أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكࣲّ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ 8
[سورة ص (38): الآيات 8 الى 9]
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي:
من القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ هذا بداية الردّ على مواقفهم. أي: بل أنهم لا يصدّقون به إلّا أن يمسهم العذاب فيصدقوا حينئذ. قال ابن كثير: (أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا- إلى حين قولهم ذلك- عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا) ثم قال تعالى مبيّنا أنه المتصرّف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله، وأن العباد لا يملكون شيئا من الأمر، وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير، ولهذا قال تعالى منكرا عليهم
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي: العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد
لمن يريد. قال النسفي: يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا، ويصرفوها عمّن شاءوا، ويتخيّر للنبوة بعض صناديدهم، ويترفّعوا بها عن محمد صلّى الله عليه وسلم وإنّما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه. الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته، ثم رشح هذا المعنى فقال:
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما حتى يتكلّموا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ قال ابن كثير: أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني: طرق السماء
جُنْدٌ ما من الجنود المرتقين في الأسباب هُنالِكَ مَهْزُومٌ أي: مكسور هنالك أي في السماء مِنَ الْأَحْزابِ المكذّبين. ثم أخبر تعالى عن القرون الماضية، وما حلّ بهم من العذاب والنّكال والنّقمات في مخالفة الرّسل، وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل هذه الأمة قَوْمُ نُوحٍ كذّبوا نوحا وَعادٌ كذّبوا هودا وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ كذب موسى وسمّي ذا الأوتاد إمّا لأنّه كان يربط بالأوتاد سجناءه ومعذّبيه، وإمّا لتمكّن جذوره في الأرض
وَثَمُودُ كذبت صالحا وَقَوْمُ لُوطٍ كذبوا لوطا وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي: الغيضة كذبوا شعيبا أُولئِكَ الْأَحْزابُ قال النسفي: أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب. وقال ابن كثير: أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا، فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شئ لمّا جاء أمر ربك، ولهذا قال عزّ وجل
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ جعل علّة إهلاكهم تكذيبهم بالرّسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشدّ الحذر. قال النسفي: (ذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم... ) ومعنى فَحَقَّ عِقابِ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: المكذبون من هذه الأمة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي: النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر ما لَها مِنْ فَواقٍ أي: ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي الحالب. أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، أو ما لها من رجوع وترداد، أي: إنها نفخة واحدة فحسب، لا تثنّى ولا تردّد
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي:
عجّل لنا حظّنا ونصيبنا من الخير أو الشر في الدنيا. قال النسفي: أي: حظنا من الجنة
لأنه عليه السلام ذكر وعد الله للمؤمنين الجنة. فقالوا على سبيل الهزء: عجّل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ* وهو كلام لا يستأهل ردّا ولذلك لم يجب الله عليه، وإنما أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم بالصبر كما سنرى. وبهذا الذي ذكرناه انتهت المقدمة.
نقل: [عن صاحب الظلال حول آيتي ما سَمِعْنا بِهذا.. * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ.. (7، 8)]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن موقف الكافرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ* أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا قال صاحب الظلال:
(وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية. وأسطورة العزير قد شاعت كذلك في اليهودية فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ... ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله. الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلم فما يقول إذن إلا اختلاقا!
ولقد حرص الإسلام حرصا شديدا على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته.
حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله؛ ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها.
ويحسن ونحن نستعرض مقاومة قريش لهذه العقيدة ودهشتها وعجبها من جعل الآلهة إلها واحدا. ومقاومة المشركين قبل قريش على مدار القرون ومدار الرسالات لهذه الحقيقة كذلك. وإصرار كل رسول عليها، وقيام كل رسالة على أساسها. والجهد الضخم الذي بذل في إقرار هذه الحقيقة في نفوس البشر على مدار الزمان... يحسن أن نتوسّع قليلا في بيان قيمة هذه الحقيقة.
إنها حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود.
إن وحدة النواميس الكونية التي تتحكم في هذا الكون الذي نراه واضحة؛ وناطقة بأن الإرادة التي أنشأت هذه النواميس لا بد أن تكون واحدة.. وحيثما نظرنا إلى هذا الكون واجهتنا هذه الحقيقة. حقيقة وحدة النواميس. وحدة تشي بوحدة الإرادة.
كل ما في هذا الكون في حركة دائمة منتظمة.. الذرة الصغيرة وهي الوحدة الأولى لكل ما في الكون من شئ- حي أو غير حي- في حركة مستمرة. فهي مؤلفة من الكترونات تتحرك حول النواة المؤلفة من بروتونات. وكما تدور الكواكب حول الشمس في المجموعة الشمسية. وكما تدور المجرة المؤلفة من مجموعات شمسية ومن كتل سديمية حول نفسها.. واتجاه الدورة في الكواكب وفي الشمس وفي المجرة اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق. عكس دورة الساعة! (1).
والعناصر التي تتكون منها الأرض وبقية الكواكب السيارة واحدة. وعناصر النجوم هي كذلك من عناصر الأرض. والعناصر مؤلفة من ذرات. والذرات مؤلفة من الكترونات وبروتونات ونيوترونات.. كلها مؤلفة من هذه اللبنات الثلاث بلا استثناء..
«وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات. يرد العلماء (القوى) إلى أصل واحد: الضوء والحرارة، الأشعة السينية، الأشعة اللاسلكية، الأشعة الجيمية.وكل إشعاع في الدنيا.. كلها صور متعددة لقوة واحدة. تلك القوة المغناطيسية الكهربائية. إنها جميعا تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة».
«المادة ثلاث لبنات. والقوى موجات متأصلات».
«ويأتي أينشتين وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى؛ ويقول:إن المادة والقوى شئ سواء. وتخرج التجارب تصدّق دعواه. وخرجت تجربة أخيرة صدّقت دعواه بأعلى صوت تسمعه الدنيا. ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليودينوتية».
«المادة والقوى إذن شئ سواء» (1).
هذه هي الوحدة في تكوين الكون كما عرفها الإنسان أخيرا في تجاربه المحسوسة..
وهناك الوحدة الظاهرة في نظام الكون كما أشرنا إلى قانون الحركة الدائبة. ثم هي الحركة المنظمة المنسقة التي لا يشذ فيها شئ في هذا الكون. ولا يضطرب فيها شئ..
توازن هذه الحركة في جميع الكائنات بحيث لا يعطّل بعضها بعضا ولا يصدم بعضها بعضا. وأقرب مثل هذه الكواكب والنجوم والمجرات الضخمة التي تسبح في الفضاء:
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.. والتي تشهد بأن مجراها في هذا الفضاء، المنظم
لحركتها وأبعادها ومواقعها واحد لا يتعدد، عارف بطبيعتها وحركتها. مقدر لهذا كلها في تصميم هذا الكون العجيب.
ونكتفي بهذه اللمحة الخاطفة في تتبع حقيقة الوحدة التي ينطق بها نظام هذا الكون ويشهد بها كل ما فيه.
وهي حقيقة لا يستقيم أمر هذه البشرية إلا عليها. فوضوح هذه الحقيقة في الضمير البشري ذو أهمية بالغة في تصور البشر للكون من حولهم، ولموضعهم هم في هذا الكون، ولعلاقتهم بكل ما فيه من أشياء وأحياء. ثم في تصوّرهم لله الواحد ولحقيقة ارتباطهم به، وبما عداه ومن عداه في هذا الوجود.. وكل ذلك ذو أهمية بالغة في تكييف مشاعر البشر وتصورهم لكل شئون الحياة.
والمؤمن بالله الواحد، المدرك لمعنى هذه الوحدانية، يكيّف علاقته بربه على هذا الأساس، ويضع علاقته بمن عدا الله وبما عداه، في موضعها الذي لا تتعداه. فلا تتوزع طاقاته ومشاعره بين آلهة مختلفة الأمزجة! ولا بين متسلطين عليه غير الله ممن خلق الله!
والمؤمن بأن الله الواحد هو مصدر هذا الوجود الواحد يتعامل مع الوجود ومن فيه وما فيه على أساس من التعارف والتعاون والألفة والمودة، يجعل للحياة طعما وشكلا غير ما لها في نفس من لا يؤمن بهذه الوحدة، ولا يحسها بينه وبين كل ما حوله ومن حوله.
والمؤمن بوحدة الناموس الإلهي في الكون يتلقى تشريعات الله له وتوجيهاته تلقيا خاصا، لينسق بين القانون الذي يحكم حياة البشر والناموس الذي يحكم الكون كله؛ ويؤثر قانون الله. لأنه هو الذي ينسق بين حركة البشر وحركة الكون العام.
وعلى الجملة فإن إدراك هذه الحقيقة ضروري لصلاح الضمير البشري واستقامته واستنارته وتصالحه مع الكون من حوله. وتنسيق حركته مع الحركة الكونية العامة.
ووضوح الارتباطات بينه وبين خالقه. ثم بينه وبين الكون حوله. ثم بينه وبين كل ما في الكون من أحياء ومن أشياء! وما يتبع هذا من تأثرات أخلاقية وسلوكية واجتماعية وإنسانية عامة في كل مجال من مجالات الحياة.
ومن ثمّ كان هذا الحرص على إقرار عقيدة التوحيد. وكان هذا الجهد الموصول المكرور مع كل رسالة وكل رسول. وكان هذا الإصرار من الرسل- صلوات الله
عليهم- على كلمة التوحيد بلا هوادة.
وفي القرآن الكريم يتضح الحرص والجهد والإصرار في تكرار عرض قضية التوحيد ومقتضياتها في السور المكية على وجه التخصيص وفي السور المدنية كذلك في صور تناسب طبيعة الموضوعات التي تعالجها السور المدنية.
وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجّبون ذلك العجب من إصرار محمد صلّى الله عليه وسلم عليها ويحاورونه فيها ويداورونه، ويعجبون الناس منه ومنها، ويصرفونهم عنها بكل وسيلة.
وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره صلّى الله عليه وسلم ليكون رسولا: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا..
وما كان في هذا من غرابة. ولكنه كان الحسد. الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث، أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وهو يصلي من الليل في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق؛ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوه أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرقوا.. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك! قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته، فقال:
يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن
وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه! فقام عنه الأخنس وتركه..
فهو الحسد كما نرى. يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى ما لا مطمع فيه لطامع. وهو السر في قولة من كانوا يقولون: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟.
وهم الذين كانوا يقولون: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.. يقصدون بالقريتين مكة والطائف، وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون؛ الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين، كلما سمعوا أن نبيا جديدا قد أطل زمانه. والذين صدموا صدمة الحسد والكبر حينما اختار الله- على علم- نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم وفتح له من أبواب رحمته وأفاض عليه من خزائنها ما علم أنه يستحقه دون العالمين).
كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور، وصلة لسورة الصافات بسورة ص]
1 - رأينا أن محور سورة (ص) هو قوله تعالى من سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
وقد رأينا في مقدمة سورة (ص) كيف أن الإنذار لا ينفع في هؤلاء الكافرين؛ بدليل أن الله عزّ وجل بعد أن عرض علينا مواقفهم ختمها بقولهم: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ فنهاية المطاف أنهم استعجلوا العذاب، ومن قبل ذلك قصّ الله علينا عنهم وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ.
ومن استعراضنا لمجموع صفاتهم في المقدمة نعرف الحالة التي إذا وجدت لم يعد الإنذار ينفع:
(1) العزة. (2) المشاقّة لله والرسول. (3) تكذيب الرسل واتّهامهم.
(4) استبعاد التوحيد. (5) التآمر من أجل الاستمرار على الكفر. (6) الاحتجاج بما عليه الكافرون الآخرون. (7) الحسد. (8) استعجال المتاع الدنيوي أو استعجال
العذاب الذي يدل على عدم خوف الله عزّ وجل.
2 - من مظاهر التكامل بين ما عرضته سورة الصافات وسورة (ص).
أن سورة الصافات عرضت في سياقها الرئيسي موضوع التوحيد، وتحدثت عن الرسل، وهاهنا نرى استبعاد الكافرين لموضوع التوحيد، وتكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام.
فوائد:
1 - [سبب نزول الآيات أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً... ]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن تعجب الكافرين من دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ... قال ابن كثير: (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات) قال: (قال السّدّي: إن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شئ فتعيّرنا به العرب، يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه، فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا:
يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، وقال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:
يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، قال صلّى الله عليه وآله وسلم: «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «أدعوهم أن يتكلّموا بكلمة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل- لعنه الله- من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلم: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا، وقالوا: سلنا غيرها، قال صلّى الله عليه وسلم: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذي أمرك بهذا وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله صلّى الله
تعالى عليه وآله وسلم عمه إلى قول لا إله إلا الله فأبى، وقال بل على دين الأشياخ ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. وروى أبو جعفر ابن جرير... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فجاء إليه النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل- لعنه الله- إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما لقومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العجم الجزية» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا، فقالوا وما هي، وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ قال نزلت من هذا الموضع إلى قوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ رواه الإمام أحمد والنسائي، ورواه الترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا. وقال الترمذي حسن).2 - [من معجزات القرآن الكونية بمناسبة قوله تعالى
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي:
من القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ هذا بداية الردّ على مواقفهم. أي: بل أنهم لا يصدّقون به إلّا أن يمسهم العذاب فيصدقوا حينئذ. قال ابن كثير: (أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا- إلى حين قولهم ذلك- عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا) ثم قال تعالى مبيّنا أنه المتصرّف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله، وأن العباد لا يملكون شيئا من الأمر، وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير، ولهذا قال تعالى منكرا عليهم
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي: العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد
لمن يريد. قال النسفي: يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا، ويصرفوها عمّن شاءوا، ويتخيّر للنبوة بعض صناديدهم، ويترفّعوا بها عن محمد صلّى الله عليه وسلم وإنّما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه. الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته، ثم رشح هذا المعنى فقال:
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما حتى يتكلّموا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ قال ابن كثير: أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني: طرق السماء
جُنْدٌ ما من الجنود المرتقين في الأسباب هُنالِكَ مَهْزُومٌ أي: مكسور هنالك أي في السماء مِنَ الْأَحْزابِ المكذّبين. ثم أخبر تعالى عن القرون الماضية، وما حلّ بهم من العذاب والنّكال والنّقمات في مخالفة الرّسل، وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل هذه الأمة قَوْمُ نُوحٍ كذّبوا نوحا وَعادٌ كذّبوا هودا وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ كذب موسى وسمّي ذا الأوتاد إمّا لأنّه كان يربط بالأوتاد سجناءه ومعذّبيه، وإمّا لتمكّن جذوره في الأرض
وَثَمُودُ كذبت صالحا وَقَوْمُ لُوطٍ كذبوا لوطا وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي: الغيضة كذبوا شعيبا أُولئِكَ الْأَحْزابُ قال النسفي: أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب. وقال ابن كثير: أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا، فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شئ لمّا جاء أمر ربك، ولهذا قال عزّ وجل
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ جعل علّة إهلاكهم تكذيبهم بالرّسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشدّ الحذر. قال النسفي: (ذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم... ) ومعنى فَحَقَّ عِقابِ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: المكذبون من هذه الأمة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي: النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر ما لَها مِنْ فَواقٍ أي: ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي الحالب. أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، أو ما لها من رجوع وترداد، أي: إنها نفخة واحدة فحسب، لا تثنّى ولا تردّد
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي:
عجّل لنا حظّنا ونصيبنا من الخير أو الشر في الدنيا. قال النسفي: أي: حظنا من الجنة
لأنه عليه السلام ذكر وعد الله للمؤمنين الجنة. فقالوا على سبيل الهزء: عجّل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذي وعدته كقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ* وهو كلام لا يستأهل ردّا ولذلك لم يجب الله عليه، وإنما أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم بالصبر كما سنرى. وبهذا الذي ذكرناه انتهت المقدمة.
نقل: [عن صاحب الظلال حول آيتي ما سَمِعْنا بِهذا.. * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ.. (7، 8)]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن موقف الكافرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ* أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا قال صاحب الظلال:
(وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية. وأسطورة العزير قد شاعت كذلك في اليهودية فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ... ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق لله. الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلم فما يقول إذن إلا اختلاقا!
ولقد حرص الإسلام حرصا شديدا على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته.
حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله؛ ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها.
ويحسن ونحن نستعرض مقاومة قريش لهذه العقيدة ودهشتها وعجبها من جعل الآلهة إلها واحدا. ومقاومة المشركين قبل قريش على مدار القرون ومدار الرسالات لهذه الحقيقة كذلك. وإصرار كل رسول عليها، وقيام كل رسالة على أساسها. والجهد الضخم الذي بذل في إقرار هذه الحقيقة في نفوس البشر على مدار الزمان... يحسن أن نتوسّع قليلا في بيان قيمة هذه الحقيقة.
إنها حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود.
إن وحدة النواميس الكونية التي تتحكم في هذا الكون الذي نراه واضحة؛ وناطقة بأن الإرادة التي أنشأت هذه النواميس لا بد أن تكون واحدة.. وحيثما نظرنا إلى هذا الكون واجهتنا هذه الحقيقة. حقيقة وحدة النواميس. وحدة تشي بوحدة الإرادة.
كل ما في هذا الكون في حركة دائمة منتظمة.. الذرة الصغيرة وهي الوحدة الأولى لكل ما في الكون من شئ- حي أو غير حي- في حركة مستمرة. فهي مؤلفة من الكترونات تتحرك حول النواة المؤلفة من بروتونات. وكما تدور الكواكب حول الشمس في المجموعة الشمسية. وكما تدور المجرة المؤلفة من مجموعات شمسية ومن كتل سديمية حول نفسها.. واتجاه الدورة في الكواكب وفي الشمس وفي المجرة اتجاه واحد من الغرب إلى الشرق. عكس دورة الساعة! (1).
والعناصر التي تتكون منها الأرض وبقية الكواكب السيارة واحدة. وعناصر النجوم هي كذلك من عناصر الأرض. والعناصر مؤلفة من ذرات. والذرات مؤلفة من الكترونات وبروتونات ونيوترونات.. كلها مؤلفة من هذه اللبنات الثلاث بلا استثناء..
«وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات. يرد العلماء (القوى) إلى أصل واحد: الضوء والحرارة، الأشعة السينية، الأشعة اللاسلكية، الأشعة الجيمية.وكل إشعاع في الدنيا.. كلها صور متعددة لقوة واحدة. تلك القوة المغناطيسية الكهربائية. إنها جميعا تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة».
«المادة ثلاث لبنات. والقوى موجات متأصلات».
«ويأتي أينشتين وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى؛ ويقول:إن المادة والقوى شئ سواء. وتخرج التجارب تصدّق دعواه. وخرجت تجربة أخيرة صدّقت دعواه بأعلى صوت تسمعه الدنيا. ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليودينوتية».
«المادة والقوى إذن شئ سواء» (1).
هذه هي الوحدة في تكوين الكون كما عرفها الإنسان أخيرا في تجاربه المحسوسة..
وهناك الوحدة الظاهرة في نظام الكون كما أشرنا إلى قانون الحركة الدائبة. ثم هي الحركة المنظمة المنسقة التي لا يشذ فيها شئ في هذا الكون. ولا يضطرب فيها شئ..
توازن هذه الحركة في جميع الكائنات بحيث لا يعطّل بعضها بعضا ولا يصدم بعضها بعضا. وأقرب مثل هذه الكواكب والنجوم والمجرات الضخمة التي تسبح في الفضاء:
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.. والتي تشهد بأن مجراها في هذا الفضاء، المنظم
لحركتها وأبعادها ومواقعها واحد لا يتعدد، عارف بطبيعتها وحركتها. مقدر لهذا كلها في تصميم هذا الكون العجيب.
ونكتفي بهذه اللمحة الخاطفة في تتبع حقيقة الوحدة التي ينطق بها نظام هذا الكون ويشهد بها كل ما فيه.
وهي حقيقة لا يستقيم أمر هذه البشرية إلا عليها. فوضوح هذه الحقيقة في الضمير البشري ذو أهمية بالغة في تصور البشر للكون من حولهم، ولموضعهم هم في هذا الكون، ولعلاقتهم بكل ما فيه من أشياء وأحياء. ثم في تصوّرهم لله الواحد ولحقيقة ارتباطهم به، وبما عداه ومن عداه في هذا الوجود.. وكل ذلك ذو أهمية بالغة في تكييف مشاعر البشر وتصورهم لكل شئون الحياة.
والمؤمن بالله الواحد، المدرك لمعنى هذه الوحدانية، يكيّف علاقته بربه على هذا الأساس، ويضع علاقته بمن عدا الله وبما عداه، في موضعها الذي لا تتعداه. فلا تتوزع طاقاته ومشاعره بين آلهة مختلفة الأمزجة! ولا بين متسلطين عليه غير الله ممن خلق الله!
والمؤمن بأن الله الواحد هو مصدر هذا الوجود الواحد يتعامل مع الوجود ومن فيه وما فيه على أساس من التعارف والتعاون والألفة والمودة، يجعل للحياة طعما وشكلا غير ما لها في نفس من لا يؤمن بهذه الوحدة، ولا يحسها بينه وبين كل ما حوله ومن حوله.
والمؤمن بوحدة الناموس الإلهي في الكون يتلقى تشريعات الله له وتوجيهاته تلقيا خاصا، لينسق بين القانون الذي يحكم حياة البشر والناموس الذي يحكم الكون كله؛ ويؤثر قانون الله. لأنه هو الذي ينسق بين حركة البشر وحركة الكون العام.
وعلى الجملة فإن إدراك هذه الحقيقة ضروري لصلاح الضمير البشري واستقامته واستنارته وتصالحه مع الكون من حوله. وتنسيق حركته مع الحركة الكونية العامة.
ووضوح الارتباطات بينه وبين خالقه. ثم بينه وبين الكون حوله. ثم بينه وبين كل ما في الكون من أحياء ومن أشياء! وما يتبع هذا من تأثرات أخلاقية وسلوكية واجتماعية وإنسانية عامة في كل مجال من مجالات الحياة.
ومن ثمّ كان هذا الحرص على إقرار عقيدة التوحيد. وكان هذا الجهد الموصول المكرور مع كل رسالة وكل رسول. وكان هذا الإصرار من الرسل- صلوات الله
عليهم- على كلمة التوحيد بلا هوادة.
وفي القرآن الكريم يتضح الحرص والجهد والإصرار في تكرار عرض قضية التوحيد ومقتضياتها في السور المكية على وجه التخصيص وفي السور المدنية كذلك في صور تناسب طبيعة الموضوعات التي تعالجها السور المدنية.
وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجّبون ذلك العجب من إصرار محمد صلّى الله عليه وسلم عليها ويحاورونه فيها ويداورونه، ويعجبون الناس منه ومنها، ويصرفونهم عنها بكل وسيلة.
وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره صلّى الله عليه وسلم ليكون رسولا: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا..
وما كان في هذا من غرابة. ولكنه كان الحسد. الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث، أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- وهو يصلي من الليل في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق؛ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوه أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرقوا.. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك! قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه في بيته، فقال:
يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن
وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه! فقام عنه الأخنس وتركه..
فهو الحسد كما نرى. يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى ما لا مطمع فيه لطامع. وهو السر في قولة من كانوا يقولون: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟.
وهم الذين كانوا يقولون: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.. يقصدون بالقريتين مكة والطائف، وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون؛ الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين، كلما سمعوا أن نبيا جديدا قد أطل زمانه. والذين صدموا صدمة الحسد والكبر حينما اختار الله- على علم- نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم وفتح له من أبواب رحمته وأفاض عليه من خزائنها ما علم أنه يستحقه دون العالمين).
كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور، وصلة لسورة الصافات بسورة ص]
1 - رأينا أن محور سورة (ص) هو قوله تعالى من سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
وقد رأينا في مقدمة سورة (ص) كيف أن الإنذار لا ينفع في هؤلاء الكافرين؛ بدليل أن الله عزّ وجل بعد أن عرض علينا مواقفهم ختمها بقولهم: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ فنهاية المطاف أنهم استعجلوا العذاب، ومن قبل ذلك قصّ الله علينا عنهم وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ.
ومن استعراضنا لمجموع صفاتهم في المقدمة نعرف الحالة التي إذا وجدت لم يعد الإنذار ينفع:
(1) العزة. (2) المشاقّة لله والرسول. (3) تكذيب الرسل واتّهامهم.
(4) استبعاد التوحيد. (5) التآمر من أجل الاستمرار على الكفر. (6) الاحتجاج بما عليه الكافرون الآخرون. (7) الحسد. (8) استعجال المتاع الدنيوي أو استعجال
العذاب الذي يدل على عدم خوف الله عزّ وجل.
2 - من مظاهر التكامل بين ما عرضته سورة الصافات وسورة (ص).
أن سورة الصافات عرضت في سياقها الرئيسي موضوع التوحيد، وتحدثت عن الرسل، وهاهنا نرى استبعاد الكافرين لموضوع التوحيد، وتكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام.
فوائد:
1 - [سبب نزول الآيات أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً... ]
بمناسبة قوله تعالى حكاية عن تعجب الكافرين من دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ... قال ابن كثير: (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات) قال: (قال السّدّي: إن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شئ فتعيّرنا به العرب، يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه، فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا:
يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه، وقال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:
يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، قال صلّى الله عليه وآله وسلم: «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «أدعوهم أن يتكلّموا بكلمة يدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل- لعنه الله- من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلم: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا، وقالوا: سلنا غيرها، قال صلّى الله عليه وسلم: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذي أمرك بهذا وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله صلّى الله
تعالى عليه وآله وسلم عمه إلى قول لا إله إلا الله فأبى، وقال بل على دين الأشياخ ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. وروى أبو جعفر ابن جرير... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فجاء إليه النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل- لعنه الله- إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما لقومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم بها العجم الجزية» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا، فقالوا وما هي، وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ قال نزلت من هذا الموضع إلى قوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ رواه الإمام أحمد والنسائي، ورواه الترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا. وقال الترمذي حسن).2 - [من معجزات القرآن الكونية بمناسبة قوله تعالى