وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ 25 وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ 26 وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 27 ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 28 بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 29 فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 30 ۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 31 مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ 32

تفسير سورة الروم - الآية 28

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلࣰا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءࣱ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمࣲ يَعۡقِلُونَ 28

[سورة الروم (30): الآيات 28 الى 29]
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي تشهدونه وتفهمونه من أقرب شئ منكم وهي أنفسكم هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكا له في ماله، فهو وهو فيه سواء أي متساوون تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم، كخيفتكم أنفسكم.
أي كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك.
كذلك الله لا شريك له. والمعنى: إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟.
قال ابن كثير: هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له كما كانوا يقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك... ) فنبه الله بهذا المثل على براءته تعالى، ونزاهته عن الشريك كَذلِكَ أي مثل هذا التفصيل نُفَصِّلُ
الْآياتِ
أي نبيّنها لأنّ التمثيل يكشف المعاني ويوضّحها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يتدبرون الأمثال.
ثم قال تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بما أشركوا أَهْواءَهُمْ أي في عبادتهم الأنداد بِغَيْرِ عِلْمٍ أي جاهلين فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي من أضله الله، أي فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ من العذاب.
أي ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، لأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
نقل:
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:
(ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقا من خلقه: جنا أو ملائكة أو أصناما أو أشجارا. وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شئ مما تحت أيديهم من مال. ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شئ من الاعتبار. فيبدو أمرهم عجبا. يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده. ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم. ومالهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله. وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير.
وهو يفصّل لهم هذا المثل خطوة خطوة ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ليس بعيدا عنكم، ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ؟. وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شئ من الرزق فضلا عن أن يساووهم فيه تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ. أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار، وتخشون أن يجوروا عليكم، وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم، لأنهم أكفاء لكم وأنداد؟ هل يقع شئ من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص؟ وإذا لم يكن شئ من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
كلمة في السياق:
رأينا أن السياق قد سار حتى استقر على إقامة الحجة على الشرك بعد أن عرّف على الله، وأقام الأدلة على أن اليوم الآخر حق، وإذا استقر هذا كله يأتي الآن التوجيه بوجوب إقامة الوجه لدين الله وحده.
بداية سورة الروم فهرس السور