أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 29 ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 30 أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ 31 وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ 32 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ 33 إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ 34

تفسير سورة لقمان - الآية 34

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسࣱ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدࣰاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضࣲ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ 34

[سورة لقمان (31): آية 34]
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي وقت قيامها وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي الفوائد كلام عن هذه الآية وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ علما كاملا أذكر أم أنثى، تامّ أم ناقص، وغير ذلك وَما تَدْرِي نَفْسٌ برة أو فاجرة ماذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شرا، وعازمة على شر فعملت خيرا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي أين تموت فربّما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بالغيوب خَبِيرٌ بما كان ويكون.
وهكذا انتهى المقطع الثالث، وانتهت بنهايته السورة وقد رأينا أنّ السورة تألفت من ثلاثة مقاطع، كل مقطع أدّى دوره في خدمة سياق السورة ضمن محورها.
[نقل: عن صاحب الظلال بمناسبة خاتمة السورة]
قال صاحب الظلال:
(وهكذا تنتهى السورة، كما لو كانت رحلة هائلة بعيدة الآماد والآفاق والأغوار والأبعاد. ويئوب القلب من هذه الرحلة المديدة البعيدة، الشاملة الشاسعة، وئيد الخطى لكثرة ما طوّف، ولجسامة ما يحمل، ولطول ما تدبّر وما تفكّر، في تلك العوالم والمشاهد والحيوات!
وهي بعد سورة لا تتجاوز الأربع والثلاثين آية. فتبارك الله خالق القلوب، ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.. ).
فوائد:
1 - [كل شئ في الأرض والسماوات مسخر للإنسان بدليل آية أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ.. (20)]
قال الله عزّ وجلّ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وهذا يفيد أنّ كل شئ في السموات والأرض مسخّر للإنسان، فالسّماوات مسخّرة للإنسان إذ يمتّع بها ناظريه، ويتعرف بها على الله عزّ وجل، ويروي من خلال التعرّف عليها ظمأه إلى المعرفة، ثمّ إنّ نظام الكون مرتبط بعضه ببعض بقوانين الجاذبية، وذلك من مظاهر تسخير السموات، وبدون الشمس والقمر تتعذّر الحياة، وذلك من مظاهر التسخير، ومن النجوم تصل إلى الأرض إشعاعات، وبالنجوم يهتدي الإنسان، وكل ذلك نوع تسخير، وفي عصرنا وصل الإنسان إلى القمر، وما ندري ماذا سيكون في المستقبل، فهل سيصل الإنسان إلى كواكب أخرى؟ وما ندري كم سيكون في ذلك من فوائد، وفي ذلك كله نوع تسخير، أما تسخير كل ما في الأرض للإنسان من بحار وتراب، وظاهر وباطن، فهو واضح بأدنى تأمّل.
2 - [إحدى معجزات القرآن في طريقة التصوير]
ذكرنا في كتابنا (الرسول) في باب المعجزة القرآنية: أن من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنّك تجد فيه صورا لا يمكن أن تكون وليدة البيئة العربية، أو وليدة الفكر الإنساني، وضربنا على ذلك أمثلة منها قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فليراجع البحث هناك.
3 - [حول ما أثير من تساؤلات عند الآية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ.. وتعليق المؤلف]
يثير بعض الناس أسئلة كثيرة حول آية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وسبب الأسئلة أنّ الأحاديث النّبوية تذكر أنّ هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله، فهم يرون أنّ نزول الغيث قد يعرفه الإنسان قبيل نزوله، وأن هناك إمكانيات لمعرفة ما في الأرحام في بعض شهور الحمل، وبسبب من مثل ذلك يتساءلون.
أقول: إنّ توقّع نزول المطر من خلال الأعراض الجوّية لا يعتبر علما بالغيب، وقد كان العربي منذ القديم يستطيع من خلال حاسّة الشم، أو من خلال الفراسة في الغيوم أن يعرف قضية نزول المطر، وهذا كله من باب العلم بالأسباب، ولا يدخل في الآية. قال النسفي: (وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا، على أنّه مجرد الظن والظنّ غير العلم)،
وعلى هذا فكون الإنسان قد عرف شيئا ممّا له علاقة بعالم الأسباب
في شأن المطر فإنه لا يكون عارفا بكل ما له علاقة بالمطر ونزوله في كل وقت وكل حال، أمّا الله عزّ وجلّ فمن الأزل يعلم كم وفي ومتى في كل عام، فالجانب الذي لا يتوصّل إليه الإنسان من خلال عالم الأسباب من هذه الظاهرة هو الجانب الغيبي، مع ملاحظة أنّ ما يصل إليه الإنسان هو أشبه بالظن، وأما إنزال المطر بواسطة إطلاق نوع من القنابل إلى الجو فهذا لا ينفي أن الله هو منزل المطر؛ لأن الأسباب كلها إنما هي بقدرة الله وإرادته وعلمه. وأما إمكانية أن يعرف الإنسان شيئا عن الجنين فهذا ليس غريبا، ولكن هذه المعرفة محدودة ضمن عالم الأسباب الذي لا يعتبر من عالم الغيب، فهذا الملك يعرف عن الجنين قبل ولادته، فمثل هذا لا ينقض العلم المطلق لله في هذا الشأن، فالله عزّ وجلّ يعلم عن الجنين قبل خلقه، ويعلم ذرات البويضات، وتشكلها، وماذا سيكون منها، ثم ما بعد ذلك وما قبله مما لا يعرف الإنسان منه شيئا، فمعرفة البشر الجزئية لا تنفي أن الله وحده هو الذي يعلم، كما أن معرفة الملك بالجنين وهو في بطن أمه لا تنفي أن الله وحده هو الذي يعلم كل شئ عن الجنين. قال ابن كثير:
(وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمه الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيا أو سعيدا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه).
4 - [كلام ابن كثير حول ما سمي بمفاتيح الغيب الخمسة]
قال ابن كثير في آية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ... قد وردت السنّة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. روى الإمام أحمد... عن أبي بريدة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «خمس لا يعلمهنّ إلا الله عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجوه. وروى الإمام أحمد... عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. انفرد بإخراجه البخاري فرواه في كتاب الاستسقاء في صحيحه، ورواه في التفسير من وجه آخر... عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي
صلّى الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمس». ثم قرأ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ انفرد به أيضا. ورواه الإمام أحمد... عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أوتيت مفاتيح كل شئ إلا الخمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». وروى الإمام أحمد...
عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله بن مسعود: أوتي نبيكم صلّى الله عليه وسلم مفاتيح كل شئ غير خمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. وروى البخاري عند تفسير هذه الآية... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال يا رسول الله:
ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر» قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» قال يا رسول الله: متى الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربّتها فذاك من أشراطها.وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهنّ إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ الآية»، ثم انصرف الرجل فقال: «ردّوه عليّ» فأخذوا ليردّوه فلم يروا شيئا فقال: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم». ورواه البخاري أيضا في كتاب الإيمان ومسلم من طرق) ثمّ ذكر ابن كثير روايات أخرى تؤكد الموضوع نفسه.
5 - [حديث بمناسبة آية وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ قال ابن كثير: (وقد جاء في الحديث: «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» ثمّ ذكر روايات كثيرة لهذا الحديث.
6 - [من تحقيقات الألوسي بمناسبة قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ.. ]
من تحقيقات الألوسي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ...
هذه الفقرة:
وفي شرح المناوي الكبير للجامع الصغير في الكلام على حديث بريدة السابق،
خمس لا يعلمهن إلا الله على وجه الإحاطة والشمول، كلّيا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالى بعض خواصّه على بعض المغيبات، حتى من هذه الخمس، لأنها جزئيات معدودة، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة. انتهى. ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك، وبين ما يدل على خلافه كبعض
إخباراته عليه الصلاة والسلام بالمغيبات التي هي من هذا القبيل، يعلم ذلك من راجع نحو الشفاء، والمواهب اللّدنية، مما ذكر فيه معجزاته صلّى الله عليه وسلم، وإخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات، وذكر القسطلاني أنه عزّ وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به، ومن شاء سبحانه من خلقه عزّ وجل، وكذا إذا أراد تبارك وتعالى خلق شخص في رحم، يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
«إن الله تعالى وكّل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه، فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه عزّ وجل» وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل، فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم، بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني، قال: على القاري في شرح الشفا: الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيا، وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا، ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث، وذكورة الحمل، أو أنوثته، أو نحو ذلك، ولا أرى كفر من يدّعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي، وقد نقل العسقلاني في فتح الباري عن القرطبي أنه قال: من ادّعى علم شئ من الخمس غير مسنده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه، وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم، وعليه فقول القسطلاني: من ادعى علم شئ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه).
أقول: كلّ ما أطلع الله عليه عباده بشكل مباشر، أو عن طريق قوانين هذا الكون وأسبابه- إذا كان قطعيا- فإنّه لا يكون ممّا استأثر بعلمه، وإذا كان ظنيا فإن ذلك
لا يعتبر علما، وكلّ ما أطلع الله عليه عباده لا يخرج عن كونه أجزاء بالنسبة للعلم الشامل، فالمتهوّكون في الآية مخطئون.
كلمة أخيرة في سورة لقمان:
رأينا أنّ سورة لقمان تألّفت من ثلاثة مقاطع واضحة المعالم قد تكاملت فيها المعاني، وممّا جاء في السورة:
أن هذا القرآن حكيم؛ لأنه من عند الله الحكيم الذي من سنّته أن ينزل الحكمة على من يشاء من عباده، وأنّ هذا القرآن فيه الهدى والرحمة، وأن النّاس قسمان:
مهتد وهم المحسنون، وضال وهم الجاحدون.
وأن المحسنين هم الذين قابلوا نعم الله بما تستحقه فشكروها.
وأن الآخرين هم الذين قابلوا نعم الله بالجحود فكفروها.
وبعد أن استقرت هذه المعاني أمرت السورة النّاس جميعا أن يتقوا الله، ولا تقوى إلا بإيمان، وصلاة، وزكاة، واتّباع كتاب كما ذكرت ذلك مقدمة سورة البقرة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (البقرة: 1 - 3).
...
وجاءت قصة لقمان في وسط السّورة لتبيّن الجوانب العملية للشكر على إيتاء الحكمة، فكان ما قبلها مقدمة لها، وكان ما بعدها حثّا على تطبيق ما ورد فيها من معان لا يستقيم شكر الإنسان إلا بها.
...
وقد فصّلت السورة في الآيات الأولى من سورة البقرة:
فنال قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ حظا من التفصيل يظهر في تبيان أن المتقين هم المحسنون، وفي تبيان كون القرآن حكيما، وهذا ينفي أن يكون فيه ريب، وفي كون المستمسكين به مستمسكين بالعروة الوثقى.
ونال قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ حظا من التفصيل وخاصة عند ما
ذكرت السورة مفاتح الغيب وأنها عند الله.
ونال قوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ حظا من التفصيل إذ فهم أنّ الزكاة هي المقصودة بالإنفاق، وأن الصلاة قد أوصى بها كل حكيم.
ونال قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ حظا من التدليل والتفصيل في مثل قوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ... وفي مثل قوله تعالى:
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
وهكذا نجد أنّ للسورة سياقها الخاص بها، كما أنّها مرتبطة بالسياق القرآني العام، وهكذا نجد التكامل في هذا القرآن، ونجد الوحدة.
...
وفي السور الأربع المبدوءة ب (الم) من هذه المجموعة نجد التكامل واضحا، بحيث إنّ كل سورة فصّلت ضمن سياقها الخاص بها ما أكملت به عمل أخواتها، ويكفي كتدليل
على هذا التكامل أن تتأمّل ما سأذكره لك الآن.
أول البقرة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
وأول سورة لقمان:
الم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ.
وأول سورة السجدة:
الم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
لاحظ أنّ كلمة هُدىً الواردة في آية البقرة وردت في سورة لقمان ولم ترد في سورة السجدة، وأنّ كلمة لا رَيْبَ فِيهِ الواردة في آية البقرة وردت في أول السجدة ولم ترد في أول لقمان، وإذن فسورة السجدة تكمّل التفصيل للآية الأولى من البقرة: هذه تفصّل بشكل أخص في موضوع الاهتداء، وهذه تفصّل بشكل أخص في موضوع الريب، ومن مثل هذا ندرك صحة اتجاهنا في فهم الوحدة القرآنية، وفي فهم السياق الخاص لكل سورة، وفي فهم التكامل بين السور، والحمد لله رب العالمين.
بداية سورة لقمان فهرس السور