المقدمة: أن يوم أحد حدث فيه نوع هزيمة للمسلمين. فما أسباب هذه الهزيمة مع قيام وعد الله بنصرة أوليائه؟ يذكر الله- عزّ وجل- أسباب ذلك: الجبن، وعصيان الأوامر، والخلل في نية طلب الآخرة. ومع هذا كله فإن الله ما تخلى عنهم، بل تولاهم، بأن أحاط هذه الهزيمة بكل لطف، وتوج هذا كله بالعفو عما حدث، وعرض خلال هذا حالات، ومواقف للمنافقين، والمؤمنين، وبين أسباب الزلل. وسنرى هذا كله أثناء استعراض المعنى الحرفي للآيات، والصلة فيما بينها، ومحلها من السياق القرآني العام.
المعني الحرفي لمقدمة المقطع ومقدمة القسم:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا دخل في ذلك كل الكافرين والمنافقين، فبعد أن خصص في آية سابقة طاعة أهل الكتاب، فنهى عنها وحذر منها، يحذر هاهنا المؤمنين من طاعة كل أصناف الكافرين، والنفاق شر أنواع الكفر، ويبين النتيجة يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. أي: يرجعونكم إلى الكفر، إلى الجاهلية، إلى الفسوق، إلى النفاق، إلى الشرك. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أي: فتخسروا الدنيا والآخرة.
فعلى المؤمنين إذن أن يجانبوا الكافرين، والمنافقين، ولا يطيعوهم في شئ حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وإذا كان سبب طاعة الكافرين، رغبة في النصرة، أو رغبة في الرعاية، أو رغبة في كسب القلوب، بين الله- عزّ وجل- في الآية: أن نصرته وولايته خير من نصرة وولاية غيره فقال:
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. وينتهي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ويتألف من أربعة مقاطع:
المقطع الأول: وفيه نهي عن طاعة الكافرين، ووعد من الله بأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب. وينصرنا عليهم، ثم تعليل لما حدث يوم أحد مما ظاهره يتعارض مع هذا الوعد. وفي هذا المقطع يرد عرض لصور مما حدث يوم أحد.
المقطع الثاني: وفيه نهي عن أن يقول المؤمنون عن إخوانهم الذين قتلوا. لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا. وفي المقطع كذلك دروس من غزوة أحد.
المقطع الثالث: وفيه تصحيح للتصورات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.
المقطع الرابع: وفيه تعليمات وتوجيهات وتربية لأهل الإيمان.
وفي هذا القسم، تبرز بشكل واضح طريقة التربية من خلال الواقع، ومن خلال المحاسبة على الخطأ. ففي سياق المعاني التي تشكل مسرى السورة تعرض صور مما حدث يوم أحد، ليأخذ المسلمون دروسها.
وسنرى ما في القسم من تسلسل ومعان أثناء عرض مقاطعه، وهاهنا نذكر بما يذكر بصلة هذا القسم ببقية سورة آل عمران، وبمقدمة سورة البقرة.
في القسم السابق على هذا القسم نهينا عن طاعة أهل الكتاب، وفى هذا القسم، نهينا عن طاعة الكافرين مطلقا، مع وعد من الله- عزّ وجل- بالنصر على الكافرين، وبهذه المناسبة قد يتساءل متسائل: وماذا حدث يوم أحد؟ وهاهنا يأتي السياق ليحدثنا عن دروس أحد، وهو بذلك يعرض علينا شروط النصر الرباني.
ويأتي المقطع الثاني لينهانا عن خلق من أخلاق الكافرين، ويحررنا من تصوراتهم.
ويأتي المقطع الثالث ليصحح تصوراتنا عن كثير من القضايا.
ثم يأتي المقطع الرابع ليدفع الهمم إلى كمالات عليا.
فالقسم الخامس امتداد للمقطع الرابع، وإذا كان القسم الرابع قد بني على الأقسام الثلاثة السابقة عليه، فإن القسم الخامس قد بني على الأقسام الأربعة السابقة عليه.
وإذا كانت مقدمة سورة البقرة قد ذكرت المتقين، والكافرين، والمنافقين، فإن هذا القسم يفصل في أخلاق المتقين، والكافرين، والمنافقين، ويحذر من أخلاق الكافرين، والمنافقين، ويفصل في صفات المتقين، ويحظر على المسلم أن يتابع الكافرين أو يوافقهم في أقوال أو تصرفات، ويحدد العلاقات بين أهل الإيمان، وأهل الكفر.
وسنرى بالتفصيل أثناء عرض المقاطع كيف أن القسم فصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها ولنبدأ عرض المقطع الأول في القسم.
المقطع الأول
يبدأ المقطع الأول بالنهي عن طاعة الكافرين، ويعد المسلمين بالنصر على الكافرين.
فهو إذن يحدد العلاقات بين المؤمنين والكافرين، وتبين مقدمة المقطع أن طاعة الكافرين توصل إلى الردة عن الإسلام. فالصلة بين مقدمة المقطع وبين المجموعة السابقة عليه واضحة، إذ المجموعة السابقة تقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فالآيات تنبهنا على كل ما يؤدي إلى الردة، وفيها وعد بالنصر، ثم تبين تتمة المقطع شروط النصر من خلال ما حدث يوم أحد، فيوم أحد صدق الله وعده، فنصر المسلمين ولكن ماذا فعل المسلمون؟ لقد ارتكبوا مجموعة أخطاء أدت بهم إلى الفشل، وإذن فالوعد بالنصر على الكافرين مشروط بشروط، ولذلك ختم المقطع بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
يبدأ المقطع بالآية (149) وينتهي بنهاية الآية (155). وهو يتألف من مقدمة وفقرة وهذا هو المقطع:-
«المقدمة»
[سورة آل عمران (3)، الآيات 149 الى 151]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
«الفقرة»
[سورة آل عمران (3)، آية 155]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
[سورة آل عمران (3)، الآيات 152 الى 155]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
*** كلمة في السياق:
في هذه الآيات حذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الخسران في الدنيا والآخرة، ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم، والذلة لهم بسبب كفرهم، وشركهم مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال. ثم ذكر
الله- عزّ وجل- بعض ما حدث يوم أحد، وبعض دروس معركته. والمناسبة بين هذه الدروس، وبين هذه المقدمة: أن يوم أحد حدث فيه نوع هزيمة للمسلمين. فما أسباب هذه الهزيمة مع قيام وعد الله بنصرة أوليائه؟ يذكر الله- عزّ وجل- أسباب ذلك: الجبن، وعصيان الأوامر، والخلل في نية طلب الآخرة. ومع هذا كله فإن الله ما تخلى عنهم، بل تولاهم، بأن أحاط هذه الهزيمة بكل لطف، وتوج هذا كله بالعفو عما حدث، وعرض خلال هذا حالات، ومواقف للمنافقين، والمؤمنين، وبين أسباب الزلل. وسنرى هذا كله أثناء استعراض المعنى الحرفي للآيات، والصلة فيما بينها، ومحلها من السياق القرآني العام.
المعني الحرفي لمقدمة المقطع ومقدمة القسم:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا دخل في ذلك كل الكافرين والمنافقين، فبعد أن خصص في آية سابقة طاعة أهل الكتاب، فنهى عنها وحذر منها، يحذر هاهنا المؤمنين من طاعة كل أصناف الكافرين، والنفاق شر أنواع الكفر، ويبين النتيجة يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. أي: يرجعونكم إلى الكفر، إلى الجاهلية، إلى الفسوق، إلى النفاق، إلى الشرك. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أي: فتخسروا الدنيا والآخرة.
فعلى المؤمنين إذن أن يجانبوا الكافرين، والمنافقين، ولا يطيعوهم في شئ حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وإذا كان سبب طاعة الكافرين، رغبة في النصرة، أو رغبة في الرعاية، أو رغبة في كسب القلوب، بين الله- عزّ وجل- في الآية: أن نصرته وولايته خير من نصرة وولاية غيره فقال: